(١٢)
إن الله بالغ أمره
قد جعل لكل شيء سببا
كان الإنسان له فيه سببه وأمره
حديث الجمعة
٢٠ جمادى الآخرة ١٣٨٨ هـ - ١٣ سبتمبر ١٩٦٨ م
أسأل الله، أن أشهد أنه لا إله إلا الله، وأن أشهد أن محمدا رسول الله… كما أسأل الله، أن تشهدوا أنه لا إله إلا الله، وأن تشهدوا أن محمدا رسول الله.
كما أسأل الله، إن شهدت أنه لا إله إلا الله، أن تشهدوا معي أنه لا إله إلا الله، وإن شهدتم أنه لا إله إلا الله أن أشهد معكم أنه لا إله إلا الله.
وإن شهدت أنه محمد رسول الله أن تشهدوا معي أنه محمد رسول الله، وإن شهدتم أنه محمد رسول الله، أن أشهد معكم أنه محمد رسول الله… وإن شهدت أنه محمدا رسول الله لقيامي، أن تشهدوا أن محمدا رسول الله لقيامكم، وإن شهدتم أن محمدا رسول الله لقيامكم، أن أشهد معكم أن محمدا رسول الله لقيامي.
بهذا أشهر محمد، أنه لا إله إلا الله، وأنه رسول الله بمعناه، وآدم وجود بمبناه، وأول عابدين لمعراج مولاه.
بذلك كان رسول الله، حق العبد لله، وكان العبد لله به، لا فرق بينه وبين أعلاه، لموصوف ربه لقائمه في أدناه. وكان بأعلاه وأدناه في قيام بمعناه لمبناه، عبد الله ورسول الله، عبد ذاته… عبد معناه، ورب قائمه، لربوبية مبناه، يملك مبناه، بمعناه، ويملك بمعناه ومبناه، للأعلى لموصوف مولاه، في مولى لا يفرق بين أعلاه وأدناه الكل له في قائمه ومعناه.
بذلك قامت بيننا لا إله إلا الله، قيام وجود، وقامت نفوسنا فيها، في قائم سجود، لحقها بها، لقيوم الموجود، فعرفتها لها، محمدا في قيامه، ومحمدا في سلمه وسلامه، ومحمدا في حكمته وكلامه… ومحمدا في خلقيته وحقيته وأحدية قيامه، بين أحدية أعلامه، لواحدية حضرته في أمانه وسلامه، في لا إله إلا الله، في حصن لا إله إلا الله، في قائم لا إله إلا الله، في من لا شريك له، ولا غير له فيه، مظهر الحق بمعانيه، وقائم الخلق بمبانيه، كوثرا بوجوده وتجليه، كوثرا بذاته وظلاله لذواته… أمة في معناه، وفي مبناه، وفردا في وجوده، وفي حقي موجوده، بقائمه بلا إله إلا الله.
من رآني فقد رآني حقا، وما رآني، من رآني، في موقوت قيامي، لقائم زماني، خلقا ببنياني، فقد مت من العدم، وبعثت بالبقاء، وقمت بأمانة الحياة، حرصت عليها، فكانتني، فكنتها… وقدمتني، وأشهرتني، فقدمتها وأشهرتها. أقول لكم في أنفسكم، ولا أقول لكم في نفسي، ولكني أقوم بها في أنفسكم، يوم تقومون بأنفسكم فيها، وتروني نفسا كلية لكم، وأراكم بكلكم، أنا فردكم، نفسا كلية لي، أشهد وجه الله لمعيتكم، وتشهدون وجه الله بمعيتي، من أنفسكم، وأنتم من نفسي، فأنا فرد بيت أزلي، وقائم بيت أبدي بمبتداه، أولية لمعانيه، وأولية لمبانيه، بيتا لي، أنا قائم الحق فيه… وأنا وجه الله لظلاله بمعانيه، وأنا صفوة بيت تواجدي، بقديم وجوده لمعاني قديم وجودي، في حقي وجوده لقديم حقي، في أزلي خلقه لأزلية خلقي.
فأنا إنسانية بين إنسانيتين، وأمة بين أمتين، وبشرية بين بشريتين.
قام كل ما فوقي، لموصوف ربي ومعلمي، وقام كل ما تحتي، لموصوف عبده لما فوقي، وكنت له معلمه وربه… أمرت أن أرفعه إلى نفسي، وأنا أقدمه لمن إليه أُضفت وإليه نسبت، رفيقا أعلى، فكان من رافقني، رفيقا لرفيقي، وحقا لمحققي، وخلقا لخالقي، واسما لمن تسماني، ووليا تولاه من تولاني، يوم توليته. أناب إلى من إليه أنبت، يوم أناب إليه، فكنت أولى به من نفسه.
بذلك كان محمد بين يدي رحمة المطلق بقيامه بين رحمتي الأعلى… بين يدي الأعلى، والأعلى فالأعلى، والأدنى فالأدنى، ما عرف الله أعلى، ولا قدره أدنى، ولكنه قدره الأعلى والأدنى، هو فيه، بين يدي معانيه… بين يدي ذاته، فكان له جبريل من أعلى لعاليه، وجبريل منه، صدر عنه، لمعنى الحق به، في دانيه، للأدنى فالأدنى لمبانيه ومعانيه. كان بين جبريلين، في قبضة يد المطلق، والذي نفس محمد بيده. الأرض جميعا قبضته يوم القيامة، وما كانت الأرض جميعا غيره… وما كانت مقبوضة إلا في يد عاليه لقائمه بمبانيه، زويت لي الأرض… كافة للناس، ليكونوه، يوم هم إلى الله يتابعوه، وفي الله يعشقوه، ووجها لله يحبوه، ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم، فيقول الرسول، ما قال له أعلاه، ويتأدب مع أدناه، هو في قائمه الأدنى لأعلاه، بأدب الأعلى لعليه في علاه، مع الأدنى، للمؤمنين قياما بمعناه، هو أولى بهم من أنفسهم، ربا تولاهم، وبمعناه، صبغ معناهم، وبمبناه طبع مبناهم، فتكيفوا بكيفه، وتعلموا بعلمه، وتحققوا بحقه، وتخلصوا بخلاصه، ودخلوا في السلم في دخولهم في السلم معه، دخولا في السلم مع من دخل في السلم معه، وقاموا في سلامه، في قيام سلامهم، لعين سلامه، لسلام الأعلى في قيومه وقيامه.
