(١٠)
المنتظِر والمنتظَر
الحقيقة والخبر
الهادي والمهتدي
لقائم الحق والأثر
حديث الجمعة
٢٧ جمادى الآخرة ١٣٨٨ هـ - ٢٠ سبتمبر ١٩٦٨ م
اللهم إنا إليك نجأر، مما نحن فيه، وبه لك نظهر… اللهم إنا بك نستعين، على أمرك بنا، به نُبين، وبه لا نتجرأ أو نحترف، وعنه لا ننحرف، يوم أنا بك له نستبين، فنعرف من نكون، ومن كنا، ومن سنكون… نعرف لِما جئنا إلى هذه الأرض، وإلى أي دار منها نَخلص، أو إليها نعرج أو فيها نتقلب.
نعرف، هل خلقتنا فيها لنتعذب، أم خلقتنا فيها لنتأدب؟ هل خلقتنا فيها لتصبغنا بترابها من الجهل، أو لتطبعنا بنارها من الغضب، أو لتجتاز بنا إلى نورها من الرضاء؟
هل خلقتنا للنعمة بالعطاء والجزاء، أم خلقتنا ردا لأعمالنا وللبلاء؟
هذه البشرية ما تكون؟ ونحن مفرداتها فيها من نكون؟ وهي بجماعها لمفرداتها من تكون؟ وكيف يمكننا أن نستقيم في أمرنا بها ونحن لا نعرف عنها، ولا ندرك لها؟
هذه البشرية، هي كتابنا، يوم نقرأ، يوم نستجيب لأمرك… باقرأ باسم ربك الذي خلق.
هذه البشرية، هي حجابنا عنك، يوم تكون هي منشودَنا، وهي لنا حجابنا منك، يوم تكون أنت لنا.
هذه البشرية، بين قديمها، بقيوم، وبين قادمها، بقائم… وهي قائمة، بين قديمها الأزلي، وبين قائمها لأبدها البدئي، بقائمها السرمدي، لا شريك لك.
هي القائمة، بقائمها، بين قديمها لا بدء له لعلمنا ولإيماننا، وقادمها لا انقضاء له، لعلمنا، ولاعتقادنا، بقائم لها، ثابت بها، طاو فيها قيام قديمها وقادمها، لحقي قائمها، في لا إله إلا الله، لشعارك بها، وشعارك عليها، وشعارك لها.
لا إله إلا الله، قيوم قائمها، في قائم الله، لوعيها، لقربها، لشهودها، لحياتها، لمعانيها، لمبانيها. هي بمعانيها في مبانيها متجددة لمعانيها لقائم عينها بكوثرها، لا تغير لها، ولا جديد فيها.
وهي في مبانيها، لكوثرها ببنيها، وغيبتها بفانيها، متجددة لا شية[١] فيها. هي ظاهر الحق لباطنه، من قديمه لقديمها، وقادمه بقادمها.
البشرية على هذه الأرض بين يدي رحمته. هذه البشرية… هي بين من ينتظرها، وبين منتظرها… هي بين المنتظِر والمنتظَر… بين من ينتظرها، وقد خلقها لنفسه، وأبدعها لأمره، وكَيفها لشأنه، وأظهرها من كنزية غيبه، وغيبها من عظمة ظهوره، إلى الأعظم، لعظمة بطونه.
هذه البشرية، في علاقة مفرداتها بكلها، وفي علاقة كلها بمفرداتها، هي الأب والابن لذاتها. إنها بكلها لفردها، قائم الأب لأبنائها، وهي بمفرداتها، لما يتجدد لمعاني كلها منها، أب وبنوة… هي جديد فردها.
كل فرد فيها، متطور إلى قديم بدئها من فردها، كل ابن لها هو إلى أبوة بها لأبناء له، على مثالها. الله قائم على كل نفس من أبنائها لمفرداتها، والله قائم قيومها لكلها، في وحدة أمرها وشأنها.
إذا تآلفت القلوب على ذكره، وتآلفت على أمره، واتحدت على حبه، وفنيت في معشوقها لعشقه، قام الله بها، لعين قائمها بقيومها… المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد، المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا.
هذه البشرية، هي كل شيء لأهلها، وهي كل أمر لمفرداتها، وهي كل الأمور لفرد اجتماعها، بلا إله إلا الله، يوم هي بها، قائم محمد رسول الله.
فلنتأمل حالنا في قيامنا… في أي حال نحن؟ وبأي أمر بيننا لنا ندوم؟
إن الفرد من هذه البشرية، يلبس لباس الطغيان، ويفخر بجلباب الشيطان، أن رآه استغنى، وأنه أصبح محل السلطان، أو شيئا من السلطان، أو موطن القدرة، وعبء المسئولية.
إنه الملك، أو إنه الأمير، أو إنه رئيس الجمهورية، لا شريك له، الحمد له… والملك له… والسلطان له… والناس له… والأرض له… والسماوات له، أو إنه الوزير الخطير، والإله الصغير، وصاحب المقام الرفيع الجليل، أليس هو يد الأمير!
هو كذلك، وهو ذلك… يوم يفقد ضميره، وينصب على الوجود سريره، يستوي على العرش، ولا فوقية له، ولا فوق عليه، من فرد أو من جمع، أو من ضمير أو من عقيدة أو من دين.
من يكون هذا الإنسان في تقدير أهل الإحسان؟ في موازين المعرفة بمقاييس الحق؟ إن الإنسان لربه لكنود، ومن ربه، ومن الإنسان… إنه الفرد يوم يتمرد على الجمع، فيزدريه، ولن يحترمه على ما فيه، منه نشأ، وله راعى، وعلى نفسه أعلى، وله خضع، فجهل منه مركز القوة، وممثل السيادة، ووجه المعبود لقائم العبادة… فماذا فعل ويفعل الفرد، وقد بلغ هذا الشأن؟
علمته الرماية كل يوم… فلما اشتد ساعده رماني[٢].
