(٨)
كيف يصلح ويستقيم مجتمعنا؟
وكيف يتحقق السلام والأمن لنا؟
والسماء تجدد دعوتها وهديها لنا بيننا
حديث الجمعة
٢٣ ذو الحجة ١٣٨٧ هـ - ٢٢ مارس ١٩٦٨ م
أعوذ برب الناس… ملك الناس… إله الناس… من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس… أن أكون عن حكمته يبرزها بالناس، عن الحكماء منحرفا، وعلى سلطانه يقومه بالناس مع رسوله ملتويا، وعن أمره في الناس للناس مفرطا، وعنه مفرطا.
وأستعين باسم الله، وباسم الحق من الله، وباسم الإنسان من الحق، وباسم الإنسانية الرشيدة برسالتها يجددها في وجودها، لا بدء لها، ولا انقضاء لها، ولا توقف لمزيدها، ولا تعطل لجديدها، على تيسير أمري بها، وصلاح سري وجهري لها.
وأستعين بكلمات الله التامات، وبأوادم الله، جماع كلمات، وقائم وجود الموجودات، وحقائق آيات، بلا إله إلا الله، وبمحمد رسول الله قبل الأوادم والكائنات، ودوام الأوادم والموجودات.
يتساءل الناس في هذا العصر بما تساءلوا به في كل عصر، كيف يصلح ويستقيم مجتمعنا؟ وكيف يتحقق السلام والأمن لنا؟ وكيف نقيم الأمن والعدل بيننا؟
هل لشيء من هذا، بين لنا الدين طريقنا إليه؟ هل هدانا الدين كيف هذا لنا يكون، أو هدانا لنعلم أنه في قائم الحياة كائن؟ هل أمرنا الدين فيه أمورا، ووضع لنا فيه دستورا؟ هل أقامنا الدين به يوما؟ هل وعدنا أن نقوم به دوما رجالا، وبيوتا، ومجتمعا، وبشرية، ودورا؟ هل كشف لنا أننا في ذلك في حكمة الأعلى، نستكمله في جمع الدارين؟ هل كشف لنا أننا في غير ذلك، بتفريط في أمرنا الأزلي؟ هل بين لنا كيف نكون كذلك بفعلنا في الأبدي؟ هل نصحنا به في أمرنا ليومنا، ويوم نقوم ذلك؟ هل أوصانا فيه فينا عنا؟ هل اتحد الناموس بنا معنا لنا، لنقوم مناسكنا، ونقوِم معالمنا، ونوثق روابطنا، ونؤلف قلوبنا، ونحرر عقولنا، ونشعل جذوة نفوسنا، ونكشف أغطيتنا، ونضع عنا أوزارنا، وهو ما ناقض لبابنا، وخاصم نفوسنا، وسجن عقولنا، وأظلم أرواحنا، وأمات قلوبنا، وظلمنا أنفسنا ما أنصفناها، فعرفنا يوم نعرف أن الله ما ظلمنا ولكنا ظلمنا أنفسنا؟
كيف نترتل… كيف نتجمع… كيف نتفرق… كيف نتآلف… كيف يجاهد بعضنا البعض، وكيف يسالم بعضنا البعض… كيف نلائم بين ظاهرنا وباطننا… كيف نوائم بين مطامعنا، وغنائنا بنا… كيف نوحد بيننا… كيف يتحد أمرنا… كيف تتلاقى عقولنا… كيف تتراص قوالبنا ونفوسنا… كيف تتحد وتتوحد مناهجنا ولبابنا وقلوبنا، باتحاد غايتنا… وما هي غاياتنا… وهل ضللنا إلى غاياتنا، أو استقمنا إلى حقائقنا لمرادنا.
هل تكلم الدين في شيء من ذلك؟ هل بَين ذلك؟ هل أقام بيننا ذلك؟
نعم… يوم يكون لنا دين، من أمر الله، ومن هدي رسول الله… ومن قائم الحق بالله، في قائم الناس، من اسمه اللهم، من الناس له منه للناس، قائم الناس، رب الناس، وراعي الناس، ورسول الناس إلى الناس، وهادي الناس في قائم الناس، المتوحد في توحد القلوب للناس. فما كان الرسول للناس إلا الناس في قائمهم لقيومهم بربه قائم الحق بالناس.
بذلك كان الناس إنسانا، وكان الإنسان رحمانا… وكان الرحمن حقا… وكان الحق إلها… وكان الإله وجودا… وكان الوجود شهودا، فظهر الله من ورائكم محيط، وقائم على كل نفس، وعرف أينما تولوا فثم وجهه، فكان الإسلام بذلك دين الفطرة، وظهر الله بالناس للناس بالحق جاءهم وقام بينهم من أنفسهم.
اذكروه، ربا لكم، في أنفسكم، واشهدوه به لطيف وجودكم، بقائم موجودكم، لمشهوده عندكم، قيوم قيامكم، لا تلحقه الأبصار، وهو يلحق الأبصار، وهو اللطيف الخبير، مع أئمتكم ومعلميكم.
إذا كان الحق لكم في أنفسكم غاية، بدأ وجودكم، وأحسنتم البداية، فإن تحقق الحق لكم، سفورا في آية، جعل منها لكم لأنفسكم غاية، كان لكم في تحقيق هذه الغاية نهاية، تقابلها بداية. إنها نهاية خلقيتكم من ماديكم، وإنها بداية حقيتكم من نورانيكم… الله أكبر… والله أكبر… لله لكم، قائم قيامكم، في حصن لا إله إلا الله، وقد دخلتموه، في أنفسكم، لكم تشهدوه، فتعرفون محمدا تقوموه، وفي الله ذي المعارج خلفه تنشدون الأعلى وتطلبوه، (خلفت الله عليكم)[١].
إذا كان هذا في قائم الحياة طريقكم، وبه في قائم أمر الله قام أمركم، استقام الأمر بينكم فاستقمتم… فعدلتم… فتحررتم من ربقة أنفسكم، وبشرا قمتم وبعثتم، فأنفسكم في جمعكم حررتم، وقومتم، ومثلا صالحا للناس لهم بأنفسكم ضربتم، فاقتدوكم يوم أنكم بالرسول اقتديتم، فالرسول كنتم، والحق ظهرتم، في قائم الله، لقائم الوجود علمتم وأعلمتم، قوامين على أنفسكم، وقوامين بها على الناس نفسا لكم في حبكم ومحبتكم.
