(١٠)

الممسكون به ممسكون بحبل غير منفصم
ربهم في أنفسهم يلاقونه، وفي مرآة أخوتهم يشهدونه
وفي مطلق الله يعرفونه فينزهونه، وبالتنزيه يقومونه

حديث الجمعة

٧ محرم ١٣٨٨ هـ - ٥ أبريل ١٩٦٨ م

لا إله إلا اللـه… محمد رسول اللـه.

محمد رسول الله، أمته عترته، لا انقطاع لهم، أناجيلهم صدورهم، وقومه شيعة عترته، فيهم الخير لا غيبة له، وبيته لقبلته قلبه في جلدته، وبذلك قامت للناس كافة قدوته، والمؤمنون بالله ورسوله مع علي وبنيه ممسكون بحجزتهم، ومن آمن به إيمانا بهم إمساكا بحجزة الرسول اتحادا وتوحيدا ممسك بحجزة ربه، في وحدانيته، يشهدون أنه لا إله إلا الله، ويقومون بالله محمدا رسول الله لباطنهم وظاهرهم، يدخلون في أمته خلف علي إماما لهم.

هو بالرسول وليهم، ومن الرسول إليهم عطاؤهم، ومن الحق في حقية الرسول قيامهم ووفاؤهم، والرسول لهم في الكون للوجود حقيقتهم لحقهم، وفي الجمع لهم إمامهم، وفي الفرد منهم قيامهم، بقيامهم لعترته قياما لله ورسوله لدينهم وطريقهم للخلاص من أنفسهم.

قوم أناجيلهم صدورهم… الوحي لهم منهم وإليهم، حقائقهم لهم بقائمهم، ربهم في أنفسهم يلاقونه، وفي مرآة أخوتهم يشهدونه، المؤمن مرآة المؤمن يعرفونه، سواسية في الوجود المطلق يقومونه، إيمانهم بالله ورسوله يشهدونه ويشهرونه.

إيمانهم بالله ورسوله، يقوم في قائم إيمانهم به قائما على كل نفس بما كسبت، ومن ورائهم بإحاطته، وجوه وجوده، لوجوه شهوده، بداني طلعته، المؤمن مرآة أخيه، والمؤمن مرآة المؤمن… يرى المؤمن أخاه المؤمن في نفسه قائم المؤمن لمعنى ربه قياما فيه معرفا عن نفسه لنفسه بصورة مؤاخيه، كما يرى أخوه لنفسه قائم المؤمن يؤاخيه لمعنى ربه فيه كذلك، الناس في قائم الله لهم سواسية كأسنان المشط، في قائمهم في الله ورسوله بقيامهم بالله ورسوله، لا شرف لعربي على أعجمي فيه لقائمهم بينهم إلا بالتقوى، رجل سلم لرجل، الحب دينهم والإيثار طريقهم.

لا يزكون أنفسهم، ويعلمون أن الله أعلم بمن اتقى، لا يقولون راعنا بل يقولون انظرنا… يَشهدون الله في أمرهم، ويَشهدون الله محيطا بهم، بعين الله بلطيفه لقيامهم، إيمانا بالله، وإيمانا بوحدانيته، في قائم اتحاد قلوبهم، ووحدانية معانيهم، لمتحرر عقولهم، بصفاء أنفسهم، في قائم بيت الله، لقائم رسول الله لهم بيتهم وفي أنفسهم.

فالنبي أزواجا كان وأزواجا يكون، وأزواجا يبقى ويدوم، بناموس خلقناكم أزواجا، يقوم عصران، ويتواجد أمتان، ويظهر أمران، ويعرف وجودان… أمره بما قام به بيننا، رسولا من أنفسنا، كمال الماضي، إلى قائم شاكره بإنسان ذكره وحمده.

فكان الرسول الذي عرفنا، آدم الذي وصفنا، استكمل في الوجود مداه، وتطور في الوجود إلى أعلاه، فقام للوجود آدم ومن والاه، ومن خلقه فأبداه على صورته ومعناه، ليعرف في الله مولاه في النفس بالموالاة، يعرف مولاه يوم يبعث المؤمن به في محمود معناه، وجها وصورة لله، فحقا يراه كل من يراه على ما رآه كل من رآه…

إنسان الله وعبد الله ووجه الله، وقائم الحق من الله، وقيوم الحق على الخلق بالله، فبموجوده بيننا بلغ الإنسان علاه، وخلفه علينا محمود معناه، يوم خَلفه علينا الله، فارتقى البدء إلى منتهاه، وجاء الحق بجيئته بذاته ومعناه.

