(٧)

النائم الحالم
واليقظ الرحمن الرحيم المسالم
المكلم والمكالم
رافع الرتب رفيع الدرجات

حديث الجمعة

٢ ذو الحجة ١٣٨٧ هـ - ١ مارس ١٩٦٨ م

(بين أنا نائم أطوف بالكعبة، رأيت رجلا آدَم، قلت: مَن قيل ابن مريم، ثم رأيت رجل أحمرا، بدينا أعور العين، كأن في عينه نبقة هو أشبه الخلق بفلان، قلت من… قيل الدجال، والله ليس بأعور)[١]

هذا ما ورد في الأثر الثابت عن رسول الله.

هو نائم يطوف بالكعبة، والناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا، وهو قد مات عن نفسه، وبُعث بالحق فجدد لقائم الحق، قائم الخلق له، بآدم جدته وعلي طلعته، جديد بداية، لقائم آدميته، على أرض رسالته، وقد جاءها من قديم أرض نشأته، لدار قيامه وقيوميته، فجعل لبنوته قائم أبوته، (جعل الله ذرية كل نبي في ظهره وجعل ذريتي في ظهرك يا عَلِيّ)[٢].

فأدرك ما رأى، وهو نائم بين النيام، من أمر الناس، ومن أمر هذه الدنيا، ومن أمر مجتمعها[٣] بقائمه ونائمه، فهو الحق الثابت في القيام، وهو الخلق المتجدد بالنيام.

وهو إذ يتحدث بذلك إلينا، فإنما يتحدث عن وعيه بأمره لأمرنا، وما عرف أمرنا لأمره، إلا يوم تخلص بأمره من بين أمورنا، وقد بعثه بالحق من أوجده لنفسه، فتواجده على ما أراد، وما كان يدري ما هو به مراد، {ما كنت تدري ما الكتاب، ولا الإيمان}[٤]، {لقد كنت في غفلة من هذا}[٥]، انظر، كيف {كان فضل الله عليك عظيما}[٦]، تأمل ما كنت فيه، لم نغيبه عنك، ولم ننسك معناك، بين الناس، لمعنى الناس، وها نحن نذكرك فلا تنسى، فذكر إنما أنت مذكر، وإن رأيتك قد نسيت، فما نسيت، ولكنا أنسيناك ما أنسيناك لأننا لا نريد أن تردده، لحكمة، قائمة بأمرنا. نحن نحيط بك، وأنت لا تحيط بنا، نحن نفعل بك ونفعل لك، وأنت لا تتحكم فينا ولا تفعل بنا، إلا ما نفعل بك لك.

نائم يطوف بالكعبة، وكلكم هذا النائم، يطوف بالكعبة، يطوف حول نفسه، يطوف حول أمره… يطوف حول حسه… يطوف حول جهله… يطوف حول علمه… يطوف حول حيرته… يطوف حول بصيرته.

فما كانت الكعبة البيت الحرام، على ما جعلت، إلا قياما للناس على ما هم، في قيامهم، فإذا أدركوا، بإدراكهم لها، ما هو المراد بأمرهم بهم، وهم نيام، يطوفون بها مرآة يشهدون فيها جماع أحوالهم لاجتماع الزمن بهم…

ماذا يجدون؟ ماذا يجدون في متحف الشمع؟ ماذا يجدون في دنيا الأشباح؟ ماذا يجدون في هذه اللوحة، من الصور… صورها المصور؟ ماذا يجدون في هذا الكتاب، من مجتمعهم، تعبيرا عن معانيهم لهم؟ إنهم بجمعهم لوحدتهم بمعناهم، رجل واحد في الله وروح واحد لله، وأمر واحد من الله، ينتظر مفرداتهم بكل فرد منهم، لعين ما يشهدون من وحدتهم بجمعهم، لقادمهم بمآلهم في عالمهم لهم وسماوات تتسع، وجديد وجود يتواجد.

