(٤)

دورة الزمان بعصر، ودورة المكان بمصر
بالحق في الإنسان تتواجدان
وبه تبعثان وجهان متميزان للشهود وللعيان
يشيران في بيان إلى الحق للرحمن
في قائم الإنسان بالصدق ومخاصمة البهتان

حديث الجمعة

١٠ ذو القعدة ١٣٨٧ هـ - ٩ فبراير ١٩٦٨ م

إن الزمان في يومنا، قد استدار على هيئته، كيوم بَعَثَ الله رسوله بالحق بيننا، فتميز للنظر الفريقان، وقد تحدث الروح، ودَوّنَ القرآن، بما هو متجدد بوصلة السماء مع الأرض لمولد زمان، ومداولة الأيام في المكان، في سفور وعيان، بروح الله تتحدث إلى الإنسان، تتحدث إلينا عن أنفسنا، وعن الحق لنا، وعن الله لقائمنا وقيومنا، وعن الوجود بنا لموجدنا بموجودنا، في الوجود له بالمحيط بنا، لمشروع الوجود الأبدي، المتواجد منا لنا، لخيرنا ودوامنا، قياما لعبده لعبوديتنا، وقياما بحقه لنا لحقنا ولربوبيتنا، لا فرق بيننا على تفاوت قدرنا، فكلنا فيمن قامت فيه أقدارنا، ورجحت به مقاديرنا.

نذكر في أنفسنا الرب لنا، معنا، ومن ورائنا، وأمامنا ومن حولنا، فوقنا ودوننا، فينا ومحيطنا، لا إله إلا الله لنا. بمحمد رسول الله لقائمنا، حبيبنا وخليلنا، وقيامنا، عَلَمُنا وجمع أعلامِنا، وكتابنا وأُم الكتاب لنا، فيمن كان به عنه لنا معلومنا.

نحن معه، وهو مع الأعلى له والأعلى به لنا، قائمنا وقيومنا وقائم الغيب لنا، هو لنا نوره ورسوله وحقه وقيامه، وإلهامه وكلامه، واختباره وسلامه، وعتبه ورضوانه.

هو لنا، كل ما منه لنا، شهيدًا علينا، نحن به الشهداء، لمن كان منا لنا، وكنا منه له، على ما كان هو، من عَلِّيه وعلِّينا، مَن عَلاه ويعلونا… من داناه ويدانينا، حتى نقومه بمبانينا ومعانينا، مشهودا لمبانينا بمعانينا، وقائما بمعانينا على مبانينا، لا شريك له منا، ولا غَير له معنا، ولا غَير لنا به، يحيطنا ويجمعنا، يُنطِقنا ويسمعنا.

بهذا جاء دين الفطرة، مع قائم الفطرة، مع حق الفطرة، جاء لنا أفرادا، وجاء لنا بيتا وبيوتا… وجاء لنا مدينة ومدائنا… وجاءنا أمة وأمما… عالج أمرنا فردا وبيتا وجمعا، أصلا وأصوله وأصولها، وظلا وظلاله وظلالها، إنسانا وصحابة، آباءً وأبناءً له، أرواحا به وأشباحا بها… جاءنا بالحق كله، وجاءنا بالخير كله، وجاءنا بالدين كله، وجاءنا بالأمر كله.

جاءنا بالله، عرفنا إياه، قيوم قائمنا وقائم قيومنا، عرفناه لله وعرفنانا له، قياما لله، وإضافة إلى الله، به انتظم أمرنا فينا، لفردنا لجمعنا وبجمعنا لفردنا.

بذلك كان الإسلام، على ما هو الإسلام لفطرتنا، ولفطرة الحياة لحياتنا، ولقائم الحياة بنا، لأرواحنا وذواتنا، كان لكائننا الجنة والنعمة، وكان النار والفتنة.

كان الاختبار في الاضطرار والاختيار، وكان التواصي بالحق والاصطبار… كان الجهل به في جهلنا لنا… وكان العلم به في علمنا عنا… وكان البعد عن الله في بعدنا عن الحياة لنا… وكان القرب إلى الله بقربنا إلى كسب الحياة فينا… وكان الغيب هو غيبنا عن شهادتنا لنا… كانت الشهادة هي شهادتنا، لقائم وقيوم الغيب فينا، ربنا لنا في أنفسنا، وإلهنا لنا في قائمه بقيومه على كل نفس منا، لا ينفصل عنا، ولا يغيب عن موجودنا، هو واجب الوجود لوجودنا، وما كان وجودنا إلا وجود واجب الوجود لنا.