وزهق الباطل، في موجوده له بماديات مبناه آدم في جلدته ومن عاناه، ومن كان كنودا له بحق معناه إلى معنويات علاها يراه منطلقا عن حيز مبناه، فهو في قديمه وجديده ذاك الذي أبى الكنود السجود له، سجودا لمن تجلاه حتى يبعث به منه آدمه له في سجود لعين معناه قياما وبعثا لاسم مولاه، بفنائه عنه إلى الأعلى لعليه لقيوم من تولاه مسيحا لله ووجه الحق لمن تابعه وارتضاه.

جاء الناس بمعناه ومبناه… جاء الناس بالعبد ومولاه… جاء الأرض بالحق تولى به وتولاه. زويت له الأرض وانطوت السماء في سموه بمعناه، فظهر بمبناه لمعناه، حوزة الله، وقبلة الله، وبيت الله، وهيكل الله، رضيه الله لمعناه، ورضيه للناس منه لهم رحمة مهداة بمن منه له ارتضاه.

خير العصور عصري… خير القرون قرني، ثم الذي يليه، ثم خير العصور عصر يكثر فيه الفقهاء حتى إذا قام الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر وجد من يعينه، ويأتي على أمتي زمان القابض فيه على دينه، كالقابض على الجمر.

بعث الرسول في أُمة ما خلا فيها نذير فلم تقم عليها حجة الله إلا به، {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}[١]، حُمِّلت مسئولية نفسها، بإرادتها، برؤيته بينها، بشرا مثلها، وبمعاملته لها، بشرا مثله، أبرز الحق به بينهم، قيام رحمته، وقيام عطائه، ونعمته وكرمه وجوده، دون بروز جزائه، مرجئًا ليوم الفصل، فكان قائم الحق لدائمه في البشرية من البشرية.

فجعله الحق من الله قدوة لرائيه، ومعنى لعانيه، وامتدادا للحق بامتداد الحق فيه، عند مؤمنيه، إيمانا به وبمبديه، في إيمان بالله ورسوله عند المؤمن للمؤمن قياما به فيه، مشهودا به له، ومشاهدا له فيه.

هذه أمة له من أمم به، بعثت به لتمام إيمانها لها معه، لتتوفى من كماله وتمامه من القديم وقد بدأ انحدارها من بعده باختبارها في إيمانها بالله ورسوله لها، فبدأ الانحدار ببدء الاختبار، {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون…}[٢]، فبدأ الاختبار وظهر الاضطرار… بدأ السر والجهر والادكار… عُرف الليل والنهار… عُرف العلو والانحدار… عُرف العلو والهبوط والاستقرار… وعُرف في العلي والدني، كيف يكون القرار، أبرزت الجنة والنار في عيان، وفي إسفار.

هذه أمة في الاختبار ينتهي بها القديم، بكمال قدمه، إلى صفوة موجوده، بالله ورسوله، بالمؤمنين بالله ورسوله، ويسير أمرها مواصلا إلى نهايته، بموعود ساعته، يوم يخسر الإنسان نفسه، ويفقد في فقد نفسه ربه… {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس}[٣]، هذا بلاء… هذا عذاب… هذا قضاء أليم، فلعلنا قاربنا هذا اليوم، أو دخلنا في فجره لساعة بدئه بفصل وإنظار بجديد دورة الاختبار.

يومئذ، يكون الرسول لها، ويكون الرسول رحمتها، ويكون الرسول نجدتها، يوم تمتد به يد الله، فتنتشل البشرية من هوتها، يوم تستنجد فتجده في نجدتها، ويوم تستنصر بالله على شيطان نفسها، فتجد به نصرتها، رحمة للعالمين حقا، وحقا للأولين، وحقيقة للآخرين، وانتهاء للحرب والخصام، وبدءا لدائم السلام للقيام.

