(٥)

من أنا.. من أنت.. من هو
في قائم الإنسان، لأحديته بواحديته
رسولا ومرسِلا ومرسَلا إليه

حديث الجمعة

١٧ ذو القعدة ١٣٨٧ هـ - ١٦ فبراير ١٩٦٨ م

مَن أنا… مَن أنت… مَن هـــــــــــــو.

أنا له، منه إليه فيه، قائم عبده، وأنت إليَّ منه، قائم رسوله، وأنا وأنت، له فيه، نذكره لنا وفي الكل نعنيه، قائم وجهه… وجه لوجه فيه، بوجهٍ له، ننشده، ونهتديه، وفناءً عنا إليه نرتضيه.

إذا عرفنا ذلك لنا، لفردنا وجمعنا، ذكرنا الله، وقمنا باسم الله، وبدأنا أعمالنا بسم الله الرحمن الرحيم… به نستقيم، وفيه نقوم، وبه فيه نُقيم، نشهده لا إله إلا الله لنا، ونشهدنا محمدًا رسول الله له.

هذا دين الإسلام، وهذا دين الفطرة، قام بالحكمة، وبالحكمة يقوم، وبغير الحكمة لا وجود له، ولا قيام له، ولا دخول فيه، ولا معرفة به.

دين الحكمة… دين القيمة… دين الأُمة الوسط، والأمر الوسط… بين يدي رحمته، بقيوم أمره على قائم أمره، لأمر يقوم من أمره بأمره.

نردد لفظ الإنسان، ونردد لفظ الله، ونردد لفظ الرسول، ونردد لفظ محمد… هل جعلنا من هذه الألفاظ لها في وعينا واقع؟ هل كان لنا مع هذه الألفاظ، في واقعها تلاقٍ؟

هل بها عَملنا؟ وهل معها تعاملنا؟ هل بها قمنا، ولأنفسنا بها قَوَّمنا، ولأبنائنا لها عَلَّمنا؟ وهل من آبائنا بها عنها تَعلَّمنا؟ وإلى أبنائنا نقلنا، فكنا الأمر الوسط، والأُمة الوسط، والرسول بقائمٍ لقائمه بين مرسِل، ومرسَل إليه تواجدنا.

مرسَل بحقائق الآباء، إليهم وصلنا، وبهم اتصلنا، وأرواحا تلاقينا، في مباني القلوب اتصلنا، وإليها وصلنا، وقائم الحق بنا لقائمه بهم، أبناءنا ورَثنَا، ففي قلوبهم تواجدنا، وبالأعلى لنا للأعلى فيهم جددنا.

ففي أنفسنا تجددنا، والقادم مع القديم جمعنا، وفي قائمنا لهما اجتمعنا، في لا إله إلا الله، سَمعنا وقَدَّرنا ففيها دخلنا، وبها قمنا، وأقمنا.

تعلمناها فعَلِمنا وعَلّمنا، متعلمين بها، ما انقطعنا، وأنفسنا عنها ما قطعنا، ومعلمين لها ما غفلنا ولا فترنا، وعلى من عُلنا حَرصنا، فحقًا عُلنا، ورعاة قمنا، وآباءً تلاقينا، مع أبناء تزاوجنا، وآباءٍ وأمهات لنا لها تزاوجنا، فأزواجا عُرفنا، ولأنفسنا اتصفنا، بين ظاهر وباطن فينا تلاقينا، وعرفنا، وجمعنا وعرفنا.

لوجودنا لمعاني دنيانا أنشأنا وبنينا، وللبناء جددنا وأعلينا، وللبناء من تلف صُنا، ولكل صغير وكبير فيه رعينا، وعليه سهرنا، وذراتٍ جددنا، والجديد محل القديم أحللنا، والقديم بكماله في سبيل الجديد وأحواله أحيينا وآثرنا، فأمتنا وأحيينا، وعرفنانا على ما أَنّا، أننا بكمال في قديم كنا، وفي قادم لقائم نكون، فتهيأنا وأعددنا.