الله باطننا، ونحن ظاهر باطننا، لقيوم الله على قائمه بنا، قائما علينا، بشعار الإسلام في شهادة أنه لا إله إلا الله، وفي شعار الإنسان لنا، في شعارنا بنا، قياما بحبيبنا ورسول الله إلينا، ربا لنا وحقا لبعثنا، في شهادتنا لنا، محمدا رسول الله، حقا من حقائق، وأولية لجمع لها، وعبدا من عباد، وأولية للعباد في جمع بها.

إذا غبنا بشعورنا وهمتنا في أمرنا، عما حولنا، قام الله بنا، وقمنا به لنا، وإذا أمحينا عنا إلى قائمه من حولنا بجمعنا وأمتنا إلى بشريتنا وإنساننا، كنا العباد له لقائم غيبه لغيبنا، وكان معنى الجمع لموجديه في قيامنا قياما بالقيوم ربنا، فقمنا بمفرداتنا في خدمة جمعنا، إيمانا بأمتنا، فحَيتنا أُمتنا ردا لتحيتنا، فسهرت الجماعة على مفرداتنا، لخيرنا ورعايتنا لحمايتنا وتغذيتنا، وسلامنا وأمننا، وحماية حرياتنا في حِلنا وارتحالنا، وإقامة العدل بيننا. (كيفما تكونوا يولَّ عليكم)[١]… (لا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله)[٢]… (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٣]… (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة)[٤]… (تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، ما إن تمسـكتم بهما لا تضلون أبدا، فإنهما لا يفترقان أبدا)[٥]… (عَليّ منى بمنزلة هارون من موسى)[٦]… (خَلفَت الله عليكم)[٧]… بما كشفت لكم عن قائمه على كل نفس.

أمة الإسلام، أمة المسلمين… أمة، هي الرب والمربوب بما فيها لها من الحق، هي العبد والمعبود… هي الخلق والخالق… هي الحياة والوجود… هي قائم الحق بالإنسان… هي اسم الله، لقائم العنوان، بالقيمة بالإحسان، الصغير فيها كبيرها، والكبير فيها صغيرها… حاكمها محكوم منها… وحكيمها حاكمها… راشدها حبيبها، وهي حبيب راشدها، اختلط فيها لفردها وجمعها، الراعي والمرعي، في قائم أمر وسط، بين الله راعيا لا بدء له، والإنسان مرعيا، لا انقضاء له، في قائم بينهما، روحا تمثل بشرا، وبشرا انطلق روحا، أمرا وسطا بين قديمه له وقادمه منه، في قائمه بالحق معلوما له، معروفا به، ومعروفا فيه.

بيتا لله… ونصبا لله… وهيكلا لله… ووجها لله… ويدا لله، تحت يد ترعاها، وفوق يد تقلها… الأمر الوسط، وخير الأمور، الأمة الوسط وخير الأمم… الحق الوسط وخير الحقائق… الإنسان الوسط، وأرشد الإنسان… العزة الوسط، وأشرف العزة وأقومها… الرحمة الوسط، وأشمل الرحمة وأوسعها.

إذا قدرنا الإسلام أمة، لواقع وجوده، وكتابا، لقراءة ما فيه من موجوده، وكلمة جامعة متوفاة من مطلق الله، للعلمية عليه، بظلالها أعلاما عليها، وأعلاما لها، أمة لبنات ذات في فرد بعث كعبة وبيتا قياما للناس، فرد سرى في أمة، بنور الله معه، وبروح الله لقائمه، من قيوم ربه، لقيوم بقيومه على كل قائم بربه، ثالوث الحقائق في أحده، وأحد الحق في ثالوثه، تجمع الحقائق في حق جامع، وانطلاق الحق الجامع في حقائق له بجمع، لا حصر لها، ولا عَد لها، ولا توقف لانتشارها، بتواجد فيما أوجد.

بذلك كان الإسلام أمرا واقعا في قيام بأمته مهما تضاءلت بعدها، أو ضعف في ظاهر شأنها، وكان كتابا وحكمة، بنور معرفته، لفرده وجمعه، قياما بفرده وجمعه، فكان الإسلام فيه كفاية الإنسان، من الإنسان، إلى الإنسان، في الله ذي المعارج، ما تواجد به فرد أو جمع من الناس من الإنسان.