الأولون والآخرون متحققين يشهدون فيه وجه رب العالمين، ويمدون أيديهم ليد الله ممدودة به إليهم مستنجدين، له على أنفسهم مبايعين، وبالحق معه لهم متواصين، وباللجوء إليه من هوة أنفسهم متخلصين، يلبونه روح الأرواح مرشدين، وذات الذوات للحق عابدين.

أمته المدركة به، المرضية عنده، هي أمة المحبين بقلوبهم في قلوبهم متلاقين، (وا شوقي إلى أحبابي[٤] بي يؤمنون وما رأوني[٥]) ، لهم من الله ما لي، ولكن حقا يرون يوم هم إليّ يتقربون، بحرصهم على أمرهم، بمحبة لله، في قائم محبتي للعالمين، إلى الله بها يتوسلون، فأقاربهم، وهم يقاربون، فنتلاقى على الأمر الوسط لقيامي به يقومون، أمتي لصحبتي هم في أول أمرهم له يجهلون، وعنه يتغافلون، وطغاتهم، عنه لأنفسهم يغفلون، ويتغاضون، والناس عنه يصدون ويمنعون، حرصا على ما في أيديهم من دنيا بشهواتهم منها يقنعون، وللنعمة في خدعتها يستعجلون، وعن موائد الله ممدودة لهم يصدون، وهي خير مما يجمعون، والجنة قطوفها دانية لو يطلبون، ولكنهم العاجلة يتعشقون، وبالآجلة يضحون، ويجعلون منها ثمنا يدفعون هم له يملكون، لكسب العاجلة خلقت لهم بها أنفسهم يخادعون، وبها أنفسهم يكبلون، وعن فطري سيرها يمنعون، وكسبها منها لها من الله يعوقون، وعما قليل لها يفقدون… فالدنيا والآخرة يخسرون، والعاجلة والآجلة يضيعون، وأنفسهم لا يحيون، ولا يبعثون، وظلامها لا يميتون، ونورها لا يبعثون ولا يستولدون، وحقها لا يدخلون، وفي باطلها يقومون، ولحقها يعمهون.

بهذا جاءكم الدين، فهل أنتم من أمة الغافلين، أو أنكم لأمة المحبين تنتسبون، ولأمة العاشقين مع العاشقين تتولهون، شوقا لمن تذكرون، وعليه تصلون، وبه تصلون، صلة بربكم تقيمون، رجل سلم لرجل ترتبطون وتتحابون، حتى إلى الذات الأعلى لها تقدسون وتكبرون، وفي أنفسكم لها تشهدون يوم تؤمنون مع من بينكم له توالون، ومعه على ذكر للمنشود تتحابون، وبنوره نورا لله تقومون، عبادا للرحمن هونا على الأرض تمشون؟

عباد الرحمن بينكم في قيام يتواصلون، فهم لا يختفون، وبينكم يظهرون، ولكن عامتكم وخاصتكم لهم يغفلون وعنهم يتغافلون، وبالتجاهل لا يكتفون بل هم لهم يخاصمون، فلا هم معهم يتعاونون، ومنهم لأنفسهم يفيدون، ولا في أمرهم لأمر ربهم يتركون، والأمر جميعه لله لو أنهم بالله يعترفون، فهم يومئذ مع الله يستقيمون ومعه يتعاملون، ويكفي أنهم بوجوده صادقين يقولون، وعن الاستعلاء عليه معاملة معه يمتنعون.

رسول الله الذي تذكرون، أمته أناجيلهم بهم لقائمهم بها تشرح لهم صدورهم، وبها يبعثون ويرسلون، بالحكمة في كل أمة وفي كل مكان وفي كل زمان يتحدثون، وبالحكمة يتصدقون، وبالحكمة يريدون قيام له بينكم يدوم، فاعلموا أن فيكم رسول الله، لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم، فهل تطيعون؟ يا من للإسلام تنتسبون، وبمحمد تتمثلون، وبين الرسل لا تفرقون وعليهم لا تنكرون؟ فهل أنتم لرسل تستمعون، أو إلى غاندي تنظرون، وفي مقتل كنيدي تتأملون؟

إن رسول الله هو عَلم لا إله إلا الله، يوم تشهدون، وقلب القلوب يوم تعرفون، فقلب مع قلب به تتلاقون، تعالى الله عندكم أيها العارفون، عما يصف الجاهلون، وعما يزعم الدجالون، وعما يقول المختالون، وعما يعمل الضالون، وعما يقوم المضلون.