تقهرونهم بحبكم، وتستزلونهم بإيثاركم وعطفكم وحنانكم، تخلقا بأخلاق من تخلق بذلك بينكم، لخلق الأعلى تشهد لكم، ربا عناكم، وموالي له سماكم، وشرفا له وافتخارا به مولى لكم دعوتم، وسيدا له أنفسكم عبّدتم، وعلما عندكم معشوقا عشقتم، بعبد له عرفتم، ورسولا منه إليكم به شرفتم، فبالأعلى سوى بينكم، به قمتم، قدوة لكم وأولكم، حقا لكم وأظهركم، وجودا لكم وأكبركم، معلما لكم وأعلمكم، متكاثرا بكم وكوثركم.
ما عرفتموه أبترا، ولكن آمنتموه كوثرا، وأكثر من كوثر، إذ أنفسكم به عرفتم، وعرفتم أنه رحمة بكم، تحجب عليكم، بمثال من أنفسكم لاقيتم، به مع آدم لكم منكم فيكم تلاقيتم، وفي أنفسكم أبناء وأحفادا وآباء وأجدادا فيه قمتم، وفي بيته تحصنتم، أولى بكم من أنفسكم، رعاكم فرعيتم… تولاكم فتوليتم… وحفظكم فحفظتم… فما من يده أفلتم ولا عنه توليتم، بأنفسكم بدأتم، ثم بمن رعيتم وبمن توليتم.
رسول الله به شرفتم… رسول الله ومن معه به شرف الناس… به شرفت البشرية، وتجددت فيها باصطفائها الآدمية، وبه تجددت الأمم، فيها به برافع العلم، فأصبح الحق معلوما، ونفوس البشر شجرة طيبة له علم، بعضها لبعض، أعلام تعلم، المؤمن مرآة المؤمن، علم لعلم، ووجه لوجه، الله من ورائهم بإحاطته، مشهود بوجه محيطه، بشاهد ومشهود.
يتحقق ذلك للناس بمفاتيح الكنوز… بقائم الكنوز… بسر المتكنز… في كل نفس بما كسبت، رحمانها قبل شيطانها، وشيطانها لم يفلت من رحمانها، أقرب إليكم من حبل الوريد حقا لله يقوم لإنسانه بشيطانه ورحمانه.
بعضكم لبعض عدو… بعضكم لبعض متدافع… بعضكم لبعض متصارع، إنما هو صراع عقولكم وضمائركم… إنما هو صراع نفوسكم فيكم… إنما هو صراع أفكاركم… إنما هو صراع مرائيكم… إنما هو صراع معانيكم… إنما هو صراع الحق فيكم، مع الباطل معكم، يقوم في كل نفس، كما يقوم في كل مجتمع كما هو قائم بالبشرية… معركة ما أجملها… معركة ما أنبلها… معركة ما أقومها… معركة ما أسلمها… ما أجمل نهاياتها، وما أصدق بداياتها، يوم نجعل أرضها وموضوعها وغايتها الحق في قائم الله.
هداكم بها النجدين لتعلموا أنكم إنما أزواجا تخلقون، ومن زوجية أفرادا تبعثون، آحادا للحق تعلمون، وتعلمون، فبقائمكم بأحدكم للأعلى أحدا لكم سبحتموه، وقدرتموه، وأكبرتموه، فبقائم الحق لكم معلوما منكم، مع قيوم الحق عليكم بقائم له معكم توحدتموه، تَشهَدون وتُشهدون.
سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلقك، والذي خلق ربك، والذي هو في عليِّ ذاته ما خلقه خالق، ولكن كان الخالق من تجليه ومعنى فيه، عليك أضفاه يوم تحيا بعملك وعلى من يتابعك يضفيه يوم يحيا من عمله، وبه صبغك، وبك يصبغه، ويصبغه منك به فيه في قائم الله بالله، {والله خلقكم وما تعملون}[٢]… {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[٣]… {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}[٤]، الإنسان فيه قائم عمله به، بأمانة الحياة له.
الإنسان! ما أجمل الإنسان! وما أقبح الإنسان! ما أجمل الإنسان في قبحه يوم يجافى قبحه، ليغير ما في نفسه، فيغير الله ما به، وما أقبح الإنسان في جماله يوم يطغى بأنه رآه استغنى ولا رب له، فينزلق في هاوية نفسه.
الإنسان هو الإنسان الذي يجتمع فيه الرحمن والشيطان، في صراع، وفي وئام، فوق الزمان، وفي دورة الأيام، فيوم يقبل الشيطان فيه أن يكون رحمانا في متابعة الرحمن يقبل الرحمن فيه أن يكون شيطانا في متابعة الشيطان، (كان لي شيطان ولكن الله أعانني عليه فأسلم فهو لا يأمرني إلا بخير)[٥]، فيقوما في خلة تقوم، في وحدة بين القلب والقالب، فتقوم الحكمة، ويستقيم العمل، ويتفق المظهر والجوهر.
إن الإنسان الذي تلاقى فيه الرحمن والشيطان وجهان، في قائم الإحاطة لله لقائمه بالإنسان، وجهان يقومان بالإحسان، ما كان هذا فيمن عرف لنا لمعنى الإنسان إلا رسول الله وربه… وما كان رسول الله لتمام كلمة الله إلا محمد، قائم الحق من الله، {أتى أمر الله فلا تستعجلوه}[٦]. ولدته الأرض في دورة من دوراته القريبة، يوم انشقت عنه مريم، فقام بيننا آية ومثلا لآدم، رمزا للنشأة العذرية للنفس، ومعنىً رمزيا له في جهاده واجتهاده، {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم}[٧]… {قل إن كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين}[٨]… {هل تعلم له سميا}[٩]… {ادعُ الله أو ادعُ الرحمن، أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى}[١٠]… {وتمت كلمة ربك}[١١]، تمت بمحمد كلمة الله للبشرية، وتمت نعمة الله عليها، ورحمته بها، فهو الذي يمشي وينتشر بنور الله أنزل معه في الساجدين إلى يوم الدين، بجديد من الأمر في سفور ويقين، حتى يعم أمره ويكشف به له في الناس للناس سره.
