(١٦)

الإنسان في عَلميته على الله حقا
ليس محروما منها بقائمه خلقا
ولن يكون بها طاغيا، بقائمه صادقا وصدقا
وهو الطاغي بقائمه لها كذبا وفسقا

حديث الجمعة

٢٢ شعبان ١٣٨٧ هـ - ٢٤ نوفمبر ١٩٦٧ م

لا إله إلا اللـه.

محمد رسول اللـه وعبده… حق الله واسمه… كلمة الله ورسمه… نور الله ووسمه… باب الله ورحمته… طريق الله ومعرفته… نُصب الله وطوافه… وجه الله ولقاؤه… حصن لا إله إلا الله وجزاؤه… عَلم الله الأكبر وحقه… معلوم الله وأمره… وجه الله وشهره.

رسالة الله لم تحدث، ولم تنقطع ولم تختفِ ولا تغيب، ولن تتعطل، ولم تطفأ. هي شمس لا يحجبها الظلام، مهما تكاثف، ونور لا يطفئه الكلام مهما تلون وتزين، ومهما علت به الحناجر في المجالس، أو خفتت به الهمسات بالدسائس… نور منتشر تستقبله القلوب، وتقدمه العقول، وتستقيم به الجوارح.

{واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق…}[١]، ابنا آدم، في آدمهم بالحق ظاهرا لباطن، ابنا آدم وآدمهم، ظاهر إنسان الخلق لإنسان الحق، لإنسان الله الظاهر والباطن، بإنسان الوجود الجامع لخلق الله، وحق الله لمعنى إنسان الله الكامل، إنه المشار إليه بأنه الحق الذي أراد أن يعرف، فخلق الخلق فعُرف يوم هو لنفسه مع نفسه تعارف.

تواجد وتكرر ذلك منه أزلا، يوم تواجد بظاهره لباطنه آدم وولده في سرمده بالحق، المرة بعد المرة والكرة بعد الكرة، حتى ظهر إنسان الله برسالته بآدم وولديه، عَلَم الحق، بظاهر الإنسان لموصوف الخلق لباطنه لقائمه بالحق.

فما يكون الحق؟ وما يكون الخلق؟ ومن يكون آدم وولداه بالحق في الحق للحق؟ ومن يكون آدم وولداه بالخلق في الخلق للخلق؟ هل يصلح ويحيا الخلق بغير الحق؟ وهل يمكن أن يظهر الحق للخلق بغير الخلق للخلق؟

إن الحق والخلق لله… الحق، قائم الخلق وقيومه، {الله لا إله إلا هو، الحي، القيوم}[٢]. فهو قائم الحياة، وهو ممدها بالتواصل، بقيومه بها لا تبتر، فالحياة إذا بعث بها موصوف الحادث والخلق المحدث، لا تنقطع ولا تنعدم، بل تتجدد وتتواجد وتتكاثر، لتعلو وترفع لمقام أرفع، في حق لا ينقطع جديده، ولا يتوقف منه مزيده.

كان الإنسان بها في الوجود، علم الإنسان له في معلوم الإنسان عنده، كان الإنسان، هو معلوم الحق، آدم بالحق، يعرفه ولداه، في معرفتهم لأنفسهم فيه، ولأنفسهم منه، ولأنفسهم إليه به وبهم لهم، عُرف الله، وظهر الله، وتنزه الله، وتعالى الله، وتقارب الله، وتجلى الله. عرف الإنسان لولديه في الشكر والكفر، فعرف الله في الكنود والذكر.

إن قائم لا إله إلا الله، هو نقطة الدائرة، لقائم الوجود بها لقائم عينها بالحياة، لقائم قيام بقلب وقالب، تجلى الوجود بالإنسان، بقائمه، قلبا وقالبا، تعبيرا مجسما حيا عن وجوده… تجلى به خلقا كوثرا متكاثرا، وبعثه في أطواره باجتماعه والتصاق مفرداته لبناء ذاته من فعلـه خروجا من واحديته، للقيام بأحديته، حقا، فكان الإنسان، في تعبيره عن الله، لمعنى قديمه وموجِده بقائم الخلق له، وبمبعوث الحق بـه، هو العَلَم على الله، وهو في علميته على الله، ليس محروما منها، بقائمه خلقًا، وليس طاغيا بها، بقائمه حقا. وإن بدا لها في حكمة منه طاغيا، يوم ادعاها كاذبا فاسقا.

بذلك كان الإنسان خليفة الله على الأرض، وكانت بشرية الأرض بـه، لها شَرف ذلك، بداية الأنا للروح بالظهور، وبداية المعارج للذات للحق في السفور، عـودا من السماء وبعثا من القبور. قَدم الإنسان لله ومطيته على الأرض، سُميت الأرض بدءا من وجوده عليها بالسماء الدنيا، بدء وجود لخلق لبدء وجود بحق، في مواصلة لحق في قديم بدء، بجديد بدء. تجلي حق من كنزيته، تداني حق من غيبتـه، ظهور حق من مطلقه، نهاية بدء لخلق وحق لجديد بدء لخلق وحق، قائم سدرة، لقادم سدرة، في جنة بأشجارها وسدراتها بالوجود.

طوبى لبشرية الأرض، إن حرصت على مقامها… طوبى لبشرية الأرض، إن عملت لسلامها… طوبى لبشرية الأرض، إذا استقامت قلوبها فتآلفت، وأشرقت عقولها فتعارفت، واستقامت نفوسها فتواصلت وتحدثت، فبعثت بالحق ذواتها، فتلاقت عقولها وتخاللت، وتحابت نفوسها وتواءمـت، فوحدت قلوبها وتوحدت، فوجوها لله مع وجـوه لله قامت، لقيوم وجوه لله عرفت، ولوجوه لأعلى في طريقها من خلالها للتواجد باسم الله استقبلت، ونفوسها إليها انتسبت وقائمها إليها نسبت لتعالي قائمها لمقام قيومها بناموس حقها لموجودها لتعالي ركب الحياة في قائمها لمطلقها.

