(١٤)

الصلاة صِلة بين العبد وربه
والرب وربه ويطول بنا إسناد عنعنة
حتى إلى مسيح الوجود المطلق للذات اللانهائي

حديث الجمعة

٢٣ رجب ١٣٨٧ هـ - ٢٧ أكتوبر ١٩٦٧ م

الحمد لله.

الحمد لله لا شريك له.

الحمد لله لا جديد فيه.

الحمد لله تنزه عن وصف القديم والجديد قائم القديم والجديد.

الحمد لله أحاط بالقريب والبعيد.

الحمد لله لا غيبة له، ولا إنكار عليه.

الحمد لله أقام الإنسان وقامه، أظهر الإنسان وغيبه… ظهر بالإنسان، وغاب عليه… قام بالإنسان وتنزه عنه.

الحمد لله نزه الإنسان، في أي صورة ما شاء ركبه… أحاط بالإنسان… وأحاط به بكل شيء.

الحمد لله أظهر الإنسان على الدين كله… وجعل الإنسان هو الدين كله.

أرأيت الذي يكذب بالدين، وقد جعلناك الدين، وجعلنا الدين بمن بك يدين، ولك يعين؟

أرأيت الذي يكذب بالدين، وأنه ذلك الذي يدعك أيها اليتيم!؟ فكيف يدعك ثم يزعم أنه للدين يقيم، وأنت من لا أب لك إلا أنا، ولا أم لك إلا أنا، ولا أخ لك إلا أنا، ولا ابن لك إلا أنا، ولا خليل لك إلا أنا، ولا حبيب لك إلا أنا، ولا بيت لك إلا بيتنا؟ فكيف يدعك أيها اليتيم، ثم يقول إنه في دين؟

ويل للمصلين، فما كانت الصلاة إلا الصِلة بك، وما صَليت إلا بصلتك بنا، نحن وملائكتنا نصلي عليك، والناس لنا في اقتدائنا يصلون عليك ويسلمون لنا تسليما لك، تخلقا بأخلاقنا وقياما في قيامنا، وعملا بعملنا، جعلناك خليفة لنا وقدوة لهم لقيامنا بعبادنا لحقائقنا. أمروا أن يتخلقوا بأخلاق الله في التخلق بأخلاق المصَلى عليه منا بالصلاة عليه في الصِلة دائمة بظلاله بينهم.

قل جاء الحق، في جيئتك، ألم ترَ أنا نأتي الأرض على ما شهدت كلما أتيتها؟ ألم ترَ أنا وطأنا الأرض يوم وطأتها… طأها… {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}[١]، وإن شقيت فما ذلك إلا أسوة للناس، و{تذكرة لمن يخشى}[٢].

{لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا}[٣]. وإن فعلنا، وإنا في دوام نفعل، {للبسنا عليهم ما يلبسون}[٤] (أخفى الله الولي في الخلق)[٥]… {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة}[٦] تأييدا لرسالتك؟ فإن أنكروا عليك لمعنى الحق، قيوم قائمهم وقائما بينهم، كان لنا معهم شأن آخر، هل ينظرون إلا أن يأتي ربك؟

فما كنت غير ربك، وجاء الأرض بجيئتك ربك. فإن لم يدركوا فيك الحق وقد أمروا بعدم التفرقة بيني وبينك، لا تفرقوا بين الله ورسوله، فسنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنك الحق حقا، {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٧]، فقال الحق الرسول (خلفت الله عليكم)[٨]، لقائم الحق المرسِل بتعميم الحق المرسَل في الناس.

إن جيئة الحق بالإنسان، وقائم الإنسان لربه، وجه الحق، وقائم العنوان، هو ما ينشده الإنسان للإنسان، ليكون إنسانا وعنوانا، باقتداء الإنسان لإنسان، كان للأعلى عَلما وعنوانا للذات والروح بإيمان الإنسان بالإنسان في عوالمه لظاهره وباطنه.