بذلك كان عيسى وأمه آيتين، قام عيسى بدعوته، لبدء الكلمة، ومبشرا بها لتمام فتمت بمحمد ظهر على ما أنبأ عيسى بما هو له من الله يوم بعث بالحق، وقد بعث من الناس، بين الناس، رسولا من أنفسهم، بشر مثلهم، وهم بشر مثله، يوم يكونون على ما كان بشرا، هو تحقق ببشريته، وهم في طريقهم إلى ما تحقق به.
بذلك كان كافة للناس، عبدا لله، وقدوة لهم ليكونوها فيكونون عبادا لله، وبشرا مثله، شرف بحقية العبد له، لقائم الرب عليه، بشرا ورسولا، وإنسانا، وكلمة لله، وآدما، وآدمية، رفعت، يوم خلت من باطلها مما سوى الله، وإلى الله أضيفت، ومنه رسولا أعيدت بالحق نزلت.
هو ماء السماء المنهمر، وأنوار المطلق المتدفقة، على ظلام التراب، أرضا أنبتت وأثمرت، غثاء أحوى… أحوى مما يشهد الناس… غثاء في ظاهره، ونور وروح ونار في باطنه، إنسانية على قمة مملكة النبات الإنساني البشري… نبات الأرض بنجمها وشجرها… جديدا لجلدتها، حبات وذرات للحصيد، تتفارق وتتلون، وتتآلف وتتجمع، تسقى بماء واحد، هو ماء الحياة، مع رسول الله، بنور الحياة للوجود، مع قائم النور، ورسول النور، ورب النور، وعبد النور.
النور الذي أُنزل معه ولم يرفع من بعده، بنور الله، به يسري نورا على نور فيشفع، وببشريته وماديه يعجز، فإليه لعاليه نورا يتضرع، ومن آلام الناس، لعين إنسانه ناسا يتألم ويتوجع… (ما شكت مؤمن شوكة إلا وجدت ألمها عندي)[١٢]، ما أصبره على آلامنا… ما أرحمه بنا… ما أحلمه علينا.
وفي عام الفيل، جددت الكلمة جلبابها، وتجددت آية الله لها به معها بوجودها، فانشقت آمنة عن محمد، جديد مريم، وانشقت خديجة عن فاطمة جديدا لأم لمريم وابنتها كوثرا لا يبتر، فما لبثت فاطمة بنت أسد أن انشقت عن عَليّ، ثم انشقت فاطمة بنت محمد عن بنيها، جديدا لكلمات الله فيها، جماع كلمات، وأم أمهات، وحقيقة حقائق، نفسا عذراء، وأما زهراء، لروح قدس الله للروح العظيم لقدس الله بمحمد، عَلم الله على الأعلى، لله قائم عَلم لأعلام، حتى إلى العلم الأعلى، لذات علمه، لمعلوم إنسان الله وعبده، لقائم حقه، لموصوف ربه عند مربوبه، ولموصوف الإله عند آلهه، ولموصوف الحق عند محققه، ولموصوف اسم الله عند أسمائه، الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا فكانوا نعم الاسم (المؤمن مرآة المؤمن)[١٣].
قام طريق الدين على الخِلة والمخَاللـة… وقامت الاستقامة في الدين على الوعي والمتابعة… وقام فقه الدين على إدراك العقل والمتابعة والتقليد، حتى يظهر الحق للمريد في نفسه ولبه.
إن كان الأمر عندنا كذلك، ومنه بدأنا، وعليه تعارفنا وتلاقينا، فعلى الحق بيننا تواصينا وصبرنا، فانتظم جمعنا واستقام أمرنا، (ربما كان أحدكم ألسن بحجته فأقضي له فليتق الله)[١٤]… (أُمرت أن أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر)[١٥]. إذا استقمنا على ذلك لتحققت لنا أحدية واحديتنا، فبعثت للوجود أمتنا بمحمد والذين معه.
على أساس من هذا يقوم العدل بيننا، ويقوم القضاء فينا، ومنه، وعنه تتفرع شعاراتنا وتشريعاتنا، ومبادئنا، وقوانيننا، فبهذا يستقيم أمر العدل لنا، نحن فيه شورى بيننا، والرأي لنا، والأمر لربنا في تحكيم ضمائرنا في قائم قيامنا، لا نتخلف عن مسئولياتنا، ولا نطغى بأفكارنا، بل نكبح جماح نفوسنا، ونملك زمامها بعقولنا.
يكون لنا ذلك يوم نحرر عقولنا، فتشرق بنور الله في رؤوسنا، ويمتد نور الله إلى قلوبنا، فيتلاقى مع نور الله في بيوته بنا، بغرائزنا وعواطفنا، نحبه ونخشاه بقلوبنا وضمائرنا، ونرضاه ونتواصاه بعقولنا ومداركنا.
فإذا قام هذا خُلقا لنا، وبه تخلقنا بيننا، فآثرنا بعضنا على بعض، معاملة مع الأعلى لنا، لقائمه بنا، مولانا ووجودنا، بذلك انتظمت تجمعاتنا ولقاءاتنا، وقامت الحرية بيننا، لا طاغية علينا، ولا من يطغى منا، بنا فينا، الله لنا جمعيا في مبانينا ومعانينا.
كيف يقوم الله، روح وحدتهم، ولباب جلدتهم؟ هل يتفرقون؟ هل يتنابذون؟ هل يتخاصمون؟ أم يتآلفون ويتوادون، ويتحابون بينهم مؤثرين، وعلى فعل الخير يتدافعون ويتزاحمون، منصفين، حق يقوم لجمعهم، أحرارا، العزة لله ترعى حريتهم، والحقيقة تُؤمَن مكرهم، ولا تطغي عزهم، فتلتئم أمم الأرض حولهم، الأمة الأُم الرؤوم، أمومتها تدوم، تدخل الأمم في أمومتها، شهداء على الناس، الرسول شهيدا عليها وعليهم.
بذلك يقوم دستور اجتماعها، وشورى بيوت اجتماعها، وفي وئام وسلام تتجمع تجمعات البشر حولها، فتقوم هيئة الأمم، بعصبة الأمم، معززة بقوتها، مؤيدة بسلطانها بسلطاتها، الله يعصمها من الخطأ والزلل، والله ينصرها في الاختلاف والعمل، حتى تحسن عملها، وتفيء إلى الصواب في خلافها… {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت، فأصلحوا بينهما}[١٦].