إن البشرية في أبوتها وأمومتها لمفرداتها، ترعى أبناءها وتؤثرهم عليها، وتنفق عليهم في التعليم، وفي التدريب، وفي الصحة، وتوفر لهم أسباب الحرية، وتعلمهم الإصابة للأهداف، وتعلمهم المجاهدة للغايات، وتجعل منهم مصابيح الطريق للمسالك، والطرق الممهدة للسالك، فماذا يفعلون بأبوتهم وأمومتهم؟
يسفكون دماءها، ويخربون بيوتها وديارها، ويقلقون سلامها، ويبطشون بها بطشة الجبارين، لا وطأة الأبوة على الأبناء، أو الرفق والحنان بالضعفاء، بل بطشة الشيطان، لا رحمة، ولا رعاية لرحمن، ولا اتقاء لديان، ولا إعجاب بإحسان، ولكنهم الجبارون، الطغاة، الجفاة الحفاة العراة.
رَزَقهم، وحَمى أقدامهم، وسَتر أجسادهم، وملأ بطونهم، ولنفسه خلقهم، ليعبِّدوا أنفسهم لحقهم، في قلوبهم وألبابهم، لقائمهم بجلودهم لقيومهم بغيبهم. فلا يتواصون بحق، ولا يتواصون بصبر، ولكنهم ينزعون إلى تحقيق شهواتهم، فيتعجلون نعمتهم… أساءوا فهمها، ويعجلون لأنفسهم جزاءها… أساءوا فهمهم عن معنى الحياة لهم، فتصارعوا بينهم صراعا شديدا، وأثاروا غبار الأرض حتى اغبرت السماء، وتماسكوا بألسنتهم، ثم بأيديهم، ثم بأسلحتهم، فسفكوا دماءهم بينهم، ورووا الأرض من دمائهم، وغرسوها من أشلائهم، فلا سروا في طبقاتها بأرواحهم، ولا عمروها بأشباحهم، ولا صعدوا وانطلقوا منها بنفوسهم، ولا أحاطوها بعقولهم، ولا أشرقوا شموس قلوبهم، على أرض عوالمهم، ببعث عالمهم بقائم عَالِمهم.
هذا شأن أفراد مع جمعهم، وما يكون شأن جمعهم مع فردهم، إنه عين حالهم، يحكمهم الحمقى… يحكمهم أذناب البقر… تحكمهم البطون الجائعة… والفروج المتطلعة بالشهوات المعبودة.
فإذا قام من بينهم قائم بحق، وأدوه، أو صلبوه، أو ساطوه[٣]، وسفكوا دمه، وسوؤوا بين الناس معناه وعلمه، وحجبوا عن الناس علمه، وحرموهم لأنفسهم معلومه، وحرفوا الكَلم عن مواضعه، فشوهوا عندهم مفهومه، ولم يهيئوا له أن يظهر لهم مكنونه ومكتومه، مما أشفق عليهم من علمه بحكمته، وبغامر رحمته، بتؤدته، بحقيقته، وصبره مع أهل ملته.
فلا الجمع صالح مع فرده، ولا الفرد صالح مع جمعه… خلقنا الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا، ولو شئنا لجعلنا الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم.
فهذه البشرية في أمرها الوسط، بين أمرها المنتظر لها أن تعود إليه، وبين أمرها المنتظر منها أن تكونه، هي بين الأمرين، فريق للجنة، وفريق للسعير، فريق للعدم من قائم الحياة، وفريق للحياة من قائم العدم.
تعريفا للبشرية عن نفسها وعن أمرها، قامت الديانات فيها، إرسالا من المنتظر، ليهتدى به، من قَدَر فهدى، فاختبر، ليبلوكم أيكم أحسن عملا، فيستخلف وبه على عالم يخلِف، ممن خلقكم لنفسه، وفي الواقع للحق خلقكم، فما خُلِقت نفسه، ولكنه تجلاكم فظهركم أمره. فماذا فعلتم بأمركم، لقائم أمره؟ هل فيه فرطتم أم على الأمر حرصتم؟ وهو لكم منتظِر، يفتح ذراعيه، لمن يعود، يفتح ذراعيه، لمن يكفر بنفسه في عزلة عنه، ويؤمن بربه لعين قائمه به، مسيح وجوده، وكلمة موجوده، وآدم ظهوره، وإنسان غيبه لبطونه، قائما على كل نفس بما كسبت، وكل نفس فيه بما كسبت رهينة.
{من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها}[٤]… {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها}[٥]، وما كان هداها عنده، إلا أن تعرف معناها به، في قائمها له، وما كان هداها فيه، إلا أن تعلم أنه لا شريك له منها، {ولو شاء ربك ما أشركوا}[٦]، وما أشركوا يوم أشركوا، إلا برحمته، حتى يجتازوا أنفسهم إلى حكمته، حتى يجتازوا مادي ذواتهم، إلى قيوم المعنى لذاتهم، بروح الحياة فيهم، بنور الوجود لعقولهم مستوون على عروش أبدانهم، بقيوم رؤوسهم لعقولهم، على كراسي هياكلهم لمعانيهم، في قائم أمرهم الوسط، بين يدي رحمته بالمنتظِر لهم، والمنتظَر منهم.
إن الناس، تحدثوا، ويتحدثون، وسيواصلون الحديث، عن المهدي المنتظَر، وهل كان المهدي المنتظَر في الدين إلا خبر؟ هل في سبيل المنتظَر، نهمل أمرنا عند المنتظِر، وعن المنظور للنظر!
من يكون المهدى المنتظَر؟ هل هو أكثر من مخلوق، على مثال من وجودكم يتواجد؟ أتنسون الخالق، وتتعلقون بأهداب المخلوق؟ {من يهدِ الله فهو المهتد ومن يضلل الله فلن تجد له وليا مرشدا}[٧]، ومتى تعطل الله عن أن يهدي؟ ومتى تعطل الهدي أن يبلغ محله؟
فمن يكون الهادي؟ ومن يكون المهتدي؟ إن المهتدي هو المنتظَر، وإن الهادي هو المنتظِر، فلِمَ لا ترجعون إلى المنتظِر مع دائم قيام المنتظَر بينكم، في أنفسكم ومن أنفسكم؟ (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٨].
{عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا عِلما}[٩]، هذا هو المنتظَر، لا يغيب عن الأرض أبدا عن النظر، {عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}[١٠] لا يستعلون ولا يستكبرون، لا يجادلون، لا جدال ولا فسوق في الحج، فهم الحاجون، هم في حضرة الله دائمون… هم لحضرة الله في حضرة الناس يشهدون، أينما يولوا فوجه الله ينظرون، ومما تدفع إليه أنفسهم، على أنفسهم يشفقون، إذا طاف بهم من الشيطان طائف، فهم بربهم معهم يعودون، وإلى قلوبهم يلجأون، فمعه يتلاقون، ومنه يسترشدون، بقائم الحياة لا يعبثون، وفي أمر الحياة لقائمهم لا يفرطون، وبسر الحياة لمعاني حقهم، ومعاني ربهم، ومعاني إلههم، ومعاني أقداسهم، ومعاني انفراد القدس عندهم بالحياة يستمسكون.
… هم الأحياء لو تعلمون.
خلقنا الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا، وهي في سرمد، تبقى على ما خُلِقت، فما خلقت عبثا. {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين}[١١] {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}[١٢]… {وهو معكم أين ما كنتم}[١٣]… (خُلقتم للأبد) [١٤]، وجئتم من الأزل، وقمتم في السرمد، فلا تُغيبوا الله عندكم، ولا تغيبوكم عن الله، فهو لكم ومعكم.
إن حضرتم بقلوبكم، غابت عن النظر جلودكم، لأنها أصبحت زجاجة شفافة، لا تحجب ما حولها، وإن أظلمت زجاجتكم حجبتم عن مرآة صفائكم، في قلوبكم، لانعكاس إحاطتكم لموجودكم.
هذا جاءت به الأديان، وجاء به دين الإسلام، وجدده رجال من المسلمين، بلغوا رشدهم، وأظهروا رشادهم، جماعات وفي كل مكان، وأمة وفي كل زمان، على رؤوس القرون، بأوقاتها من أحيائها بدءا من كل حين.
بذلك، أسفر الله، للبشرية، بالبشرية، من أبنائها، لمعاني آبائها بمفرداتها وجماعاتها، وجماعاتها بطبقاتها، كان محمد مثالها وقدوتها، فردا، وكان مثالها وقدوتها لبيوتها بيتا… وكان مثالها وقدوتها لجماعاتها جمعا… ولأممها أمة… به ارتضى الله أفراد البشرية لفرد ذاته، يوم رشدوا، وببيته ارتضى الله بيوت البشرية بيوت ذكره، يذكر فيها اسمه لأسمائه، ويتجلى منها جماله وجلاله لشاهد ومَشهُود، وبأمته ارتضى الله أمم الأرض ليكونوا شعب الله المختار، على مثال مما أبرز في ولد إبراهيم، وجدد بولديه، إسماعيل وإسحاق، وجعل من إسحاق، آدما، وأبا وإسرائيلا، لبنيه، وجعل من إسماعيل على تباعد فيه، آدما، وإسرائيلا، وإنسانا فيه. تعاقب الأمر في إسحاق، وتجدد الأمر في إسماعيل، وتعاقب في بيته وبنيه، واجتمع الأمران، والتصق البيتان، بيتا للإنسان في منتظر موعود، من قائم محمد لقائم الوجود… عبدا وربا يسود، في مطلق الله للوجود، يظهر للكل وجهه، بكل حي من شيء موجود.
يأتي الرسول الرب الموعود… يأتي للأبناء ليجدد الجدود، في بشرية الأرض، بين المنتظِر، والمنتظَر، بين المنتظِر، أحد اجتماعها، وأصل أصول جمعها… والمنتظَر، لأمر مفرداتها، يوم يعلم الناس، قائم الله على كل نفس بما كسبت.
ولذا يقول الرسول، الأمر الوسط بين الأمرين، قائم الرسول الرب الموعود، والحق المنتظَر، مرسلا من الرب المنتظِر، قدر فهدى… ليكون كافة للناس يكسبوه، فهو المنتظَر لأمرهم يوم يعتقدوه، يا أيها الناس اتقوا الله، الذي آمنتم به، وآمنوا برسوله بينكم تشهدوه، ولا تفرقوا بينه وبين الله يوم تلاقوه، ولا تفرقوا بينكم وبينه يوم تعتقدوه، إن رأيتموه بلا تفرقة بينه وبين الله، فقد رأيتم الله… وقد رأيتم الحق جاءكم، {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[١٥]… (من رآني فقد رآني حقا)[١٦]… (من رآني فقد رآه، أنا في الآب والآب في)[١٧]
وهذا هو المنتظِر والمنتظَر يتلاقيان، في المعاني والأبدان، يوم أنكم تعودون إلى ربكم فيكم فيُنظر، شاهد ومشهود، في قائم من موجود، يوم تسير عقولكم، إلى قلوبكم فتحج، يوم هي إلى بيت الله تقصد، ويوم هي لله في القلوب تسجد.
فيدانيها الله، عقولا كبيرة مفتقرة يتحقق بها العقل، فيرد القلب لها التحية، فيصعد القلب إلى الرأس حاجا، بتحية، أحسن مما حيت الرأس، فيمتزج الروح مع العقل، وتمتزج القدرة مع الوعي، وتمتزج الطاقة مع الحكمة، ويتوحد الإنسان بمعانيه، لقائمه فيه.