قلنا الإنسان، وتواصينا الإنسان، وتذاكرنا الإنسان، وتعلمنا الإنسان، وتعالينا وتدانينا الإنسان، وشغلنا قائمنا بالإنسان، وشغلنا قائمنا لمعنى الإنسان، عند قيوم لنا، لقيوم الإنسان، فتدارسنا بيننا، من تكون البشرية؟

نحن فيها، ونحن بنوها، ونحن بناتها، فعنَتنَا بشريتنا، وإنسانيتنا، وحضرتنا، وجماعتنا، وجمع أفرادنا ومفرداتنا، ما تكون قلوبنا؟ وما هي قوالبنا؟ ما تكون عقولنا؟ وما هي نفوسنا؟ كيف هي أشباحنا؟ وأين هي أرواحنا؟

فتدارسنا بيننا، إنسان ما قبل البشرية، وإنسان ما بعد البشرية، وإنسان البشرية، في قيامها بقائمها… وإنسان البشرية لقيومها.

تدارسنا وتدارسنا… وتذاكرنا وتذاكرنا… وتواصينا وتواصينا… ماذا عرفنا؟ وماذا سمعنا؟ وماذا حُمِلَ إلينا؟ ما الدين؟ ما العِلم؟ ما الطريق؟ ما اليقين؟ ما السلوك؟ ما الخُلق؟ ما الأهداف؟ ما الأعراف؟ ما النزوات؟ ما الشهوات؟ ما اللفتات؟ ما النظرات؟ ما الأحوال؟ ما المقامات؟ ما العبرات؟ ما النسمات؟ ما البسمات؟ ما الآيات؟ ما البينات؟ ما الحقائق؟ ما الخيالات؟

إن الإنسان قبل البشرية هو الإنسان… وإن الإنسان بعد البشرية هو الإنسان… وإن الإنسان قائم البشرية هو الإنسان… وإن الإنسان قيوم البشرية هو الإنسان.

ما الإنسان؟ ما الإنسان عبد الرحمن؟ ما الإنسان عبد الديان؟ والإنسان هو الديان، وهو وهو الديان، ما زال عبد الديان… والإنسان هو الرحمن، وما زال وهو هو الرحمن عبد الرحمن.

الإنسان هو بيت الله… هو نُصب الله… هو اسم الله… هو هيكل الله… هو الحق من الله… وهو هو على ما هو كذلك عبد الله، وعبد الرحمن.

فمن يكون الله عند الإنسان!؟

الله عند الإنسان، ما قبل الإنسان، منه تواجد الإنسان… الله عند الإنسان، هو ما بعد الإنسان، إليه صار الإنسان… الله عند الإنسان، هو قائم الإنسان، فيه غاب الإنسان عن وجوده.

الله قيوم الإنسان، طلبه الإنسان، فلحق الإنسان في طلبه… وسارعه مجيبا قبل أن يرتفع صوته بالطلب، وقد عَرف فيه السر وأخفى، فعرفه طالبا، فكانت الإجابة قبل الطلب، وقرين الطلب، في قائم الطالب، غاب عن نفسه، قياما في مطلوبه.

هذه هي الحكمة يوم نعرف الدين بحكمته… وهذا هو العلم يوم نطلب العلم بتعلمه، مع مُعلِم عَلِمَه… وهذه هي المدنية، يوم تقوم المدنية على علمٍ وحكمة، خالصة من بهتان وفتنة.

نحن نتحدث هنا دائما، عن الحكمة، ونقدم الحكمة، ونطلب الحكمة من طالبي الحكمة، فإنهم لا يخلون من حكمة، ونقدم الحكمة ونحن طلابها، نتعلمها في تقديمها، ونطلبها في منحها، ونسجد لمن قَبِلها، نراه مانحا لها، فما كانت منا له، إلا منه وإليه، وما كانت منه لنا، إلا منا وإلينا.

فإن نحن على الحكمة تلاقينا، فنحن بالحكمة توحدنا، فلا أنا ولا أنت، لا أنا عندك، ولا أنت عندي، ولا هو لنا، فنحن للهو بنا، في حصن لا إله إلا الله، دَخلنا وتواجدنا، وفي قائم محمد رسول الله قمنا وتعددنا.

قد يتساءل متسائل منكم، كم نحن لهذا الحديث منك سمعنا! ألا تنتقل بنا إلى أبعد من ذلك، إلى ما بعد ذلك!؟

هل هناك أقرب إلينا من البعيد عنا؟ هل هناك بعيدا عنا أبعد من القريب منا؟ من هو من هو أقرب إليكم من حبل الوريد، معكم أينما كنتم، على كل نفس قائم، من ورائكم بإحاطته، وأمامكم لشهادته، وهو المتعالي عن الوصف، العزيز على الطلب، المعلم بتقواه، الملبي لمن ناداه، المقارب لمن داناه.