تنزيل متصل، وتأويل عند الراسخين في العلم بتأويل مع التنزيل يتصل بمن عَلِمه وعَلّمه، وعَلِم وعَلَّم تأويله، ونزل عليه، وأنزله ويواصل تنزيله، ورتله ويداوم ترتيله، بنور الله له أنزل معه، ولم يرفع من بعده.
(نزلت البسـملة على كل نبي ورفعت معه إلا أنا فقد أعطيتها لي ولأمتي)[١٧]… فأنا بها بينكم في دوام، (من رآني فقد رآني حقا)[١٨]… (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[١٩]، يوم أقوم بينكم تنشق الأرض عني بدءا لدورة أخرى، بعثت والساعة صنوان… أخوان… أمران في الله متلازمان، وعبدان ورسولان… يومان ورسالتان.
(كيف بكم وقد نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم، [فأمكم منكم])[٢٠]… إنه أمر الساعة والقيامة، ألم يقل لكم أنا القيامة؟ ألم يقل لكم ما جئت لأرحم بل جئت لأدين؟ (يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا)[٢١] عترتي… عترتي… عترتي بينكم أهل بيتي… بيتي قبلة لكم، فيهم استقرار أمركم، ومواصلة جمعكم، احرصوا على عهدي لكم، وقد حررتكم من أنفسكم ومن طغاتكم وجعلت شعاركم (سيد القوم خادمهم)[٢٢]، واحفظوا ميثاقي الذي به بي ارتبطتم، ومعي به ما أعطيته أعطيتكم وأخذتم، فلا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا من أشيائنا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دونه، وبه نتخذ لنا أتقانا لريادة ركبنا نحشر معه.
ما أعطيته فهو لكم… اتبعوني أحبكم، ويحبكم من أحبني، فإن أحبكم على ما أحبني، سوى بيني وبينكم، وأقام خلة معي لكم، على ما أقام من خلة له معي، فلا تغيبوني بينكم نواة جمعكم واجتماعكم.
هو حبيبي وخليلي، فإن آمنتم فأنتم أحبائي وأخلائي، (وا شوقي إلى أحبابي[٢٣]، قوم يؤمنون بي ولم يروني، [لهم من الله ما لي])[٢٤]، لم يروني على ما تروني، فما خلقا رأوني، ولكن حقا تبعوني وطلبوني، وفي الناس شهدوني ففي أنفسهم عرفوني، وكان لهم من الله ما لي، لا حائل بيني وبينهم يحول بينهم دوني، أما أنا بينكم فما عرفني غير ربي، فما عرفتموني، ولكنكم أصحابي، إن عملتم بما أمرتكم به لنجوتم، وإن تركتم عُشره لهلكتم.
إن عرفنا ذلك واستقمنا فيه، استقام أمر الأحكام بيننا، وعرفنا لمن تكون الحاكمية علينا، واجتمعنا على وجه الحاكم علينا، وهو وجه الله، في رسول الله متجددا في كلمات الله بيننا، بعباد الرحمن يمشون على الأرض هونا لحاكمية الله، قبلة لنا، وليست من اختيارنا، ولكنها من اختيار الله ورسوله واصطفائه لنا، وهي حاكمية روحية جوانية باطنية، بقيامها بنا يستقيم أمرنا في اختيار أمرائنا لأمور زماننا وأئمة حجيجنا، اتجاها معهم لقبلة صَلاتنا وصِلاتنا.
يستقر بذلك بيننا نظام الأحكام لصالح المحكومين والحكام، ويتحقق بذلك للبشرية الاجتماع على رجال السلام يوم يضع الناس الناس في موضعهم، ويضعون أنفسهم في موضعها من جمعهم، (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)[٢٥]، ورسول الله لكم راع وهو عندكم وعند نفسه وعند الأعلى لكم مسئول عن رعيته، وأنتم فيه رعاة، وأنتم عنده مسئولون عن رعيتكم فيمن تعولون من أبدانكم وثمرتها من تواجداتكم بذريتكم.
تأملوه وهو يهديكم إلى ما هو قائم، بوصف ما سوف يقوم، وهو ما هو قائم في حقيقة أمركم، وفي باطن الحياة لكم، وأنتم مخاصموه ومجافوه، وهو ما سوف يقوم عيانا بيانا بينكم بعد احتجاب من فعلكم. (يا علي إذا كانت القيامة، أخذت بحجزة الله، وأخذت بحجزتي يا علي، وأخذ أبناؤك بحجزتك، وأخذت شيعتهم ولدك بحجزهم)[٢٦]. (أقربكم مني منازل يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا …)[٢٧].
هكذا سوف يكون الأمر على ما هو كائن، كائن ولا تشهدونه، ولا تعرفونه، ولا تؤمنونه بما أحمل إليكم عنه، حتى تكونوا فيه… حتى يأتي يوم يبهتكم أمر الله، تفاجئكم ساعة منه، بحق أبلج، يمحو باطلا لكم بينكم منكم لجلج.
ساعة يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا بها وقاموا فيها، فشهدوها قائمة بكل معانيها، علموها بمعارفهم فيها، عطاء وحسابا قائما دائما غير مجذوذ، وغير ممنوع أو متوقف، وحقا لا يغيب، يشفقون منها، إشفاقا على الناس، وعلى أنفسهم، ورحمة بهم، فيعالجون أمرهم بينهم في تؤدة، وفي روية، تاركين لله أمرهم معهم، في فطرة الحياة وصبغتها، في حالة من الغيبة عن دنياهم، كاتمين أمرهم بقائمهم من أمرهم من أخراهم.
يقومون بينهم الشهر الحرام والهدي والقلائد، ينتصبون لهم البيت الحرام والكعبة والقبلة، ويخفضون لهم بينهم جناح الذل من الرحمة، ويرون في الناس لهم بدورهم قبلة وبيتا حراما، وآيات كتاب يقرأون، ويسمعون ويعون… علَّ الناس يوما، إلى أمرهم بهم وبمن جعله رحمة لهم يستيقظون، وطوافا بهم حول قلوبهم يحجون، ونجاة لهم، في قبلتهم، بيوت رحمته يصلون ويعكفون، وإليها يأوون ويدخلون، ففي أنفسهم يشهدون للا إله إلا الله بها يقومون فلكلمته يعلون، وبينهم وفيهم لها يتلاقون، وعما وصفه به الجاهلون ينزهون، له يكبرون، وعن البعد ينزهون، وعن الإحاطة يكبرون، فشعار لا إله إلا الله في الناس يقومون ويقيمون، وقائم محمد رسول الله يعلنون ويعرفون، وعليه يجمعون، وبه يجتمعون.