فيعرف معية الله ما تكون، ويعرف الله من كان… ويعرفه من سيكون، يوم هو يسلك إلى منشوده الطريق، مصاحبا الرسول الحبيب الصديق، إلى لانهائي عطائه، لاستكمال معرفته، عن معلومه له، في علمه عنه، وقد صار من عَلِم، وقدم للناس من أعلم، فرفع شعاره لا إله إلا الله، حصن قيامه، وساحة رحمته، وعَلم وجوده، وجنة جوده، لعين قائمه، لحقي ذاته، بقائم محمد رسول الله لقيامه، قام قيام معبوده، وقام حقية سجوده بساجده ومسجوده.
رأى بقيومه عين قائمه في قائم من سجد، وربه لنفسه في نفسه وجد، فمعه بموجود منه اتحد، بشعاره لا إله إلا الله، باستقامته في طريقه قائم محمد رسول الله، لقديمه وقادمه في عينه لقائمه. {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[١٨].
هذا جاءكم مع رسول الله، ومع علم أعلام رسل الله بدين الفطرة، بدين الكتاب… بدين الرحمة… بدين صبغة الله للوجود والأشياء… بدين الحقيقة… بدين الطريقة.
فماذا أفدتم، وماذا عملتم وإلى أي أمر صرتم؟
ها أنتم في هذه الأيام، وفي هذا العصر الرسالي، وفي الأيام القليلة القادمة، وفي هذا العصر يوما من أيام الله، برسالة الإنسان، للإنسان، بقيام الروح لرب العالمين في عيان، تشهدون من الأحداث، الكثير، والخطير، ومنه الخطر، ومنه المزعج، ومنه المسعد، وها أنتم عنها تعرضون، فهلا أقلعتم عن هذا الحال، فلا تفوتكم تأملات هذه الأيام، وما هو واقع فيها فعلا، فلم يصبح الدين نبوءة وقولا، وسوف يزداد واقعه شيئا فشيئا، ظهورا، حتى يظهر الله أمره، وحتى يجعل يوم حاضركم، يوما من أيام النور، ويوما من أيام الحق، ويوما من أيام الله، ينتصر فيه الحق، على يوم من أيام الباطل، على يوم من أيام الشيطان، على يوم من أيام الكفر، على يوم من أيام الظلام، على يوم من أيام الحرب، ليوم من أيام السلام.
إن أرض الميعاد، على ما وُصِفت، تشير إلى هذا الموعد وتحقيق هذا الوعد، وتشعرنا أننا في الميعاد، وأن البشرية في جمعها، بحاضر أحداثها، مناداة بآيات الله، في آفاقها، وفي أنفسهم… {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني، وأقم الصلاة لذكري}[١٩]، إنه النداء إلى موسى، وقد شُدت أنظار البشرية إلى أرض مناجاته فقد صارها، وصار ربه ربا لها.
إن موسى عَم بيوتها… إن موسى يُبعث في أرجائها… إن موسى ما كان للبشرية إلا عبدا لها، يوم سمعها، ما شهدها، فطلب منها مشاهدتها، فردته إلى أرضها، وإلى نفسه لنفسها… (خلقتك لنفسي، ولتصنع على عيني)[٢٠]. ألا تراني؟ ألا تراني في الجبل، خلقته من أجلك وخلقته بيدك، وخلقتك لنفسي؟ لِمَ لا تستوفي لنفسك نفسي؟ ولو فعلت ما سألتني، ولكن في نفسك شهدتني.
إنك إذ تسألني أن تشهدني، أَشهَدك ما زلت في جهلك، وما زلت حائرا في أمر نفسك، وإني لهاديك إليك، انظر إلى الجبل.
فلما تجلى قيومه لموصوف ربه، لعين قائمه بمعناه لمبناه، بالجبل جعله دكا وخر موسى صعقا، لأن ربه لا شريك له، لا من موسى ولا من جبل موسى.
ها هو الجبل اليوم في يد أبنائه، فقد خرج الجبل من يد أخوته، فهل يليق أن يكون الجبل معبود الأبناء، أو مقصود الأخوة؟ هل كانت الأرض معبود الإنسان… خلقه الحق لنفسه؟ هل سيناء معبود موسى؟ أو يليق أن تكون معبود أتباع موسى، أو أبناء موسى، أو أخوة موسى؟ إنها أمة الله تلد سيدها، (أول من تنشـق عنه الأرض أنا)[٢١]… (أنا ابن الأرض[٢٢]… أنا ابن الإنسان[٢٣]). (أنا سيد ولد آدم)[٢٤]… (آدم أبو روحانيتي وابن جسمانيتي)[٢٥]، أنا الرجل الآدم، أنا أول العابدين، ولست آخرهم، أنا أول العباد لعالمك، ولست أول العباد في الوجود لله، فأنا عبد من عباد، هم لي رفاق، ولي منهم صديق ورفيق، خصني بخلته، وأكرمني بمحبته، وأقامني في وحدانيته، وتجلاني بطلعته، {فأينما تولوا فثم وجه الله}[٢٦]… (المؤمن مرآة المؤمن)[٢٧].
ما خلق الله من جن أو إنس، إلا ليعبدوا أنفسهم لله، لا لسيناء، ولا لجبال سيناء، ولا لطور سيناء، ولا لأورشليم، ولا لبكة، ولا للمدينة، ولا لقاهرة المعز، ولا للأرض جميعا.
خلق الله الجن والإنس لنفسه، ليعبِّدوا أنفسهم له بعضهم فوق بعض درجات، رجل سلم لرجل، وهم يوم يعبدون أنفسهم له، يعرفونه، وفي أنفسهم يلاقونه، بأنفسهم يسعدونه أو لا يسعدونه، جنة أو نارا لأنفسهم يقومونه.
فهو الذي لا يتصف بالسعادة، ولكنها من صفات الإنسان فيه… إن شئتم، فهو الذي لا يتصف بما وصفتموه به، من الأسماء الحسنى، فما كانت الأسماء الحسنى، إلا أسماؤكم، وما كانت لكم بها صبغة الحوادث من مثالكم، أما هو فإنه لا اسم له، ولا أسماء له، ولا صفات له، على ما وصفتم، لا ولا قدرة له على ما قدرتم، لا ولا عزة له بما أعززتم، لا ولا قدس له على ما قدرتم… إنه جعل ذلك كله لعلمكم للإنسان فيه، والإنسان بذلك فيه، يعرفه على حقه لحقيقته، وعلى حقيقته بمعانيه.