فهل شهدنا لا إله إلا الله، على ما شهدها؟ وهل شهدنانا محمدا رسول الله، على ما شهدها، فعرف نفسه، لم يبرئها من الخطأ أو الزلل، وإن تبرت من عينها لعاليها؟ غفرنا لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فعرف أن الذنب من طبيعة البشر، وأن الله قبل أن يخلق الذنب للمذنب غفر {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا}[١]… {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات}[٢]، وأولئك لهم الأمن، وإن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وأعلموا أن لله عاقبة الأمور.
علموا، أن لله عاقبة الأمور، فأعلموا بما علموا، فكانوا الرسول، مكنوا في الأرض وأقاموا الصلاة، وتحققت لهم النجاة… وركبوا وأركبوا سفن الخلاص، وسلكوا طريق الإخلاص، ووردوا سبيل الأحواض… وتصاعدوا كل الأمجاد، وأشعلوا مصابيح الطريق، للسالكين والرفيق، فكانوا أمة وسطا، وشهداء على الناس، وكان الرسول عليهم الشهيد، وكان الرسول لهم غاية، وكان قائمه لقائمهم عندهم نهاية، شهداء على الناس، الرسول عليهم شهيد.
كانوا أمة وسطا، فيكونهم أمة، ارتبط قائمهم بقديمهم وقادمهم، أمة واحدة، وأقانيم متحدة، وعوالم موحدة، في حضرة قائمة ممهدة، في عمد ممددة، قياما على سرر متعددة، في مقعد صدق، عند إمامة متوحدة، عند مليك مقتدر، عند حق مذكر، عند سلطان مسيطر، ما سيطر على من كفر، ولكن سيطر على من له غفر، وما اتحد مع من عليه أنكر، ولكن توحد مع من له ذكر، وما علم، عند من بنفسه استعلى، ولكن على عند من بنفسه إليه افتقر، فآواه وأغناه وتولاه وأكبره وغفر.
فمن منكم لرسول الله ذكر؟ ومن منكم وجهه لوجه الله في الأرض عفر، فقال للأرض وهي أمه، يا وجه الله بأيدي الله الحاملة، يا أمومة الله الغافرة… يا حضرة الله الحاضرة… يا قدسية الله الذاكرة؟ من عرف أن الله مذكور معبود، لقائم الوجود، وفي كل ما فيه تواجد، لعرف الوجود بكله، وجها واحدا لله في سجوده، وذله، فراضى وجوده، وما أنكر شهوده، أينما ولى، فما شهد غير وجهه، {فأينما تولوا فثم وجه الله}[٣]، فكيف أنتم ذاكروه، وهو ظاهر لكم تنكروه، وقائم بكم تجحدوه؟ فهلا وحدتموه بلا إله إلا الله، وهلا قمتموه، لقائمكم محمدا رسول الله، قياما تشهدونه، ولكنكم باللفظ تذكرونه، وبالعلم تجحدونه، وبالقيام تنكرونه، وبالمعنى تخاصمونه، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
تقولون بألسنتكم أشهد أن محمدا رسول الله، ولا ترتضونها لقلوبكم، فتفتحوا لنور الله معه صدوركم، حتى تشرق من ظلامها بنور الله، شمس وجودها، شمس أراضيه، بقلوبكم، أرضا فتية، أرضا رضية، أرضا تقبل العطية، أرضا تنتظر ماء السماء، ولكنها قاحلة تركتموها، فلا أنتم لماء السماء لها تستمطروها، ولا حرثا بعملكم تحرثوها، ولا من استقامتكم واستقبال رحمات الله إليكم تغرسوها فتجعلوها جنة تسكنوها، ومع ربكم بيتا فيه تلاقوه يوم تدخلوها، فتعرفون أن كعبتكم بين جوانحكم ظلمتموها، فظلمتم أنفسكم يوم أنكرتموها.
إن محمدا قائم حق لاقتدائكم، كان بين جبريلين بالملأ الأعلى إليه من ربه، وبملأ منه، جبريلا له، وجبريلا عنه، إلى الملأ الأدنى لأمته، هو أولى بهم من أنفسهم…
شهادة الله عليهم، ووجه الله لشهودهم، طلعة جماله، وإشراق جلاله، وإحاطة حاله، وقائم مثاله، لقيومهم وقيومه، في قيامهم لقائمه وقيومه، يدعون إلى الحضرتين بالحضرتين، ويشهدون الحضرة بالحضرة من كل من الحضرتين، يوم يقومون محمدا يشهدون ربه… ويوم يقومون ربه يشهدون محمدا ربا لهم.
إن رب محمد وملائكته، يصلون على محمد، لقائم قيامهم، ولقيوم قائمهم. وهكذا محمد، متخلقا بأخلاق ربه، أمر أن يصلي عليهم، فإن صلاته سكن لهم، ويصلي عليهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور، بإذن ربه، لقائمه به، ربا لهم.
سبح اسم ربك الذي خلق… هذه أول سلم المعارج، في الله ذي المعارج، للإنسان العارج، للإنسان الإله… للإنسان الآله… للإنسان الحقيقة… للإنسان الطريقة… للإنسان الكتاب… للإنسان الحجاب… للإنسان الوجود، في قائم المطلق بالموجود، في لا إله إلا الله.