بذلك يستقيم مجتمعهم، ويخرج مما تشهدون من التنابذ والتخاصم والتزاحم والتقاتل على الدنيا وعلى المفهوم للدين، فهم على جيفة الأرض من المال، ومن الرزق يتصارعون ويتنافسون، وما متاع الدنيا إلا قليل، هو لهم، ومنه الله ما حرمهم، ولا عنه منعهم، ولكنه به زودهم ليقيموا به أودهم، ويواصلوا به حياة مطيتهم، ليقطعوا طريقهم إلى منشودهم وربهم، لقيام به لقائم أنفسهم.
{يا أيها الإنسان، إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه}[٢٨]، وما أنت بملاقيه إلا في نفسك، {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}[٢٩]… {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها}[٣٠]، الذين كفروا ضل سعيهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، الذين آمنوا بمعية الله ورسوله لهم ضاعف الله لهم في حرثهم، فحرثوا دنياهم، وزرعوا أخراهم، وحصدوا معناهم، في قائم مولاهم، {ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر}[٣١] بلا إله إلا الله، وبقائم محمد رسول الله.
هذا قليل من كثير، مما يمكن أو يصح أن نقول مما قال به الدين، {وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا}[٣٢]، فأقام بهذا التعليم، قياما وجهازا للحياة الزمنية، بإنسان، أخبر النبي وهو حلقة اتصال بين الخالق وخلقه للحياة الروحية، وهو ببيته بحوارييه ومتابعيه يشكل جهازا قائما إلى جانب جهاز السلطان للحياة الزمنية يظاهره لخدمة الناس بمفرداتهم وجماعاتهم وجمعهم في الأمور الدينية والعقيدة الربانية والعلوم الإلهية.
أخبر أن الله اختار لهم ملكا، وزاده عليهم بسطة في الجسم والعلم، وهنا لم يجعل للناس الخيار في هذا، لأن الله ورسوله قد أشهر للناس قضاؤهم من الأمين عليه في هذا الأمر الزمني، فما تكون لهم فيه الخيرة التي كانت لهم فيه من قبل.
وهل أراد الكتاب بذلك إلا للإشارة إلى مقالة الرسول لهم، لموصوف نبيهم، عن عَليّ بينهم، زاده فيهم وعليهم، في إعلام وإشهار، بسطة في العلم والجسم، فقال لهم نبيهم، (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)[٣٣]… (أنا مدينة العلم وعلىٌّ بابها)[٣٤] ، وهذا ما أشهره للمؤمنين بالله ورسوله معه وفي متابعته، ممن لا ييأسون من روح الله، لوصلتهم بالله ورسوله، ممن يؤمنون به لقائمها بقيامهم، وهذا في حدود حقه من الله وفي حدود واجبه برسالته للمؤمنين بالله ورسوله لأنفسهم هو أولى بهم في أمرهم من أنفسهم.
وما كان الرسول ليمُلِّك أكثر مما يُملَّك[٣٥]، فما كان له أن يعطى عَليًّا في خلته شيئا لم يعطه الله للرسول فأعطاه ما أعطي، ووصفه من الناس حيث وضع، والرسول خُير من ربه فاختار أن يكون نبيا عبدا ولم يختر أن يكون نبيا ملكا، وبذلك حدد موضوع رسالته لتكون رحمة للعالمين، وليكون موضوعها خاصا بصميم الحياة للناس في مفرداتهم وبيوتهم وجماعاتهم في دناهم بحاضرها ودناهم في آجلها، تعريفا عن الله لمعيتهم في كل مكان وفي كل زمان وفي أي طور من أطوار الحياة.
فإذا اختار أن يكون نبيا ملكا فقد جدد رسالته قاصرة على الملك وانتظامه ونظامه، بقيامه بينهم ملكا مثاليا، تنتهي رسالته بانتهاء حياته الزمنية، وبانتهائها ينتهي ملكه، ويبدأ ملك لغيره ليس من اللازم أن يكون مواصلة له، وقد يكون، وقد ضرب في ذلك مثلا في شعب إسرائيل، بملك داوود وسليمان.
ولكن محمدا جاء مثلا فريدا، برسالته دائمة وبشخصه بنفسه ممتدا متجددا متكاثرا بما جعل له من نور الله في معيته دائما ما كانت نفسه قائمة بين النفوس، بنفس ارتضته لها وجودا، وافتدت هذا الوجود له بين الناس لمواصلة رسالته وقائم أمره، بنفسها متنازلة عن مواصلة وجودها ليواصل بها وجوده. فباختياره أن يكون نبيا عبدا اختار صحبة المساكين، واختار كوثر الشخصية في التواجد بنوره في كثير من الناس لمعنى نفسه، بذلك كان موجود أمة في قيامه.
فقام برسالته، جوهرها الحياة، وآيتها الإنسان نفسه عند نفسه، وهديه بها قام على تعريف الإنسان عن نفسه، وتوجيهه إلى نفسه، وكشف الغطاء له عن نفسه، {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}[٣٦]، ولم يقل له قل لهم في الله قولا بليغا، ففي بيئة آمنت به نبيا وقام بها أمة، تحرر المؤمنون بالله ورسوله في أمرهم، لا في أمرهم الزمني فحسب، بل وفي أمرهم العقائدي، وفي قدرتهم لمواصلة صحبتهم في قائم الله لمعلوم قيامهم، {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}[٣٧]… (المرء على دين خليله)[٣٨]… (ويحشر المرء مع من أحب)[٣٩]. كما جعل أمرهم شورى بينهم لاختيار أميرهم، وعلى أساس من هذا اختار أهل المدينة الرسول أميرا لهم بعد إيمان منهم برسالته وقائم الرسول له.