لو أدرك الناس ما عنى المعلم الهادي بجعل الكعبة البيت الحرام قياما للناس لوجدوا في هذا الكثير، مما ينشدون، ومما يطلبون أن يعرفوا، فبهذا يعرفون ما معنى القيامة للناس… يعرفون ما معنى القيامة لله… يعرفون قائم الله… يعرفون قيوم الله… يعرفون كيف تكون اليقظة يوم يستيقظون… يعرفون أين هي الجنة، يوم يدخلون… ويعرفون أين هي النار، يوم يصطلون… ويعرفون ما تكون السكينة، يوم يدخلون… ويعرفون ما يكون العذاب يوم يدركون ما لا يدركون مما هم فيه، به يبتلون… يعرفون القيامة في أنفسهم كيف تقوم وكيف تكون… ويعرفون الحشر وكيف يحشرون يوم يبعثون… يعرفون الحياة… يعرفون كل شيء خروجا من الأشياء.

يعرفون الله وهم في دار، فيها كل هذا، على مثال فيه، لا على قيام به… يعرفون أن الدنيا إنما هي مرآة الآخرة… يعرفون أن هذه الدار من أرضهم، إنما هي نموذج مصغر، لهذا الكون لوجودهم بتخليهم عنها لإحاطة بها، بالحق لهم.

يعرفون وهم ينتقلون في عين ذاتهم وحالهم، في يومهم، من حال إلى حال، من بؤس إلى رخاء، ومن رخاء إلى بؤس، ومن صحة إلى مرض، ومن مرض إلى صحة، ومن ثراء إلى فقر، ومن فقر إلى تخمة بالغنى والمال.

يعرفون من ذلك كله، ومما هو فيها، من الكثير غيره… يعرفون كيف هم من أطفال إلى صبية… ومن صبية إلى فتية… ومن فتية إلى رجال… ومن رجال إلى شيوخ… ومن شيوخ إلى كهول… ومن شهود إلى غيبة، يعرفون كل شيء مما يستحيل عليهم معرفته إذا أخذوا موضعهم الحقي في قائم الوجود الكلي الثابت، حتى يختاروا هم لأنفسهم بإرادتهم مواطنهم ووظائفهم في الحياة الصمدية للوجود المطلق، بقائمهم بأمانة الحياة في يومهم.

فيعرفون من أين جاءوا وممن جاءوا أو يجيئون، وقد جاءوها مما لا يعرفون، جاءوها ولا يدرون من أين يجيئون… فما عرفوا إلا أنهم عليها يبدأون، وأنهم عليها ينتهون، وأنهم عليها يتكررون، وأنهم عليها يتجددون، وأنهم بجمعهم عليها يتأبدون، وأن تأملوهم بآباء يجدوهم عليها متأزلين.

وهم في جمعهم ووحدتهم متطورين، ومن كمال إلى أكمل يتصاعدون، ومن الأكمل إلى كمال ففقدان ينحدرون، أمر يتداول بين جماعاتهم وأممهم وأسرهم وأفرادهم، لا تخلو الأرض في جمعها من جماع ألوانهم، فهي ثابتة في اجتماعها بجمعهم، بمفرداتهم عليها يتشكلون، ومن أفراد أسرًا يقومون، ومن أسرٍ أمما يتواجدون، ومن أمم بشرية ينتشرون، وطبقة بعد طبقة يرفعون، ويذهبون، وطبقة بعد طبقة يعودون ويبعثون.

إنها كل الحياة، تشبيها وتعريفا، عن كل الحياة قياما، وتشريفا، لمن يطلبون الحياة فيبعثون في الحياة بالحياة، من قائم الحياة، من كسبهم، ومن فعلهم، ومن حرصهم على أنانيتهم، بحقهم، وهم في صمد أنانيتهم بحقهم، يجددون، ويكثرون، ويعددون أنانيتهم بخلقهم.

رأى محمد الحياة، يوم حيا بعثا بالحق بيننا لنا، ويوم عرف الحياة، ويوم فارق العدم، وتسربل بسربال البقاء، موجودا، متكاثرا لا يُبتر، ويُبتر من فوقها شانئه. هو الكلمة الطيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء… هو ما ينفع الناس ويمكث في الأرض… هو من لا يعرف الخيال، ولا يتخيل المثال… هو الحق في كل الأحوال… هو الحق في كل الأمثال… هو الحق بأسمائه… هو الحق بصفاته.