إن الحق ما عرف وما ظهر إلا في اجتماع الأبناء على الآباء، باجتمـاع الأبناء على الأبناء، والآباء على الآباء، في عودة الآباء إلى الأبناء في أنفسهم، هم لهم جديد إناء ببعث الأجداد والآباء إلى جديد كمال للإناء.

فالإنسانية أمة واحدة، بعضها من بعض، تعارفت إلى الله، في تعارف ذواتها إليها، قوالب وقلوبها، وفي تعارف ذوات إلى ذوات، وجوه لوجوه، الله من ورائها بإحاطته، في عالم قيامها، وفي أعلام تواجداتها، لأعلام تواجدها، بسبق لقائم، وبقائم للاحق.

إن بشرية الأرض، شرفت بما جعل الله لها، وبما جعل في إمكانها، في زمانها ومكانها. فهي إن أدركت لما بلغت، فعملت بما علمت، فإنها تعرف الحشر في قائمها محشورة، وتعرف القيوم في قائمها بقيامها على القائم منها بقيامها للقائم عليها، وتعرف القيامة، في بعثها من خلقها لقيام بحقها، بكشف أغطيتها بها من ظلم فعلها، ووضع أوزارها عنها من ظلام جلبابها في تطورها بوعيها ومسلكها مع معلم لهـا، الله لها عندها، لا غائبا، هو الأكبر عليها لا منكورا ولا مجحودا. تصفه بالغيب والشهادة معرفة، وتعرفه بالقائد والقيادة علما، ويعرفه القائد في قيادته، وبالمقود لموصوف سيادته استقامة الإنسان مقودا وقائدا لا فرق بينهما في الأكبر لهما هو إلى ربه بربه قيامه، وإليه رجعته.

الإنسان بالله في الله سيد لا يسود، ومسود لا يساد. السيد والمسود هو الحق فهو من وراء المسود بإحاطته، به يتجدد المسود ليكون حقا سيدا، وهو من وراء السيد بمن ساد لقائم أمره بإحاطته ليتجدد به حقا مسودا ويكونه في عطائه وجزائه، فالربوبية بالحق للإنسـان ابتلاء، والعبودية بالحق للإنسان عطاء وجزاء، ولذلك قامت رسالة الفطرة بالرسول، على أساس العمل لكسب العبودية والتخلي عن الربوبية.

شعب الله المختار، أمة خدامها ساداتها، وساداتها سادتهم من رضيهم فسودهم، أمة في دائرة الحياة، بعالي الحياة، وبسافل الحياة، وبقائم الحياة. هي بقائمها بالحياة أمة واحدة يعنونها لها أمة وسط بين يدي رحمة الله لمطلقه ولانهائيه، لا بدء ولا انتهاء فيه، تشهد يديه، مظلة ومقلة، معزة ومذلة، في قديمها وقادمها، وتسعد بيديه، ممسكة، مقيمة أو مهيئة، قاهرة أو محررة، قائمة عليها لعين قائمها راضية مرضية.

إن من تمسكه يد الله، يستوي عنده الحرية والقهر… إن الإنسان لله مع الله، في قبضة الله، ليس مقهورا، وهو أيضا ليس حرا عن إرادة الله الغالبة لها الغلبة ولا تغلب.

فإذا ذكر المؤمن ربه بالإرادة، ذكر نفسه بانعدامها عنده، وإذا ذكر نفسه مفقود الإرادة مع ربه، ذكر إرادته إرادة ربه، وإرادة ربه إرادته {لهم ما يشاءون عند ربهم}[٣]… (كن كيف شئت، فإني كيفما تكون أكون)[٤]… {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}[٥]، فالرائد والمرود أمر وشأن واحد.

أنا أعلو بالحديث، لأني أرى أن العلو بالحديث، هو الدنو من الحق إلى الخلق، بما هم في أمسّ الحاجة إليه. إن عالم الخلق على هذه الأرض ما فقد الأمن وافتقر للأمان، واختل فيه السلم، واستبعد منه السلام، إلا لأن أهله أبعدوا الحق عن عقولهم وعن قلوبهم فَبَعُدَ عن عالـم نفوسهم، وقد جانبوا بينهم وبين العالي من الحديث عن اللـه وبين العالي من الحديث عن الحق، وبين العالي لأمرهم بينهم من عباد الله يظهرهم لهم بحكمتهم عباد الرحمن… عاملوهم بكبريائهم، بدنياهم، فما افترضوهم لهم لرحمتهم غائبين، ولا قدروهم ظاهرين، فما أهونهم عندهم، وما أتفههم في نظرهم. يسيل لعابهم لرؤية الخزف من الفخار الملون من الناس، ويعجبون بالتافه من نعيم دنياهم، يوثنون طغاتهم لهم عابدين وبهم في تافه وضعهم مقتدين، يحلون ويطوقون بالصفيح والزجاج أعناقهم اقتداءً، ويزينون سواعدهم وصدورهم بالذهب والماس مفاخرين مباهين، وجواهر الماس من الناس بين أيديهم، وتحت أقدامهم يدوسون، جمالهم في خلق الله بها يتحلون، ولمن آمن جيده بها يحلون، وهم بما يتحلون أمام نواظرهم، ولكنهم، ينظرون إليهم بازدراء، وباستغناء واستعلاء في مباعدة، بجحود، وبإنكار وكنود، فكيف يأتيهم السلام!! وكيف يستقيم منهم وبينهم الكلام، وهم عبيد الطغاة المتصارعين! {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار}[٦]، فكيف يتحقق السلام بعيدا عن قائم الإسلام، للحكيم العليم المعلم العلَّام؟