فلما حان للرسول أن يبدل ثوب نفسه بينهم رد لهم حريتهم في أمر الحياة الزمنية إلى ما كانت من قبل أن تسند إليه، وما كان يمكن غير هذا، أما في أمر الحياة الروحية، فما كانت لهم الخيرة في اختيار جديد نفسه، فأشهر قيام جديد نفسه بينهم من اختيار الله ورسوله لهم، وما كان يملك غير هذا.
فالتوى الناس على أنفسهم فقالوا ما أوصى رسول الله في أمره بيننا ودوامه لنا، ومحل ائتمانه منا، وما أوصانا فينا. وقام النبي بينهم بذاته وبحوارييه خلف قائم حقه لهم، أمة متجددة بالفقراء إلى الله، ممن افتدوه بأنفسهم، ممن طلبوه لمعانيهم، بمن ضحوا في سبيل ذلك بمبانيهم جندا لله، استشهدوا في معركة الله وبعثوا بالحق في المجاهدة الصغرى، بمعاركة الكافرين الظالمين، وطمعوا في الله بمزيد من الحق، حتى يبعثوا في معارج رسول الله، مستشهدين في مجاهدة الطغاة المفسدين من الفئة الباغية، مع أمير المؤمنين في المعركة الكبرى لتنقية الأمة في الصراع مع أنفسهم ما زالت يشوبها الظلام، وهم يطلبونها مشرقة حية منيرة قيمة إلى تمام حتى يجزوا نصرا بنصر، نصر على الناس في الجهاد الأصغر، ونصر على أنفسهم في الجهاد الأكبر مع الإمام، شيعة له انتصارا على عدوه من الفئة الباغية، تجديدا ومواصلة للمعركة التي بدأها الرسول نصرا أكبر، تزوى به لهم الأرض، ويقومون عليها قوامين للحق فيها من وراء حجب الناس وجوها عاملة نامية لسعيها راضية، مقيمين للحق ورسولا له ومرسلين به، ومرسل إليهم من رحامين فيه وقد دخلوا مدينة رسول الله من بابها عارجين مع عَليّ خلفَه في معارجه، مواصلة للرسالة والانتفاع بها. هذا هو ما كان لكم برسول الله من دين، فهل أنتم في عصركم على هذا الدين؟ وهل أنتم في شيء من ذلك على يقين؟ هذا الدين القيم للقيمة على الناس، وهذا الطريق المستقيم للمستقيمين على الجادة كوثرا للرسول ومواصلة لرسالته أمناء عليها، بهذه الرحمة القائمة الدانية الفياضة المقاربة… وها هي تأتي بها السماء مجددة للرسالة في عصركم، فعلى أي صورة تستقبلونها في بلدكم الإسلامي! الروحي! بلد الإنسانية والمعنويات كما تسمونه وتزعمونه لكم!
جددوا في الله بالله دينكم… وجددوا في كل وقت وحين بالرسول إيمانكم ولقاءكم… وجددوا أنفسكم بالحق قيوم قيامكم… جددوا بحوض الله ووجه الله قلوبكم ولبابكم، وأبدانكم، ومعانيكم وأمثالكم… هذا من الله لكم، لو أنكم إلى الله معكم، وإلى رسوله بينكم وفيكم رجعتم، وعن قائم بالله ورسوله بينكم بحثتم، وبصدقكم ومجاهدتكم، وفاكم الله، فعليه في قلوبكم جمعكم، وهداكم السبيل وجمعكم على الدليل، فنفوسكم وقوالبكم جددتم، وكلمات لله قمتم.
بذلك، يغير الله ما بكم، يوم يغيركم بكم من عملكم، ويغير بكم يوم يغير الأرض لكم، من دار من دور الجحيم، إلى دار من دور النعيم، أنتم منها من دار جحيم، إلى دار لجحيم أكبر، من دار إلى دار… وأنتم منها من دار نعيم، إلى دار نعيم أكبر، من دار إلى دار، في جنة عرضها السماوات والأرض، أعدت للمتقين منكم، بدار ذواتكم لقلوبكم بنعيمكم يلازمكم، أو بجحيمكم يلازمكم. فالجنة والنار إنما هو حالكم في أنفسكم.
فأنتم برسالة الروح اليوم في يوم من أيام الله… في ساعة من ساعات الله… في قيامة من قيامات الله… في يوم للفصل في أمر محمد وعَليّ رحمة وإمامة لكم في أمر آدم وعيسى… في أمر الإنسان بروح القدس يعمل فيكم بينكم في سفور مرة أخرى.
النار تصطلونها في أنفسكم… نار الله موقدة، من جبلة ذواتكم وقودا لها، حتى تصلصل فخاره إناءكم ومواعينكم، فما كانت النار إلا مرحلة من مراحل النعمة لكم، {وإن منكم إلا واردها، كان على ربك حتما مقضيا}[٤٠]… {خلق الإنسان من صلصال كالفخار}[٤١]… {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم}[٤٢]… {يا نار، كوني بردا وسلاما على إبراهيم}[٤٣]. إنها يوم تؤمنون بالله تستحيل إلى جنة، {ولمن خاف مقام ربه جنتان}[٤٤].
إنها يوم تؤمنون بوحدانية الله في قائمه بمظاهره لظاهره، تقومونها… {نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة}[٤٥]، فيكشف لكم بها بواطن أمركم، في قائم ذواتكم. {أن بورك من في النار ومن حولها}[٤٦]. إن الجهل والانحراف عن الجادة، هو عذاب النار، وهو فقدان النور، بفقد العلم والمعرفة، وهو إطباق الظلام لحالكم في قيود النفس والمادة.
ولكنكم ترددون بينكم، دينا من وضعكم، تتعادون بينكم، وأعدى عدوكم هو أنفسكم بين جوانحكم، فلستم أعداء بينكم، ولكن الله يدفع بعضكم ببعض ليستقيم أمركم، ولتتنبه ضمائركم، ولتشتعل نار الله فيكم ولتتحرر من حيرتها عقولكم، ولتنطلق من سجونها أرواحكم، ولتحيا بالحق أرض قلوبكم، فتوضع عنكم أوزاركم، في الوقت والحال المناسب لكم، في حال من النضج والكمال للبابكم وقلوبكم.