قيامكم ما قام إلا لقيامته، وما كانت القيامة له به إلا قيامكم، وما كان الحشر إلا اجتماعكم، بقائمكم، على قديمكم وقادمكم.

إنسان قيام، لقي إنسان ما قبل القيام، وسعى إلى إنسان ما بعد القيام، مؤمنا بقيوم الإنسان، إيمانا بقائمه لقيومه… إيمانا بموقوته لدائمه… إيمانا بقائمه لسبقه، ولآدم لحاقه، ابنا وكلمة لآباء، ظهر بهم المطلق، وعُرِف بهم الدائم، واستقبل فيهم القائم. ذلك دين الفطرة… ذلك دين القيمة… ذلك دين الإيمان… ذلك دين الإسلام، كل ما في الوجود تفرع عنه.

كيف تَغرس الشجرة، وأنت لم تستقبل النواة في ثمرتها، قديمة في جنتها، لتزرع جنتك بيديك، وتتعهد أشجارها بعملك وناظريك، تعرفها في أرض قلبك، لعالم هيكلك، بموجود ذاتك… مضافا إلى قيوم حقك، لموصوف ربك لقائم عبدك؟ (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)[١].

كلمة من كلمات فيمن أعطي جوامع الكلم… أعطي جوامع الكلم كلاما وحكمة وقياما، وخَلقا وخُلقا، أعطي جوامع الكلم، كلمات لله، رتَلها كتابا، وسَلَكهَا لله حجابا، وقدمها للناس قوما ولله طلابا، بالله آمنوا وبالله يؤمنون، وبالله أملوا وبالله يأملون، علم الإسلام وقائم السلام.

كيف نصل إلى الباء ونحن لم نفتح فمنا بالألف! إن الألف هو الباء، تتكيف بحركة، بفتحة وكسرة، إي، آه، فمن تعني؟ أتعني الآه، أواها، من متاعب دنياك، أم تشهر الإي، إعلاما بقيوم معناك؟

ما المدنية؟ ما الحرية؟ ما الديمقراطية؟ ما الاشتراكية؟ ما الشيوعية؟ ما الملكية؟ ما الرجعية؟ ما التقدمية؟ كلها في معناك يوم تعرفك من أنت في مبناك، هذا للقيمة، وما كان الإسلام دينا إلا دين القيمة، وكان الدين للناس في الخِلة لهم والصحبة معهم.

تذاكروا بينكم، قديم وقائم وقادم أمركم، في تاريخكم، انظر… تأمل… كيف كانت نظرية الكثافة، واختلاف الكثافة في المادة، وكيف عرفت نظرية الأجسام الطافية، وكيف كانت هذه النظرية بداية فاعلة في كل ألوان المدنية على أرضكم، عومتم الحديد على الماء يوم عرفتم هذه النظرية، وكيف تطفو الأجسام على الأجسام باختلاف الكثافة لوحدتها، في الأجرام، فسيرتم السفن في البحار مدنا كالأعلام، تحمل الآلاف من الناس.

وبنفس النظرية، نزلتم بغواصاتكم في أعماق البحار، وبنفس النظرية، طفتم بطياراتكم فوق الهواء، وسبحتم في الهواء، سبحكم في الماء… كيف كان يمكن أن يكون لكم ذلك، وأنتم لا تعرفون نظرية الأجسام الطافية، ولا الكثافة واختلافها في المادة!

فإذا جاء معلم يعلمكم نظرية الأجسام الطافية بالنسبة للروح والجسد تصمون آذانكم، وتطلبون عِلما مفيدا نافعا غيرها، وهل كان العلم المفيد النافع، إلا عِلم الإنسان عن نفسه؟ وهل كانت هذه العلوم إلا تفريعا عن هذا العلم، أو مقدمة لبيان هذا العِلم، عِلما وعلوما فتحت لكم سلطان عقولكم على مادة عالمكم، وسلطان عقولكم على مادة أجسامكم وقوالبكم؟

اليوم تزرعون الأعضاء، وتستبدلون القلوب، وتجرون عملية القرنية… هل كان يمكن أن يكون لكم ذلك كله، وقد حرمتم تشريح الجثث؟ لو أن الإنسانية في آبائكم حرصت وقدست هذه الأشباح بعد موتها، وحرمت أن يجرى عليها عِلم أو معرفة أو تجربة، كيف كان يمكن أن يكون لكم ما تملكون الآن من علوم الجراحة، وفي ألوان الطب المختلفة، ومجالاته المتعددة!!