لن يكون لهم ذلك، ما لم يرجعوا إلى ما نقول بمقالة الله وهديه، وأن يتواصوا بينهم، بمن يوحد الله من بينهم، ويشعل مصابيح الله في النفـوس، ويجمع على مصابيحه القلوب والرؤوس مع سرج النور له، فيركبون سفن الخلاص بما يهيئ لهم الله من نفوس من أنفسهم من سفن الارتحال والنجاة مستمعين منصتين لما يصدر من هدي، من منابر الرحمة، ملبين لكل نداء، مستيقظين لزواجر الأحداث، بقوارع الأجراس من مآذن الحق آوين لساحات النعمة تحت قباب الرحمة، واردين لمـاء الحياة في أحواضها، ولهياكل النجاة في أوكارها، راويـن من زمزم الحياة، ومن عيون الأرض من صافي المياه بألوانها الزرقاء، والحمراء، والبيضاء… من الأنهار الجارية، إلى الأواني الآنية، لكل أوان، في الأحواض المنشأة، من تجمع الإنسان على الحق في كل مكان، ما تآلفت القلوب على ذكر الله لها، وعلى حق الله بقائمه معها.

ضُربت لهم الأمثال في كل أمة. وهل كان غاندي في العصر الحديث إلا مثلا للمسلم الصادق في دين الفطرة، قام في تعاليم الإسلام وجوهره، فسن بها قدوة ومثالا؟ وهل كان نهرو معه إلا متابعا وعين حال مُثلا حية لمن أسلم لله، بقلبه وعقله، وعرف وآمن بالله، لقائمه وحسه، فأعمل فطرة بشريته، بإنسانية حقيقته؟

عرفا الدين كله لله، وعرفا المنسك كله مقبولا عند الله، وعرفا القلوب جميعها مرضية من الله، وعرفا القوالب كلها كنودة لقلوبها. فما كُفِر بالله، ولكن كَفر الإنسان بنفسه من الله، لحقيقته في قلبه لله، لقائمه لله في وحدانيته. فدعيا إلى السلام بين الأمم وإلى السلام بين الناس، وتفانيا في رسالتهما ودعوتهما، فاستشهد في سبيلها أولهما ومات عليها ثانيهما.

ما تجمعت القلوب صادقة على غاية، متواصية بالحق لها، حول نصب صادق منها، إلا كان الله معها. إن الله برحمانه، لم يكن يوما معية شيطانه، ولكنه ما فارق شيطانه بسلطانه، كان به دائما مبتليا مختبرا بحكمته وبعزته لأهل كفرانه.

إن ظاهر الله هو ما يملك الله، وليس هناك ما لا يملك الله، فهو الغث والثمين، وهو المنـزه عن الغث والثمين… إن الله هو الكبير والصغير، والمنـزه عـن التكبير والتصغير… إن الله، هو القائم والقيوم عليه، ومنـزه عن القائم والقيوم… إن الله، هو الطاغية ومن يطغى عليه، ومنـزه عن الطغيان وعن القهر له… إن الله هو الشيطان ومن يفتنه، ومنـزه عن الفتنة والافتتان.

إن الله لا شريك له، من شيطان أو من رحمان ومنـزه عنهما، ويفعل بهما، كما هو منـزه عن حقائق وعن خلائق الإنسان، ويظهر بهما، علمه ووجهه وأمره، من الإنس ومن الملك والجان لقائم العارف والمعروف في العيان، يظهره الناس من الملائكة ومن الحيوان، ومن الإنسان، بقائم الأحياء، من الحقائق والأشياء.

هذا ما يجب اعتقاده وفهمه في الله، {ولو شاء ربك ما فعلوه}[٧] لقد شاء ربك فأعطى كل نفس هداها {فألهمها فجورها وتقواها}[٨]… {ولو يشاء الله لهدى الناس جميعا}[٩]، وهو هاديهم لما هم فيه ولما هم عليه، مهد الجديد فيه بما هم أو لنقيضه في جديدهم، فإرادته نافذة على ما تشهد، وهو بالغ أمره على ما تعلم، فلا تكن من الممترين ولا تكن لربك من الكنودين.

يا أيها الإنسان لا تكن مع ربك لرحمتك بعنيد، ولا تبدى له ما ترى من الرأي السديد، واهما سداد رأيك. ولكن تأمل والجأ إليه، وتعلم واسجد بالامتثال لربك، واقترب يوم تعلم، فما نظر ربك إلا للساجدين، وهم من كانوا لأمره ممتثلين وليسوا هم من وضعوا وجوههم ورؤوسهم في الطين، فلا تصاحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله، واخشع لذكره مع الذاكرين، فما أحب الله إلا الخاشعين، جعل لك ذلك في قدوة أخرجها للعالمين بمن جعله على خلق عظيم، كافة للناس به يقتدون، وبمقالته يقولون ويعملون، {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}[١٠]، فإنك من المرسلين، وبنعمة ربك فحدث العالمين، على مكث بينهم وبعث لهم بقيام فيهم، ظلال الحق لحقك، بما بلغت أنت من شأو فيه، ومعرفة عنه، واجتماع عليه، وبنعمة ربك لهم قدهم إليها وحدثهم عنها، ولسوف يعطيك ربك فترضى بما يرضيك لهم.