له ذلك دائما يوم تتآلف القلوب في الوجدان، وتتلاقى العقول في العرفان، وتتآلف وتتراص النفوس في البنيان، فيصبح الإنسان للإنسان لبنات وجود وبنيان إحسان، لبيت يذكر فيه اسم الرحمن… ببيوت أذن الله أن توضع، وبيوت أذن الله أن ترفع، فتشهد البيوت المرفوعة بالبيوت الموضوعة، ويدخل الإنسان البيت الموضوع، ليكون طريقه ووسيلته إلى دخول البيت المرفوع، {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}[٩].

إن قلب الإنسان بيت لقلوب الإنسان، وإن قلوب الإنسان بجمعه، بيوت لقلب الإنسان بفرده، {واعلموا أن فيكم رسول الله}[١٠]… {وجعلنا له نورا يمشى به في الناس}[١١]، يقوم ويتقلب في الساجدين، {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق}[١٢]… {وقل جاء الحق}[١٣] {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[١٤].

(لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ومن نفسه التي بين جنبيه)[١٥]… {فإذا فرغت فانصب}[١٦]، فأين هي نصبه بينكم فارغة من كل ما سواه، قائمة به قائم الحق، قائم الله… قائم وجه الله… قائم يد الله… قائم قدم الله… قائم سعي الله إلى خلق الله… قائم إنسان الله، غير مفرق بين الله وخلق الله، يعرف الله في خلقه، كما يعرف الخلق في خالقه.

يشهَده لا إله إلا الله، ويُشهِدَه لا إله إلا الله، يقومه لا إله إلا الله، ويُقِيمه لا إله إلا الله، فكان بقائمه لهم بينهم وفيهم لا إله إلا الله، نبيا بما عنده من الله لعندية الناس بلا إله إلا الله، وكان بإقامته للا إله إلا الله إماما للناس إلى حضرة الله، وعالم الله معلما للا إله إلا الله، لقيوم قيامهم بها، يقول لهم في أنفسهم قولا بليغا، فيعرفهم معيتهم من نور الله، وروح الله، ويعرفهم الحق الدائم منه لمعيتهم فيه، ويكشف لهم أغطيتهم عنهم، ويفك عنهم أغلالهم ويحط عنهم أوزارهم، فيحررهم، نفوسا وعقولا وأرواحا، ويطورهم خلقا ووجودا وأشباحا.

هذه هي رسالة رسول الله، دين فطرة الله، وها هي ذي آيات الله، يبرزها الله لمن يرى الله حيثما ولى، ولمن يقرأ حكمة الله في كتاب الوجود لعين كتابه بوجوده، فيقرأ في آيات الوجود وآيات موجوده كتـاب الله، فيعرف ويسمع صوت الله في الأحداث، لبيان حكمة الله ودين الله وقائم الله، فيؤمن بفطرة الله وصبغة الله.

أبرز الله في قديم، وأبرز الله في قائم، ويبرز الله في قادم، ما به يبين، وما به يتحدث، أن الصبي داوود عبث بمقلاعه، فضرب رأس الطاغوت بتدبير الله في ناموس حاكمية الله بقذيفة أطلقها عفوا، وقصد بها فعلا، فتحكمت إرادته في فعله، وأصابت قذيفته هدفه، فسقط الهدف.

إن الذي وقع من داوود للطاغوت هو الذي تشهدون في حاضركم، صبي بزورقه يقذف بقذيفته، فتتجه في اتجاه إرادته، وتحقق له غايته، فيقال، أحسن رمايته، وما رمى ولكن الله رمى، رمى من قال بحاله ومسماه، أنا العزة أنا اللات، إي لات.

لا جديد في الله، ولا جديد تحت الشمس، أخذ عبده حفنة من التراب، وقذف بها، وحدد إرادته لفعلها، فنفذت إرادته، وشاهت وجوه من قام في عداوته، وفقدوا آدميتهم، وطمست بصائرهم وبصيرتهم، ومسخـوا على حيوانيتهم، فقال من وافقت إرادته إرادته، فكانت إرادته لإرادته مظهرا، فكانت الإرادة القائمة الدائمة لإرادته جوهرا، {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}[١٧].