إن محمدا استقبل جبريله بالملأ الأعلى، عرفه أمة وإنسانا، وصدر عنه جبريله منه، لأمم، من بعد أمته قائم أمة وسطا، أمما لأمم، صدر عنه أمة، إلى الأدنى من أمته مرسلة، بالمصاحبين وبالمتابعين، بالأنصار والمهاجرين، وبتابع التابعين… بالمؤمنين، بمن قاموا بالحق للحق في أنفسهم عارفين، بالمؤمنين للمؤمنين، والمؤمنين بهم إلى يوم الدين.
فماذا شهدنا بشهادتنا لا إله إلا الله؟ وماذا قمنا بقائمها بشهادة محمد رسول الله؟
لقد فرطنا في أمرنا، بآبائنا، نعم فرط آباؤنا في أمرهم، بأمر آبائهم، على ما نحن في متابعتهم، نعبد كل قديم، ونقدس كل سابق، ولا نؤمن، أن الله، هو الباقي، في كل ما يبقى، وهو الباقي فيما بقي بكل ما يأتي من بقائه، وأن الله، هو القادم، في كل ما يقدم من قائمه وقادمه، على ما هو في كل ما يقدم من قديمه.
إن البشرية في حاضرها، في دائم بحاضر، يقدم إليها القديم، كما يتعجل بالمسير إليها القادم… إن البشرية في قائمها بالحق، في قائمها بالله، في قائمها بخلافتها عن الغيب المطلق، في قائم شهادته، وجيئة حضرته، {إني جاعل في الأرض، خليفة}[٤] قولة العلي الأعلى، إني جاعل خلافتي، في قائم مجمع الحيوات في الحياة البشرية في أعماق الأرض، وفي سماوات الأرض، وفي أبناء الأرض ببشرية الأرض، ترجع إليها سماواتها، بالأبوة لجديد، وبعث البنوة بسديد رشيد، وتنشق عنها مبانيها لمعانيها بأراضيها، بالقلوب في هياكلها لمعانيها، انشقاق أرض عن أرض، انشقاق الأرض عن الأرض، بقلوب أهلها، كانت هذه القلوب بمعانيها أرضا بمبناها لمبانيها، أرضا لم يعصَ الله عليها… من أرض تمت لها فيها لمعانيها الطاعة والمعصية لتمام إرادتها بطائعها وعاصيها… أرض امتزجت، لشرف خلافتها، فيها لها، منها، بها، طاعتها ومعصيتها، فتواجدت عليها نشأتها مزاجا من الطاعة والمعصية، أزواجا كان أبناؤها، على ما كانت أزواجا بأرضها وسمائها، السماوات مليئة بناسها لتمامها، والأرض مليئة بملائكتها، وشياطين ترابها ونارها لمادتها وأشيائها.
من بشرية الأرض، يبدأ الإنسان وجوده ذاتا وروحا، ومن بشرية الانطلاق في الإطلاق، يبدأ الإنسان حقيته وذاتا وروحا.
فالكائن البشري يوم يتسامى بالإنسان لذاته، فيتجاوزها من مادتها، إلى قيومها من روحانيتها، بروحها إليها، وبروحها منها يبدأ الحياة ومسيرتها، {إن كل نفس لما عليها حافظ}[٥]… وإن كل نفس، إلا ولها في الله قرين، هي بينهما الأمر الوسط هما لها، ولكنها تجعل نفسها لأحدهما.
وهي لا تدخل في السكينة، إلا يوم يدخلانها، فتسكن مع نفسها، لقائمها لقيوم ربها، أقرب إليها من حبل الوريد، ومعها أينما كانت، ومن ورائها بإحاطته، فالنفس البشرية لا تقنع دون اسم الله لها، تحقيقا لما خلقت له.
خلقها وما تعمل، وتخلقها وما تتخلق، وقامها وما تكون. فما كان الشيطان بعيدا عن قيامه بالوجود للشهود، وما كان الرحمن إلا محيطا له في قيامه بالشهود للوجود، فما كان الشيطان والرحمن، إلا لكم فيكم، لطاعتكم ومعصيتكم في مبانيكم.
فإن تجاوزتم فعلكم بذواتكم، وكسبكم لهياكلكم، وموجودكم بقوالبكم، في أثرة عزلتكم لمفرداتكم، إلى رباط قلوبكم، وجواني معانيكم للبابكم، فقد صرتم إلى الله، وسرتم إليه، مسيرة لا تنتهي، ولا تمل، ويخشى من انتهائها عند من ذاق مسيرتها، وتمتع بقائمه حضرتها.
إن الله، لعالمكم، على هذه الأرض، ولهذه الثياب البشرية، قريب منكم جدا، وميسر إليكم الاجتماع عليه، بلا مشقة، وبلا تكلفة، وبلا عناء، وبلا ثمن، فإن تحقق لكم ذلك، فقمتم ربكم الذي خلق، خلق الإنسان من علق، خلق الإنسان من ماء مهين، ثم جعله القيام الكريم، والبيان العليم، والكتاب المبين، والوجه للحق وقائمه، هيكل الوجود ودائمه، إنسان الله ملوما ولائمه.
إن اللائم والملوم في الإنسان الواحد والحق الواحد، هو قائمكم في القيام الواحد، يلوم عاليكم سافلكم، ويسكن في ملامه، ويسعد في سلامه، ويرتضي العقل لقائمه لإمامه، والروح لقدس ربه وقيامه، وكل الوجود لكلي ذاته وهيكله في سلامه وقيامه… في أطواره وتطوره، لموعود مقامه.
