(١٣)

ليس الدين في الثناء على من ترضى
ولكنه في أن تكسب لنفسك من رضيت
حتى أنك عن الله ترضى
فياضا بما عندك بصبغتك طالبا للمزيد بفطرتك

حديث الجمعة

١٦ رجب ١٣٨٧ هـ - ٢٠ أكتوبر ١٩٦٧ م

اللهم إنا منا نستغفر، وإليك بنا نجأر، وبمعيتك نستنصر، وبالأكبر والأكبر، حتى ترضى، وتغفر، وحتى تقبل فتُقدِر، يوم تُحيي لتُذكر، فلنفسك تذكر، لا شريك لك، ولا غير معك.

عباد الله… إنه الله… قائما على نفوسكم… قائما على كل نفس. هو في قائمها بما كسبت… كيفما تكونوا فهو كائنكم، وكيفما تريدوا هو رائدكم.

لا ترددوا لا إله إلا الله، ولا وعي بها… ولا تذكروا محمدا رسول الله، ولا قيام به.

إن الحديث عن مرضيٍ[١] بما تَرضى النفس له، لا يكسب عطاءَه، ولا يُوفي جزاءه، ولا يضمن رضاءه، ولا يعنون ولاءه. إن الرضاء عـن مرضيٍ عنه يقتضي اقتداءه، ومتابعته، وولاءه، ويستلزم لقاءه، حتى تستقبل النفس جزاءه، وحتى تعلن الروح ولاءه، ويقوم العقل فداءه.

إن الدين ليس في أن تثني على من ترضى، ولكن الدين في أن تكسب لنفسك من رضيت، حتى أنك أنت عن الله ترضى… ليس الديـن أن نعرف ماذا أعطى الله محمدا، وماذا أعطى الله عيسى، وماذا أعطى الله موسى، وماذا أعطى الله آدم، ولكن الدين أن نأخذ من الله ما أعطى محمدا، وما أعطى موسى، وما أعطى عيسى، وما أعطى آدم.

الدين لله، والخلق لله، والناس جميعا خلق الله، هو لهم على سواء، الصغير منهم والكبير، الغني منهم والفقير، العاجز منهم والقدير، القريب منهم والبعيد، خلقهم جميعا لنفسه، وقام على كل نفس بما كسبت.

شتتهم من فردهم، وجمعهم في فرد من شتاتهم. أولئك يحشرون مع النبيين، والشهداء، والصديقين، وحسن أولئك رفيقا. إنهم رفاق… إنهم أخوة… إنهم أخلاء… إنهم أحباب… متابعين كانوا، أو كانوا أنبياء، حسن أولئك رفيقا.

رفاق في جمعهم، لمفرداتهم… ورفاق في جماعاتهم لمجتمعهم… ورفاق في طبقتهم لطبقات تعلوهم، ولطبقات يعلونها… إنها الفطرة… إنها فطرة الله… إنها الصبغة… إنها صبغة الله… إنها الوجود… إنه وجود الله… إنها الحياة… إن الله هو الحياة، وإن الحياة هي الله.

أخرجت الفطرة، أو أخرج الوجود، أو أخرجت الحياة، لمفردات الناس على هذه الأرض، ولمفرداتهم على كل أرض، ولأفرادهم في كل طبقة، ولكائناتهم في كل سماء، أخرجت للأفراد فردا أسمته المثال، وجعلته قدوة بكائنه لشهودهم، وبمعناه لوجودهم، وبحقه لحقيقتهم.

أسميناهم يوما الحكماء، وأسميناهم يوما الأنبياء، وأسميناهم يوما الأولياء، أو عباد الرحمن، وكلهم لله في ولاء، وعن الله في إنباء، وبالله في حكمة وعطاء. ظهروا بابتلاء أسوة للمبتلين… وظهروا بالنعماء حافزا للمفتقرين… وظهروا بالغناء كنوزا لرب العالمين.