إن رمية داوود للطاغية، وقذيفة اليوم للات، وقد تحول الطاغوت بذاته وصفاته، إي لات، لقائم وعلمية ذاته، في عالم مادياتـه، إنما هي قضية واحدة، لم تتعدد، إنها آيات في الآفاق تتجدد، قامت في حكمة الله، يوم واءمت إرادة الخلق إرادة الخالق، يوم واءمـت إرادة العبد إرادة المعبود… يوم وافق قضاء العبد قضاء إلهه… يوم توحد العبد مع ربه… يوم اتحد الإنسان مع حقه. إنها آيات تبرز في الأنفس وفي الآفاق لقوم يعقلون.

وها أنتم أولاء في كل يوم تشهدون الآيات في الآفاق، تقترن بها الآيات تبرز في أنفسكم يوم تتعقلون… يوم تدركون أن آية الله في النفوس، يوم يكشف الله أمر النفوس، للنفوس، بين النفوس، إنما هي للعقلاء يتعظون بغيرهم، ويتعظون بالآيات تبدى لهم.

إن الذين تقوم عليهم الآيات، وتقوم بهم الآيات، إنما تقوم عظتهم بأنفسهم ويدركونها متأخرة، ولا يفيدون منها في كرتهم الحاضرة، ولكن الذين يشهدون أعلام العظة في أعلام الناس، تعجل لهم عظتهم، ويعجل لهم إيمانهم وحسابهم وجزاؤهم، وتعجل لهم خيراتهم في جنة دنياهم لجنة آخرتهم، {ولمن خاف مقام ربه جنتان}[١٨].

إذا قام الأمر، وحم القضاء، فالأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، وهذه هي للمؤمنين مستيقظين، عظتهم في أنفسهم وفيمن حولهم يوم يتعظون بما يقوم بأنفسهم من إدراك ما يشهدون وبه يعاملون، أو بما يجرى لأنفسهم، بأنفسهم، في أنفسهم، لشهودهم، وإنه لجار في دوام، وقائم في انتظام.

ولكنه إذا قام فيمن كانوا بينكم أعلاما كان أبلغ في الإعلام، وفيه ظهر بحكمته العلَّام، في سفور للقيام. فها أنتم أولاء تشهدون في الآفاق، وفي أنفسكم وكلكم قارون… وكلكم سليمان… وكلكم الطاغوت… وكلكم فرعون… فهلا تستيقظون لما هو جار. إن الله يشهدكم آياته، في الآفاق، وفي أنفسكم، وسيشهدكم الكثير والأكثر، وإن الله بالغ أمره، حتى تفيقوا من غفلتكم، وحتى تستيقظوا من نومتكم، وحتى تبعثوا أنفسكم من مقابركم وأجداثكم، من موات قائمكم، لحـي موقظكم ومبشركم ومحذركم، في عاجلتكم بيقظتكم، ببعث نهاركم من ليلكم، ويومكم من أمسكم.

بقيامكم أقلام قدرته بمجاهدتكم في يومكم لغدكم. إن الأمس والغد حاضر في يومكم، ما حضَرت مع الله قلوبكم، وقامت بذكر الله ألبابكم، وتحررت في قائم الله عقولكم، وقامت بقدس الله أرواحكم، وبعثت لنفس الله أشباحكم ونفوسكم، أنتم البيوت يذكر فيها اسم الله، وأنتم الأجداث، يقبر فيها وجهه ورسمه، وأنتم النصب، يقوم بها هيكله، {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس}[١٩].

هل وحدتم الله مع من وحده ولم يدرك ذلك لكم؟!

إنكم ترددون بألسنتكم ما ليس في قلوبكم، ترفعون أصواتكم وحناجركم بلفظ الجلالة، وبعبارة الدلالة، الله الله… ولا الله لكم… ولكن هبل… وتقولون وتغنون لا إله إلا الله، ولا إله عندكم، ولا معية له معكم، إلا شهوات أنفسكم، وغاياتكم السفلى من دناكم، لا بآخرة تبعثونها، ولا آخرة عندكم تشهدونها، ولا آخرة بحق تقيمونها، أو حتى بصدق ترجونها، والله هو الأول والآخر، والله هو الدنيا والآخرة، ما غاب عن الدنيا، وما أحاطت به آخرة.