لقد كان حلاق القرية طبيبها يوما، واليوم لكل عضو من أعضائكم، ولكل وظيفة من وظائف أجسامكم، طبيب متخصص، وما كان ذلك لكم وفي مكنتكم… وما كان هذا العلم في خدمتكم، إلا يوم رفعتم القدسية عن مادي أجسادكم، حرصا على دوام معانيكم، قائمة سالمة، مسيطرة على مبانيكم.

لو لم يلتفت نيوتن ويتأمل في سقوط ثمرة من شجرة، ويأخذ من ذلك عبرة، كيف كان يمكن لكم أن تتكلموا عن الجاذبية، وما تركت النظرية كنواة في المعرفة من آثار بينكم في رقي معارفكم، حتى استخدمتموها في الصناعة، وفي الزراعة، وفي منشآتكم، وفي تحقيق إرادتكم فيما تريدون من أمور دنياكم!!

إن الذي تأمل، وهو يطهو طعامه، لماذا ارتفع غطاء حَلَّتَه، تساءل عن هذه القدرة التي حركت ورفعت هذا الغطاء، وهو معدن ثقيل، فإذا بخار الماء أقوى منه، وأقدر على حمله ورفعه، من بقية الإناء، في حمله للغطاء، فتأمل هذا المتأمل فعرف قوة البخار، فما لبثنا أن ركبنا القطار، وحملنا البخار، وحمل أثقالنا إلى بلد، لم نكن بالغيه إلا بشق الأنفس.

تحركت القاطرة، وما لبثت أن سحبت وراءها المتزايد من المقطورات، كلما رفعنا من قوة القاطرة، هذه الحركة من أسرار البخار كانت أيضا هي النواة التي ملكتنا زمام السيارة، فركبنا السيارة بعد القاطرة، وهي التي أبدلت في الباخرة القوة المسخرة من الريح والتيار، إلى القوة المولدة من حركة الآلة بالبخار.

إن كل هذه المعرفة التي تستمتع بها البشرية اليوم في سائر دروب نشاطها بدأت عن المشاهدة البسيطة لسر من الأسرار القائمة في الطبيعة، فما بال الأسرار القائمة في الإنسان، إذا أصبحت محل تأمله وكشفه وانتفاعه!

إن الرجل الذي أراد أن ينظف الكهرمانة لمسبحته، فحكها ليخرج ما علق بها على ثوبه من الصوف، فإذا هو يلقيها فتجذب إليها ما كان قريبا منها من قشة، فيتأمل ويتدبر ويدون ملاحظته، ما كان يدري أن ينتقل هذا التأمل وهذا التدبر إلى كشف المغناطيسية والكهربية، وتأملوا ماذا تفيدون أنتم اليوم من الكهرباء وكيف تسخرونها طاقة فاعلة، تعطيكم القوة والحركة، كما تعطيكم البرد والدفء في الآن الواحد، من المصدر الواحد، وما زلتم في حيرة من كنهها.

تأملوا في الطبيعة… في بستان الحديقة للتعبير عن حقيقة بما يخرج من الأرض، والأرض أمامكم معدن واحد، يسقى بماء واحد، يخرج منه زرع مختلف ألوانه، صنوان وغير صنوان، يسقى ويحيا من ماء واحد وتراب واحد.

هل كان لله بستانا إلا الإنسان، في أي صورة ما شاء ركبه؟ عَلّمَه وعَلّمَ به… أَعلمه وأعْلَم به… عِلم له، وعِلم عنه، وعِلم به.