لا تجمع أمتي على ضلالة، يوم أنكم حقيقة لمحمد أمة تقومون، فبقلوبكم تتآلفون، فتألفون وتؤلفون، وبعقولكم تتحررون، فتقبلون كل حكمة وكل هدي وكل معرفة، حيثما تجدون، ومما لديكم منها، لمفتقر لها، معاملة مع الله، دون أجر من الدنيا، لها تبذلون، وبدنياكم لمن يتآلف معكم لمعاني أخراه لقائمكم بدنياكم، هي أخرى لآخرة الناس تبذلون، يوم هم لكم يعرفون، ومعكم على الله يتعارفون، فبالدنيا تملكونها مع الناس تتعاملون، وعلى خصاصة بكم، بها لمفتقر تؤثرون، فبخلق الأعلى من إنسان الله تتخلقون.

ضرب الله مثلا لنفسه، بالإنسان، في إنسانيته يوم يقوم بحقه لحقيقته، وجعل من رسول الله مثلا وحقا تشهدون، وفي دوام بينكم عليه تجتمعون، لا يبتر من بينكم، ويتكاثر بكم كوثرا له بنور الله، به يمشي في القلوب، وبروح الله لأمره بها يلقي الروح على من يشاء من عباد الله، ليحرر العقول، بأمر الله لأمره، ويطلق الأرواح من أشباحها إلى دارها، لجنتها، بالسماوات والأرض عرضها، لا سقف لها، ولا قرار لسفلها، بعطاء غير مجذوذ لأهل السجود، يقابله انحدار يتخلف لا يتوقف لأهل الكنود، ويتوقف يوم تستقبل الهاوين يد رحمة رب العالمين، هي يد رسول الله، في نجدة المستغفرين، يخفض لهم جناح الذل من الرحمة، يلازمهم في هاويتهم رحمة للعالمين، باخعا نفسه على آثارهم، كما يلازمهم في مراقيهم ليحفظهم من عثرات أنفسهم، ومن عثرات الطريق.

لا تُجمع أمتي على ضلالة… لا تُجمع أمتي على رأي خاطئ… لا تجمع أمتي على فعل منحرف… لا تجمع أمتي على باطل يقوم… وتجمع أمتي على الحق يدوم… الحق فيَّ وفي أمتي… الخير فيَّ وفي أمتي… الحياة فيَّ وفي أمتي… الطريق فيَّ وفي أمتي… اسم الله الرحمن الرحيم فيَّ وفي أمتي، في كوثر بمعناي معنى وروحا، وفي كوثر بجلدتي ذاتا وشبحا إلى يوم القيامة. (من رآني فقد رآني حقا)[٦]. (ومن طلبني وجدني)[٧].

أنا في صحبة ربي وخلته، وهو معكم أينما كنتم قريب، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، فيراني في صحبة مولاه من يقدمه لله لقائم معناه في الله، ويوم يكون بصحبتي بمبناه مع مبناي يوما فهو عني لا يبتر، وعن معناي دوما قدوتي لاقتدائكم في قيامي لا يفتر، فهو بينكم كوثر، هو عترتي لمبناي لا يبتر ولا يقبر.

هل قدرتموني بينكم حتى بالذكرى حول قبري، أنا حي في قبري ولم ولن أقبر… وأنا حي في أرضي ولم ولن أحصر… وأنا حي في سمائي وعنكم لم أغب… أنا حي في الحي القيوم ولم أمت ولن أموت… أنا الحياة… أنا الخلاص والنجاة… أنا الرحمة المهداة، والنعمة المزجاة، لمن داناه الله… أنا اسم الله… أنا تمام كلمة الله… أنا وجه الله… أنا عبد الله… أنا الحق من الله… لكل من والاه… لكل من عناه… لكل من استرضاه… لكل من تعامل معه بالغيب ووالاه، فاجتمع عليه بالشهادة رسول الله بمعناه لمعناه، ألم أحمل لكم بشراه، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[٨]؟ ألم يأمرني أن أقول لكم هذه سبيلي، وهو صاحبها، هو ربي ومعلمي ودليلي، وما يقوم فيكم بصحبتي من عترتي، هو لي عندكم وجهي ومني لكم دليلي وكفيلي… وأنا بينكم بهم عن الله دليله… أنا عبده وذليله، لست عليكم بطاغية، ولست بينكم بالمبتلى فيه، غفر لي وأنا المذنب ما تقدم من ذنبي وما تأخر… أنا المذنب الضعيف، ولكن بمغفرته أصبحت بعيدا عن الذنوب، متخلصا من كل العيوب، جعل الله حكمته في ذنبي بقصوري، وجعل حكمته في طاعتي بمنظوري، وجعل حقه بحقي لظهوري وفي غيبي ومقبوري.