ما لنا نبتعد عن شعارنا بالإسلام، إلى شعارات الأعاجم نرددها للأعاجم؟ ولو أدركناها، لعرفناها الإسلام في قيام من فطرته لفطرة الأنام. نرفع شعائر الكلام بألفاظ للإيهام… الديمقراطية… الاشتراكية… الاستاتيكية… البيروقراطية… البرجوازية… الامبريالية… لِمَ كل هذا!! أليس لنا في الإسلام وفي لغتنا العربية ما يعبر عن كل هذا؟ لِمَ نطمر معالم الإسلام، عن العالم، بعالم الفكر المادي للعالم المادي؟

{ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}[٨]… (العدل)… أليس لفظ العدل شعارا جميلا، صالحا لأن يُرفع، ولأن يدرك؟ (الحرية)… {لست عليهم بمصيطر}[٩]… {فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر}[١٠]، أعطيتم الحرية في الإيمان والكفر بالله ورسوله، أما تتمتعون بالحرية، في الإيمان والكفر ببعضكم البعض!! الله أعطاكم الحرية في الإيمان به والكفر به، ولم يجعل الإيمان به محققا لمؤمن، بإكراهه على إيمان، ولن يجعل كفرا به، إذا أكره الإنسان على كفر به، من إنسان. (إن الله رفع عن أمتي ما استكرهوا عليه)[١١].

عَادَل الله بين إرادته وإرادتكم، رضي عنكم، يوم رضيتم أنتم عنه، ويوم رضيتم أنتم عنه، رضي عنكم، {رضي الله عنهم ورضوا عنه}[١٢] في معراج رضوان من الله، ورضوان من الله، في رضوان من الله أكبر، يصدر عنكم ويصدر عنه، تُحيُّونَه (التحيات لله)… ويحييكم بخير من تحيتكم، {أليس الله بكاف عبده}[١٣]… (خلقتك لنفسي)[١٤]، يحييكم بحياته، يوم تتخلقون بخلقه، مقلدين، فينقلكم من التقليد إلى القيام بالفعل، ومن القيام بالفعل إلى القيام بالشهود وباليقين، نِعم الاسم (المؤمن مرآة المؤمن)[١٥].

إن الإسلام لا يرفض الديمقراطية، ولكنكم تستعملون لفظ الديمقراطية لتموهوا على المسلمين وتسيئون للإسلام، كأن تعاليمه وهديه خالٍ من الديمقراطية، ولتعبثوا بحريتكم باسم الحرية، فتستعملون ألفاظا بعيدة عن لغة قومكم، وعن لغة دينكم، لتحرفوا الكَلِم عن مواضعه، ولتسيئوا استعمال ما عندكم، مما وجهتم إليه بهدي نبيكم، وبهدي دينكم.

الاشتراكية!! الشيوعية!! إن الإسلام لا يرفض الاشتراكية، ولا يرفض الشيوعية، ولكنه رسم لها خطوطا ومعالم، وهيأ لها حوافزها، وكشف عن جمالاتها، وحذر من سقطات الطريق إليها، ومن كبوات المسير في عثرات النفس، ولكنكم تريدون أن تبتعدوا عن مرسومها في دينكم، ومعلومها بكتابكم وهديكم، إلى معجم من الألفاظ تفسدون به ما عندكم، وتشوهون به حقائق الحياة رُسمت لكم، وسُلَّم الطريق فُتِح بابه، وكُشِفت مغالقه.

لِمَ لا تتجمعون على ما جُمِعتم عليه، (ولن يصلح آخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها)[١٦]، كما أنبأ وهدى مؤسسها؟ لِمَ لا تتجمعون متواصين بالحق، متواصين بالصبر، إلى كلمات الله تترى بينكم؟ وكم أبرزها وأنتم عنها القالون، ولها المجافون، ومعها المخاصمون، واهمون أنكم متغلبون عليها، وهي غالبتكم عليكم لخيركم، ولسعادتكم، في صبرها وأناتها، وتركها لكم لإرادتكم مع رعايتها لكم، وليست في غفلة عنكم، بل في ستر عليكم بينكم.