ما ظهر في شيء مثل ظهوره به وظهوره له فيه {أليس الله بكاف عبده}[٢٨]… (خلفت الله عليكم)[٢٩]، وماذا بعد الله إلا الضلال!
هذا جاءكم به قديما دينكم، ويتجدد به اليوم الأمر له لأمركم فاستعدوا، واحرصوا على أمركم، ولا تنزعجوا مما سوف تشهدون مما سوف يقوم بينكم.
إنكم في يوم الميعاد والمـُعاد، بسفور أحداثكم بمعانيكم، وما الميعاد إلا المعُاد بعودتكم من السماء ذات الرجع إلى أرض نشأتكم ذات الصدع، لتحققوا لأنفسكم في كرتكم ما فاتكم من قبل في كراتكم وما كانت لكم غاية في السماء لكم عُرفت، وفي الأرض منكم جحدت إلا لقاء ربكم فيكم. وما الميعاد، إلا ظهور المنتظر، رسالة تقوم للعين والنظر كافة للناس بجمعكم لا لمفردكم، فما كان المنتظر إلا فردا لمفرداتكم، لا تحرمون منه في فردكم، رحمة للعالمين لمفرداتكم، في قائم جمعكم، فهو رسالة بأمة وفردها، على ما كان محمد لربه وملائكته، في ذاته، وبيته، وأمته.
إن المنتظر، ما كان فردا على مثالكم، كان مظهرا لله وملائكته… كان الإنسان وظلاله… كان تمام الإنسان، بتمام آدم وبنيه… تلقى من الله كلمات لله فيه… علمه بها الأسماء كلها، فصار هو الأسماء كلها، صار الاسم الأعظم، وصار الأسماء الحسنى، فهو الذي عُرف في الوجود بلفظ الله وملائكته، وقام بذلك في موجوده معنى المنتظر. فإذا بعث المنتظر بسر المنتظر، ظهر المنتظر بالمنتظر للوجود بالشهود والنظر، وبذلك جاء الحق والخبر، بجيئة محمد بظاهر لباطن بحق وأثر. فهل وعيناه؟ هل عرفناه؟ وهل نظرناه، فانطبعنا عليه فتواجدناه، فكنا التابعين وتابع التابعين بإحسان فقمناه، وواصلنا فواصلناه!!
إن قديم محمد، بالمنتظِر من خلاله قياما يتواجد بالمنتظَر، هو الأمر الوسط بينهما، والأمر الجامع لهما، هل عرفنا مكانة رسول الله، في قائم لله، وقد قال لنا الله (لا تفرقوا بين الله ورسوله)[٣٠] {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٣١]، وأمره أن يحدثنا عنا، فقال له {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}[٣٢].
ما جاء محمد ليحدثنا عن الله غيبا علينا، فإذا عرفنا ما حمل إلينا بوعي صادق، ونظرنا بصفاء صادق، وجدنا أن الرسول قد علمنا أن الله لا يُعرف نتيجة حديث، وأن الله يعجز الحديث عن التعريف عنه، مهما أوتي المتحدث من بلاغة، إن الله يُعرف عن طريق الواقع لا عن طريق الحديث، إن الدين لواقع، إنه البداهة، كيف يتحدث إليك عمن هو أقرب إليك من حبل الوريد؟ كيف أتحدث إليك عنك، إذا أنت كنت منكرا لقائم الحق بك لك فيك؟ ما يجدي الحديث معك وأنت المنكر على وجودك.
إن أبناء البشرية في عصركم، ممن تهيأت لهم فرص الجلوس على كراسي السلطان عليكم، بسلطان زمني موقوت، ضل بهم المسعى، وانحرفت بهم العقول، فأساءوا إلى الناس، وأساءوا إلى أنفسهم، وقاموا بينكم دجالين باسم المسحاء، وطغاة باسم الرحماء، فتانين باسم الهداة، وظالمين باسم الرعاة، قوادين للشهوات لونوا، والنزوات باسم الطريق، فاسقين مضلين باسم الصديق، كَوَّنوا كل حق بنقيضه وادعوه، فأي مسيح دجال تنتظرون، وكلكم الدجال، وكلكم المسيح للشيطان، وكلكم المخاصم الكنود للرحمن، بين ضعيف مهان، وبين عزيز بطغيان بموهوم من سلطان، وإن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بها من سلطان!!
ولكنكم لأسماء أنزل الله بها من سلطانه، وأبرز بها على ألسنة أهلها بيانه، وقدم من أيديهم إحسانه، وسعى بأقدامهم إلى الناس، فإذا الناس يهربون منهم إلى أوكارهم، إلى أوكار نفوسهم، إلى أوكار ظلامهم، يضعون أصابعهم في آذانهم حذر الموت، لا يرتضون الموت وفيه الحياة، فالحياة في النور لا تقوم إلا بعد الموت في الظلام. إن البعث بالنور لا يأتي إلا بعد الهلاك في الظلام، بالهلاك، بالظلام من عالم الظلام في عالم الظلام… أقبره ثم إذا شاء نشره… حتى إذا زرتم المقابر.
إن حياة القبر، أيضا حياة موقوتة، كحياتكم في قلوبكم مقبورة، بهياكلكم موجودة. إنكم يوم تنتشرون من قلوبكم، تنتشرون من قبوركم. إنكم يوم تقتلون أنفسكم تحيون بأنفسكم… إنكم يوم تجتمعون حول رسول الله حبيب الحياة وحبيب الله، وحبيب قلوبكم لو رأته، وحبيب عقولكم لو عرفته، لو أنكم عرفتموه، لطلبتموه وضحيتم بأنفسكم لتعرفوه، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم}[٣٣].