هل رأيت؟ وقد رأيت لك ثم نعيما، وملكا كبيرا، لقديم إنسانك، وعرفت ربك الأعلى قادرا على إبداع مثاله، والكثير من أمثاله، لك في أمتك وآلك، ما رجع الناس معك إلى ربك لهم معك لمعيتهم، ما آمنوا باللـه ورسوله… {فلا وربك، لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليما}[١١]، هذا لخيرهم رحمة مهداة إليهم.

لست عليهم بوكيل، إلا من اصطفيت لنفسي، فوكلته لنفسي معك، فقمت به، وسريت بنوري فيه، وهيأت له أسباب نظري إليه.

{يمنون عليك أن أسلموا، قل لا تمنوا على إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان}[١٢]. قل… وهل كان الإيمان لقديم وقائم وقادم أمتي إلا أنـا! وهل كان الحق لطالب حق منهم غيري! ألم أحمل إليكم أمره لي، {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[١٣]! فمن يكون الغاية للمؤمنين يوم يعلمون عن الله، ويوم يتواصون بالحق، يوم يشغلهم ذكره لذكرهم، ويوم يعنيهم أمرهم لأمره، يوم يفتقرون لأمره، ويوم يفتقـرون لأمره لأمرهم، يوم يدركون ما بني عليه الدين، في كل أمـة، وفي كل رسالة، وفي كل قيام للدين، في أي بلد قام، وفي أي أمة أقام، وفي أي أرض ظهر، ومنها في بلاد الله انتشر؟ هل كان إلا رسولا لله، لا يعرف له أبا أو أما، أو ولدا، أو صاحبا إلا الله؟ {أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم}[١٤]. إن يتامى الله كثير، هو لهم الأصل والأسرة والبدء والنهاية، والوسيلة والغاية، والخلق والحق، والظاهر والباطن، والآمر والمأمور.

ما قام الدين إلا على مثال يُشهد، وإمام يصاحب، ورائد يتابع، ومُعلم يُسمع، وحق يشفع، ونور يسري، وروح في الخلق تتواجد، بها الحق في الخلق ينبعث، فبالحق الخلائق تبعث، فتكسب الحياة لقائم الحي القيوم، فالظاهر من أمر الناس، بجمع وقائد، وقوانين وشرائع مرآة الباطن لأمرهم، بالله وملائكته وكتبه ورسله.

ما كان غاندي، نذكره، ونعرفه، إلا مثالا للمسلم، مثالا للمسلم الفطري، مثالا للمسلم المنفطر على طبيعته من الحق، القائم بصبغته من الله، المتطور في مراقيه من الكيان والوجود، حتى يعلم الناس أن الإسلام دين الفطرة، وأن الفطرة تظهر في صاحبها، بحرصه على العبرة، وبتعبيره على فطرته، في قيامه بذاته وجه الأعلى له عليه، وفي الناس بقيامته، نصب جمعه وأحد اجتماعه بقومه، ما التأم الناس حوله بقلوب متآلفة، إلا كسبوا أمره، فكانوا فيه ظله، ففعلوا فعله، ونطقوا قوله.

هذه مثالية ضربت في بلاد صديقة لكم عُرفت. فأين المثالية فيكم؟ هل هي للرحمن يرحمكم، ويرحم بكم، وبه ترحمون وترحمون، وعبادا له تظهرون، بربوبيته تقومون؟ أم المثالية بينكم للطغيان والطغاة، أعلامها للشيطان والقساة، فللسطوة وللقدرة والعزة تزعمون انتسابكم ولها تدعون وبها تتواصون وترهبون؟

أي سطوة تزعمون؟ سطوة البهتان، على قائم الحق بالإنسان؟ أي قدرة، قدرة الخزيان المذلة، أم قدرة الرحمن المقلة؟ قـدرة مصدرها شهوات النفوس، أم قدرة تصدر من القلوب والرؤوس، بصدورها عن روح الإحسان، تسخر لها أسباب الوجود بالحياة، وأسباب الطبيعة بالطاعة، فتظهر للرسول الشفاعة، ويظهر كيف يكون عند المؤمن بالله، له بالله القناعة، يأخذ الدنيا أو يدعها بوعيه، ويسود الآخرة ويجددها بأمره، لا مهانا في دنياه، ولا مُذَلا في دينـه، ولا مزعزعا في يقينه؟ {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة}[١٥]، إنها الفتنة لعباد الدنيا، لعباد المادة، وهي الرزق الخالص من الفتنة، لمن ماتوا قبل أن يموتوا، لحقائق الروح، لعباد الـروح في قائمهم بدنيا الناس على ما سنه عيسى في أمر نفسه بين قومه، تمييزا عما سبقه إليه يحيى من أمر مجاهدته ومحل ثنائه.

الإسلام… السلام… السلم. الإسلام لوجه الله، مشهودا بالإنسان في جمعه وفرده لقائم الحق، إيمانا من الفرد بجمعه فناء فيه، ومن الجمع بفرده عليه اجتماعه، وجه معروفه، وأمل موصوفه، وحكمة واصفه، بقائم عارفه، لمرجو معروفه قياما به.

الإسلام لله في الإيمان بالجنس ومحبته والعمل لخيره… والإسلام لرسول الله، بالإسلام لرواد الجنس وأئمته، لحقائق الجنس، وجوامع اجتماعه، ومنابر حديثه وأسماعه. (المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[١٦]… (المؤمن مرآة المؤمن)[١٧]. فلينظر أيكم في مرآته ليتكشف له أمر ذاته. (المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد)[١٨]. المؤمن للمؤمن لبنات بنيان، لبيوت يذكر فيها اسم الرحمن.