إن الإنسان، وقد امتزج فيه الشيطان والرحمن، بآدم وإبليس، في وحدة قيام… إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم، والله معكم أين ما كنتم وأقرب إليكم من حبل الوريد، فإذا حرص العقل على أمانة وجوده بينهما في لمسه لكتاب الله لشهوده، ولقراءته بعينيه في قيام وجوده، فاتجه إلى الرحمن، لمعنى معبوده، في لب نفسه لبيته قائم الحياة لروحه من قلبه فمعه تلاقى، عرف أنه إذا لقي الإنسان الرحمن، صار رحمانا، وعرف ما كان به، وفارق ما كان من أنه كان شيطانا، فحمد الله على ما إليه كان، وعلى ما عليه أصبح، ولم يأبه لشيطانه… نعم بمشاهدته في ناره وجهنمه، كأنه نيرون على عرشه، يحرق روما لجمال مشهدها عنده، لبيان سلطانه، وقدرته وبيانه… والإنسان في هذا ينعم بجنته لذاته هو بالجنة أكرم عند نفسه.
أما نصيب الإنسان من الشيطان، فيوم يصل إلى قائم معناه به، فإنه يشهد رفيقه من الرحمن، {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}[٦]، وهو بهذه المشاهدة لا يسعد، لأنه يتذكر بها ما فقد، فهو في مشقة، خلقها لنفسه، برد عمله إليه.
أصبح رحمانه في سكينة، وأصبح شيطانه في محنة مهينة. هذا هو الإنسان تشتت، وهو ما بعد توحد.
إلا محمدا في معاني إنسانه، فقد كانت الجنة له نارا في قيامه، يوم رأى شقه المهين، في العذاب المهين، فبخع نفسه على آثاره، وعاد إليه في محنته في داره ليهيئ له جديد كرة، مرة بعد مرة، عاد إليه في دار ابتلائه، ليأخذ بيده إلى دار جزائه لنعمائه من عمله ورجائه.
فما طاب بجنته، وما رأى فيها إلا محنته، يوم أحس بمحنة الآخرين، فقال له الأعلى، إنك لعلى خلق عظيم، بخ بخ… ما أكملك… هكذا يكون الإنسان.
وهداه وأذن له أن تحرك في الوجود، وفوق وتحت الوجود، حيثما وكيفما شئت، إلى عليين فاعلُ، ما طابت لك نفسك، وإلى سافلين فانزل، رسولا من أنفسهم، ما استيقظ فيك لك منهم بك ضميرك.
إن نزلت بنفسك وهي الكريمة المنعمة، وأثقلت عليها، يوم زججت بها بين أهل الجحيم، فظلمتها بما ألبستها من ثيابهم لرسالتك بها، فإني لها في ظلمك لها غافر {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}[٧].
ويوم أنك وأنت بين أهل الابتلاء، توفر لهم المغفرة والعطاء والاستقامة والجزاء، ما رأيتهم، يذكرون ربك، فإني لها شاكر ولفعلها ذاكر، وهم ما ذكروا ربك، إلا وقد ذكروا نفسك، فما كنت غيره، وما كان غيرك، وهم يوم يتابعوك، لا يكونون غيرك، ولا يكونون غيره.
فاخفض لهم جناح الذل من الرحمة، فخفض، وانزل دونهم بالحق، وقد كنت بالحق فوقهم، فلِمَ لا تكون بالحق دونهم؟ فنزل، وأنت تعلم وقد أعلمناك الأسماء كلها، وأظهرناك على الدين كله، أن الله وحقيقته لا اتجاه له… هل هو أعلى على ما عرفت؟ هل هو أسفل على ما وصلت؟ إنه أنت بينهما على ما قمت، كان فضل الله عليك عظيما.
رأوك أخطأت أو أصبت، إن أصبت فما أصبت، ولكن أصبنا، وإن أخطأت فما أخطأت، ولكن فتنا واختبرنا… أنت لنا كل شيء، يوم تطلب الأشياء شيئيتها، في شيئيتك يا من كنتنا كل شيء، يا من كنت إنسان وجودنا، في كل شيء ركبناك وبكل شيء أظهرناك، يوم أنا لكل شيء علمناك، فبكل شيء أعلمناك، أنت وجهنا… أنت حقنا… أنت معنانا.
{وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}[٨]… بشر ولا تنفر، يسر ولا تعسر، كبر ربك، وكبرهم ليكبروا ربك، وأكبرهم ليكبروك، وهيئ لهم أن يكبروك حتى يكبروا ربك، وعلمهم كيف يكبروا ربك، حتى يتعلموا كيف يكبروا ربهم فيقدرون الله حق قدره… ويعلمون أن العبودية والربوبية لأمرهم في قيامهم، بقائمهم بين الأعلى والأدنى، عبادا للأعلى وأربابا للأدنى (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)[٩].
(أعطيت جوامع الكلم)[١٠]، هذه كلمة جامعة، (كلكم راع)، كلكم رب، كلكم أمر الله… كلكم رباني في الله… كلكم مقدس… كلكم أقداس… كلكم ذوات لله، اطلبوا الأعلى لذواتكم، والأعلى للأعلى لذاتكم، والأعلى للأعلى لذواتكم، أنتم من ذواتكم إلى ذات لا تعلى (كلكم مسئول عن رعيته) كلكم عبد… كلكم فقير إلى الله… (يطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات) [١١].
إن السير إلى الله، في حاضركم، قريب منال، جعل الله لكم بينكم بعباد الرحمن له مثال، ضرب ابن مريم مثلا لكم، لما تكونوه، يوم تعرفوه، فلا تعبدوه، ولكن الله من ورائه يمكن أن تشهدوه، يوم يكون الله من ورائكم يوم تعبدوه، فوجها لوجه فيه تقوموه، بلا إله إلا الله.