أنبئتم من القادر على نفاذ ما أنبأ، وهو يقول لصاحبكم ليسمعكم… {إن شانئك هو الأبتر}[١٧]، فهل قابلتموه بها فقبلتموه لا يبتر؟ أم أنكم أعطيتم وصفها لكل طاغية، منكريها على عترته بينكم بظاهر الرحمة! قال له {إنا أعطيناك الكوثر}[١٨]، فهل عاملتموه فردا يدوم أو كوثرا يبقى بفرد وأكثر، نورا لا يطفأ، ونارا لا تفتر، وذاتا وذواتا تتواجد، تتكاثر في أمة تتجدد بطبقات تتعدد، وفي دوام بالمعرفة تتزود، خاتما وطابعا لبعده، على ما كان خاتما وطابعا لقبله، بالوسط من أمره لدائمه، بالحق في قائمه، بالحق ينزل وبالحق تنزل؟ {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل}[١٩].

{وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}[٢٠]، فهل قبلتموه كوثرا بينكم، وكوثرا بكم، وكوثرا لكم، وكوثرا فيكم، حتى يكون حقا رحمة للعالمين؟ هل شهدتموكم محمدا رسول الله، وجودا أو ظلالا له؟ {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم}[٢١]… هل كشفت عنكم أغطيتكم، فعرفتموه الحق فيكم، وقد خوطب بينكم، ليردد إليكم {وقل جاء الحق، وزهق الباطل}[٢٢]؟

قال لكم (خلفت الله عليكم)[٢٣]… (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)[٢٤]… إني اخترت الرفيق الأعلى لأقيم في صحبته، لمعيتي وخلتي، ولصحبتي وديني، وما اخترت ما اخترت إلا لخيركم، حتى تعرض عليّ أعمالكم وأنا القريب منه، وأنا صاحب الجاه عنده، فإن وجدت خيرا حمدت الله، وإن وجدت شرا استغفرت لكم، وقد وفيت حاجتكم إليَّ بافتقاركم إليه، بما خلفت عني عليكم معكم، تخلقا بخلقه، وقيامي بينكم حيا في قبري… (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم)[٢٥].

هل أنتم على ما كان الكثير من سبقكم ما زلتم ترون فيه خيرا لكم، أم أنكم قطعتم وجوده بينكم بأوهامكم، وتحاولون في دوام إطفاء نوره بينكم وبين جوانحكم بأفواهكم، كنودين لربكم، معاندين لإلهكم، مكذبين لرسوله إليكم، متخلفين عنه إماما لكم، وسفين خلاص لنجاتكم، وطريقا ممهدا لسيركم، وإشراقا متجددا بشموس وجوده لأرض قلوبكم، في دورتها بكم روحا عاملا لخيركم حتى تتبينوا في الحق أمركم.

لست على صورتكم… لست على هيأتكم… لست على مثالكم… لست كأحدكم، ولستم غيري بإيمانكم، فإنكم يوم ترتضوني مفارقين للشيطان لا يتمثل بي ومثالي لنفسه لا يرتضيه، يكون لكم من الله ما لي، فهو وإن تميز عنكم، لم يتميز عن المؤمنين منكم، أولى بهم من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم، تمام كلمة الله وتوفيتها بمقام وصفات الكلمة منه تتوفى، خاتما ومثالا للنبيين، أب في أبنائه، والأبناء له في أبيهم، فهو بشر مثلكم، البشرية شرفكم، والبشرية من الله حقكم، يوم تحرصون على أمانة الحياة بكم… بشرا أبرزكم، ولنفسه خلقكم، والدنيا والآخرة سخرها لكم، والسماوات والأرض دارا موقوتة لإيوائكم، حتى إليه يأويكم يوم تدركون اليتم لكم ما كنتم بعيدا عنه، مهما أعزكم، ومهما أكرمكم، ومهما أنعم عليكم، ومهما سخر الوجود لكم، فدون وجهه، لا يرضيكم، ولكن وجها لوجه، هو ما يعنيكم، بقائم رسول الله لكم، لقائم قيومه لربه معكم.