فأنا لكم ظاهر الحق وغيبه بمنظوره وبعاليه ومقبوره، وأنا بينكم باطن الحق بمعلومه ومذكوره، كافة للناس رضيني، وعلى ما أسلمت، لربي في الروح، في الروح عرفته، وعلى ما أسلمت له في الناس، في الناس وجدته، وبما وجدتهم في قلبي فلقلوبهم ظهرته، وفي موجودهم بوجودهم بالحق قمته وبي أظهرته، وعلمته وأعلمته، فبجديد تعلمته وعلمته، وبه بالحق تجددته، كلما بجديد تخلقتني وما خلقته، ولكنه خلقني وحققني فتخلقته وتحققته، وعلى دوام فيه، في هذا، وبقاء به أن أبقى رجوته، فأجاب سؤلي فعنه بفنائي به عنه ما استغنيته، فمزيدا طلبته، ومزيدا رجوته، ومزيدا علمته وحققته.

إني أرى الله فيكم، ألا ترون الله فيّ… إني أرى الله بكم، ألا ترون الله بي… ما لي فهو لكم، وما أنتم فهو ما أنا، وما أنا فهو ما أنتم، وما أنتم هو ما أطمع أن أكون، يوم أشهد فيكم من هو من ورائكم بإحاطته، فهلا تشهدون من هو من ورائي بإحاطته، فتعرفون من هو من ورائي، ومن هو من ورائكم، إنما هو الأحد الواحد المحيط وحده، لا شريك له مني أو منكم، ولا غيبة له عني أو عنكم، ولا غيبة له بي أو بكم، على أرضكم أو فوق سمائكم.

ألا تدركون حكمة الله مني، المؤمن مرآة المؤمن… ألا تدركون بلاغ الله بي، إعلاما لكم، أنه القائم على كل نفس، ومعكم أينما كنتم، وأقرب إليكم من حبل الوريد، ومن ورائكم محيط أنتم وجه إحاطته؟ هل صدقتموني؟ إذا كنتم بي فيّ بالله قياما تسمعوني ببلاغي، بآذان صاغية، على ما حقق ذلك لنفسه (عَليّ)، فمن كان بي فيّ منكم عليًّا، فقد وعت أذنه، واعية لكل ما أقول، بما به أقوم، {وتعيها أذن واعية}[٩]، هي أذنه، لأنه كان مني، ونقل عني، وقبلني لنفسه، فقبلته لنفسي، وقبله أولاده لأنفسهم، وقبلهم لنفسه، فقبلت جمعهم لنفسي قائم أمري لسري وجهري.

على أساس من هذا قامت وتقوم بينكم عترتي، فمن قبلهم لنفسه قبلوه لأنفسهم، ومن قبلوهم لأنفسهم قبلتهم وعليّ لأنفسنا، ومن قبلناه لأنفسنا قبله الأعلى لنا لنفسه، (أنا مدينة العلم وعلىٌّ بابها)[١٠]… (من كنت مولاه) في دينه ودنياه، في آخرته وأولاه، (فعَليّ مولاه)[١١]، ومن كنت وعليّ مولاه، كان الله مولاه، ودخل في حصن لا إله إلا الله.

من كان كذلك ورد على الحوض، فأسقيته، والله منه سقاه، ودخل في حوزتي وأمسك بحجزتي، فدخل في حوزة الحياة وأمسك بحجزة الله، اتبعوني يحببكم الله، وإن أحبكم الله كان لكم من الله ما كان لي، وما هو كائن لي، وما سيكون لي، وما تابعتموني في طلبه ومرضاته، ومعاملته ومحبته وتقواه.

