(١٧)

يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم
يفتنون عنه باسمه ويهدمونه بتزييف رسمه

حديث الجمعة

٧ رمضان ١٣٨٧ هـ - ٨ ديسمبر ١٩٦٧ م

يشهد الله على ما في قلبه، وهو ألد الخصام… كَبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.

ما كان الدين مقالة، ولكن الدين عند المتدين… ولكن الدين عند المؤمن حالة لا قالة… كل إناء ينبع بما فيه، ومهما تبطن تظهره الأيام.

الإسلام… إنما هو في الإسلام لله، إسلاما لمعلوم رسول الله، بظل إنسان عنون الرحمن… عَرفَه الناس، وانتفع به الناس، وانتفع بعلمـه الناس، مقالته نبوة، وحالته آمال عند الناس لهم مرجوة، قدوة للناس، ظهرها كافة للناس، رسول أُمِر أن يخاطب الناس، وأن يكون قدوة لكافة الناس، كوثرا بين الناس، معلوما لا يبتر بينهم، رحمة من الله لهم، ورسالة لله دائمة فيهم. ولكن الناس هم الناس، على أنقاض كوثره أقاموا لهم كوثرا لم يقم، وعلى وهم بتره بُتروا بترا، فذاتهم[١] وحالهم ومعناهم لم يدم. آية من الله، وعبرة للناس في أنفسهم، على أساس من هدم بيته، بنوا لأنفسهم بيوتا من ورق ومن قش، وبقي بيته يكرم ويعلم.

على أساس من إنكار قدسية ذاته، قَدسوا ذواتهم، وما تقدست… بل انمحت واندثرت وفنت ما بقيت، وتجددت ذاته بقدس ذاته في دوام لم يفتر، وفي كوثر عند المؤمنين لم ينكر.

ولكن الناس هم الناس، يقوم الطغاة باسمه، ويجندون لأنفسهم ملائكة، لرسم ظلاله، ويتكلمون في الناس بقالته، ويهدمون في الناس حالته، مرائين لأنفسهم، ومرائين للناس، ومرائين مع الله.

يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم… يُقدمون الإسلام وهو جميل، ويخفون وراء جماله قبح طغاتهم، وفتنة إخوانهم أبناء للشيطـان، يزعمون بنوتهم للرحمن، وقيامتهم بالإنسان، وما قاموا إلا باسـم الشيطان، قلوبهم خالية، وقوالبهم خاوية. يزعمونهم وجوه الله، وهم وجوه وأعلام لنصب الظلام… دينهم الكلام، يزعمون أنهم الأعلام للإعلام، وأمرهم لا يختفي على قلب، ما صدق القالب مع قلبه، صفاءً مع ربه، استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك.

ولو تأملنا في تاريخ هذه الأمة، لوجدناها حتى يومنا، ما عاشت وما صَلُح صالح فيها، وما بُعث محق بها، إلا بما بَرق من أنـوار الله مع رسول الله. قاموا في عصره وما لبثوا أن قام الطغاة من بعده، كلهم همّة، لا هم لهم إلا إطفاء نور الله برسول الله، بأفواههم، بكلامهم، بمدائحهم الزائفة، بثنائهم الملتوي، وهم بذلك كلـه لا يريدون إلا نصرة أوثان قُبحهم، والاستزادة من ظلام أنفسهم، حـول نُصب ظلامهم وظلمهم… يبعدون عن الله باسم الإعلام عنـه… يشيدون بأمر رسول الله، وباسم التنزيه له، مع الهدم لشهادته، ونشر اليأس من حضرته، بالقول بوجوده في كنزيته، أو عودته لغيبيته، حيا في قبره، من قلوبهم ما عرفوه، ولكنهم في مقابر الأرض وصلوه… وزاروه… وطافوه… وعرفوه… هم حواريو المقابر، وآخرون حواريو النصب والمنابر، بقولٍ لا حياة فيه، ولا روح له، ولا نور، ولا صدق به.