يوم جاء الأرض، استوى به الحق إلى الأرض، فقدر فيها أقواتها، في يومين، في عصرين، في رسالتين، في ولدين، في حيين، في كائنين، في يومين، في عصرين، في رسالتين، في ولدين، في حيين، في كائنين، في آدمين، في حواءين، في أمتين، في نفسين، على مثال من قديم فعله، بدورة الأوادم في موجود وجوده لأعلام شهوده، نفسا فطمت نفسها عن الهوى، ونفسا علت على الدنايا والسوى مع الرسول الإنسان الأب، الذي بالأعلى سوى، فتوفى واستوى على مثال من قديم جيئة، في ناموس الفطرة قامه ومثله لنا بيننا لنا، {أتى أمر الله فلا تستعجلوه}[٧]، {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده}[٨]، كتب لهما البقاء بمن كتب له الدوام في قائم بقائه. وكتب لهم الدوام بدائمه هم الأب والأم… هم الأم والأب… هما فرعا الكلمة الطيبة، والشجرة الطيبة والحقيقة الفارعة في وحدتها، هما جسدا النور… هما الآدم في حقه، والحواء في أمره.

هما الكائنان، المجفوان، المغفلان، وهما أصل كل إنسان، هما في الأرض المستضعفان، وهما في السماء العزة لله وللإنسان.

هما أبوة وأمومة كلمات الله… هما أصلا كل عيسى وعيساه، وكل نفس عذرية وابناها أو ابناه… هما أوادم الحقيقة، لأوادم الخليقة. عبر عنهما كائنان من كائن إنسان جاء به الحق للعيان، وبه يجيء في دوام لكل مفتقر لله وللإحسان.

كلكم نواة لآدم… يوم أنكم إليهما تنتسبون، تنتسبون إلى أم الأمهات، وإلى أب الآباء والكلمات، انتسابا إلى الحق، في قائم رسوله، وإنسانه، لا تفرقون بين الله ورسوله، تدركون الرسول ورسالته، فلا تفرقون بين الرسول وظلاله لقديم رسالته… وظلاله لدائم رسالته… وظلاله، لمطلوب رحمته ومطلوب شفاعته، ومطلوب دينه، ومطلوب أمره، وطلعته.

نائم يطوف بالكعبة… هو الناس في حالهم، يشاركهم أحوالهم، ولا يترفع أن يكونهم، ولا يسيئه أن يكونوه، لا يرضى وأحد من أمته في النار، نعم هي أمة مذنبة، ولكنه الرب الغفور، ولكنه الرب الشكور لربه.

وهو وهو الرب، ما ظهر بشيء مما جعل له من شرف، إلا بشرف العبد، ينتسب إلى الأعلى، ولا يضيره أن ينتسب إلى الأدنى، لأنه لا يرى الأعلى إلا في الأدنى لا يحيط بالأعلى، ولكنه يحيط به في الأدنى ليعلمه كتابا للوجود يقرأ به سر الوجود الأكبر من وجوده في قائم موجوده، ويستمع إليه من الأدنى يكلمه ليستمع به منه في أمره لمن يخاطبه، ويستقبل منه من الأعلى له يلهمه، ليلهم هو به من يصطفيه ويعلمه، يلقي عليه الروح من أمره ليعلمه، وليقومه، وليجعله فيه أمره… أمره الذي يلقي الروح منه مرة أخرى، الذي يلقي الروح منه من أمر نفسه، على من يصطفي من عباده لربه، ومن أبناء جنسه، ليرتفع بهم إلى مقام الأعلى له لحضرته، ولمقام المعرفة به، وعلمه بقائمه وحسه، رحمة للعالمين، وكافة للناس أجمعين، به يرحمون، وبه يوصلون، وبه يقومون، وبه يُقَوّمون، أحد من آحاد في مطلق الله، ربا لآحاد العالمين.

به تكون المغفرة للمذنبين، وإن كانوا بذنوبهم مسرفين، ما كانوا من رحمة الله غير يائسين، طلبوه وعرفوه مسترحمين، فأجابهم، منادين، على ما أجاب من أجابوه منادين ملبين، (من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)[٩]… يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يبدل سيئات التائبين، ويجبر خاطر الرجاعين الأوابين، الآسفين المستغفرين، يوم هم يذهبون إلى الرسول فربهم يستغفرون، فيستغفر لهم الرسول، فيغفر لهم، ما كانوا فيه، مهما كان، مما به أساءوا ووصفوا بالمسيئين.