أولئك النبيون فضلنا بعضهم على بعض، منهم من كلم الله، ومنهم من جعل الله له نورا يمشى به في الناس، ومنهم من كان فجرا ينقضي به ليل، ويبدأ به نهار، وتشرق به شمس، وتغرب به شمس، لتبدأ سكينة من ليل لمن أحرقتهم الشمس، ومنهم من كان قمرا، فيضيء لهم في ليلهم، بنوره الهادئ، قمرا متدرجا إلى كمال وصعود لتمام بدره، ومتناقصا لغيبة واختفاء، لظهور ليله لسكينتهم.

كشفا عن أمر الحج، وأهل الحجيج، كيف هم، بين وصلة واحتجاب، يتصلون على قدر ما يحتجبون، وينقطعون على قدر ما يظهرون، ليكون بيانا لمعايير الناس، بظاهر وباطن، كلما كتموا أسرارهم، وأخفوا عن الناس أخبارهم، وظهروا بين الناس على مثالهم، وحرصوا على الأعلى لقلوبهم، في مواجهة لأمورهم، اختفوا على الناس في ليلهم، لعين لياليهم، واستأثروا فيهم لهم بنهارهم… (شمسكـم تغرب وشموس قلوبنا لا تغرب)[٢]، إشفاقا عليهم، واستجلابا لهم، ومنعا لإثارة أحقادهم.

إنهم يبدون للناس الحكمة والمعرفة، في تُؤدة، وفي هوينى، وفي خطو وئيد، {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا}[٣]. إنهم بنفوسهم ليلة القدر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمـر، أظهرهم على الدين كله، أعلمهم بالأمر كله، جابههم بالحق كله، قامهم بالحق كله، في ستر عن الناس، عبادا للرحمن يظهرون، وهم أقدامه على الأرض هونا يمشون، وهم وجوه الرحمن للناس لو يعلمون، وهم أيدي الإحسان لو إليهم يفتقر المفتقرون… هم أقدام سعي الله، لو كان الناس لله يستقبلون.

{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداع إذا دعان}[٤] فلِمَ هم معهم لا يسترشدون فيرشدون وفي الرشاد يتصاعدون، وكلما ظهرت لهم يستقبلون، وكلما دانيت يرحبون، وكلما سعيت يكرمون؟ ولكنهم يجابهونني منكرين، ويلاقونني قالين، ويعاملونني كنودين، {أولم يروا أنّا نأتي الأرض…}[٥]… (من آذاني وليا فليأذن من الله بحرب)[٦].

يظهرون الاستماع لي وهم الصم… ويرددون القول عني وهم البكم… ويدعون محبتي وهم الكارهون، {ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام}[٧]… {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}[٨]… {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا}[٩]، إن النار تطهركم من خبثهم، خلق الإنسان من صلصال كالفخار.

إن الإنسان ينشأ في الظلام من الظلام عند رب الظلام بحقيقته من النور، في النور، عند رب النور، فإذا هو لرب الظلام في ولاء، ولرب النور في معاناة وعداء، وهو ما والى يوم والى الظلام، إلا ولاءً لنفسـه من ظلامها مظلمة، وما عادى يوم عادى النور، إلا كفرا بنفسـه ومعناه من النور. إن الذي وراء النور والظلام غنى عن العالمين.

إنه للنور والظلام، يوم لا يستكبر النور على الظلام، ويوم لا يجهل الظلام النور، للمعرفة في القيام. إن المهتدين في الظلام، يهدون إلى الله حتى أهل النور. وإن المفتونين في النور، يفتنون عن الله حتى أهل الظلام.

إن رسالة الفتنة دائمة في قيام لدائم الابتلاء والامتحان، دوام رسالة الهداية، في القيام للسلام والأمان… إن الله من وراء الرسالتين… إن الله في قائم الأمرين… إن الإنسان سواء كان في الظلام أو في النور، مرسلا إليه، ثم هو بدوره في أيهما، بما كسب الرسول به.

إن الإنسان بفطرته في افتقار إلى رسول… وإن الإنسان بصبغته، فياض بما عنده من المعرفة… وإن من الناس من يجمع شغفه إلى المعرفة، إلى جانب فطرته من بذل ما كسب منها، رغبة في مزيد.