هذا هو الإسلام، يوم ننشده… يوم نجدده… يوم نقومه ونسعده. نبوته قائمة دائمة فرض كفاية، إذا قام به البعض، سكت الباقون التفافـا حول من قاموه، وهذا هو السلام بين الناس، والسِلم بالخلاص من القيد بالزمان والمكان لقائم النفس.

ولكننا بعصرنا في مجتمع، كل فرد فيه بقائمه… الرسول وربه، وما فوقهما، كلنا العزيز الحكيم… كلنا الكريم العليم… كلنا الحصيف القادر… كلنا العريف المدبر، ولا لقلوبنا الضمائر ولكن بقوالبنا مظلمة بالشهوات والمساخر، لا نعرف حق القلب، ولا تميز بين القلب والقالب، لا نعرف حقائق الجوانية واللب، ولا نعرف مصالح البرانية وخلاصها من الكرب، ولكنها خدعة النفس نعشقها مخدوعة بجبلتها، خادعة بترابيتها، ضالة بظلامها، مضلة به بسريانها، لإطفاء نـور الله فيها، وفيمن يلوذ بها ممن حولها، إمامة مظلة ظالمة بطغاتها، فانية مفنية بهداتها فرعون يقدم قومه يوم القيامة فيوردهم النار.

إن الظلام له سريان، هو بعينه سريان النور، وإن الظلام له نصب بالشيطان، هي بعينها نصب نور الرحمن، فنصب الهداية لمعنى بحـار النور للسماوات والأرض هي نصب الحق، ويقابلها نصب الظلام والفتنة والباطل والغواية، عَلم على نقيضها، الله من وراء هؤلاء، كما هو من وراء هؤلاء. {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا}[١٩]، (كن كيف شئت فإني كيفما تكون أكـون)[٢٠]… {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}[٢١]… {هذا صراط عليّ مستقيم}[٢٢]… يا أيها الإنسان المفتون لا تخدع نفسك بنفسك واهتدي إلى الله في نفسك بنفسك، يوم تتهمها وتغير ما بها، على ما هديت بمن هداك، بما إليه هديت. {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها}[٢٣]… {وما ربك بظلام للعبيد}[٢٤]… {إن الله لغني عن العالمين}[٢٥]… {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة}[٢٦]… {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}[٢٧]، أو هم من أنفسهم يستغفرون.

ولكن الإنسان إذا حرص على إعلاء كلمة الله، وإعلاء كلمة الحق، وتقدير نفسه بالضعف والعجز، وتقديرها بالكنود والجهل هداه وأعلاه الله. (من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)[٢٨]، قدّره الله، يوم عرف نفسه لله خلقت، فكان له عزة الله ورسوله والمؤمنون، فبالله قامت وبه بعثت وبرحمته ظهرت.

أعلم الله الإنسان وعلمه، يوم اتقاه فوصله وكلمه، {واتقوا الله ويعلمكم الله}[٢٩]. يا أيها الذين آمنوا بما هو الله، اتقوا هذا الذي آمنتم به على ما قدرتم وعلى ما عرفتم وعلى ما أدركتم، اتقوا الله وقدروا الله حق قدره، يعلمكم الله. (من عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم)[٣٠].

يا أيها الناس، ادخلوا في السلم كافة… يا أيها الذين آمنوا… ادخلوا في رسول الله غير مفرقين بين الله ورسوله… ادخلوا في بيته… ادخلوا في عهده… ادخلوا في أمره… يا أيتها النفوس المطمئنة… ادخلوا في كوثر الرسول بعباد الرحمن، كوثر لا يبتر، وشانئه - بعزة الله عن أمته، مزوية لها الأرض - يبتر… ادخلوا في عبادي، وادخلوا جنتي، هم أبواب الله ونصبه يمشون بينكم على الأرض هونا، يرحمونكم لا يطغون عليكم، ويؤمنون بكم لله لا يستعبدونكم، ولا يستكبرون، ويخفضون جناح الذل من الرحمة لكم.

يا أيها الذين آمنوا… يا أيها الذين دخلوا بيت الرسول أو طافوه، أو في صلاتهم استقبلوه… يا أيها الذين صلوا معه تجاه قبلته لله لقيوم الأعلى لقائمـه… يا أيها الذين طافوا حول بيته يذكر فيه اسم الله جيئة الحـق لعالمهم… يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، اتقوا الله ولا تفرقوا بين الله ورسوله، وآمنوا برسوله قائم الله ورسوله، يؤتكم كفلين من رحمته.

يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، اعلموا أن الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم قائم ربهم في أنفسهم بنور الله معه… يا أيها الذين تولاهم الرسول فقامهم بالحق به وعنهم أفناهم وبربه أبقاهم، أما يكفيكم الحق قيوم قائمكم جاء رسولا يقوم فيكم ويتقلب بكم، به لله تسجدون، ومن الله تنظرون ولله تنظرون {أليس الله بكاف عبده}[٣١].

إنه العبد الذي اكتفي بالله… إنه العبد الذي اكتفي بربه من الله، رفيقا أعلى سماه… إنه العبد الذي قدر الله حق قدره، فعرف الله حق معرفته، عرفه في نفسه، يوم قلاها فبعثت بمن تولاها، فعرفه فيمن عـلاه، وعرفه فيمن دونه، على ما هو فيه فيمن علاه، فرأى الله بعيني رأسه في قائمه وحسه.