الرسول نائم يطوف بالكعبة، فيرى الرجل الآدم، والرجل الآدم يرى الرجال الأوادم، إلى أمهات المؤمنين ينتسبون، مريم إحداهن لو تدركون، وولدها معناكم لو تقومون، ضرب لكم مثلا لو تؤمنون، ولكنكم لأنفسكم عنه وعن مثاليته دائمة بينكم لا تصدقون، والناس عنه تصرفون، وعن الطريق قائمة به تصدون.

كان أبناء محمد به دائمون، وبينكم به قائمون، وعن مجتمعكم غير منقطعين. ولكنكم لهم لا تأبهون، بهم بقبل وبعد رسالته دامت وتدوم، قامت وتقوم. هم عباد الرحمن بينكم على الأرض هونا يمشون، أنتم بهم تستهترون، وأمرهم بينكم تستهينون، وفراعينكم بهم يهزأون، وأنتم بفراعينكم لهم تستبدلون.

ويريد الله أن يمن على من يستضعفون، فيجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، ويُري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون، هذا على أرضكم في أيامكم وفي دوام لم يغب لو تتأملون، تلك الأيام نداولها بين الناس لو تتدبرون.

وكيفما تكونوا يولِ عليكم من يتولون، وما ولوا إلا ردا لأعمالكم إليكم بالكفر أو باليقين، إذا أردنا أن نهلك قرية، سلبنا من ذوي العقول عقولهم، فأمروا على ما أحكمنا من بينهم المترفين، فنحن الذين بهم أمرنا المؤمرين، أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فحق عليها القول بظاهر من الأمر كافرين، فدمرناها تدميرا كما تشهدون في كل وقت وحين.

أَمَرنا مترفيها، من عابدي المال، وعابدي الدنيا، وعابدي مظاهرها، ولا معبود لهم، أمرنا مترفيها، جعلناهم أُمراء لها، من فعلهم هم، بأنفسهم، وقد نصحناهم، وهديناهم، لا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله، فحرفوا الكَلم عن مواضعه، وغيبوا الله ربا لهم معهم وفي أنفسهم بأرباب من بينهم رعاة لهم صالحين إلى أرباب من الطغاة الفاسقين… يسومونهم سوء العذاب بعيدين عن القيام في خدمتهم صالحين، لله متقين، معه في الناس متعاملين، سيد القوم خادمهم، يوم يصلح القوم، فيصلح سيدهم، ويصبح (الأمير أجير قومه)[١٠].

هكذا شرع لكم، فما كنتم في دين الإسلام أجراء أمرائكم، بل أنتم مستأجروهم، ولكنكم قلبتم الأوضاع بينكم، واتخذتم طغاتكم أربابا لكم، أنتم الذين رببتم، وأنتم الذين توليتم عن أمر ربكم، ووليتم خصيم حقكم الإله الحق، يظهر بينكم بعباده في خدمتكم. إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة، {فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية}[١١].

إن أهل الأمر بينكم، لا يسيل على الكراسي الزمنية لعابهم، فهم على كراسي نعمته الروحية الخالدة، لهم، في قائم خلودهم، في حضرة ربوبيتهم، عباد مكرمون، لا ينظرون إلى ما في أيديكم، فما كان ما في أيديكم يوم تصلحون، إلا من فتات موائد نعمتهم، لو تدركون. زويت لهم الأرض، مجالا للخدمة والعم، والمعاملة مع الله، نعمتهم في أنفسهم من لدنهم بوصلتهم مع الأعلى له يشهدون وبه يقومون.

إن الذي يقوم في حقه، وفي قائم روحه لربه، في غنى عن الطعام، وفي غنى عن الكلام، وفي غنى عن الظهور، وفي بعد عن الفجور، كيف يحتاج إلى مال، وكيف يحتاج إلى جاه، والمال إنما هو نعمة خدامه وعبيده من أهل الأرض، أو من أهل الكواكب، أو من أهل الشبحية!

كيف يسيل لعابه على جاه وهو المتحرك في كل الأشياء، المنتشر في جميع الأجواء، المدرك لقائمه في الحياة بالبقاء!

إنه لا يراكم، إلا يوم تدخلون ظلاله من بينكم، يقومون بينكم، ويظهرون لكم دونكم، يخفضون لكم جناح الذل رحمة بكم. وأنتم عليهم تستكبرون بتعاستكم.