إن الذين يفتقدونه في الدنيا، لا يلاقونه في آخرة، بل يبعثون على ما ماتوا عليه فيظلون يفتقدونه، ففي الآخرة لا يجدونه، ولا يلاقونه، ولكنهم يتلاقون مع أنفسهم على حقيقتها، وقد فقدت سلطانها على خدعتهم، وبعثت بسلطانها على محاسبتهم وإدانتهم. {كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا}[٢٠]، {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}[٢١]… {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا}[٢٢]، ولكن إلى الدنيا يردون، بناء على طلبهم.

فيعودون من عالم الروح بما كانوا به في سابق في دنياهم، مواصلين لمعناهم، {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها}[٢٣] لأنهم من دنياهم تكسب أخراهم، فإن لم يكسبوها في كرة من كراتهم بها، فلن يكسبوها في عودة من عوداتهم إليها، إلا بتغيير ما بأنفسهم، إلى مشهود مرضي لقائم علمهم، لحق رسوله ورسالته.

إن الله في الآخرة لا يجحد، ولا ينكر، ولكن لا يلاقى ولا يعرف إلا بناموسه، وإن الله في الدنيا لا يلاقى إلا في النفس مؤمنة بالله ورسوله، مع نفس مؤمنة بالله ورسوله، وهذا لا يكون لها إلا يوم تتحول الدنيا إلى آخرة… إلا يوم تبعث الدنيا بمعناها من الآخرة… إلا يوم تدانى الآخرة فتمحو الدنيا، فيقوم الإنسان في دنياه، قيامة في أخراه، لا يجحد الله لقائمه، ولا ينكر على الله لدائمه.

ويعرف الآخرة لمزيده، ويعرف الدنيا لجديده، ثم تتبدل عنده الدنيا والآخرة، وينعكس فيه الزمان، انعكاس المكان، فيرى في الدنيا أخراه، ويرى في الأخرى دنياه، فيبدل في الوجود قدميه، بين دنييه وأخرييه، سيرا في لا نهائي وجوده، في لانهائي معبوده، بلانهائي موجوده.

المفتقر إلى الله يمده الله بعطاء لا يجز، وبوجود لا يبتر، وبكوثر متكاثر، لا يتوقف تكاثره… وبفرد متناثر لا ينقطع انتشاره… وبمنتشر يتجمع، لا يتوقف عن التواجد أحده من قائم واحده، بألوانه في مشاهـده، في أي صورة ما شاء أحده ركبه، ثم جمعه من شتاته، وفي أحد أوجده.

أظهره على الحق كله… أظهره على الدين كله… حوطه بالوجود كله، لقائم حقه ووجوده، بموصوف عبده لحقه، في قائمه الأعلى لمحموده، لعلم ربه بموجوده، في معراج في الله ذي المعارج، إلى لانهائي لمنشوده، في قائمه به له بموجوده مسيح وجوده.

هكذا كان الإنسان، يوم ظهر بمحمد، عبدا لربه، ورسولا من غيبه، حق العبد لعين الرب، وقائم الشهادة لعين الغيب. {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٢٤]، لا تفرقوا بين الله ورسوله.

{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}[٢٥]… (من رآني فقد رآني حقا)[٢٦]… (وما أُعطيته فلأمتي)[٢٧]… {إن كل مـن في السماوات والأرض إلا آتِ الرحمن عبدا}[٢٨]… {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم}[٢٩]… هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٣٠]… {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}[٣١].

يتكلمون عن الوعود، وينتظرون ليستقبلوا الموعود، وهل غاب الله عن الوجود، القائم على كل نفس بما كسبت، وأقرب إليها من حبل الوريـد، معها أينما كانت، ومن ورائها بإحاطته؟ إن الوعود، هي لكم، وإن الموعود هو قائمكم لقادمكم.