ورأى الله بعين الله، يوم انعكست بصيرته في بصره، وبصره في بصيرته، فاتحد بصره وبصيرته، اتحاد بصيرته وبصره، فرأى الله ببصر وبصيرة الله حديد البصر بهما رآه عبر المكان، وعبر الزمان، وعبر الإنسان، وعبر كل كائن أبدعه الله فكان، ما كذبه فؤاده ما رأى، وما زاغ بصره وما طغى، رأى بعين عقله، كما رأى بعين قلبه، رآه باطن الزمان والمكان، وقبل الزمان والمكان، وبعد الزمان والمكان، وفوق الزمان والمكان.

رق عقله قلبا، وشف قلبه عقلا، فرأى من خلفه كما كان يرى من أمامه، ورأى عن يمينه، عين من هم عن يساره، عرف ربه في قائمه لقائمهما لله، فوصفه (وكلتا يديه يمين)[٣٢]. وما كان من كلتا يديه يمين إلا هو.

علم الحق واسمه… قائم الروح ووسمه… حقية الإنسان وكسمه… بداية آدم ونهايته ورسمه… أبوة آدم وبنوته… خلقية آدم وبشريته… حقية آدم وإنسانيته… أوادم قبله، وأوادم بعده، وآدم أوادمه، في قائمه لقيامه بربه لقائم أمته لدائمه لحقية عبده.

هل عرف الناس رسول الله؟ هل عرف رسول الله نفسه؟ هل قدر الناس رسول الله؟ هل قدر الناس أنفسهم؟ هل آمن الناس برسـول الله، على ما آمن رسول الله برسول الله؟ (ما عرفني غير ربي)[٣٣]. يعرفه من يعرفه يوم يعرف نفسه في حدود ما عرف، يوم تنشق عنه الأرض، كما تنشق عنه السماء، وما الأرض تنشق عنه لقائم الحق إلا قلوب المؤمنين بالله ورسوله متفانية في محبة الحق، وتنشق عنه السماء يوم تنشق عنه العقول يوم تتحرر من قيود الطبيعة، وتشرق بنور الله لها مع الرسول إليها، سابحة في الله وعوالمه. ولا تنشق عنه بالحق القلوب إلا يوم تحيا بروح الله، فتنشق القلوب عن القوالب يوم تزكو القلوب بنار الله، (إن في الجسـد مضغة لو صلحت صلح البدن كله، ألا وهي القلب)[٣٤]، الرسول لنا هو كل الحقائق، وهو كل الخلائق، وهو كل الأطوار والطرائق.

رسول الله حق الله {قل جاء الحق}[٣٥]. أخذ الله من كل أمة بشهيد، وجاء به على الشهداء شهيدا… جاء به على الأنبياء إليهم نبيا… جاء به للأولياء لهم وليا… جاء به للإنسانية إنسانا رشيدا، وآدما تائبا مغفورا جديدا… جاء به للأطفال حقا وليدا… وجاء به للكهول حكيما عميدا… وجاء به للرجال رجلا فتيا شديدا… ظهره إبراهيم بشرى، وقامه نوح ذكرى، وحُقَّ به آدم، أمرا وخبرا، حقيقة وأثرا، قامه الناس مسددين سافلين وعالين، عبادا لرب العالمين، ظهره محمد والحكماء والنبيون والأولياء والصالحون.

إنه الإنسان… إنه عبد الرحمن… إنه وجه الإحسان… إنه أمر الديان، ما قام مالك يوم الدين إلا للحكم في أمر قاليه، وما قام الحساب إلا من نفوس الخلق على الخلق. كيف هي تجافيه؟ ولِم َ هي تعانيه؟ ولِمَ لم تأخذ ما كان لها فيه؟

الله هو المعطي وأنا هو القاسم… أنا ما أعطيت ولكنه عطاء ربي لكم، أنا أحمله إليكم… فيقول له ربه كيف!! وأنت المتخلق بخلقي، إنك معطي وعيني بما تعطي، {فامنن أو أمسك بغير حساب}[٣٦]… {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته}[٣٧] كفلا مني لربوبيتكم، وكفلا منه لأبوتكم… كفلا مني لأبوتكم، وكفلا منه لأخوتكم… كفلا مني لوحدانيتكم في وحدانيتي لي… وكفلا منه لوحدانيتكم معه له.

(ينقطع عمل ابن آدم إلا من ثلاث، علم ينتفع به، وصدقة جارية، وولد صالح يدعو له)[٣٨]… {ورضيت لكم الإسلام دينا}[٣٩]، يوم كشفت لكم وحدانيتي بحقي قائم وقيوم رسولي، قائم الحق لكم، ألم يقل لكم (خلفت الله عليكم)[٤٠]؟ وهو إذ يقول لكم إن الله قائم على كل نفس بما كسبت، فقد كشف لكم خلافة الله عليكم، وقد قامها به لكم، رحمة وعلما، كما كشف لكم خلافة الله بكم، ألم يقل لكم (زويت لي الأرض وتبلغ أمتي ما زوي لي منها)[٤١]؟ فهي تزوى لكم… ألم يقل لكم (مـا أعطيته فلأمتي)[٤٢]؟ ألم يقل لكم {فاتبعوني يحببكم الله}[٤٣]؟ ألم يقل لكم (لكم من الله ما لي)[٤٤]… ألم يقل لكم (مالي والدنيا)[٤٥]… ألم يبلغكم هدى لكم {أليس الله بكاف عبده}[٤٦]؟ ألم يكن بينكم قدوة لنفاذ أمري؟

وكيف يكون لكم من الله ما له، وأنتم لا تعرفون ما له، حتى تطلبوه ممن أعطاه له، على ما أعطاه له؟ {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد}[٤٧]، والخلد لك جعلناه، بقائمك بشرا، قدوة به كافة للناس في الجلباب وخارجه، بقائمك روحا، وبقائمك نفسا، وبقائمك من تراب الأرض كوثرا، وبقائمك من نور السماء جوهرا، وبقائمك من نار قدس الله أمـرا وخبرا، في أمر شتاتك، علما على الله بقائمك بالحق، في أمر اجتماعك.