هكذا كان محمد لكم رآكم وجوه الله، فلِمَ لا ترونه وجه الله؟ ألم يقل لكم (من رآني فقد رآني حقا)[١٢]؟ ألم يقل لكم (رأيت ربي بعيني رأسي)[١٣]؟ وإنه بعيني برأسي لرائيكم وراء الله من ورائكم بإحاطته، التي بها وهي من ورائه رآكم؟ فما رأى الله، فيه، إلا الله فيكم، وما رأى الله فيكم إلا بالله فيه، وقال لكم اشهدوني كما أشهدكم، واعرفوني كما أعرفكم، واطلبوني كما أطلبكم.
ها هو الباخع نفسه على آثاركم، ينزل بنفسه من السماء دونها إليكم، فيقاربكم، ويقوم في الصالحين لقيامه، من بينكم، ليكون بينكم مرة أخرى بشرا من أنفسكم، بوسيط من بينكم ومن أنفسكم لقائم حقيقته، لا تخاطب الناس إلا وحيا، أو من وراء حجاب.
يوم كان بينكم أوحى إليه، إنما إلهكم إله واحد، وهو الآن وقد غاب عنكم، يوحي هو إليكم، إنما إلهكم إله واحد، فاعبدوه، {إن هو إلا وحي يوحى}[١٤].
فهلا استقبلتموه، وفتحتم له صدوركم وقلوبكم لتلاقوه، صلوا عليه واطلبوه، إن الصلاة عليه شيخ من لا شيخ له، فلِمَ في جلسات الذكر لله لا تنشدوه أو تستدعوه، وتهيئوا له سبيل اللقاء معكم في غرف الاتصال لتسمعوه؟
إنكم اليوم في رسالة الروح وهديها، في وصلة السماء بأرضها، في قيام الكون بين يديكم وأمام عينيكم وبين ظهرانيكم في وحدته.
شياطين الجن والإنس في عيان وفي بيان بعضهم لبعض يوحي، وبعضهم لبعض يقوم، ورحامين الجن والإنس، بعضهم لبعض يوحي، وبعضهم ببعض يقوم.
إنكم في هذا العصر، تقومون في عصر رسالي، لا… بل في عصر فاصل بين القديم في أزله، وبين القادم في أبده، في عصر يجتمع فيه البحران، في بحر برزخكم الأرضي، من بحر بدء الخليقة، بهذه النفوس البشرية.
لا يوجد على أرضكم في هذا العصر، كائن بشري واحد، لم يكن له وجود سابق على هذه الأرض، المرة والمرات، والكرة والكرات.
أنتم الآن في هدي الروح، ليكشف لكم عن خلق أنفسكم، وعن خلق الكون في كائنكم، برؤية الكون في كونكم، ومعرفة الوجود في وجودكم، يدربكم ويهيئكم، للإحساس بجوانيكم، لقد انتهت بانتهاء النبوة رسالة الفرد بالذات، وبدأت بمحمد رسالة الجماعات.
إنكم إن تعرضتم لوصلة الروح، في هديها في عصركم، استمعتم لدورة الدم في أبدانكم، هل تحسون بدورة الدم فيكم؟ إنكم لا تدرون شيئا عما فيكم، إنكم حتى دقات قلوبكم لا تسمع من آذانكم، لكم قلوب، ولكن لا تفقهون بها، ولا تسمعون بها، ولا تبصرون بها، ويمكنكم أن تسمعوا بها، ولو سمعتم لسمعتم دبة النملة في الليل البهيم كما سمعها سليمان، ولو نظرتم، لشهدتم ملكوت السماوات بين جوانحكم كما رآه إبراهيم، يوم يشرح لكم ما فيكم في قائم صدوركم كما شهد محمد مشهد أبيه لقائم نفسه.
هل أشعلتم مصباح نفوسكم؟ هل أنرتم مشكاتها؟ هل فتحتم منافذها وأبوابها؟ إنكم بعيونكم، ولو صلحتم لأبصرتم بمسام أجسادكم… إنكم لا تفتحون بيوت هياكلكم، ليرتبط ما في داخلكم بما في خارجكم.
لو تعلمون لعلمتم أنكم ترتبطون بما في خارجكم بداخلكم بأنفاسكم، ولكنكم لا تتحركون مع أنفاسكم… ولو أنكم تحركتم مع أنفاسكم، لها صاحبتم ولمعيتها في الزفير سرتم لعنان السماوات تجاوزتم… ولو أنكم مع الشهيق صاحبتم، لملأتم بالحياة هياكل وجودكم… لملائكة فيكم أوجدتم، يوم أردتم، وقد صاحب اسم الله أنفاسكم.
لو صاحب اسم الله أنفاسكم، خارجة منكم، من فمكم، ومن أنفكم، ومن مسام أجسادكم زفيرا، لانطلقتم بعيدا بعيدا، وكان هذا ما عناه كتاب الله، يوم قال لكم، إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بها من سلطان، فلو أنكم جلوتم قلوبكم بذكر الله، وغرستم هياكلكم بكلمة الله، لكان هذا هو السلطان لله، يقوم فيكم.
{يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان}[١٥]، جعله الله لكم، يوم أنكم لا تفرطون في أمركم، وإن فرطتم في أمركم، فقد فقدتم ما جعل لكم، ففقدتم السلطان، فكيف تنفذون ولا سلطان لكم!
إن عالم الروح، في عصركم، وهو القيام اللطيف الخبير، يمتزج معكم في أنفاسكم، فيحل بكم في شهيقكم، ويصعد بنفوسكم حل محلها في زفيركم، فإن استكملتم المعاملة والمبادلة، مع القيوم عليكم لقائمكم حفيظا عليكم، وحافظا لكم، لجاء الحافظ فسكن في أوانيكم، وأصعدكم إلى معناه بمعانيكم، بذلك تبايعون الله على هياكلكم، وعلى نفوسكم، {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}[١٦]… {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}[١٧]… أمهلهم… {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا}[١٨].