من يكون الله عندكم، أقرب إليكم من حبل الوريد، ماحيا لوجودكم بوجوده إليه تغيرون ما بأنفسكم؟ هل عرفتم في هذا المعنى غير رسول الله؟ لـِمَ تجحدون رسول الله أن يكون كذلك مع ربه، حتى يكون به معكم بذلك كذلك، فيمشي فيكم بنوره له هو نور الله لكم فيمحى ظلام أنفسكم إلى نور الله، بمحمد هو قائم كوثر نور الله، فتعرفون أنه هو الحق من الله، كوثرا به، وأمة لكم ورحمة للعالمين؟
ها أنتم في يوم الفصل في أمره لكم، لا في أمره بينه وبين ربه، فهذا أمر منتهي في أزل، باق لأبد، ولكنه الفصل في أمركم أنتم، لأنه جاء ليقول لكم فيكم قولا بليغا، فما قبلتم قوله في أمركم أنتم، من أمر الله به لكم، {أتى أمر الله فلا تستعجلوه}[٣٤].
إن الأمر الخطير والشأن الخطر، يوم يسفر هذا الأمر الحق بينكم، عليكم ولكم بدائمه في قيامه لكم فتجدونكم قد خسرتموه، والصيف ضيعت اللبن، ما شربتموه.
ان رسالة السماء بعوالم الروح إليكم ما جاءت إلا وأملها رسول الله، يرى الآزفة، أزِف وقتها، وأشرف زمانها، فهو بصفته رحمة للعالمين، وبغريزته باخع نفسه على آثاركم. فها هو يقذف بنفسه، ويلقي بجحافله وأمره، على أرضكم، مجندا أهل الكواكب، وعوالم الروح، وعوالم الجن، وعوالم الأنس في ركبه، ليتدارككم مما أنتم معرضون له… وقد نفخ في الصور والأسوار لتزهق النفوس ما بها من الأغيار، فاختلط باختلاطهم العالمان ببشرية الأرض البحران، مقدمة لأمر، وتحقيقا لنبأ وخبر، (لا تقوم الساعة إلا ويظهر على الأرض آدم)[٣٥]… ها هي الساعة ترهص بمجيء، وها هو آدم يظهر عن كثب مسرعا إليكم في الطريق، يظاهره رسول الله، بوصف الأعلى والرفيق… ها هو المسيح يتوفى، وابنا للإنسان الكامل يستوفى.
هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، وقد جاءت؟ أو أن يكلمهم الموتى، وقد كلموهم؟ أو أن يحشر عليهم كل شيء قبلا، وها هو سر الأشياء قد انكشف؟ ها هو ناموس الفرقة قد عرف، وبعد أن تمكن الإنسان من أن يفرق بين المرء وزوجه، وها هو قد تمكن من أن يفرق بين النواة وتابعها، استطاع أن يفتت الذرة… استطاع أن يصل بفتنته إلى المادة في قيامها، فيفسد أمرها بصنعته، رسول تفرقة، وفرقة… لا رسول ود وألفة، ولا عامل وحدة. فماذا يريد الإنسان بعد ذلك؟
تكشفت له آيات الله، في الآفاق وفي نفسه، ولا يريد أن يرعوي، {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله}[٣٦] ولكن ما أقساهم! قلوبهم {كالحجارة أو أشد قسوة}[٣٧]… {كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم}[٣٨]… فما زال الله، صاحب السلطان، وله الحكم، وله الأمر في السماوات والأرض، خلقكم ليستخلفكم، وأرادكم ليخلِّفكم، وأعلاكم لمعناه ليخلفكم منه بمعناكم له، فما معه تعاملتم، ولا في أنفسكم له شهدتم، ولا سلطانه فوقكم اتقيتم، ولا قيامه بكم رعيتم، وها أنتم في أمركم فرطتم.
لا… لن يترككم، فإذا كانت اليد الرحيمة لم تفلح معكم، فيد القسوة قد تصلحكم، {إن العزة لله جميعا}[٣٩]… {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}[٤٠]… (وا عجبي من أناس يجرون إلى الجنة بالسـلاسـل)[٤١]… صدق رسول الله، ها نحن، وإن طمعنا في أوبته وقلنا بغيبته، إلا أننا ما أدركنا لحكمته، فقد قام فينا بدوام وفي دوام برحمته، وتجدد بيننا بجلدته، وتجدد في قلوبنا بطلعته… وتجدد في لبابنا بنعمته… وتجدد مع صادقين بنصرته… وتجدد مع مساكيننا بعزته، ولكننا ما زلنا ننتظر أوبته، لمزيد وبمزيد من رحمته، ولمزيد وبمزيد من عزته، ولمزيد وبمزيد من إشراقه بطلعته.
نعم في الأيام القليلة القادمة، يسعد منكم الكثيرون من روحه بحقيقته، ثلة من الأولين وثلة من الآخرين وجوه طلعته، ويشقى الكثيرون، كما شقي من قبل الكثيرون، ضرب لهم مثلا يوم حنين وقد أعجبتكم كثرتكم.
وها أنتم اليوم وفي حاضر يومكم، لا من قلة تذلون، ولا من قلة تهزمون، بل أنتم كثرة وفي أيديكم أسلحتكم، ولكنكم كرغاء السيل، تتداعى عليكم الأمم كما يتداعى الأكلة على قصعتهم… (وقد أنزل الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم)[٤٢].
أين بينكم المؤمنون، عَلم القيادة يرفعون، وللصادقين يقودون، ومن العارفين نور الله يستمدون، ومن أرواحهم في أرواح جندهم من المؤمنين ينفثون، حقا ينتشرون، ووحدة وإن كانت على قلة يتجمعون ويتوحدون، فبيوتا من الفولاذ ينصبون ويرفعون، وسورا بين الحق والباطل يشيدون، لا يستطيع أن يظهره الكاذبون أو الكافرون المختالون؟ ولكن أنتم اليوم ممن ضربت عليهم الذلة، فهويتم أسفل سافلين، فسرتم أضعف من الضعفاء المستسلمين، ثم أنتم إلى رسول الله أنفسكم تنسبون!