إنكم في مجتمعكم البشري، في عصركم هذا، وفي كل عصر، تشعرون بالافتقار إلى حُسن الخُلق… إلى يَقظة الضمير، وإنكم كلما فسدت أحوالكم ازداد إلى الضمير افتقاركم، وإلى حُسن الخُلق تقديركم. وهل سُدت الحاجة إلى الافتقار؟ وهل استقامت الخُلق بغير ذكر الله! بغير اسم الله! ها أنتم في يومِكم، وفي زمانكم هذا، تتحاكمون بينكم، وعلى أنفسكم تحكمون… محاكمين ومحاكَمون، بأنكم فسقة وفاسدون، فمتى إلى الفضيلة تفتقرون؟ وهل في غير الدين تجدون؟

ما الدين؟ لستم في دين! ولو كنتم في دين ما كان هذا حالكم، ولن يكون إلى خير مآلكم، ولن تدخلوا الدين، ما لم تؤمنوا بأنكم لستم في دين، ولستم على دين، لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

الدين… بينكم ألفاظ تلوكها ألسنتكم، وتجعلون منها مطايا لأهداف فاسدة، لأثرة قائمة، تخدعون أنفسكم، وتخادعون الله والذين آمنوا، وهل يُخدع الله؟ وهل يضل الذين آمنوا؟ أين أنتم من الذين آمنوا بينكم، والرسول الذي ترددون اسمه لكم، وتقومون كسمه[٢] في وعيكم! وتقولون ما محمد إلا بشر مثلكم وهو يقول لكم (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٣]… (لا تزال طائفة من أُمتي قائمون على الحق، لا يضرهم من خالفهم إلى أن تقوم السـاعة)[٤]، فتتأهلون، وتُنصِّبون عليكم كل فاسق، باسم رجل الفقه، أو رجل الدين، أو رجل السياسة.

تُؤمَرون (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)[٥]، وأنتم لكل طاغية ترببون، وللكرسي يجلس عليه تسجدون، لا تعرفون من هو الجالس على الكرسي، هل هو الرحمن أم هل هو الشيطان، هذا لا يعنيكم… إنكم بقوائم الكراسي تتمسكون، وجباهكم عند قوائمها تمرغون، تعبدون عابدون مؤمنون.

من يكون إذن الكافرون! الله في قلوبكم لا تذكرون، وإذا ذُكِّرتم أصابعكم في آذانكم تضعون، قوم نوح، السفينة أمام نواظركم لا تركبون، بيوت الله، أبوابها مفتحة، فلا إله إلا الله لا تدخلون.

وإلها لا كنه له، ولا واقع له، ولا معنى له، لفظا ترددون… ورسولا لا إنسان له، لا بيت له… لا أُمة له… لا عترة له… لا صحبة له… لا متابعين له… لا محسنين به… لا قيمة بنور الله معه… لفظا ترددون، عنه بينكم لا تبحثون، حتمية وجود له، لدوام رسالة به، هي دوام الله برسالته، ودوامه وتعريفه وعِلمه، لا تدركون ولا عقولكم تُحكِّمون.

هو خاتم النبيين… هو ختام النبيين… هو آخر النبيين… لا نبيين، ولا معلمين… لا مرسلين، ولا مهتدين، ولا صالحين، لا يقوم ولا يتقلب في ساجدين، ولا يمتد بنوره في حكماء معلمين، ولا في أئمة عارفين، ولو وقفتم عند هذا الحد، لرضينا أن نكون معكم مجتهدين، وعن الحق باحثين، ولكنكم كل فاسق، تقدِمون، ونبيا بينكم تضعون، وإن أبعدتم اللفظ، إلا أنكم بالألوهية له معه تتعاملون… هذا حالكم يا من تقولون بأنكم المسلمون.

هلا جددتم بينكم الدين، بتجديده فيكم؟ هلا قام بذلك، ولو قليل منكم؟ هل بعثتم بينكم بحق؟ هل حرصتم على أن تلاقوا رجلا رشيدا من بينكم، استقام في خلق ويقين، فكان مثالا لهذا الدين؟ هل مثالية هذا الدين لا تقوم عندكم إلا في الحاكمين، وإن تجاوزتوهم فلا ترونها إلا في المهابيل! والله لو أنكم قبلتموها فيهم، لكنتم في شيء ما تتفكرون، ولكنكم تذكرونها فيهم ثم أنتم عليهم تنكرون… ثم لهم تخاصمون… ثم تخدعون أنفسكم فبالتصوف لهم تصفون، هل هؤلاء هم المتصوفون! ومن قال لكم إن هؤلاء هم الصوفيون؟ أبالسخرية تصفوهم، ثم بالصوفية تسموهم… ثم أنتم بحمق تخاصموهم! إن البلهاء على بلاهتهم أسلَم منكم عقلا، وأصفى منكم نفسا، ولكنهم ليسوا المثالية التي جاء بها هذا الدين، وجاء بها رسول اليقين، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[٦]… {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}[٧].