أبرزناك عبدا لنا، فأنت من صنعنا لأنفسنا، وجعلناك ربا عليهم ليكونوا من صنعك لنفسك، فلا تتحدث فيما جعلناك منا عليهم، فهذا ليس محل حديث منك، هذا ما أتحدث أنا به إليهم عنك {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[١٩]. ولكن تحدث إليهم عنهم بنعمة الله عرفتها لك، وهل أنعم الله على ما عرفت، على منعم عليه منه، إلا يوم أن أنعم عليه بنفسه لنفسه، وحقق له، ما خلقه من أجله، وقد خلقه لنفسه؟ {أليس الله بكاف عبده}[٢٠].
{وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}[٢١]… {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون}[٢٢]… {هل تعلم له سميا}[٢٣]، فليسمونه على ما يسمونه وسمه معهم على ما يسمونه، {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}[٢٤].
هل عرفتك غيره؟ هل كنت إلا اسمه؟ هل كنت إلا وجهه؟ هل كنت إلا بيته، يذكر فيه اسمه؟ هل كنت إلا مسماه؟ هل كنت إلا قبلتهم يوم هم له يسجدون، ووجهه يوم هم له يعبدون فيشهدون، وكتابه يوم هم يتعارفون فيعرفون، ونوره يوم تأتلف قلوبهم فيتحققون؟ {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون}[٢٥]، ويوم يقبلوك لأنفسهم، هل يكونون غيرك، على ما أنت لست غيري؟ بالحق أنزلناك، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، فهل يحمل الرحمة إلا العالِمون؟ فلن يتبعك إلا من كانوا لنا صالحين، فذاك دين القيمة.
هذا ما كان لكم من دين، اجتمع عليه آباؤكم مجاهدين متحدين، وتخلف عنه آباء في الهالكين، ثم تفرقوا عليه لجاهليتهم مجددين وبها مواصلين وعنه متخلفين، وما حرصوا على أمرهم به إلا الأقلون، فعلى أي أمة من السابقين تكونون؟ وعلى أي أمة من الحاضرين تتجمعون؟ أمع ابن حجر، أم مع ابن الإنسان؟ أمع قلوب ما زالت عليها أقفالها، أم مع قلوب تفتحت لمولاها، فقامت به في معناها، عبادا للرحمن على الأرض يمشون؟ ما كانوا طغاة، وما اتبعوا الطاغين، بل كانوا بنعمة المعرفة الأغنياء ولله المفتقرين، عن كراسي الحكم لأنفسهم مباعدين وبها مبتعدين، وقد جعلوا من أنفسهم كراسيا لرب العالمين، وعروشا لمالك يوم الدين، من ورائهم بإحاطته يعملون، وجوها له يشهدون، عبادا للرحمن على الأرض هونا يمشون، فمع من كنتم على أمة أيها المسلمون؟ أعلى أمة مع السلاطين؟ أعلى أمة مع الباب العالي، عند أبواب الطغاة تسجدون، أو أمامها تتسكعون، على وهم السلطان تتزاحمون، وعلى جيفة الدنيا تتخاصمون وتتقاتلون، وإنسان الله لكم تتجاهلون، أبوابا عالين؟
مع من كنتم على أمة؟ مع الأمويين… أم مع العباسيين… أم مع المماليك المتفرقين؟ هل كنتم على أمة مع فاطمة بفاطميين، أبرزهم على ما رضيتم ممن أبرز من السلاطين، لعلكم لهم ترتضون، وإلى فاطمة تنتسبون وأبناء لها بها تلحقون؟
فتنادونها يا أماه في العالمين… يا أمة محمد وأمنا به… يا أمة محمد، وجماع الكلمات له… يا أم أمهاتنا… يا أم آبائنا ويا أم أجدادنا، يا أم نفوسنا وأرواحنا… يا روح رسول الله… يا أم الريحانتين… يا أم النور… ويا أم الفجر والضحى وشموس الدهور.
يا أمومة الناس أجمعين… يا حواء البشر… يا روح الله لكل من ذكر… يا وجه الجمال لوجه الجلال… يا ابنة الإنسان وكلمته للشهود والعيان… يا عذرية النشأة والكيان… يا زهراء الإحسان… يا شجرة الأرض، تؤتي أكلها كل حين… يا نفحة السماء للأراضين.
يا روح رسول الله للعالمين… يا جبريل الرسول الأمين في قائم حقه للمتحققين، (فاطمة ابنتي روحي من أغضبها أغضبني[٢٦]، ومن أغضبني أغضب الله[٢٧])، فما كنتم لكم إلا الحق منه، ووجه الجلال والجمال له.
هلا بالله تحققتم؟ هلا معي بمحبتي أدركتم؟ هلا لنفسي نفوسكم أضفتم، ولحقيقتي في قلوبكم تواجدتم؟ هل فعلتم، وما لي في قلوبكم أوجدتم؟ أفي قلوبكم لي ذكرتم، وكلمة الله فيها زرعتم، وباسم الله قلوبكم جلوتم، وامتنع عليكم المذكور منكم فيكم، وهو المذكور بينكم لكم، وهو المذكور رحمة من الله إليكم؟ رحمة تأخذونها يوم تمتد أيديكم إلى يد الله تصافحونها وتسالمونها، فتدخلون في السلم زرافات ووحدانا، ففي أنفسكم تعرفونه، يوم أنكم في أنفسكم تلاقونه لقلوبكم وقوالبكم تقومونه، بنور الله معه يمشي به في الناس يوم أنهم يتابعونه، ويصدقونه فيشهدونه ويقومونه، فلأنفسهم هدية من الله يقبلونه… قال لهم ربهم هو رحمته للعالمين، رحمة تهدى فهلا يصدقون.