يوم تكشفون عنكم أغطيتكم، وتزحزحون عن ألبابكم أوزاركم، وتحركون قلوبكم بوجدانكم، وتطلقون عقولكم بأفكاركم، وتزكون أنفسكم بتقواكم في عملكم. فترون الله معكم في معناكم، قائم قيامكم في مبناكم، بلا إله إلا الله بعث وقيام عبده وحقه لرحمتكم يوم تتابعون رسوله، في أنفسكم بينكم، متجددا في تجدد طبقاتكم، متواجدا مع تواجداتكم، متخلقا مع خلقكم، متحققا بينكم، محققا لكم بتحققكم.

فما يكون الوعد؟ ومن يكون الموعود؟ ومتى يكون الوعيد؟ وهي أمور فيكم تقومها معانيكم، وأنتم في مبانيكم لا تخفى عليه يوم عناها عانيكم.

يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، قائمة في قيامهم، والذين آمنوا بها في قائمهم، مشفقون منها، ويعلمون ويعلِمون أنها الحق، لقائم الناس بالحق، يوم يزهق باطلهم، ويعمل عاطلهم، وتتحرر أرواحهم، وتتخلق أشباحهم، فيعرفونهم العبد مع الأعلى ومن يعلوه مرعيين، ويعرفونهم الرب مع الأدنى ومن يسفله راعيين.

يشهدون الرب للبابهم، والعبد لجلودهم وجلبابهم فيعرفون الحق قائم أمرهم يدركون أحديته لثالوث حقائقه، في وحدانية حقه، لأحد حقهم لهم بهم.

الإنسان، في قائمه، قائم آبائه مقبورين أو منشورين، وحق أبنائه موؤدين أو مرعيين، فهو الأب لأبنائه إلى ما شاء الله ليوم الدين. وهو الابن لآبائه ممن شاء الله من حضرة اليقين… وهو الروح القائم المقدس المبارك الأمين بين آبائه وأبنائه، رسول الله وحقا واحدا، وأحدا حقا، إنسان الله وعبد الله ومسيح الوجود، وبرزخ اجتماع آبائه على أبنائه، في قائم الموجود اللانهائي المطلق لله.

لِمَ لا تجادلون أهل الكتاب بما هو عندكم، ليشهدوا فيكم قوما أناجيلهم صدورهم؟

ما أبرز الله عيسى لبنى إسرائيل إلا ليكون مقدمة لإبراز محمد كافة للناس، بعين ما قام به عيسى لبنى إسرائيل، لقائم محمد كافة للناس.

ولكنكم عقرتم محمدا ورسالته، ومزقتم كتابه وسنته، باسم محمد، واسم كتابه، ختامَ النبيين… نعم ختامَ النبيين، لأنه خَاتم النبيين لأمته، جُعلوا به جميعا نبيين، بدين القيمة… بدين المرسلين، فيهم بُعث الأنبياء من بعده من آدم وقبل آدم، أمة هي الحق… أمة وسطـا… وحقا وسطا، بين يدي رحمته، لا بدء له، ولا انقضاء لفعله… لا بدء للإنسان بحقه، ولا انقضاء للإنسان، بجديده لخلقه.

على أي صورة قامت عقائدكم؟ وبأي كلام تتحدث مكاتبكم؟ وأي بيان تقدم صحفكم وجرائدكم؟ هراء وهراء، مئات السنين تنقضي لا تتكلمون إلا عن بطونكم وفروجكم وعزة أنفسكم، أين هي حقائقكم؟ أيـن هو فقهكم في الله؟ ما تكون وحدانية الله عندكم؟ لا شيء… تصفونه بما تصفون به طغاتكم ورجالكم، وأنفسكم. ترهبونهم ولا ترهبونه… وتضعونه تحت أقدامكم مرضاة لهم، وإشباعا لشهوات ونزوات أنفسكم.