هذا هو دين الفطرة ودين الإسلام الذي جاءكم به بشر مثلكم، وبالبشرية له لتكون لكم، تهيأت أسباب الحياة والسعادة لكم، فهلا أسعدتم أنفسكم بعارية بشريتكم وكراتها رابحة يوم بحثتم بينكم عن قدوتكم، وعرفتم أن المرء على دين خليله، فتنبهتم إلى من تخاللون، ومن يجب أن تخاللوا، ومن في سابق خاللتم، ومن لمخاللـه في قادم رجوتم حتى لا تكون كرتكم كرة خاسرة، في قائمكم بشرا سويا خلقناكم أفرادا وأزواجا، وحققناكم أزواجا وأفرادا، وفلقناكم من فردكم، لترائيكم في جمعكم.

دين الفطرة! أنت بين ولدك وأبيك، ولد وأب. أنت بين آبائك وأحفادك، ذات لذوات، وروح لأرواح، إن تقيدت بمادي ذاتك، حَجبت عنك قديمك وروحك بآبائك وقادمكم روحا لأبنائك، وإن تخليت عن مبناك دارا، ولم تجعل لك فيه قرارا روحا منطلقا ليتواجد مرة ومرارا، متواجدا ومتخلصا تكرارا، فبدأت منه لك أسفارا رحلة الشتاء والصيف أطوارا، وكلما أجهدك المسير، رجعت إليه في سكينة لتستريح، وكلما استرحت في قعدتك واصلت القيام، واستأنفت السير في رحلتك بين أيامك ولياليك، بين قيامك وقعودك، بين ثباتك وقعدتك، أو ارتحالك وأوبتك، اجتماعا في الأعلى على العد من مثالك، واجتماعا فيك على العديد لك منك بعين حالك… إن كنت كذلك، فأنت المسلم، المستمتع بكرات الحياة، في كرات التواجد، وأنت الموحد، بجمع كراته، لظلاله، في قائمه بحاله، وقيامه في جمعه، لقديمه بأزله، وقادمه بأبده في حاضره، بحقه لقائمه، ولحق وحقيقة قادمه، في قائم ودائم حق قديمه وقادمه لسرمده لدائم مسالمه.

ألا يكفيكم أن تكون هذه أقانيم أنتم أحدها ووحدتها؟ أيزعجكم أن تقولوا بالأقانيم؟ وقائم فطرتها ما هي الأقانيم! وما هو الأقنوم! ما هي الحقائق وما هو الحق؟ ما هي الإنسانية؟ وما هو الإنسان؟ ما هي الإنسانية الرشيدة؟ وما هي الإنسانية الحمقاء؟ ما هو الإنسان الرشيد وما هو الإنسان الأحمق؟ ما هي الإنسانية العالمة الحكيمة؟ وما هي الإنسانية الجاهلة الضالة؟

ما هو الإنسان العالم الحكيم؟ وما هو الإنسان الجاهل المجهول؟ كل هذا جاءكم به كتاب الله بين أيديكم، وقام به رسول الله فيكم، لا أبترا، وتجدد بينكم به بمظهر ومظهر، بفرد وكوثر، نبي الأمم… نبي الحقائق… نبي الخلائق… نبي الأكوان… نبي الوجود… خَاتم وطابع ومثال النبيين… روح الوجود والحق الموعود وشهوده، سر الوجود المنشود وموجوده، يُعرف فيمن فيه تواجد، وبه لنفسه بنفسه أوجِد فوُجِد، وبقيومه نصبا أشهد فشهد، وبيتا بسر الخليقة ستر فعز وقصد.

قام بين الناس بجوهر الحقيقة فيهم لهم ظهر، فهل كانت الكعبة إلا عَلمًا عليه؟ هل كان من بها يذكر بهم منسكيا اسم الله، إلا من دخلوا بيته؟ هل كان من حولها إلا من عملوا معه، وحرثوا غيطه، وزرعوا لأنفسهم في بستانه شجرتهم بأيمانهم، ومن عملهم بحق الله فيهم، لخلق الله لهم، من صنعهم لأنفسهم بأمانة الله بهم… باسم الله لهم، يدا لله تعمل، يوم هي ليد الله بالرسول بايعت لتتصل، فعملت وتواجدت، ونفسها إلى الله باعت، ونفس الله من الله اشترت، فعلى نفسها بادلت، ولنفسها غيرت.

هذا هو دين القيمة… هذا هو دينكم، الذي في بيئته ولدتم، وهو بالمولد لا يكسب، ولكنه بالكسب بعمل منكم، فيكم يولد.