إن الإنسان الذي مثّل هذا المعنى للناس، وكان كافة لهم به كان رسول الله ظهر برسالته بكل رسول، وتوجها بآدم الرسول من عرفناه عبد الله ومحمده، لم يكف عن طلب المعرفة، حتى في اللحظات التي أتحدث فيها إليكم به عنه، إنه ما زال يطلب المعرفة، ولم يكف عن بذل ما عرف، وبه شرف، كلما كان على يقين، حتى من قبل أن تشهدوه في صورته محمدا، فقد كان إنسان الرسالة دائما، وهو إنسانها أبدا، على ما كان إنسانها أزلا، وإنه لعديد ما به للعوالم تسمى، لأمم بها منها ظهر، بلغاتها، وأحوالها، في حدود فاقتها وحاجتها واستعدادها، بموصوف رسول الله وعبد الله له لا يتجاوز… إنه الرسالة… إنه الطريق… إنه الإنسان… إنه الحق.

لقد كان محمد رسول الله نبيئا ورسولا، بوعيه وما وعى، ولم يكن نبيئا ورسولا، بزاوية خاصة، من دائرة زواياه، حتى لا زاوية، ومن زوايا دائرته حتى لا دائرة، ومن مركز معناه، في إحاطته حتى إلى لا مركز، ومن دائرة انطلاقه، بأمره، حتى إلى لا نهاية، في قيام دائم ببداية، هو دائما على خطو الضعيف في رسالته، وفي مساندته، وفي مظاهرته، وفي إمامته، وفي قدوته، وفي أسوته.

ظهر الأنبياء من قبله، وظهر الأنبياء بصحبته من بعده، بزوايا قائمه، وصفات خصائصه في مصالحة ومخاصمة كل بزاوية بمعناه، في معناه، فكان كل نبي بما قامه، قد قامه بما عن نفسه عَلِمه. بذلك كان موسى عبدا يطلب ربا، ومثالا للعبد والعبودية، فكان نبيا بعبوديِتِه، آمن بربه غيبا لم يشهده، ووجودا لم يتعدده، وقياما لم ينقضه، كَلّمَه فسمع، ووجَّهَه فتوجه، وعندما لقيه جهله ولم يدركه، وهو الذي يطلبه لينظر إليه فأشار بملاقيه إلى نفسه، على ما هو عنده، فهما في الهو غيبا عليه على ما قدره، وقد ظهر له بعين معناه على ما وعده، (خلقتك لنفسي ولتصنع على عيني)[١٠]، أخا له وإنسانا على مثاله في ذاته ومعناه، فقال له مجاريا {ما فعلته عن أمري}[١١]… {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا}[١٢]… {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا}[١٣]… {إنك لن تستطيع معي صبرا}[١٤]… فكان نبيا بعبوديته للكافة يكسبونها ويقومونها.

وقام عيسى في الناس بربوبيته، عرف الأعلى لأبوته وربوبيته، ووضع الناس تحت مظلته، وأدخلهم فيه في يوم دينونته، طريقا وحقا. (لا دينونة الآن على من دخل قلب يسوع)[١٥]… ظهر ربا، وتسمى لعلـو شرفه في الله عبدا، {إني عبد الله، آتاني الكتاب وجعلني نبيا}[١٦]… {إني متوفيك ورافعك إليّ}[١٧]، فمع قائمه لمعاني الرب، لم ينكر على قيامه وقائم أبيه وربه معنى العبد، عبدا لأعلى، هو ربه وإنسانه الأعلى وعلام الغيوب، فكان نبيا بربوبيته، {ولما ضرب ابن مريم مثلا، إذا قومك منه يصدون، وقالوا أآلهتنا خير أم هو}[١٨].

وقام آدم، بين الشهادة والغيب، خلقه الناموس وأوجده وتواجده، ثمرة الفطرة، وصفوتها، ليدي القدرة بها، لها فيها، بقيامها وجودا حيا لمعنى الوجود في الوجود، ثم نفخ فيه من عالم أعلـى، من عوالم الروح، من عوالم الحق، فتساوى فيه الخلق والحق بتساوي القديم والجديد، بتساوي الأدنى والأعلى في العلي المنفـرد، {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي}[١٩]… {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي}[٢٠]، فالساجد والمسجود له من صنع الله، أما حضرة الحق لله، فلا ساجد ولا مسجود له بها، فهي الوحدانية في كمالها للأحد في وجوده وجوده، لا خلق ولا خالق. (كان الله ولا شـيء معه، وهو على ما عليه كان)[٢١]، فكان آدم نبيا من الروح، بما علم، إلى نفسه من الذات، لتعلم عنها، فكان نبي الغيب، إلى الشهادة، في قائم بينهما، بقيام بهما، روحا وذاتا.