هذا هو دينكم، يوم يكون لكم دين، فبه تسعدون ولله في أنفسكم تعرفون، وربكم معكم تتلاقون، ورسول الله بينكم تتعارفون، وحوله تتجمعون، ففي أنفسكم بالحق يقوم، مع الحق له تتواجدون وتلاقون، قلبا وقالبا تحيون، وقائم الله ورسوله في قائمكم بالقلب والقالب تتوحدون، وبالله تتراءون، وجها لوجه به تقومون وفى أنفسكم تأنسون، فأنس وأنس بالحق تتواصون، وفي أنفسكم إنسانا تتجددون وتبعثون.
هذا هو محمد دين… وهذا هو الإسلام يقين… وها هي السماء إليكم بينكم تجدده بمحمد ومحمدين مرة أخرى، كلمات لله استوفت، وكلمات لله معكم تستوفون، فهل سارع الناس تناديهم السماء لهذا النداء وهذا الدين؟ هل لبى الناس إلى عرفات وجودهم… إلى عرفات قلوبهم… إلى عرفات نفوسهم؟ هل أحرم الناس عن لباسهم من مخيطهم بصنعهم، إلى لباس الله لهم بجبلتهم وفطرتهم من طبيعة خلقتهم؟ ما خلقهم إلا لنفسه، إنسانا وجانا، ولكنهم مع الجان أوهاما يتصارعون، ومع أوهام أنفسهم خيالا يتلاقون، فلا إله إلا الله يخاصمون، ومحمدا رسول الله يجفون ويجافون وينكرون، وعلى أنفسهم يحرمون فمنه يحرمون، ودونهم لهم يحولون، وهو بينهم لهم في كل وقت وحين، وفي كل جمع من متحابين، بالحق متواصين.
وتعالى الله عما يصفون.
اللهم إنا نسألك برحمتك، وبجاه كل ذي جاه عندك، فياض بالجاه من جاهه لجاهك على عبادك، صاحب الوسيلة، وقائم الفضيلة، وناشر الحق بالدرجة الرفيعة، رافع الرتب، ومفرج الكرب، السريع لمن يناديه، فمحمدا يلاقيه، وأبا غريبا يجد نفسه فيه، إلا ما رحمتنا، وأخذت بنواصينا إلى الخير، حتى نلقاك في أنفسنا، ونعرفك في أمرنا لأمرك.
هذه هي رسالة الروح… هذه هي رسالة الله… هذه هي رسالة الحق… هذه هي مولد آدم بأوادم، وبعث الكلمة بكلمات، وقيام رسول الله برسالات… وتجديد كتاب الله بأناجيل، وتقديم علم الله بصحائف وتراتيل، ليعلم الناس أنه لا إله إلا الله، وأنه الظاهر والباطن لهم، وأنه ظاهر وباطن من ظاهر وباطن، وأن محمدا ظاهر رسول الله لقائم باطنه فيسألون الله أن يكشف هذه الغمة عن الأرض، وعن كل بلد، وعن المسلمين وبلدهم، في كل بلد، وعن أنفسهم، في كل نفس، بلا إله إلا الله، وبمحمد رسول الله.
يسألون، مفتقرين إليه، جائرين به… طالبين منه… صادقين معه، أن يولي أمورهم خيارهم برحمته، وأن لا يولي أمورهم شرارهم بعدله أو بغضبته، حتى يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فينتظم جمعهم ورتلهم، في أجهزتهم لرسالة الروح، وفي أمرهم لإقامة العدل والحرية بينهم، وتوزيع أرزاق الأرض وخيراتها بإنصاف وبحق وبعدل للعالمين، وبكفاية عن الفاقة بسد عوز المعوزين منهم في حدود فاقتهم وحاجتهم، فينتظم أمر سياستهم وساستهم… وتنتظم بينهم وتعرف لهم مناهجهم، ويعرفون من الذي يسودهم، هل هو غير الله؟ الحاكمية له… والسياسة العليا به، جعلها لمن خَلفَه، وبالأرض زواها له كلفه في كل وقت وحين، وجعلها مسجدا له وطهورا عرفه، فقام عليها شرفه، وكل كريم شرفه، وكل لئيم جفاه وأنكره، ما جفاه إلا لئيم، وما عرفه وقبله وقامه إلا كريم… كافة للناس يعرفونه ويقومونه، متواصين بالحق، متواصين بالصبر.
هؤلاء أهل الخيمة… عترتي، وصنو كتابي، أنا حرب لمن حاربهم، سلم لمن سالمهم، ما حاربهم إلا لئيم، وما سالمهم إلا كريم… إن الغلبة لي ولربي، ألم يقل لكم {لأغلبن أنا ورسلي}[٤٧]؟ ألم يأخذ ميثاق الرسل لي، فأنا جماع رسالاته، وأنا قائم آياته بأمتي لكلماته، وبيتي لآياته؟ فأنا جماع كلماته ببنوتي لعاليه، وأبنائي مني لدانيه والمؤمنون به معيتي فيه، وأنا للناس قبلته بحقيقتي لمرتضيه، فأنا حقه لمن طلب الحق لنفسه بي، (من رآني فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل بي)[٤٨]
هل عرفنا ذلك؟ هل قمنا في ذلك؟ هل طلبنا ذلك ولم يحققه الله لنا؟ طلبه أفراد، فحققه لهم أفرادا، وطلبه جماعة فحققه لهم جماعة، فهل طلبناه أمة؟ هل طلبناه بشرية، ولم يحققه الله لنا أمما، ولم يجمعنا عليه به بشرا، ولم يحقق السلام فينا لنا به قياما وأبدا، ويجعل منا عليه للناس عَلما، ومن الناس لله فيه كَلِما؟
هذا ما يريده رسول الله لكم، وهو رحمة الله بكم، لنسلم له تسليما، ولنعرفه معنا قائما وحكيما، وقياما بالله سليما، وإنسانا وإنسانية لله في دوام يتجدد، ناطقا عليما، بيد من السماء تمتد، جوادا كريما، بقدم بين الناس تسعى، باخعة نفسها خلف الناس، على أثارهم، لعلها تستطيع أن توصل إليهم أمانتهم وقسمهم.