هذا ما آل إليه الحال، فعلى أنقاض بيته وهدم أمان أمته بهم لدائم حريتهم أنشأنا إمارات باسم الخلافة، لدائم خلافته، فسننا سنـة، واصلت لتعويض[٢] أركان العدل، وباسم البلاغ والسنة، هدمنا الصالحين، وأنشأنا بيتا للأمويين، يحمل كلمة وسيف رب العالمين، خلفاء راشدين، ثم هدمنا القائمين لحساب الغائبين، انتصارا للعلويين، فإذانا نظهر على المسرح العباسيين… ثم قام الأيوبيون على أنقاض الفاطميين، زاعمين ولاء العباسيين… أين الله، أين رسول الله، أين بيت رسول الله!!! داسوه بالأقدام، وأطفأوه بالكلام، وخاصموه بزائف من الإعلام.

وها نحن في زمان، يتجمع فيه البهتان، بكل الألوان، في صور مـن الإحسان، وما فيها من حسن، وما فيها من إحسان، وما فيها من أمن، وما فيها من أمان، وما فيها من إيمان أو صدق في عنوان.

هذا هو الحال، وكان قديما هذا هو الحال… وهذا هو المآل، وما كان إلا جديد مآل من مآل… أما آن للناس أن يذكروا في أنفسهم رب الناس؟ أما آن للضمائر أن يكون لها بينهم وجود؟ أما آن لهم أن يستفتوا أنفسهم؟ أما آن لهم أن يسألوا قلوبهم؟ أما آن لهم أن يطمعوا في أن ينشروا حقائقهم من مقابرهم، وأن يحرروا قلوبهم مقبورة في قوالبهم؟ أما آن لهم أن يذكروا جوانيهم، وهم يضجون من برانيهم؟ أما آن لهم أن يقصدوا الله بجوانيهم، وقد أيأستهم الدنيا منه في برانيهم؟

أما آن لهم أن يكون الله مذكور وجودهم، ومعلوم شهودهم، في مرايا أخوتهم، لكشف قضايا حقيقتهم، في وحدة جمعهم، لأحدية اجتماعهم، حول نصب الله بينهم، بظلال رسول الله لهم… ما عنهم غابت، وما في حياتهم احتجبت، وما عنهم بينهم انقطعت؟

أما آن لهم أن يرجعوا الى الله في أنفسهم؟ أما آن لهم أن ينتفعوا ببصيرتهم، ترعى بصائرهم وبصرهم؟ أما آن لهم أن يعلموا أن الذي ينشدون، هو أقرب إليهم من حبل الوريد ومعهم أينما كانوا، قائما على كل نفس بما كسبت، من ورائها محيط، وأمامها مشاهَد، وعن يمينها ويسارها يفعل، وبها يقوم ويقعد؟

لا إله إلا هو منه النشأة وإليه المصير.

اللهم يا من وعدتنا بشهودك، في عقيدة موجودك، بوحدانيتك لما فيك، لا شريك لك، من شيء فيك… اللهم اكشف حجاب الغفلة عنا حتى نشهدك، وأرجعنا الى أنفسنا، أوجدتها لنفسك، وتواجدتها برحمتك، حتى نعبدك… حتى نتواجدك، فنشهدك، فما شهدك غيرك، وما عرفك غيرك، وما قامك غيرك، وما تواجد فيك غيرك، لا إله إلا أنت بنا، ولا حياة إلا أنت لنا، ولا وجود إلا موجودك في وجودنا… اللهم وحد بيننا، وألف قلوبنا، وأنر عقولنا، وزكي نفوسنا، وأحيِ قلوبنا، وقوم جوارحنا، وأنر مشكاة صدورنا، وأشعل مصباح قلوبنا، ويسر فيك أمرنا، وولِ علينا خيارنا، ولا تعمل فينا شرارنا ردا لأعمالنا، وإقامةً لعدلك، وإعمالا لكتابك. نتوسل إليك بمن جعلته وسيلتنا إليك، أن تعاملنا بعفوك، وأن تغفر لنا برحمتك، وأن تتولانا بعنايتك، وأن تردنا سالمين الى أحضان رحمتك.

لا إله إلا أنت سبحانك إنّا كنا من الظالمين، ورحمتك أعم وأكبر من أن يغلبنا ظلام نفوسنا، وظلم أحوالنا.

لا إله إلا اللـه، محمد رسول اللـه.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الأصلية المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎

  2. هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الأصلية المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