إن كلا منكم، لا يختلف في أمره، لا عن أمر آدم، ولا عن أمر موسى، ولا عن أمر عيسى، يوم يتابع في الأمر محمدا لأمره، كافة للناس، نبي بوعيه، نبي بمعرفته. يتكلم عن العباد لأن فيه زاوية العبد، ويتكلم عن الرب والأرباب لأن فيه مسحة الرب، ويتكلم عن الآلهة والإله لأن به قائم الحق، ويتكلم عن الناس لأن فيه اجتمع الناس.

ويتكلم عن الفرد لأنه من صفاته أن يكون للناس فردا، ويتكلم عن الجمع لأن من خلقه أن ينتشر وأن يتشتت من فرده أمة، وأن يقوم من أمته بشرية، وأن ينتقل ببشريته طبقا فوق طبق، وأن ينزل بها أرضا بعد أرض، أقيم سبعا من المثاني من السماوات والأرضين لقائم عالم وجوده، فكان الناموس العظيم، والقرآن العظيم، وناموس الفطرة القويم، والإمام المبين.

أظهره الأعلى لقائم الناموس على الدين كله، فكان منه، ويصدر عنه الدين كله. جعله للمؤمنين وحيا يوحى ليكونوه على ما كان، فما كان له إليه من وحي، إلا ما أوحى بحقه من نفسه إلى نفسه، إلا ما صدر من روحه إلى حسه، إلا ما جاء من إحاطته إلى مركزه، لتقييد ذاته… إلا ما جاء من الأعلى لمعانيه بالأعلى من قديمه أعلى، لقائم ذكـر بذكر في كفاية الإنسان بنفسه لنفسه في عَلِيّ إنسانه، آدم وجود، في أحسن تقويم، للناس يعرف ويعلم، عَلما على أعلى وأعلى، ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات. (إذا رضي الله عن امرئ، جعل له من نفسه واعظا يأمره وينهاه)[٢٢]… {خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}[٢٣]، يتكون من فعله، إنه عمله {وأن ليس للإنسان إلا ما سعـى}[٢٤].

أي موعود ينتظر أهل الوعد؟ أي وجود ينتظر أهل التواجد؟ أي حق ينتظر المفتقرون إلى حق؟ يتنابذون بينهم، أهل كتاب، في قائم حجاب، لا بكتاب مسترشدين، ولا بحق بإمام متواصين، ولا إلى معرفة تمنحها الفطرة مفتقرين، ولا لله قيوم قيامهم طالبين، أو له معيتهم متقين، أو إيمانا به في أنفسهم متعاملين، ولكنهم يتكلمون عن عيسى ولاهوته وناسوته وأناجيله وتراتيله، والحواريين، والمسيحيين، والمغفورين، والمعذبين، ومن هم عن خطاياهم بالحديث عنه منها متخلصين، حديثا له لا يعون وبه على صورة ما لا يعملون.

وهم في هذا عن أمة محمد لا يختلفون، فأمة محمد بجهلها معهم يتلاقون، يقولون إنه ختام النبيين، وخاتما للنبيين في أمته لا يدركون، وللوحي والإيحاء يقطعون، وعليه دائما ينكرون، أوحي بعد رسول الله! لا نبي بعده!

فهل أخلف الله وعده على لسانه ولسان النبيين؟ (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٢٥]… {أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٢٦]… فكيف يكون ختاما للنبيين وهو كوثر النبيين لا يبتر؟ وهو صاحب النور يسرى به في الساجدين، ويوحي به للعارفين، ويمكن به للمفتقرين، ويعز به المستضعفين، ويعلو به بالمتواضعين، ويبطش به بالطغاة المستكبرين، وينزل به عن عروشهم الطاغون؟

هذا هو رسول رب العالمين، فكيف له تصفون؟ أترابا في مقبرة تذكرون؟ ومقبرة من تراب تزورون؟ وهو الحي في قبره، من قلوبكم، هو بها مقبور لو تعرفون، هي له ليكون لكم دور، يوم تستيقظون، هي له في نومكم بغفلتكم قبور، وهو لله حقا، هو لكم يظهر، وقد فقدتموه يوما، يوم النشور، يوم يخرج معكم ومعيتكم من الأجداث، حقيقة وحق الجميع، النائم والطائف والقائم والمتحدث والسميع.