{إن ابني من أهلي[٢٦]… إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح}[٢٧]… {ليس للإنسان إلا ما سعى}[٢٨]… {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[٢٩]، فماذا علمتم بما عملتم؟ وماذا عمل آباؤكم فورثتم؟ وماذا تُعلِّمون أبناءكم ليعملوا؟ إنكم كما قال الهلكى من آبائكم، {إنّا وجدنا آباءنا على أمة}[٣٠]، وها أنتم على أمة من أمر الهالكين من آبائكم، لإهلاك أبنائكم، بإهلاككم لأنفسكم بتفريطكم في أمانة الله، بموقوت الحياة لكم، في كرة قائمها لها بكم، إن صلحتم لله أصلح الله لكم آباءكم وذرياتكم، وأزواجكم وخلانكم، صلاح أمركم لأمره، وقيامكم لقيامه.

إن الصلاحية مع الله، في صلاحية قلوبكم، بصلاح ألبابكم، بانعكاسكم إلى أنفسكم، لله ذاكرين، ومن نور الله مستمدين، ولظلام أنفسكم قالين، ومن ظلمكم أنفسكم متحررين، للظلام والظلم كارهين، وللنور والعلم طالبين، ولماء الحياة على أرض قلوبكم مستمطرين، ولأحواضها من بينكم بالصالحين واردين، فهل أنتم كذلك، أم أنكم في جمع في عصركم، لنور الله بين الصدور يطفئون، وظلام أنفسهم ينشرون، وبظلامهم يستكبرون، وبجهلهم يتمعلمون، ودين الله واضح المعالم لا يقبلون؟

لا يقرأون… لا يتبعون… لا يسمعون… ومن أي صادق لا يقبلون… وآذانهم يصمون… وأصابعهم في آذانهم يضعون… وحذر الموت لظلامهم والبعث بالنور لحياتهم يتحرَّزون، وعلى ما هم فيه يصمون ويصرون، وأمرهم لا يبدلون حتى يبدل الله ما بهم مما يعمهون، وهو مبرز آياته لهم في أنفسهم ومن حولهم، ولكن أنَّا ينظرون، ولكل مبطل يسمعون، وحوله يطوفون، وإلى قبلته يصلون.

اللهم إنّا نرى دخانا من السماء يغشى الناس، اللهم منه فقنا، وعنا فارفعه، واكشف الغمة عن الأرض، وعن بلاد المسلمين، وعن هذا البلد الأمين، وعن أنفسنا، ضعفاء ومستضعفين.

اللهم إنا نرى دخانا من السماء يغشى الناس، نلمس ونحس ونرى فيه ظلاما وظلما وعذابا أليما، وفتنة بالغة، ومحنة محيطة، اللهم بجاه محمد عن الأرض فارفعه، وعنا فاكشفه، ومنه فقنا، وبالنور فارحمنا، وبالروح فاحفظنا وحَصِّنا.

اللهم إنا نرى آياتك في أنفسنا، ونرى آياتك في الآفاق من حولنا… ونرى آياتك في تصريفك لأمورنا، في شهود وعيان لنا، الحكم والحاكمية لك، ظاهرة لنواظرنا.

جعلت بأسهم بينهم شديدا، أمام أعيننا مشهودا، وللمسنا مدركا محسوسا، اللهم فارحمهم وارحمنا، وأقلهم مما هم فيه، وأقلنا مما نحن بأنفسنا وبهم فيه.

يا أرحم الراحمين، يا أقدر القادرين… يا أحكم الحاكمين، الحكم لك، والأمر لك، والفعل لك، ولا غير لك، ولكنها حكمتك… ولكنها فتنتك… ولكنها أسباب رحمتك، لمن غفلوا عن رحمتك، وعمن جعلته لهم عموم رحمتك، وجلال وجمال طلعتك، وقريب ومقارب رسالتك، وقائم وقيوم حقيقتك.

بالمحمود قديما بعثته، وفي القائم بالأحمد والمحمد حمدته، وبحمده لك، لكل حامد ومحمد أحمدته، فكان حامدك ومحمودك… شاهدك ومشهودك، متواجدك وموجودك. به عبدا لك ورسولا منك، قُدِّرت حق قدرك عند مقدِر، وعُرفت حق معرفتك عند عارِف، ولمن قدره حق قدره، وعَرفه حق معرفته به أقمته، فيه له عَرفك وقَدَّرك. {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[٣١].