لا إله إلا الله، لا سيد إلا الله، تقيسونها على قولكم يوما، لا سيد إلا نابليون… لا قائـد إلا ولنجون… لا بطل إلا خالد بن الوليد… لا ملك إلا معاوية ويزيد. هذا هو الله عندكم، بصور الأشياء تشبهونه، وعلى مثال من الخلق تصفونه، لا فيه به بخلقكم، ولا به فيه تواجدتم… ولا له أو معه توحدتم، فلأنفسكم هجرتم أو قتلتم، وإليه رجعتم، وبه بعثتم، وبه فيه منه إليه قمتم، فكنتم أمة محمد… أمة تؤمن بالله لها، قائم قيامها، أعلام وجوده، ووجوه شهوده، وشموس حضرته بموجوده، وعنوان طلعته بجوده، ويد قدرته لمنجوده، وقدم سعيه لمسعوده، وأحواض رحمته لمنشوده.

أين أنتم من معنى أمة محمد، أمر تزعمونه لكم، وتدعونه لقيامكـم… وتتحادثون بينكم بالباطل متواصين، وبوهم الحق متناجين. إذا كان ما تتناجون به حقا، فما يكون الباطل إذن؟!

فإن صدقتم وعرفتم أن ما بينكم من حديث لكم، عن دين زعمتم، إنما هو الباطل، يومئذ قد استيقظتم، وإلى الله رجعتم، وللمعرفة عنه افتقرتم، وله اتقيتم، والخبراء به بينكم سألتم، وبعباده استنجدتم، وإلى أوليائه لجأتم، يومئذ يهديكم… يومئذ يغنيكم… يومئذ يؤويكم… يومئذ ينصركم ويحميكم.

أما إنكم تنكرون على من أغناه وآواه، وبعث بحقه في سائر دناه، وجعله رحمة مهداة، ثم أنتم بعد ذلك تطلبون خيرا من الله؟ لا واللـه… لا خير لكم إذا لم تعرفوا في رسول الله رب قيامكم، وإلـه حياتكم، وحق وجودكم، ونعمة بقائكم، وسبيل خلاصكم، ويد الله ممدودة إليكم، وقدمه ساعية بينكم.

لا والله… لا تؤمنون بالله ما لم تروه… الله… واسم الله… ووجه الله… كيف يكون أتباعه بينكم أعلام الله، ولا يكون هو علم الأعلام؟ كيف هم مؤمنون أسماء الله، ولا يكون هو اسم الأسماء وجماع الأسماء؟ كيف هم وجوه الله، ولا يكون هو وجه الوجوه؟ {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[٣٢]… {واصبر وما صبرك إلا باللـه}[٣٣]… وانتظر وقل لهم {وإني معكم من المنتظرين}[٣٤]… وبشر المؤمنين الذين أحسنوا، فلهم الحسنى وزيادة، فلن أفارقهم بقائمي على أنفسهم بحاضرهم.

فيقول الرسول للمتابعين… أنا حي في قبري… أنا أقوم وأتقلب في الساجدين… أنا نور الله للمهتدين… أنا روح الله للمبعوثين… أنا حق الله للعارفين… أنا اسم الله للذاكرين… أنا الليل الساري في المفتقرين… أنا النهار المشرق للسالكين… أنا الجاه والدنيا والآخرة للمساكين.

ماذا عرفتم عن الله! إنكم تذكرون الله لَيّا بألسنتكم ولا تذكرون! تذكرون اللاهي وتنسون اللاه… أنتم في ملهاه، ولستم في الله ومعناه.

{سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق}[٣٥]، حتى يتبين لهم موجود الحق فيهم ومن حولهم. (وا عجبي من أناس اللَّه يجرون إلى الجنة بالسلاسل)[٣٦] بفعل يقوم في حاضرهم لدنياهم إلى الجنة عرفها لهم، بقطوفها دانية، إذ يزحزحون من نار أبرزها لهم، أغرموا بعذابها.

(لا أرضى وأحد من أمتي في النـار)[٣٧]… {وإنك لعلى خلق عظيم}[٣٨]… امنن أو أمسك… امنن أو امنع بغير حساب، فقد انتهيت من الحساب يوم حاسبت نفسك… افعل ما شئت، مغفور لك ذنبك، بما يقال إنه ذنب… مقبول منك فعلك بما يقال إنه فعل… إن الله معك على ما أنت. كيف كنت، وكيف شئت.