ولكن الناس كالدبة البلهاء، بالحجر في أنفسهم يقتلونه، يوم تلدغهم ذبابة أنفسهم قبل أن يبعثونه فيضيقون بها ذرعا ولا يصبروا عليها حتى يعرفونه، وهي لهم بحالها من ظلامها لا تصاحب على دوام، والموت مصيرها بثناء أو بملام ولكنهم يفرطون في أمرهم من الله في دوام، ويفرطون في حق أنفسهم بغريزة الحرب والخصام، فليذوقوا رد أعمالهم إليهم في ناموس الدوام.
ها أنتم في زمانكم وعصركم تنزل عليكم الملائكة، وعموم الناس يجحدونها، ويكلمكم الموتى، والأغلبية منكم ينكرونها، ويحشر عليكم بعملكم كل شيء قبلا، تخربون بيوتكم بأيديكم، وبأيدي المؤمنين من فوقكم، حتى تستيقظوا لأمركم، ولكنكم ما زلتم في غفلتكم، سامدين[٢٨]، وفي نومكم بليلكم في النوم تغطون، وفي نومكم باسم البيان تسخرون، وأنفاسكم تصعدون وتستقبلون، غير مصحوبة بذكر لله، أو بوعي من العقل الأمين، وهذا الذي أنتم اليوم فيه، هو الواقع المحقق لنبوءة الذكر الحكيم.
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إن الله يقول في كتابه إليكم من رسوله الأمين، لو أنا فعلنا بهم ذلك، وها هو بكم فاعل، ما كانوا ليستيقظوا… ما كانوا ليؤمنوا، إلا أن يشاء الله، فإن أنتم بذلك في هذا الاجتماع وهذا الجمع، وهذه الجماعة، إن أنتم لهذا صدقتم، فاعلموا أن فضل الله عليكم عظيم، وإن فيه صدقتم وبه عملتم، فانتظروا نعمة اليقين، يكشف عنكم أغطيتكم، ويهيئ لكم كمال أمركم، ويحرر أبصاركم من حجبها، فتتجه أبصاركم ببصائركم إلى جوانيكم، لا تطلبوا الله بعيدا عنكم. إن الله ليس له سماوات إلا معاني السمو فيكم، وليس له أراضين إلا شحمات قلوبكم.
ألم ترَ أنا كلما أنزلنا عليها ماء الحياة اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج؟ إنها إذا غرست قلوبكم، كانت دار النعيم… كانت الجنة وأشجارها وثمارها، كلمة طيبة كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء}[٢٩]، وما كانت إلا أرض القلوب مركزا لعوالم الهياكل.
لا تستهينوا بأمر أنفسكم… لا تستهينوا بذواتكم… لا تستهينوا بنفوسكم… لا تستهينوا بهياكلكم… لا تستهينوا بعقولكم… لا تستهينوا بأرواحكم… فما كانت الأرواح فيكم إلا الله… وما كانت العقول بكم إلا رسول الله… وما كانت الهياكل لكم إلا الكون بعوالمه، يوم يعلم الكائن البشري نفسه عند نفسه، لمعنى الإنسان ينتظره ليقوم اسما لله، يوم يبعث بالحق مع رسول الله.
وتحسب أنك جرم صغير… وفيك انطوى العالم الأكبر[٣٠]
داؤك منك… إنما هو عملك يرد إليك… ودواؤك فيك إنما هي توبتك، إنها استغفارك… إنها يقظتك من منامك… إنها يقظة ضميرك في قائم قيامك… فدواؤك فيك وما تبصر، فداوي نفسك، مما بك من داء، أنت بجهلك به لا تشعر.
لقد أفاد الغرب من حكمة (عليّ) فانتفع بها، وضاع الشرق في أمره، يوم تخلف عن (عليّ) وحكمته، وكان في هذا التخلف عن الرسول وكتابه… وكان في هذا التخلف عن الله وملائكته. وهو ما كسبه الغرب وانتصر به آخذا سلاح نصرته من يد قتيله.
وقد أمر الناس في هذا الدين، دين الفطرة، أن يعلموا أن الله للوجود صبغة، وأنه صبغة الوجود وصبغة ما تواجد فيه، بلا إله إلا الله، أمر يدركونه بقائمهم محمدا رسول الله، فأسأل الله لا إله إلا الله لي ولكم، واسأل الله محمدا رسول الله لي ولكم.
اللهم بلا إله إلا الله، وبمحمد رسول الله، فاكشف الغمة عن أنفسنا، وعن أرضنا، دارا لك، نحن فيها ضيفانك… واكشف الغمة عن بلدنا، وعن بلاد المسلمين معنا نحن في بيوتنا لجوار بلاد إخواننا في الإنسانية جيرانك هم إخواننا في الحقيقة، وإخواننا في الدين والطريقة، وإخواننا في الكتاب وأهله، بلا إله إلا الله، أدركنا ذلك لأمرك بفضل ورحمة محمد رسول الله، جعلته جماع رسالات الله، وقائم رسل الله.
اللهم بذلك فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، ولِ أمورنا خيارنا برحمتك، وبعطائك وبكرمك وجودك. وعاملنا بذلك بما أنت له أهل، ولا تولِ أمورنا شرارنا بعملنا برد أعمالنا وبغفلتنا عن حقيقتنا، إقامة لعدلك، وعافنا اللهم من أن تقيم فينا عدلك بغضبتك، اللهم إنا نعلم أنه لا إله إلا الله، في جهلنا، ونعلم أنه محمد رسول الله، وحقا من الله، وحق حقائق الله، وجماع رسالات الله، وجماع وجوه رسل الله، في تسليمنا، فاجعل ذلك اللهم لنا في يقيننا، وفي سلمنا وسلامنا، وأقمنا به لإنسانيتنا وبشريتنا في أيامنا، حتى نوحدك يوم نتحده، وحتى نعبدك، يوم نتواجده، وحتى نعرفك، يوم تعرفنا له، يوم تعرفنا له في لا إله إلا الله، بمحمد رسول الله.