ها نحن لشهودك، في قائمنا لموجودك… ها نحن نشهدك وأنت بنا الشاهد، أننا حَكَّمناه في أمرنا، وفي وجودنا وموجودنا، لحقنا وخلقنا لا شريك له فينا، لا في معانينا، ولا في مبانينا، رضينا أن نكون له الظلال، وأن يكون لنا فيك بك كمال المنال، وسعيد الحال، عبادا له لأنه عبد لك، ونحن بالعبودية لعبدك عبادك وسادة وأرباب منك، ووجوه لك، مقودين وقيادة، مرودين وريادة، خلائق وحقائق، فبالروح لنا ولإرشادنا دخلنا حصن لا إله إلا الله، فلقينا روح قدس الله، محمدا رسول الله، ففيه قمنا، وبه أقمنا بيت الله لبيت محمد رسول الله.

هذا حالنا ومقامنا… هذا اليوم يومنا… وهذه الدنيا لنا، وليست لغيرنا، يفعل فيها الله بنا ما يشاء لإرادته في قائم إرادتنا، عبادا له أردنا، وربا لنا أردناه لأمرنا وقيومنا. نحن نشهد أنه لا إله إلا الله لأنفسنا، ونحن نشهد أننا محمدا رسول الله لمتابع لنا، محب لديننا، راغب في فطرتنا لفطرته بنا.

نحن هنا، نطعم الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، نطعمه لوجه الله، لا نريد منه جزاء ولا شكورا، نعم نطعم المسيء لنا ما كان جاهلا بأمرنا، نحن نرق مع القاسي علينا ما خدعته نفسه فينا… نحن ننظر إلى الغافل عنا نظرتنا إلى الطالب لربه معنا، فالله برحمته يجمعنا… نحن نبخع وراء الناس على آثارهم أنفسنا، لنردهم إلى حظيرة الله معنا… نحن لله العباد… نحن له الروابي والنجاد… نحن الحَضَر… نحن البادية… نحن المدينة… نحن المصر، كلما أظهر في مصر مصرا، فأظهر بها أمصارا، وأنشأ بها أودية، وأجرى أنهارا.

مصر الله… مصر كنانة الله في أرضه… من أرادها بسوء قصمه الله… احرصوا على احترام بلدكم، الذي محوتم من الوجود اسمه، وبين البلدان مصره، مصر كنانة الله في أرضه، رضيها الرسول كنانة له، واستقبل فيها بنيه، وآواهم ليومهم، وأرسل إليها أخاهم من قبل، يوم آواه الله، إلى ربوة ذات قرار ومعين.

إن مصر، بلد الدين، صنو مكة والمدينة وأورشليم… هي القاهرة، هي يوما يبرزها الله القادرة، ويخزي بها كل بلد فاجرة… هي كتاب الدنيا والآخرة… هي عَلم المعلوم… هي أم الدنيا للمفهوم، فهل قدرناها؟ هل أحييناها؟ هل حميناها؟ هل رعيناها؟ هل استمتعناها؟ هل آوتنا؟ هل حميناها؟ هي أحبتنا… هل أحببناها؟ هي حررتنا… هل حررناها؟ هي عشقتنا… هل عشقناها؟ هي غذتنا وخلقتنا فما غذيناها ولا تخلقناها، ولا أمصارا كناها، وبيوتا لله تجمعناها، ألم يقل الحق في قديم لموسى وهارون اتخذوا لكم في مصر بيوتا… واجعلوا من بيوتكم للناس قبلة عمروها… واجمعوا المؤمنين بها وحولها، واجعلوا من بيوتكم ساحة الله وحضرة الله؟ هذا ناموسنا،

إن إبراهيم كان بيتا، وكان أمة، وبه جعل الله في مصر بيوتا، وجعل منها في البشرية أمما، شرقا وغربا، قديما، ومحدثا، وقادما.

إن لآدم بمصر دورة، كما كان له بالهند دورة، وكما كان له في الشرق الأوسط دورة، إنها دورات آدم، في خالد البشرية، وإن لمصر حظها من دورة آدم، أشار الرسول إليها إلى الوعد من الله بها مخاطبا مهدي مصر، فكان لمصر عنده آدمها.