عباد أنتم لهم العبيد، وأنتم بغفلتكم عن حقي عبوديتكم، تتحكمون فيهم بكبريائكم وجهلكم، تستضعفونهم، وهم يظهرون بالضعف أمامكم، لأنهم لا يعرفون الانتقام، ولا يعرفون الغِل، ولكنهم يعرفون الرحمة، ويعرفون العدل، ويعرفون المغفرة، ويعرفون الكرم والجود والحب والإيثار.

يتعهدونكم، في أمر أنفسكم في غفلة منكم، فيدفعونكم بينكم إلى المجاهدة فتتدافعون بينكم، وتتصارعون بعضكم، مع بعض على نسمات من الحق، على نسمات من الرحمة، على ما ترون الآن بينكم مما يثور في مجتمعكم، من شبابكم ومتعلميكم… صراعا على العدل… صراعا على الحرية… وفي الجانب الآخر من المسرح، صراع على السلطان… صراع على البطش… صراع على الغلبة.

وها أنتم، تلونون كلا من الصراعين، فتصفون أحدهما بما في الآخر، واليقظون من بينكم، والنيام مع نومة النائم، تنشق عنه الأرض، النائمون معه ناموا حتى الآن الألف ونصفها بعد يقظة من الآلاف من قبلها، ناموا رقدة أخرى بعدها، وهم الآن في يوم الفصل، فهم يطمعون أن تنشق الأرض عنهم يوم تنشق عنه.

وهي منشقة عنه، وعنهم معه، لو أنهم إيمانا به حقا لهم يدركون، في صحبته يستوفون ويتوفون، طبقا بعد طبق يرفعون، وطبقا بعد طبق يرسلون، فعبادا للرحمن على الأرض يمشون.

إذا دخلوا أرض النيام عملوا نائمين، ولبسوا ما لبس الغافلون، من لباس التواجد على مثالهم، رسلا من أنفسهم، ولكنهم في واقع حقهم الملائكة، حضروا في بيئة الشياطين، الشيطان يجرى مجرى الدم من أهل هذه الدنيا غافلين، يوم هم لها عابدين، وعن آخرتهم بها متخلفين، ونور الله يجرى فيها في المرسلين. ويسرى منهم في المؤمنين، بالله ورسوله يقومون.

إن النائم مع النائمين، العامل مع العاملين، المذكر مع المذكرين، المتحدث منه ربه بالعلم واليقين، يرى الرجل الآدم، من أبنائه، فيتساءل، من يكون؟ ويجاب، إنه ابن مريم… إنه ابن مارية… إنه إبراهيم… إنه جديد عيسى… وأمه جديد مريم، ومن الجديد القديم يكون.

فما كان ما رأى الرسول من رجل آدم، أضافه إلى عيسى… ما كان إلا ولده إبراهيم… وما كانت مريم، إلا مارية، بيقين… ولكن الرسول أراد أن يبرز من أبرز الله من قبله وضرب به مثلا للمسلمين، ولا يكشف ما يبرز الله به من بعده إلا بتطبيقه للناموس، يجدد قديمه في جديده من خلاله، حتى يدرك مدرك أن الرسول لم يخرج عن الناموس، لا نياما مع النيام ولا قياما مع القيام، ولا بعثا مع المبعوثين، ولا تقادما مع المتقادمين، ولا تجديدا مع المتجددين. (كيف بكم وقد نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم [فأمكم منكم])[١٢]، (يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا)[١٣]، (لو لم يبق من عمر الزمـان إلا يوم لمد الله في عمر ذلك اليوم حتى يُخرج رجلا من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا)[١٤].

ما دعا الرسول إلى نفسه، ولكن دعانا إلى ربه، ووعدنا لأنفسنا ما حقق هو منه لنفسه، ولن يتحقق لنا لأنفسنا ما تحقق له لنفسه، إلا يوم أن نفنى فيه عنا، ونبعث به له منا… إنه السماء الطيبة ورجعها، وإنه الأرض الطيبة وأشجارها وطلعها، وإنه الكلمات الطيبة وثمارها، وإنه الثمار الطيبة وأبذارها، وإنه النواة الطيبة وأزهارها.