أين هو رسول الله بينكم، أيها الكافرون؟ أتتخذونه من الشياطين رسلا باسم الرحامين؟ أين هو الدين أيها الكنودين؟ لِمَ لا تفيقون؟ وحتامَ في كبريائكم تعمهون؟
إن الله يوما مفيقكم على ما تكرهون، رحمة برسول الله وبالمؤمنين. وإنه لمذل بينكم الطاغين، رافع علم المؤمنين.
انتظروا فقد أزفت الآزفة، ونحن عليها مشرفين، إنها يوم الدين لمن يجددون الدين، ولمن يطلبون الدين، ولمن لا ييأسون من الدين، إيمانا بالله، الرحمن الرحيم ورب العالمين، إنه إيمان وقيام رسوله الأمين يعم العالمين.
إنها الأيام، وإنها لأيام، ويعرف الناس لمن عقبى الدار، ويعرف الناس كيف يرث الله الأرض ومن عليها، بعباده الصالحين، بأعلام علمه قائمين، قياما بالمؤمنين، وبالمتقين، وبالمستغفرين، بمن كانوا رسول الله لأهل العالمين، يقوم ويتقلب في الساجدين، منظورا من الغيب، معانا من الإطلاق معزوزا، معزا، عزيزا بعزة العزيز الحكيم لا شريك له، ولا عزيز معه، ولا عزة لغيره.
نحن في يومه… نحن في يوم الفصل في أمرنا به، لا في أمره معنا، فقد فصل الله في ذلك، يوم جعله رحمة للعالمين، لا ينظر إلى المخطئين، ولا يؤاخذ المسيئين، وأمره أن يصفح الصفح الجميل، فقال (أُمة مذنبة ورب غفور)[٤٣]… (إذا لم تذنبوا وتستغفروا، فيغفر الله لكم، لذهب بكم وأتى بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون، فيغفر الله لهم)[٤٤].
بهذا فصل الله في أمر رسول الله، ولكن أمرنا فيه هو الذي ينتظر الفصل ومن الذي سيفصل فيه غيرنا! {كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا}[٤٥]، إنكم ستحكمون أنتم على أنفسكم، وتفصلون أنتم في أمركم، يوم يتكشف في الأيام القادمة أمر الله لكم، غريبا عليكم.
فأنتم يا من تستمعون لحديث الروح، في هذه الجماعة، أنتم أيها الروحيون، احرصوا على أمركم من الروح، وعلى علاقتكم بها، وعلى تمسككم بأمركم منها، إنها أرواحكم… إنها روحكم… إنها لباب أشباحكم… إنها دقات قلوبكم، وقدرة قدراتكم، ووعي وعيكم، ونور عقولكم، في جلابيب قيامكم لعوالمكم، احرصوا على ذلك، واكتفوا به دينا لكم، واذكروا الله في أنفسكم، في قيامكم وقعودكم، في يقظتكم ومنامكم، في شهودكم واحتجابكم، لا تفتروا عن ذكر الله معكم، دون الجهر من القول، كشفا لقائمه بكم، اذكروه عند أنفسكم، وتذكروه عند غيركم بالغدو والآصال، ولا تكونوا من الغافلين، واجعلوا من ذلك أساس صلاتكم، لقائم صلتكم، وأقيموا الصلاة منسكية لكم، إقامة لذكركم، ولقاء مع مذكوركم لقيوم قائمكم، بمعنى ربكم في أنفسكم.
احرصوا على ذلك، وجاهدوا أنفسكم فيه حتى لا تتعرضوا لما يتعرض الناس له، في قادم هذه الأيام، {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}[٤٦]… {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[٤٧]… {إن هو إلا وحي يوحى}[٤٨]… {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}[٤٩].
فاذكروا رسول الله فيكم واذكروا رسول الله معكم، وآمنوا برسول الله معكم أقرب إليكم من حبل الوريد، غير مفرقين بينه وبين ربه، لقائم الله أقرب إليكم من حبل الوريد، واستغفروا الله، الذي هو معكم، وأقرب إليكم من حبل الوريد، في أمركم من التقصير في البحث عنه، بين ظهرانيكم، بنصب أعلامه، لأرض قيامكم، أوتاد الأرض أن تميد بكم، ومصابيح الطريق أن تظلم عليكم.
اعرفوا رسول الله كذلك تسعدون بذلك، وتركبون قوارب النجاة، فما ينتظر من أمر الناس، لأمرهم مع أنفسهم.
بذلك تشهدون أنه لا إله إلا الله، وتشهدون أن محمدا رسول الله، وتقومون قائم الحق أعلام الحق ووجوهه، لقائم وقيوم الله عليكم بكم بالشهادتين.
هذا هو ديننا نحن الروحيون… هذا هو ديننا نحن المسلمون… هذا هو ديننا نحن المسيحيون… هذا هو ديننا نحن المحمودون… هذا هو ديننا نحن الذاتيون… هذا هو ديننا نحن الأنانيون… هذا هو ديننا نحن الغائبون، عن أنفسنا، القائمون بحقنا في لا إله إلا الله، بقائمنا محمدا رسول الله.
اللهم إنا نسألك بما آمنا به عنك ولك وبك، أن توفر قسط الإيمان لنا بك، في إيماننا بنا منك، بلا إله إلا الله، بقائم محمد رسول الله، وسيلتنا إليك، وغايتنا فيك، وطريقنا منك، ومسيرتنا إليك.
الله به فاكشف الغمة عن أنفسنا، وعن الأرض، وعن هذا البلد، وعن بلاد المسلمين، وعن بلاد الأرض جميعا.