هو في الناس للناس، الناس في العابدين، ومن قبلهم في الغافلين… {واعلموا أن فيكم رسول الله}[٢٧]. إنه روح ضمائركم… إنه نور سرائركم… إنه انطلاق عقولكم… إنه حياة قلوبكم… إنه أطوار قوالبكم… إنه لبابكم وجلودكم… إنه قلوبكم وقشوركم… إنه لكم الظاهر والباطن فيكم، قدوة للعالمين، رحمة مهداة للطالبين، وجزاء مرضيا مجزيا للساعين، للمجاهدين، للناجين، لنجاتهم في قائم يومهم مدركين… إنه حجة الله على الكافرين، على النافرين، على المباعدين.

إذا لم تنجُ في كرتك على شهود، فلن تنجو في كرة أخرى على حق بوجود. إذا لم تزحزح عن النار في قائمك، برزت للغاوين… وإذا لم تدخل الجنة بقيامك، أزلفت قطوفها دانية للمتقين، فلا جنة بعد اليوم، ولا خلاص بعد القوم.

ولكن هناك كرة وكرات، لتحاول مرة أخرى ومرات، لما خسرت مما فات، {والسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع}[٢٨]… {أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل}[٢٩]… {أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من سبيل}[٣٠]… {وضرب لنا مثلا، ونسى خلقه، قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم}[٣١]… {كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا إنا كنا فاعلين}[٣٢]… {كلما نضجت جلودهم، بدلناهم جلودا غيرها}[٣٣]… {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون}[٣٤]… {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}[٣٥]، لو تعلمون.

هل هذا عسير على الفهم؟ أم أن نقيضه يقدم ممن يزعمون أنهم يفقهون؟ فلكلام الله عن مواضعه يحرفون، ويهرفون بما لا يعرفون، وعلى كل عليم ينكرون، ولكل صادق يكذبون، ولكل من كان على مثالهم في الكذب والبهتان يتابعون، وحديثه يرددون، وبحديث تافه مئات السنين يتفيقهون.

مئات السنين بعد الأمين ونحن الكنودون، وما كان الله على تقارب بإنسانية رشاده، من إنسانية خلقه بعباده بضنين. وما كان في أمـر وجوده بالوجود، على الموجود مستغلقا عند المفتقرين، أو ممسكا عن إبراز الهادين.

كم أظهر من العارفين… وكم أبرز من الحكماء العالمين… وكم دب على الأرض ظلال لمحمد وللنبيين، وجها دائما وقدما ساعيا مقاربا لرب العالمين، في سرمد يؤذن للصلاة قائمة ويبين، ويستقبل عن الأعلى من نوره ما به يفصح ويدين، وما به يعمل، وما به يقارب، وما به يدرك، وما به يقيم ويعين، الخير فيه وفي أمته إلى يوم الدين.

إلى يوم للدين… إلى يوم يتجدد به الدين، فصلا في أمره، وجديد بدء في رسالته والنبيين، ودورة قيام لقيامته حقا يشهدون، وإنه الدورة الخالدة لآدم، أول العابدين لو يعبدون فيعلمون.

إنه الحياة في دوراتها لو يستيقظون… إنه سفن النجاة في رحلاتها لـو يركبون… إنه الطريق في طرقاتها بأبوابها لو يسلكون… إنه الرسالة بآياتها لو يدركون فيعقلون… إنه المعرفة بكلماتها لو يجاهدون فيحصلون… إنه الحقائق بطلعتها لو أنهم لأغطيتهـم يزيحون فيبصرون… إنه الحقيقة في وحدتها يوم هم بالحـق يبعثون… إنه الإنسانية في اجتماعها وشتاتها يوم يقضي الله فيحشرون… إنه الجنة لداخليها… إنه النار لمتحرريها… إنه الغضبـة لله عند خائفيها… إنه العدل للنفوس بمنصفيها… إنه النور للعقول بانطلاقاتها منها إليها فيها… إنه الحياة للأرواح في رحلاتها… إنه الإنسان في تعاليه… إنه الإنسان في تدانيه… إنه الإنسان في باقيه… إنه الإنسان في فانيه.