إنه الحياة لطالبي الحياة… إنه المثالية ارتضاها الله، لكل من يرتضي الله، لمن رضي الله ربا، ورضي محمدا نبيا وقبل عليَّا إماما ومثالا، عبدا وحقا، بيتا وآله لنفسه يرجوه، ومن الله يطلبه ويدعوه…

متوجها بطلبه وندائه إلى رب الرسول متوسلا به وبآله إلى علام الغيوب، إلى الواسع العليم، إلى عالم الغيب والشهادة، إلى قائم السماوات والأرض، إلى قائم الوجود في مطلق الوجود، إلى قائم الإنسان في مطلق الإنسانية للرحمن، إلى قائم اسم الله بين أسماء الله، إلى قائم جماع كلمات الله بين جماع من جماع لكلمات الله، إلى قائم كلمات الله متوفاة، لعديد كلمات الله متوفاة، لا عد ولا حصر لها، أحد في معناه، واحد في مبناه، وجود ومجلاه، حق ومعناه، خلق ومولاه.

وهكذا يكون كل من والاه، وهكذا يصير كل من داناه، ومحروم من هذا كل من عاناه، يبتر من أمانة معناه، ويعدم من حق مولاه.

هذا هو دينكم يوم تدركون أن لكم دين… هذا دين يقوم بالقلة منكم يدركونه، وبالكثرة لكم حولهم يطوفونه.

إن الكعبة قيام وحياة… إنها البيت الحرام إنسان ومبناه، قلب وقالب ومعناه، هيكل لمولاه، وجه ترتضونه وقد ارتضاه… ولكنكم تتخذون بعضكم بعضا أربابا من دون الله، تتخذون الطغاة وتسمونهم الولاة، وهم السجانون، وهم القتالون، وهم المفنون لدينكم، وبفناء دينكم عنكم تفنون، فيهم تهلكون.

من يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها. فالطاغوت مشهود بالولاة له من دون الله، ووجه الله مشهود برسول الله.

ليس الإيمان في الله، والإيمان بالله، بمناسك الأديان تؤدونها، ولكنه بمناسك الوعي… بمناسك الاعتقاد… بمناسك العقيدة… بمناسك الرشاد… بإعمال العقل… بالتمسك بإنسانيتكم… بالتمسك بكرامتكم… بالتمسك بحرياتكم… بالعمل على إقامة العدل بينكم، والحرص على حرية العبادة، وحرية الكفر لجمعكم ومفرداتكم.

تجمعوا قلوبا متحابين، على الله متوكلين، وبالله مستعينين، واستنصروه تُنصرون، وبغير ذلك لا تفلحون ولا تنتصرون.

هذا هو الدين، ألا يتطور بينكم الدين، وقد طوره الله بما أبرز بينكم من العارفين، ولكنكم كنتم لهم بين مخاصمين وقتالين، بهم لا تؤمنون ولهم له لا تسمعون… وإذا غابوا عنكم… مقابر تذكرون، لها تعبدون، وحولها تطوفون، ولها تسجدون… ومثال أهلها بينكم يمشون، بهم لا تأبهون، ولما فعلتم بآبائكم، لفعلكم أبناءً لهم تكررون، ففريقا تخاصمون، وفريقا تقتلون، هكذا أنتم تواصلون.

فمتى تستيقظون، وللقارعة بعد القارعة، تتأملون وتعللون؟ متى بالحق تبعثون حول من بعث بالحق بينكم لهم تشهدون ومعهم تتحدثون، ولهم تصافحون؟ ولكنكم مع قلوبهم لا تتعاملون، وقوالبهم بما في قلوبهم يظهرون، ولكنكم عليهم تنكرون، وحول من يخدعكم تطوفون، وحول الحواة واللاعبين تحجون وتسجدون وتعجبون، وعند كراسي الحكام تنطرحون، راضين مسلمين! إلى متى عقولكم لا تعملون؟

ها هي بوادر يقظة نشهدها في أيامكم، كنا لها ننتظر من سنين لعموم يقين، فكنا بما نشاهد نعتبر، وبما نقرأ عن آبائنا يقظين وغافلين نذكر، ومع ما نشهد أمامنا نصطبر، وأمرنا فينا مع الله نتدبر ولرحمة الله عامة ننتظر. ها هي بوادر الخير… وها هي مقدمات الأثر… إنها مصابيح الطريق، بدأت تضيء، وبدأت تشرق، فنسأل الله أن يتم لنا نوره، وأن يعمر بنا دوره، وأن يعمر بنوره قلوبنا له بيوتا، وأن يجعل لنوره من عقولنا شروقا، وأن يجعل من نفوسنا لنار قدسه شعلة يجعل منها على الأرض منارة، ويجعل بها للظلام نهاية، وللطغيان انقضاءً، والعدل قياما وبقاءً، وللرحمة مجيئا وجزاءً، وللنعمة فضلا منه لنا، عطاءً ووفاءً.