تعهد الله أن يهديك السبيل، وأن يجمعك على الدليل، يوم تجاهد نفسك على ما يهديك ضميرك، وعلى ما يقودك عقلك، في حالٍ من صفاء قلبك، وصدق نفسك… كن صادقا مع نفسك… كن أمينا مع عقلك… كن مجيبا لضميرك… (استفت قلبك، وإن أفتوك، وإن وأفتوك، وإن وأفتوك)[٨].

ففي الإنسان ضمير صادق لا يكذبه، يوم يستنصحه، وفي كل إنسان مهما بدا فاسقا، قلب فطري نقي طاهر، صالح لاستقبال النور، واستقبال الفيض، واستقبال ماء الحياة. في كل إنسان بهيكله أرض قيام صالحة… صالحة لأن تزرع وصالحة لأن تروى… وصالحة لأن تحرث… وصالحة لأن تزدان بأشجارها وتجود بثمارها، وتجدد في الربيع بعد الخريف أوراقها… تؤتي أُكلها في كل وقت وحين.

كلمة طيبة هي أنتم، كشجرة طيبة هي أنتم، أصلها ثابت هي بشريتكم، وفروعها في السماء هي جديدكم ببنوتكم هي عوالم الروح لكم، أنتم أولها، وفي كمال الدورة لكم أنتم بالأبوة لمعناكم آخرها، يوم يصبح فردكم جمعكم، وجمعكم فردكم، في سرمد قيامكم، في دائم تواجدكم وتجددكم، وتخلقكم وتحققكم.

الحق لفردكم، هو الحق لجمعكم، ولو تعجلتم أطواركم وأرزاقكم ونعمة الله عليكم، لجمعتم أفرادكم، في فرد من بينكم لتكونوا به فردا في جمعكم وجمعا في فردكم في قائم لا إله إلا الله لقيامكم، وفي قائم محمد رسول الله، حصنا لكم، وبيتا لسلامكم، فردا تحسنون اختياره، وترون دار الله داره.

اللهم يا من تواجدتنا لنفسك باسم خلقك… اللهم امحُ موصوف الخلق لنا، إلى قائم الحق لك، فاجعل منا لك الكلمات، واجمع علينا بك الآيات، وتواجدنا بجديد لقديم أسمائك، من خلال قائمنا لوصف آلائك، أمة تؤمن بالله، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.

اللهم بمحمد فحققنا، وبخلقه فتخلقنا… اللهم إليك قائما فأضفنا… وبرحمتك إلى خلقك مصطفين منك لك فشرفنا، ومعهم وحدنا، وبالحق فارفعنا وأنزلنا، وعلى متواضع الحق فاجمعنا، وبعلي الخلق فأقمنا، وبطغيان أنفسنا لا توهمنا أننا الأعلى قمنا، ولكن بالأعلى قوِّمنا، ولا تترك لنفوسنا أن تعلو على من عليه باسمك قمنا، ولاسمك فيه عَلِمنا، ومنه لك أُعلمنا، أمة محمد… أمة الفطرة… الأمة الوسط.

اللهم بمحمد فاقبلنا، وبه فشرفنا، وبشرفنا له فجددنا، وبشرفه عند طالبيه فأقمنا، ولطالبي الحق خداما قومنا، ولما ينشدون من الحق أجبهم ومكنا، ولدعوة من تصطفي فعلمنا واليهم فأرسلنا.

اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، بما فعل السفهاء منا، وبما عن سفهاء آبائنا ورثنا وورثنا وتوارثنا، وما لأنفسنا عن سفاهة قطعنا، ولكن بالسفاهة تجددنا، على ما لآبائنا وجدنا، وعلى أمة زعمنا، وإنّا على آثارهم مقتفون سِرنا، وليتنا صدقنا مع آباء صدقوا فانتفعنا، يوم أنا عن أمة الآباء أخذنا، ولكننا عن فرقة الآباء قبلنا وتعاطينا وأعطينا، وأمتهم في جمعهم بصدق ما عرفنا، وعليها أنكرنا… وصالح الآباء ما ذكرنا، ولا بهم اعترفنا، إلا في متارب بها استرزقنا، والناس بها خدعنا، لا قياما بها قمنا، ولا شرفا بها شرفنا، ولا بأصحابها تشرفنا، ولكننا على بهتان تجمعنا، وبأوهام تحدثنا وأسمعنا، وقد جمع الزمان في يومنا وما أدركنا… رُدت إلينا أعمالنا بما قسونا، فقست قلوبنا بما توارثنا.