هذا هو رسول الله، عند من يدريه، وعند من يحبه فيرتضيه، من أمته، أو من أهل الكتاب بإحاطته قائمين فيه، أو من أهل الفطرة… سواء كانوا في السفور أو في الحجاب قياما به لمعانيه في مبانيه. إنه الأعلى رسولا من الأعلى دائما للعالمين… إنه الأدنى من الأدنى دائما إماما في المدانيين… إنه الخلق العظيم عند المتخلقين تخلقا بخلقه، قائم الخلق العظيم، للرب العظيم، من رب العالمين.

هذا هو الدين يوم يكون لنا دين… وهذا هو اليقين يوم يكون لنا يقين. فلا تكونوا للقول طربين، وعن العمل به غافلين… إنما هي لفتة للناظرين… إنما هي دفعة للمجاهدين… إنما هي نافذة تستشرق إليها نفوس المسلمين… إنه الموعود لكل موعود ممن وعد الجميع برحمته ولقائـه، يوم قال (رحمتي غلبت عذابي)[٣٦]… {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم}[٣٧]… {لو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة}[٣٨]… {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[٣٩].

إن يوم كل نفس، في كل نفس، يوم تطلب حقها، وتنتظر وعدها. إن الرسول هو اسم الله، لكل من تسمى باسم الله… إنه وجه الله، لكل من تجلى بوجه الله… إنه يد الله، لكل من قدم يده إلى الله باسم الله… إنه قدم الله، لكل من سعى إلى الله في الناس بقدم الله… إنه عيـن الله، لكل من أبصر بعين الله، فرأى في الناس وجه الله… إنه أُذن الله، لكل من سمع بأُذن الله لحديث الله فأسمع به وأبصر، {ومن الليل فتهجد به نافلة لك، عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}[٤٠]… {فصل لربك وانحر}[٤١].

عفا الله عنك، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. أمسك أو امنن بغير حساب، فأنت الساري فيهم نياما وقياما، خطأك صواب يوم تفعل، واصطفاؤك مغفرة يوم تقبل، {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول…}[٤٢]، وقد استغفروا الله عند نصبه، وحول بيتـه، لبدل الله سيئاتهم حسنات، ولوجدوا الله غفورا رحيما… لوجدوا الله توابا غفورا… لوجدوا الله توابا رحيما، {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}[٤٣].

اللهم إنا نستغفرك من وجودنا، إلى قائم وجودك، لا شريك لك، بشعارك بيننا وبشعارنا إليك، بلا إله إلا الله.

متوسلين إليك بمن جعلته الوسيلة منك، وإليك، بشهادتنا لنا، في قائمه بنا، قياما فيه عندنا فينا بيننا، محمدا رسول الله.

اللهم إنا معه بك آمنا، وبأنفسنا كفرنا، ولما بها غيرنا، يوم ارتضيناه لنا، قيام أنفسنا مبايعيه عليها، مبايعة معك، بأيدينا لك، مع يده إلينا منك، لا شريك لك منا، ولا شريك لك منه، ولكنك لنا وله، يوم أنّا جميعا لك، في لا إله إلا الله.

اللهم علمناها… اللهم أدخلناها… اللهم أدخلها فينا وأقمها بنا، وأقمنا لها، حتى نكون لك عبادا هي حقائقك… عبادا هي أسماؤك… عبادا هي وجوهك… عبادا هي للناس وجوه ربوبيتك، ويد ألوهيتك، ونور حضرتك، وقيام طلعتك، وانتشار رحمتك، وامتداد أقلام قدرتك، لدوام رسالتك، للتعريف بقائم حضرتك.

يا وجود الوجود… يا من أنت ولا وجود… يا من وجودك لا غير له، يوم ندرك بالوجود عين وجودك، لقائم موجودك، في أنفسنا بجودك.