لا إله إلا اللـه، محمد رسول اللـه.

اللهم إنا نتوسل إليك، بمن جعلته الوسيلة إليك، أن تجعلنا من أمته، وأن تدخلنا به في رحمته حتى ندخل في واسع رحمتك، وحتى ننعم بنعمته فندخل في لانهائي نعمتك، وحتى ندخل في ولائه، فندخل في لانهائي ولائك… بعيدين عن وهم الاستغناء عنك، حتى لا نطغى بفضلك وغنائك، في ثياب عزة عطائك لكفاية قيامك ورجائك، لعباد قبولك واصطفائك.

اللهم إني أعوذ بك أن أقول زورا أو أن أغشى فجورا أو أن أكون بك مغرورا.

اللهم بشفاعته عندك، وهو الشفيع، ارحمنا مما نحن فيه، واكشف الغمة عن الأرض، وارفع البلاء عن مستحقيه، رحمة منك، وعاملنا بما أنت له أهل، ولا تعاملنا بما نحن له أهل، فولِ اللهم أمورنا خيارنا برحمتك، ولا تولِ أمورنا شرارنا بغضبتك، أو بقائم عدلك.

اللهم إنا به إليك نرجع، وبه عندك نلجأ ونستشفع، وبالرحمة واسعة به، لأهل الأرض مزوية له به إليك نتضرع، وبه فيك منك نسترحم، اللهم فارحم، وبه نستنجد ونستنصر ونتوجع، فيه اللهم خذ بنواصينا إلى الخير، واجعل بإرادتك بنا، خير أعمالنا خواتيمها، خالصة نوايانا لمرضاتك فاجعل اللهم به خير أيامنا يوم لقائك.

سبحانك لا إله إلا أنت، سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الإسراء - ١٥ ↩︎

  2. سورة العنكبوت ٢-٣ ↩︎

  3. سورة الدخان - ١٠-١١ ↩︎

  4. من الحديث الشريف: (مَتَى أَلْقَى أَحْبَابِي؟)، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَا أَوَلَسْنَا أَحْبَابَكَ؟، فَقَالَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي، أَحْبَابِي قَوْمٌ لَمْ يَرُونِي وَآمَنُوا بِي، وَأَنَا إِلَيْهِمْ بِالأَشْوَاقِ لأَكْثَر. رواه أبو الشيخ الأصبهاني في " ثواب الأعمال "، كما في " كنز العمال "، والقشيري في " الرسالة “، والديلمي في " الفردوس.” ↩︎

  5. من الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد من حديث أبي جمعة - رضي الله عنه - قال: "تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، أحد منا خير منا؟ أسلمنا وجاهدنا معك، قال: نعم، قوم يكونون من بعدكم، يؤمنون بي ولم يروني. "رواه الدارمي وأحمد والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وإسناد الدارمي. ↩︎

  6. حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎

  7. حديث قدسي يرد في الأدب الصوفي: “من طلبني وجدني، ومن وجدني عشقني، ومن عشقني عشقته، ومن عشقته قتلته، ومن قتلته فعلي ديته، وأنا ديته”، لكن لا تعترف به كتب الأحاديث، لكن المعنى يمكن فهمه من السياق. ↩︎

  8. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  9. سورة الحاقة - ١٢ ↩︎

  10. حديث شريف: “أنا مدينةُ العلمِ، وعليُّ بابُها، فمنْ أرادَ العلمَ فليأتهِ منْ بابهِ”. المحدث: السيوطي. المصدر: الجامع الصغير، أخرجه الطبراني، وابن عدي، والحاكم… ↩︎

  11. حديث شريف، يوم غدير خم، بعد حجة الوداع، حيث أخذ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بيدِ عليٍّ رضي الله عنه، فقال ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسِهم قالوا بلى قال ألستُ أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه قالوا بلى قال فهذا وليُّ من أنا مولاه اللَّهمَّ والِ من والاهُ اللهمَّ عادِ من عاداهُ. صحيح ابن ماجه، أخرجه ابن ماجه وأحمد. ↩︎