اللهم خذ بنواصينا إلى الخير، حكاما ومحكومين، وأنر قلوبنا بنورك، حكاما ومحكومين، وعافنا واعف عنا، حكاما ومحكومين، ظالمين ومظلومين، معتدلين ومحقين، وغافلين وهاوين، بعموم رحمتك يا أرحم الراحمين.
سبحانك لا إله إلا أنت لا شريك لك إنا كنا من الظالمين.
قنـــــــــــــــــــــــــوت
اللهم إنا نقف بين يديك، لنراك بلطيفك، يلحق أبصارنا فنبصر، وأسماعنا فنسمع… وألسنتنا فبالحق تبين وتنطق… وأفئدتنا فبحياة الضمير تعمل وتشرق، وقلوبنا فتخشع ولا تجزع، وتعمل وتزرع، ولا تهدم فتقلع. اللهم إنا ننتظر غرسك لقلوبنا، وكشف الغطاء عنا لجوارحنا… وكشف الحجاب عن عقولنا، لتزدجر[٣١]، وبك تذكر وتدكر، وبنورك تشرق وتنتشر، فتشهد وتشهد، أنه لا إله إلا أنت، طواعية واختيارا، لا جبرا ولا قهرا ولا اضطرارا، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
اللهم اهدنا السبيل شاكرين، واكشف لنا السبيل كافرين، حتى نرتد عن سبيل الكفر بك، وحتى نسلك طريق الشكر لك، وحتى نقرع أبواب رحمتك، أبوابا للسماء والمعارج، لكل سار وطارق، خلف من طرق… خلف من سار، قائد ركب عوالمك إليك، وإمام جمعنا لحقك، به آمنا، ولأنفسنا فيه، في أنفسنا له طلبنا، اللهم فحقق لنا ما نطلب، وحقق له في أمرنا ما يطلب.
عرفنا أنه تعرض عليه أعمالنا، فإن وجد خيرا حمدك، وإن وجد شرا استغفرك، اللهم فاقبل حمده، واقبل منه فيما استغفر لنا، يوم يستغفر لنا، واكشف الغمة عنا، وعن أرضنا، وعن بلدنا، وولِ أمورنا خيارنا ولا تولِ أمورنا شرارنا برد أعمالنا وبإقامة عدلك فينا، وقنا شر غضبتك، في قائم عدلك.
آمنا أنه لا إله إلا أنت فاقبلنا، وعبيدا لك عندك فاذكرنا، شكرناه، فلنفسك في عملك بنا فاشكرنا، والشكر لك، واحمدنا والحمد لك، حمدناك منك، فاحمدك عندك منا.
لا إله غيرك ولا معبود سواك… لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
دخلنا في طاعتك فاحفظنا في طاعتك… دخلنا في أمنك فلا تخرجنا منه… دخلنا في أمانك وسلامك وسلمك، فاحفظه علينا، برحمتك وقد دخلنا في رسالتك وفي رسول نعمتك، والحمد والشكر لك.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الزمر - ٥٣ ↩︎
سورة الفرقان - ٧٠ ↩︎
سورة البقرة - ١١٥ ↩︎
سورة البقرة - ٣٠ ↩︎
سورة الطارق - ٤ ↩︎
سورة الإنسان - ٣ ↩︎
سورة الفتح - ١:٢ ↩︎
سورة النساء - ٦٣ ↩︎
من الحديث الشريف: "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه.) ↩︎
جزء من حديث شريف: "فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِىَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً، وخُتِمَ بي النبيُّونَ). سنن الترمذي، ومسلم باختلاف يسير. كما أخرج البخاري بعضا منه في أحاديث أخرى. ↩︎
مقولة للشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية: فإن نظرت إلى الآلات طال بنا *** إسناد عنعنة حتى إلى الذات. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
حديث شريف ذات صلة، رواه مسلم عن أبي ذر بصيغة: “سألت الرسول صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال نورٌ أنّى أراه”. وفي مسند أحمد وصحيح الترمذي جاء بصيغة “إني قمت من الليل فتوضأت فصليت ما قدّر لي فنعست في صلاتي فاستثقلت، فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة…” ↩︎
سورة النجم - ٤ ↩︎
سورة الرحمن - ٣٣ ↩︎
سورة الفتح - ١٠ ↩︎
سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎
سورة الكهف - ٢٨ ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة الزمر - ٣٦ ↩︎
سورة النساء - ٦٣ ↩︎
سورة الأنعام - ٩١ ↩︎
سورة مريم - ٦٥ ↩︎
سورة الإسراء - ١١٠ ↩︎
سورة الأنعام - ٩١ ↩︎
حديث شريف: أخرجه البخاري ومسلم، بصيغ متعددة، " فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَن أغْضَبَها أغْضَبَنِي." ↩︎
استلهاما من حديث شريف، جاء بصيغ متعددة: “فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، من آذاني فقد آذى الله.” المكتبة الشيعية. بحار الأنوار. ↩︎
السامدون: الغافلون اللاهون. وفي المعجم “سمد” أي رفع رأسه وصدره"، وكذلك غفل وسها. ↩︎
سورة الزمر - ٧٤ ↩︎
من قصيدة شعر للإمام عليّ كرم الله وجهه. ↩︎
ازدجر: انقاد. ازدجر فلانٌ: كف وامتنع. ازدجر فلان فلانا: انتهره ومنعه ونهاه، طرده وصاح به: انتُهر عن دعوى النُّبُوَّة. ↩︎