أنت الشفع والوتر في أمرك، وأنت الواحد والأحد في حقك وخلقك… أنت الفتق والرتق في شانئك… أنت إنسان السماء في الأرض… وأنت إنسـان الأرض في السماء… أنت إنسان الروح للقوالب والقلوب… وأنت إنسان القوالب والقلوب لإنسانية الروح… أنت الكتـاب، وأنت السفور والحجاب… أنت الرسول المنبئ والنبأ… وأنت الروح المرشد والرشاد في قائم الله للوجود في مطلقه.

إن لك في النهار سبحا طويلا، بالحق أنزلناك وبالحق نزلت، أنزلناك راشدا من الراشدين، بك انتشر الرشاد عند من أنزلناك بينهم، فمن استعصى عليك عرفت مصدر استعصائه وعلة بلائه ودواء دائه، فرأيتها من أسفله لكبريائه، فنزلت دونه وإلى أسفله لتصلح أعلاها، وجعلت من الكبر على أهل الكبر صدقة، فأصلحت للمستعلين من حيث علوت، وأصلحت لمن معك يوم عن عالمك نزلت، وعن مقامك تواضعت وأصلحت من دونك له حكمت وفيه عذلت وله رحمت.

أنت في كل العوالم إلينا دعوت وعندنا شفعت، فحمدنا دعوتك، وقبلنا شفاعتك فيمن دعوت، وفيمن شفعت. وكيف نرد طلبك فيمن رضيت وأنت عندنا المرضي، وأنت لنا المعني؟

تريد أن ترضينا ونريد أن نرضيك… تريد أن تعرف عنا ونريد أن نُعرِف عنك، تقوم رسولا منا، ونحن في قومك وجنسك، نقوم رسولا إليك. إن الله وملائكته يصلون عليك، فاطلب إلى من معك أن يصلوا بأمرنا وهدينا عليك، متجهين بصلاتهم إليك، اقتداء بنا، وصلاة منا في قائمهم لنا. وصلِ أنت عليهم صلاة منا، تزكيهم وتطهرهم بها، وتكون لهم سكنا معنا، يوم تسجد فيهم لنا، فيصبحوا محل نظرنا.

سبحان الله، أبعد رسول الله رسول؟! أبعد أمر الله أمر؟ ولكن ما كان الرسول الذي لا يكون بعده رسول!! وما كان الأمر الذي لا يكون بعده أمر… إنه الرسول الدائم في عوالم الله… إنه الرسول القائم دائما في أمـر الله، في كل مكان وفي كل زمان… إنه المعنى الهادي في الله بالإنسان للإنسان في الإنسان، إنه ما يجب أن يكون مطلوب كل إنسان، كان محمد كافة للناس قدوة به.

أبرزه الله من غيبه، غيبا له، إلى شهادته شهادة له، ونزل به إلى كل أدنى فيه، وصعد به إلى كل أعلى له.

رسول الله الذي به عُرف الله… عبد الله الذي به عرف رب الناس… عزة الله التي بها عرف ملك الناس… رحمة الله الشاملة، وحقه وحقيقته الكاملة، الذي به عُرف إله الناس.

إنه الإنسان لكل الأجناس… إنه الحق للجِنة والناس… إنه الأعلى للملك، وللحقائق… إنه كتاب الله الشامل للشرائع والطرائق، وحق الله الكامل للخلائق… هلا عرفتموه؟ هلا طلبتموه؟ هلا تواصيتموه؟ هلا تذاكرتموه؟ هلا طرقتم كل باب يبدو لكم طلبا له؟ هلا سلكتم كل طريق تنير سعيا إليه؟ هلا رجعتم إليه في أنفسكم، روح قيامكم، وحق قلوبكم، وبناء قوالبكم، وأطوار تواجداتكم، وحرية عقولكم، وكرامة نفوسكم، وشرف معانيكم؟

هل أنتم حقيقة أمته؟ فمن يكون إذن المتخلقون بخلقه في سائر الأمم؟ ذَكروا أنفسكم، وتذاكروا بينكم في أنفسكم، وتواصوا بالحق بينكم لعلكم لأمركم تهتدون فبه ترحمون يوم أنكم حوله تلتفون، ولله في أنفسكم معه تطلبون فبشفاعته تجابون، ومن الله تلبون، ويوم أنتم بتلبيتكم لندائـه من رسوله ترشدون، ومعيته معكم تلاقون، وقائمه من ورائكم بإحاطته تقومون، فوجوها له تظهرون، وعبادا له تذكرون، وأسماء له تشكرون، ووجهه حيثما وليتم تشهدون.

فتشهدون أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول اللـه

{الذين قال لهم الناس، إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل، لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم}[٤٨]

(ضاقت فلما استحكمت حلقاتها… فرجت وكنت أظنها لا تفرج)[٤٩].

إن أُمة محمد… إن أمة الإسلام… إن أمة الفطرة… إن البشرية على الأرض في عصركم، مغلوبة على أمرها، وهي في محنة وشدة، لا أمن ولا أمان، ولا سِلم ولا سَلام، ولا حق في الكلام، ولا جدية في الخصام، ولكنها المهاترة، والثرثرة، ووهم الغلبة، وخيال العزة، بعكس الأوضاع، وتصديع الأسماع في كل وقت وفي كل زعم بمسالمة، وفي كل قيام بمخاصمة.