ها نحن نرى السماء تأتي بدخان يغشى الناس، حتى يفيق الناس، وحتى ينقشع الدخان، وتشتعل النيران، ويشرق النور، فيعرف الناس ما في أنفسهم من دخان الوجود المادي لمعنى ما في قائم نفوسهم، فينشد الناس ما لأنفسهم من نار الوجود القدسي، ويعرف الناس ما فيهم من روح الموجد السرمدي فيشهدون نوره لعقولهم، فيعلمون أنه لا إله إلا الله، ويقومون ويشهدون برحمته لهم أنهم محمدا رسول الله لقائمهم وقيومهم.

اللهم بهذه الشهادة وشهادتنا لها، اكشف الغمة عن هذا البلد برحمتك، وولِ أمورنا خيارنا بمنتك، ولا تولِ أمورنا شرارنا بما كسبنا بعدلك ردا لأعمالنا، إلينا جزاء يحل بنا من أنفسنا.

اللهم بهذه الشهادة، إليك بها نتوسل أن تقبلنا فترحم، وأن ترحمنا فتقبل، وأن تأخذ بنواصينا إلى الخير فنعمل، وأن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، فنستقيم ونكمل حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين، أئمة ومتابعين.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شريف: “كما تكونوا يولَّ عليكم.” رواه الديلمي والبيهقي. ↩︎

  2. استلهاما من {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎

  3. تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎

  4. من الحديث الشريف: “… فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قالَ: كيفَ إضَاعَتُهَا؟ قالَ: إذَا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ”. صحيح البخاري ↩︎

  5. إشارة إلى حديثين شريفين: “إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض”. أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. و"إني تارك فيكم ما إن استمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما". جاء في سنن الترمذي. ↩︎

  6. إشارة للحديث الشريف أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال لعليٍّ: أنت مِنِّي بمَنزلَةِ هارونَ مِن موسى، إلا أنَّه ليس بَعدي نَبيٌّ". أخرجه النسائي. ↩︎

  7. عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎

  8. سورة المائدة - ٨ ↩︎

  9. سورة الغاشية - ٢٢ ↩︎

  10. سورة الكهف - ٢٩ ↩︎

  11. من الحديث الشريف: “إنَّ اللهَ تعالى وضع عن أُمَّتي الخطأَ، والنسيانَ، وما اسْتُكرِهوا عليه.” أخرجه ابن ماجه واللفظ له، والطبراني، وابن حبان باختلاف يسير. ↩︎

  12. سورة التوبة - ١٠٠ ↩︎

  13. سورة الزمر - ٣٦ ↩︎

  14. من حديث قدسي جاء في بعض الآثار منه “ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكلفت برزقك فلا تتعب.” ↩︎

  15. حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎

  16. مقولة للإمام مالك. ↩︎

  17. سورة الكوثر- ٣ ↩︎

  18. سورة الكوثر ١ ↩︎

  19. سورة الإسراء - ١٠٥ ↩︎

  20. سورة الأنبياء - ١٠٧ ↩︎

  21. سورة الرعد - ١٥ ↩︎

  22. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  23. عبارة من جزئين: “خلقتك لنفسي” جزء من حديث قدسي جاء في بعض الآثار منه “ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكلفت برزقك فلا تتعب…” والجزء الثاني {ولتصنع على عيني} من سورة طه – ٣٩. وفي بعض الأحيان يذكره السيد رافع مرتبطا بالآية {واصطنعتك لنفسي} سورة طه - ٤١ في حال الحديث عن موسى عليه السلام. ↩︎

  24. حديث شريف: “إيَّاكم والوصالَ إيَّاكم والوصالَ قالوا: فإنَّكَ تواصِلُ يا رسولَ اللَّهِ قالَ: إنِّي لستُ كَهَيئتِكُم إنِّي أبيتُ يُطعمُني ربِّي ويَسقيني”. أخرجه مالك، والبخاري ومسلم باختلاف يسير. ↩︎

  25. من حديث شريف: “حياتي خيرٌ لكم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم فما رأَيْتُ من خيرٍ حمِدْتُ اللهَ عليه، وما رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم”. أخرجه النسائي والطبراني ↩︎

  26. سورة هود - ٤٥ ↩︎

  27. سورة هود - ٤٦ ↩︎

  28. سورة النجم -٣٩ ↩︎

  29. سورة الزلزلة - ٧-٨ ↩︎

  30. سورة الزخرف - ٢٢ ↩︎

  31. سورة النساء - ٦٥ ↩︎