اللهم ارزق الأرض وأهلها السلام ومُنَّ عليها بالأمان، وأدخلها في حجاب السكينة والرحمة والنعمة، والصبر، والرضا، والتواصي بالحق والتواصي عليك سيرا إليك، وذكرا لك، وقياما بك، وصِلة معك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، يقظين وغافلين، سارين وعاكفين، قائمين وقاعدين، بمن جعلته رحمة للعالمين.
يا أرحم الراحمين
قنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوت
ربنا إنا ظلمنا أنفسنا، وما ظلمتنا… وقسونا على أنفسنا، وقد رحمتنا… وأغفلنا وفرطنا في أمرك بنا، وكنت بنا أولى بنا من أنفسنا، حفيظا على الكافرين، ووكيلا برسولك عن المؤمنين.
اللهم لا تعاملنا بما نحن له أهل، وعاملنا بما أنت له أهل… اللهم عاملنا بعفوك ورحمتك، واكفنا شر غضبتك، وأقلنا من عدلك، وحسابنا بمغفرتك.
ها نحن إليك نرجع وإليك نجأر، وعليك نتوكل، فكن حسبنا وأنت نعم الوكيل.
اللهم اكشف الغمة عن الأرض، وعن هذا البلد، وعن بلاد المسلمين… اللهم ارزق أهل الأرض الأمان والسلام… اللهم أدخلهم في حجاب سكينتك وفي أنوار رحمتك، وفي طريق طاعتك، وأقلهم من أنفسهم، وكن لهم أولى بهم منها، أسعدهم بطلعتك، ومتعهم بمشاهدتك، واكشف لهم حجب الغفلة عنك فيهم، حتى يروهم بمعانيك لهم بهم، بوحدانيتك، بلا إله إلا الله، شعار دينك، بمحمد رسول الله، رسول رحمتك، بقيام الروح لرب العالمين، يد نجدتك وقدم سعيك.
آمنا أنه لا إله غيرك، ولا معبود سواك، لك الأمر من قبل ومن بعد، ولك العزة ولك الحكم، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، فاغفر لنا ظلمنا، واعف عن سيئاتنا يا أرحم الراحمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
الشية هي العلامة. سواد في بياض، أو بياض في سواد. ↩︎
من قصيدة لمعن بن أوس بن نصر المزني أحد شعراء الجاهلية والإسلام. ↩︎
ضربوه بالسوط أو البطش والقهر والاعتداء. ملحوظة: في النسخة الأصلية المنشورة هذه الكلمة مكتوبة “وسطوه”، تم تصويبها إلى “وساطوه”. ↩︎
سورة الإسراء - ١٥ ↩︎
سورة السجدة - ١٣ ↩︎
سورة الأنعام - ١١١ ↩︎
سورة الكهف - ١٧ ↩︎
تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
سورة الكهف - ٦٥ ↩︎
سورة الفرقان - ٦٣ ↩︎
سورة الأنبياء - ١٦ ↩︎
سورة الحجر- ٨٥ ↩︎
سورة الحديد - ٤ ↩︎
مقولة للخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز. “إنما خلقتم للأبد، ولكنكم تنقلون من دار إلى دار.” أخرجها أبو نعيم الأصبهاني في كتابه حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
من إنجيل يوحنا: “أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ.” (يو ١٤: ١٠). ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة طه - ١٤ ↩︎
عبارة ملهمة من مصدرين: “خلقتك لنفسي” جزء من حديث قدسي جاء في بعض الآثار منه “ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكلفت برزقك فلا تتعب…” ذكره المناوي في فيض القدير قائلا إنه لم يعثر على عزوه للنبي صلى الله عليه وسلم فلعله مما روي عن أهل الكتاب. والجزء الثاني {ولتصنع على عيني} من سورة طه – ٣٩. كما أن العبارة الأولى (خلقتك لنفسي) توافق الآية {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} سورة طه - ٤١، والتي قيلت موجهة لسيدنا موسى عليه السلام. ↩︎
من الحديث الشريف: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ.” صحيح ابن ماجه. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق، وقد تكون مستلهمة من الآية الإنجيلية “أنا ابن الإنسان” هي لقب هام استخدمه يسوع المسيح بشكل متكرر في الأناجيل (حوالي ٨٠ مرة) ↩︎
عبارة “أنا ابن الإنسان” هي لقب هام استخدمه يسوع المسيح بشكل متكرر في الأناجيل (حوالي ٨٠ مرة) للإشارة إلى نفسه، وهو لقب له جذور في العهد القديم (سفر دانيال) ويعبر عن إنسانيته مع الإشارة إلى طبيعته الإلهية. ↩︎
من الحديث الشريف: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ.” صحيح ابن ماجه. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة البقرة - ١١٥ ↩︎
حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎
سورة الزمر - ٣٦ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
سورة النساء - ٦٣ ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة النحل - ١ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الحشر -٢١ ↩︎
سورة البقرة - ٧٤ ↩︎
سورة الإسراء - ٥٠-٥١ ↩︎
سورة يونس - ٦٥ ↩︎
سورة المنافقون - ٨ ↩︎
حديث شريف: “عجِب اللَّه من قوم يدخلون الجنة في السلاسل.” صحيح البخاري. كما جاء بلفظ “عجبتُ لأقوامٍ يُقادونَ إلى الجنةِ في السلاسلِ وهم كارهونَ.” أخرجه ابن الأعرابي في معجمه، وأبو نعيم في حلية الأولياء. ↩︎
استلهاما من الحديث الشريف: “إذا تبايعتم بالعِينَة، وأخذتم أذنابَ البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذُلًّا لا يَنزِعُه حتى تَرجِعوا إلى دينكم.” أخرجه أبو داود والبزار والطبراني. ↩︎
حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في (تاريخه) عن أنس ابن مالك. المحدث الألباني. المصدر: ضعيف الجامع. ↩︎
حديث شريف: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ.” صحيح مسلم. ↩︎
سورة الإسراء - ١٤ ↩︎
سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎
سورة يوسف – ٨٧ ↩︎
سورة النجم - ٤ ↩︎
سورة الأنعام - ١٢٢. ↩︎