معها عطاؤهم بخلافتها عن الله، ولا طالب له، معها نعمتهم، ولا ساعي إليها، (الله معطي وأنا قاسم)[٤٩]، كيف نأخذ ونحن نظاهر القاسم بيننا، ونجفو أبا القاسم لنا، وهو قائم كل قاسم، وأب كل من قسم؟ معلم المعلمين، وأب المخاطبين، ومكلم المكلمين، وكاتب كتب المرسلين… عبدا لله، وربا لعوالمنا لله رب العالمين. هل عرفناه هكذا لنا دين، حتى يستقيم به لنا أمر، ويتحقق لنا به أمن ودين، ويقوم بيننا به سلام ويقين؟ ثم نتساءل ما تكون فائدتنا بالدين، وهو لم يتناول أمرنا في قائمنا إلا بيقين، تستقيم به أمورنا، يوم نجمع لنا فينا أولانا وأخرانا، لأمرنا فينا، لأمر مولانا لمعنانا ومبنانا. قال وفعل وحقق، وواصل بكوثر، ولكنا عنه تخلفنا، واخترنا طغاتنا ولهم على أمورنا في الدين والدنيا خلفنا، وباسم أمته لأمته في قائمه خلفنا.
لا إله إلا الله، سبحانك إنا كنا من الظالمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الصافات - ٩٦ ↩︎
سورة الزلزلة - ٧-٨ ↩︎
سورة النجم - ٣٩ ↩︎
حديث شريف: “ما مِن أحد إلَا وقد وُكل به قرينه مِن الجن، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فليس يأمرني إلا بخير.” أخرجه مسلم وأحمد. أيضا: “فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، قلنا ومنك يا رسول الله؟ قال ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم.” صحيح الترمذي. ↩︎
سورة النحل - ١ ↩︎
سورة آل عمران - ٥٩ ↩︎
سورة الزخرف - ٨١ ↩︎
سورة مريم - ٦٥ ↩︎
سورة الإسراء - ١١٠ ↩︎
سورة الأنعام - ١١٥ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎
حديث شريف ذات صلة: " إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فأقْضِي علَى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فمَن قَضَيْتُ له مِن حَقِّ أخِيهِ شيئًا، فلا يَأْخُذْهُ فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النَّارِ. " أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
ذكره بعض الفقهاء ومنهم الإمام الشافعي كحديث شريف، وهو يوافق الحديث الشريف “إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس” ـ أخرجه مسلم." لكن اللفظ " نحن نحكمُ بالظاهرِ واللهُ يتولَّى السرائرَ" يقول المحدثون إنه لم يثبت أنه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كان كلاما صحيحا. ↩︎
سورة الحجرات - ٩ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
حديث شريف. أخرجه البخاري ومسلم بلفظ: “كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.” ↩︎
من حديث شريف: " وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا…" أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
حديث شريف. أخرجه أبو القاسم الشهرزوري في ((الأمالي)) كما في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) للألباني. ↩︎
استلهاما من الحديث الشريف: (مَتَى أَلْقَى أَحْبَابِي؟)، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَا أَوَلَسْنَا أَحْبَابَكَ؟، فَقَالَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي، أَحْبَابِي قَوْمٌ لَمْ يَرُونِي وَآمَنُوا بِي، وَأَنَا إِلَيْهِمْ بِالأَشْوَاقِ لأَكْثَر. رواه أبو الشيخ الأصبهاني في " ثواب الأعمال "، كما في " كنز العمال "، والقشيري في " الرسالة “، والديلمي في " الفردوس.” ↩︎
من الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد من حديث أبي جمعة - رضي الله عنه - قال: "تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، أحد منا خير منا؟ أسلمنا وجاهدنا معك، قال: نعم، قوم يكونون من بعدكم، يؤمنون بي ولم يروني. "رواه الدارمي وأحمد والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وإسناد الدارمي. وعبارة “لهم من الله ما لي” عبارة يذكرها السيد رافع مع هذا الحديث الشريف. ↩︎
من الحديث الشريف: "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه.) ↩︎
حديث شريف جاء في كتاب “ربيع الأبرار”، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري (٤٦٧- ٥٣٨ هـ / ١٠٧٤- ١١٤٣ م) من علماء العربية، وأئمَّة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب. ومصادر متعددة في المكتبة الشيعية. الحُجزَة في المجاز الاعتصام بالشيء، التمسّك به يقال فلان طيِّب الحُجزَة أي عفيف وشديد الحُجزَة أي صَبُور وهذا كلامٌ آخذٌ بعضهُ بحُجزة بعض أي متناظم متناسق. ↩︎
حديث شريف: “إن أحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إليّ المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة”. أخرجه أحمد والطبراني وابن حبان. ↩︎
سورة الانشقاق - ٦ ↩︎
سورة الأعراف - ١٦٠ ↩︎
سورة الإسراء - ١٥ ↩︎
سورة الملك - ٤ ↩︎
سورة البقرة - ٢٤٧ ↩︎
حديث شريف، يوم غدير خم، بعد حجة الوداع، حيث أخذ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بيدِ عليٍّ رضي الله عنه، فقال ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسِهم قالوا بلى قال ألستُ أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه قالوا بلى قال فهذا وليُّ من أنا مولاه اللَّهمَّ والِ من والاهُ اللهمَّ عادِ من عاداهُ. صحيح ابن ماجه، أخرجه ابن ماجه وأحمد. ↩︎
حديث شريف: “أنا مدينةُ العلمِ، وعليُّ بابُها، فمنْ أرادَ العلمَ فليأتهِ منْ بابهِ”. المحدث: السيوطي. المصدر: الجامع الصغير، أخرجه الطبراني، وابن عدي، والحاكم… ↩︎
تم تشكيل هذه الكلمة وما قبلها وفقا لمراجعة النسخة الخطية المكتوبة بخط السيد رافع. ↩︎
سورة النساء - ٦٣ ↩︎
سورة الكهف - ٢٩ ↩︎
من الحديث الشريف: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.” أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
من الحديث الشريف “المرء مع من أحب”. أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود وأحمد. ↩︎
سورة مريم - ٧١ ↩︎
سورة الرحمن - ١٤ ↩︎
سورة النساء - ١٤٧ ↩︎
سورة الأنبياء - ٦٩ ↩︎
سورة الرحمن - ٤٦ ↩︎
سورة الهمزة - ٦-٧ ↩︎
سورة النمل - ٨ ↩︎
سورة المجادلة - ٢١ ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
حديث شريف: “أنا أبو القاسم، الله يعطي، وأنا أقسم”. أخرجه البخاري. ↩︎