اللهم برسول الله فارحمنا… اللهم برسول الله فقوم أمرنا، وأصلح حالنا… اللهم ببركة عبادك الصالحين بيننا، منكرين، مجحودين، مغلوبين على أمرهم، منطوين على أنفسهم… اللهم بجاههم عندك فارحم جمع هؤلاء الناس، فإنهم لهم، وما أبرزتهم بينهم إلا رحمة بهم أن تميد بهم الأرض بظلمهم.

اللهم وقد زويت الأرض لعبدك وابن عبدك وإمام عبادك، وأول العابدين لك، وأول العباد منك، من جعلت منه رسولك ورسول رسولك، وإمام رسلك، وقائم رسالتك، منه لا تنقطع رسالتك ولا تتعطل بيـن الخلق تجليات حقك، بجديد أمرك، بجدة ذكرك لقديم مذكورك، في محيط قيامك… اللهم هيئ به الأسباب لإعلاء كلمتك، وإبراز شفاعتـه عندك لدائم شفاعتك به فأنت الشافع والمشفوع له والمشفوع إليه…

بلا إله إلا الله، وقائمها بمحمد رسول الله… وبمحمد رسول الله، وبقائمه بها حصن، وبيت لا إله إلا الله.

اللهم انشر في الناس ذكره، ذكرا لك، وأعلِ فيهم أمره، أمرا لك، وأًبِن فيهم خبره، علما عنك، وأقم بينهم كتابه دستورا لهم وبلاغا لك، وادفع عنهم البلاء حجابا عنك، وأوفر به لهم العطاء كرما وجودا منك، وسفورا لك.

اللهم إنا نشهد أنه لا إله إلا أنت ولا شريك لك من أنفسنا، رسلا ومرسَلا إليهم، حقائق وخلائق، دخولا في حصن لا إله إلا الله، وقياما بمحمد رسول اللـه.

اللهم بالشهادتين قوِّم أمورنا، وأصلح أمرنا، وولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، وعاملنا بعفوك ورحمتك، وأقلنا من عدلك وغضبتك، واجمع قلوبنا، وأنر عقولنا، وزكي نفوسنا، ووحد جمعنا، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائك.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة المائدة - ٢٧ ↩︎

  2. سورة آل عمران - ٢ , سورة البقرة - ٢٥٥ ↩︎

  3. سورة الزمر - ٣٤ ↩︎

  4. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  5. سورة الأنفال - ١٧ ↩︎

  6. سورة يوسف - ٣٩ ↩︎

  7. سورة الأنعام - ١١٢ ↩︎

  8. سورة الشمس - ٨ ↩︎

  9. سورة الرعد- ٣١ ↩︎

  10. سورة النساء - ٦٣ ↩︎

  11. سورة النساء - ٦٥ ↩︎

  12. سورة الحجرات - ١٧ ↩︎

  13. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  14. سورة الماعون -١و٢ ↩︎

  15. سورة الأعراف - ٣٢ ↩︎

  16. حديث شريف: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎

  17. حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎

  18. حديث شريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” صحيح مسلم. ↩︎

  19. سورة الإسراء - ٢٠ ↩︎

  20. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  21. سورة الإنسان - ٣ ↩︎

  22. سورة الحجر - ٤١ ↩︎

  23. سورة الإسراء - ١٥ ↩︎

  24. سورة فصلت - ٤٦ ↩︎

  25. سورة العنكبوت - ٦ ↩︎

  26. سورة النحل -٦١ ↩︎

  27. سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎

  28. حديث قدسي، أخرجه البيهقي، وأخرجه الترمذي والدارمي باختلاف يسير. ↩︎

  29. سورة البقرة - ٢٨٢ ↩︎

  30. حديث شريف. الراوي أنس ابن مالك. أخرجه أبو نعيم الأصفهاني في (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء). وذكر أحمد بن حنبل أنه ليس حديثا مرفوعا وإنما من أقوال التابعين. ↩︎

  31. سورة الزمر - ٣٦ ↩︎

  32. حديث شريف: " المُقسِطونَ يومَ القيامةِ على منابرَ مِن نورٍ عن يمينِ الرَّحمنِ وكلتا يدَيهِ يمينٌ: المُقسِطونَ على أهليهم وأولادِهم وما وَلُوا. صحيح ابن حبان، وأخرجه مسلم باختلاف يسير. ↩︎

  33. حديث ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ↩︎

  34. حديث شريف: “ألا وإن في الجسـد مضغة إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  35. سورة سبأ - ٤٩ ↩︎

  36. سورة ص - ٣٩ ↩︎

  37. سورة الحديد - ٢٨ ↩︎

  38. إشارة إلى الحديث الشريف: “إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلا مِن ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.” صحيح مسلم ↩︎

  39. سورة المائدة - ٣ ↩︎

  40. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  41. من حديث شريف: إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها فإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها وأُعطِيتُ الكَنزَيْنِ: الأحمرَ والأبيضَ… أخرجه مسلم في صحيحه. ↩︎

  42. عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎

  43. سورة آل عمران - ٣١ ↩︎

  44. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  45. من حديث شريف: “مالي وللدنيا إنما مثلي ومثلُ الدُّنيا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ ثم راحَ وتركها.” أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد ↩︎

  46. سورة الزمر - ٣٦ ↩︎

  47. سورة الأنبياء - ٣٤ ↩︎

  48. سورة آل عمران - ١٧٣-١٧٤ ↩︎

  49. مقولة للإمام الشافعي. ↩︎