ها نحن على الدنيا وجيفتها تخاصمنا، وفي خصام وفي قيام تشابكنا وتحاكمنا، وبموهوم العدل تحدثنا، وبالفتنة خدعنا وأسرفنا.

ها هي الطامة الكبرى تحيطنا لفقدان حقائقنا، واختفاء طرائقنا، وعبادة معالمنا، ونسيان معلومنا، وفساد علمنا، ونفاق فقهنا، وبهتان ديننا… ها نحن نشعر بقسوة رد أعمالنا إلينا، مسلطة علينا.

اللهم فاكشف الغمة عنا… عن أنفسنا… وعن بلدنا… وعن أرضنا… عن عقولنا… وعن قلوبنا… عن نفوسنا… وعن مبانينا ومعانينا، بمن جعلته رحمة لنا، ورحمة فينا. إليك به نتوسل، وبرحمته منك لنا نتعلم، إن لم تكن الرحمة لمن نسوا الرحمة، فلمن تكون الرحمة! إن لم تكن الرحمة لمن ظلموا الرحمة فبمن تكون الرحمة! إنا ظلمنا أنفسنا… ولكنك أولى بنا من أنفسنا. النبي أولى بالمؤمنين منا، وأنت أولى بالكافرين، أنت عليهم الحفيظ، أنت أولى بهم منك بالمؤمنين، جعلت لهم الرسول فلا تؤاخذنا بكفرنا، ولا تعاملنا بظلمنا، على ما وعدتنا، {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة}[٩]، وها أنت فعلت، ولكنك ترهص لتخيفنا.

والمطمئنون بيننا لا يجزعون فيشفقون بنا، فهم لا يرون أمرهم أمرنا، اللهم فاقذف في قلوبهم الرحمة بنا وبهم فارحمنا، وعلينا فانصرهم، وعليهم لا تنصرنا، ردا لأعمالنا، وجزاء كبريائنا، {فاستخف [فرعون] قومه فأطاعوه}[١٠]… وها هي فراعيننا تستخف بنا وبعقولنا.

اللهم فأنر بصائرنا، وبعدلك بهم لا تخدعنا، وبرحمتك فعاملنا، وبوسيلتك إليك، خذ بنواصينا إلى الخير، مكنه منا، فهو أرحم بنا منا، هيئ له أسباب إزالتنا، حتى نبعث به في حقيقتنا، في قائم جلدتنا، رحمة منك في رحمتك به بنا.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، وانصرنا على أنفسنا به حكاما ومحكومين… ظالمين ومظلومين… يقظين وغافلين… مجاهدين وقاعدين… أئمة ومتابعين.

لا إله إلا أنت سبحانك فقنا شرور أنفسنا، إنا كنا من الظالمين، وها نحن بين يديك برحمتك نرجو أن نكون من اليقظين.

لا إله إلا اللـه، محمد رسول اللـه

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. من الحديث الشريف: "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه.) ↩︎

  2. تم تصويب هذه الكلمة وفقا للنسخة الأصلية المراجعة من السيد رافع، ومن السيد علي رافع. ↩︎

  3. تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎

  4. من الحديث الشريف: “لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الدِّينِ ظاهرينَ، لعدوِّهم قاهرينَ، لا يضرُّهم مَن خالفَهُم؛ إلَّا ما أصابَهُم مِن لأواءَ حتَّى يأتيَهُم أمرُ اللَّهِ وَهُم كذلِكَ. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وأينَ هُم؟ قالَ: ببيتِ المقدسِ وأَكْنافِ بيتِ المقدسِ”. أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. وعبارة “حتى تقوم الساعة”، من الحديث الشريف: “لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.” أخرجه الحاكم. ↩︎

  5. سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎

  6. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  7. سورة الحجر -٩٩ ↩︎

  8. من الحديث الشريف “استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك.” أخرجه أحمد بن حنبل والدارمي. ↩︎

  9. سورة النحل - ٦١ ↩︎

  10. سورة الزخرف - ٥٤ ↩︎