إن إرادة الله في قائم إرادتك… إن مشيئة الله في نافذ مشيئتك، إن قائمك في قائم الله، أنت قائم في الله بالله، والله بك قائم عند كل من يقوم فيه، بنوره معك… تمشي به في الناس، وتهدي به من تشاء، قل في أنفسهم، لا إله إلا الله، لا شريك له منك، ولا شريك له من مؤمن معك، ولا غيبة له عنك، ولا غيبة له بك عن كل من كنت معه مادام معك {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[٣٩].

لا إله إلا الله محمد رسول الله

اللهم اكشف الغمة عنا، وعن قلوبنا، وعن عقولنا، وعن نفوسنا، وعن أشباحنا، وعن أمرنا.

اللهم اكشف الغمة عن الأرض جميعا… اللهم اكشف الغمة عن هذا البلد، وعن بلاد المسلمين، وعن بلاد عبادك وخلقك أجمعين، بمن جعلته رحمة للعالمين، وزويت له الأرض قدوة كافة لبشريتها، موعود رضائك عن كل نفس أنت عليها قائم ومن ورائها محيط.

وولِ اللهم به أمورنا خيارنا، ولا تولِ به أمورنا شرارنا اختبارا لنا وفتنة بنا، جزاء غفلتنا وشكنا وسوء ظننا.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة طه - ١-٢ ↩︎

  2. سورة طه - ٣ ↩︎

  3. سورة الإسراء - ٩٥ ↩︎

  4. سورة الأنعام - ٩ ↩︎

  5. مقولة للإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام): إن الله أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرن شيئا من طاعته، فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم. وأخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغرن شيئا من معصيته، فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم. وأخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرن شيئا من دعائه، فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم. وأخفى وليه في عباده، فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله، فربما يكون وليه وأنت لا تعلم… بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎

  6. سورة الأنعام - ١٥٨ ↩︎

  7. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  8. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  9. سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎

  10. سورة الحجرات - ٧ ↩︎

  11. سورة الأنعام - ١٢٢ ↩︎

  12. سورة فصلت - ٥٣ ↩︎

  13. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  14. سورة النساء - ٦٥ ↩︎

  15. إشارة إلى الحديث الشريف: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ، وَاللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ.” صحيح البخاري. "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. "متفق عليه. ↩︎

  16. سورة الشرح - ٧ ↩︎

  17. سورة الأنفال - ١٧ ↩︎

  18. سورة الرحمن - ٤٦ ↩︎

  19. سورة المائدة - ٩٧ ↩︎

  20. سورة الإسراء - ١٤ ↩︎

  21. سورة ق - ١٩ ↩︎

  22. سورة النور - ٣٩ ↩︎

  23. سورة النساء - ٥٦ ↩︎

  24. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  25. سورة فصلت - ٥٣ ↩︎

  26. حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎

  27. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  28. سورة مريم - ٩٣ ↩︎

  29. سورة الرعد -١٥ ↩︎

  30. سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎

  31. سورة الأنعام - ١٢٢ ↩︎

  32. سورة النساء - ٦٥ ↩︎

  33. سورة النحل - ١٢٧ ↩︎

  34. سورة الأعراف - ٧١ ↩︎

  35. سورة فصلت - ٥٣ ↩︎

  36. حديث شريف: “عجِب اللَّه من قوم يدخلون الجنة في السلاسل.” صحيح البخاري. كما جاء بلفظ “عجبتُ لأقوامٍ يُقادونَ إلى الجنةِ في السلاسلِ وهم كارهونَ.” أخرجه ابن الأعرابي في معجمه، وأبو نعيم في حلية الأولياء. ↩︎

  37. من حديث شريف جاء في تفسير القرطبي أنه حين نزلت الآية {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال النبي صلى الله عليه وسلم “إذا والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار.” وجاء في صحيح مسلم في حديث طويل منه: “اللهم أمتي أمتي وبكى. فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأل فأخبره. فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك.” ↩︎

  38. سورة القلم - ٤ ↩︎

  39. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