نسأل الله أن يعلي كلمة الحق على أرضنا، وأن يكشف الغمة عنها وعنا، وعن بلدنا وعن بلاد المسلمين لأمتنا واجتماعنا.

إن الله بالغ أمره، وها نحن له نجأر، وإليه نلجأ، لعلنا نصادف زمان الإجابة، ولعلنا نستعيد زمان الصحابة… ولعلنا نبني أسوار الحجابة، بيننا وبين العذاب والعدل، وعقابه، وما في أعقابه.

فنحول بأسوار أبداننا، بين القضاء والقدر في أمرنا، ملتصقين بربنا، مبعوثين بنبينا، مرددين لكتاب الله لنا، منادين لأنفسنا، مجددين لمعالمنا، محيين لقلوبنا، محررين لعقولنا، مطلقين لأرواحنا، بقائمنا، وحاضرنا في أشباحنا، نعمة معجلة، لأكبر منها لنا مؤجلة، فبين جنتين نهرول، وبعيدا عن نارين نرتوي، وفي نار الله نصطلي.

هذا هو الحق لكل من يطلب الحق… وهذا هو الصدق لكل من يصدق مع نفسه صدقا مع ربه.

لا إله إلا اللـه، محمد رسول اللـه.

اللهم بجاه محمد فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا برد أعمالنا… اللهم بجاه محمد وآله أصلحنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، أئمة ومتابعين، قائمين وقاعدين، يقظين وغافلين.

لا إله إلا انت، سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. من حديثين شريفين: ١- “بينما أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدَم سبط الشعر، بين رجلين ينطف رأسه ماء، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا ابن مريَم، ثم ذهبت ألتفت، فإذا رجل أحمر جسيم، جعد الرأس، أعور العين، كأن عينه عنبة طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: الدجال، أقرب الناس به شبها ابن قطن.” أخرجه البخاري ومسلم باختلاف يسير. ٢- و “إن الله ليس بأعور.” جزء من حديث شريف " إنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى علَيْكُم، إنَّ اللَّهَ ليسَ بأَعْوَرَ - وأَشَارَ بيَدِهِ إلى عَيْنِهِ - وإنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ." أخرجه البخاري ومسلم أيضا. ↩︎

  2. حديث شريف: “إن الله عز وجل جعل ذرية كل نبي في صلبه وإن الله تعالى جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب.” أخرجه الطبراني، والسيوطي، وغيرهم من المحدثين. ↩︎

  3. تم تصويب هذه الكلمة وفقا للنسخة الأصلية الخطية المراجعة من السيد رافع، ومن السيد علي رافع. ↩︎

  4. سورة الشورى - ٥٢ ↩︎

  5. سورة ق - ٢٢ ↩︎

  6. سورة النساء - ١١٣ ↩︎

  7. سورة النحل - ١ ↩︎

  8. سورة غافر - ١٥ ↩︎

  9. حديث قدسي. المصدر: تخريج الكشاف. أخرجه البيهقي، وأخرجه الترمذي والدارمي باختلاف يسير. ↩︎

  10. عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎

  11. الحاقة - ٥ ↩︎

  12. حديث شريف. أخرجه البخاري ومسلم بلفظ: “كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.” ↩︎

  13. من حديث شريف: " وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا…" أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  14. حديث شريف رواه الإمام على ابن أبي طالب كرم الله وجهه، أخرجه أبو داود، وأحمد باختلاف يسير. وجاء بلفظ “لو لم يبق منَ الدنيا إلَّا يوم لطولَ اللَّه ذلك اليوم حتَى يبعث فيه رجلًا مني-أو من أهل بيتي-يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت ظلمًا وجَورًا.” أخرجه أبو داود، والترمذي مختصرا. ↩︎