يا سيدا ولا سيد… يا ربا ولا رب… يا عبدا ولا عبد… يا وجودا ولا وجود… يا خلقا ولا خلق… يا حقا ولا حق.

يا من لا إحاطة بك… يا من لا شريك لك… يا من لا وجود لغيرك، يا من لا جحود لفضلك.

يا من يتفضل على الجاحدين… يا من يمهل ويحفظ حتى يرجع ويقبل الكافرين… يا من يغفر للمسيئين… يا من يبقى على المتهالكين… يا من يمسك السماوات والأراضين أن تزولا مع الزائلين.

يا من أسميناك الله، وهو اسمنا لإنساننا أسماء لك… يا من دعوناك الحياة، وهي حياتنا علما عليك… يا من عرفناه الوجود، وهو وجودنا لتعريف موجودك.

يا من أنكرناك يوم أنكرنا على أنفسنا… يا من جحدناك يوم جحدنا معانينا، خذ إلى الخير بنواصينا بمن جعلته الرحمة والخير، واكشف عن الأرض هذه الغمة، وهذا البلاء، واكشف عن هذا البلد الغمة، وهذا الجزاء، وعن بلاد المسلمين، وعن بلاد خلقك وعبادك أجمعين.

اللهم كن لنا في يومنا، يوما للدين، واكشف عنا أغطيتنا حتى نكون من أهل اليقين واختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين.

اللهم لا تجعل كرتنا خاسرة، واجعل اللهم من دنيانا آخرة، واجعل الله بفضلك من أخريات دنيانا دنا، وحررنا في الوجود بأعلامنا سبحا.

وولِ اللهم من فضلك بنا، وارفع غضبتك عنا، وولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا رحمة بنا، وإقالة لنا من عدلك، وحفظا لنا من غضبك.

لا إله إلا أنت سبحانك إنّا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. تم تشكيل بعض الكلمات وفقا للنسخة الأصلية المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎

  2. ربما استلهاما من بيت الشعر، للقشيري في "تفسير لطائف الإشارات: إن شمس النهار تغرب بالليل وشمس القلوب ليست تغيب. ↩︎

  3. سورة المزمل - ٦ ↩︎

  4. سورة البقرة - ١٨٦ ↩︎

  5. سورة الرعد - ٤١. ↩︎

  6. من حديث قدسي: “إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شَيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ.” صحيح البخاري. ↩︎

  7. سورة البقرة - ٢٠٤ ↩︎

  8. سورة يوسف - ١٠٦ ↩︎

  9. سورة مريم - ٧١ ↩︎

  10. عبارة من جزئين: “خلقتك لنفسي” جزء من حديث قدسي جاء في بعض الآثار منه “ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكلفت برزقك فلا تتعب…” ذكره المناوي في فيض القدير قائلا إنه لم يعثر على عزوه للنبي صلى الله عليه وسلم فلعله مما روي عن أهل الكتاب. والجزء الثاني {ولتصنع على عيني} من سورة طه – ٣٩. ↩︎

  11. سورة الكهف - ٨٢ ↩︎

  12. سورة الكهف - ٧٨ ↩︎

  13. سورة الكهف - ٦٨ ↩︎

  14. سورة الكهف - ٦٧ ↩︎

  15. “إِذًا لَا شَيْءَ مِنَ ٱلدَّيْنُونَةِ ٱلْآنَ عَلَى ٱلَّذِينَ هُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلسَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ ٱلرُّوحِ. لِأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَٱلْمَوْتِ”. رُومِيَةَ ٨:‏١-‏٢ ↩︎

  16. سورة مريم - ٣٠ ↩︎

  17. سورة آل عمران - ٥٥ ↩︎

  18. سورة الزخرف - ٥٧ و٥٨ ↩︎

  19. سورة ص - ٧٢ ↩︎

  20. سورة ص - ٧٥ ↩︎

  21. حديث شريف: “كان اللهُ ولا شيءَ معه، وهو الآن على ما عليهِ كانَ”. المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى. كما أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق بلفظ: “كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض.” ↩︎

  22. حديث شريف: “إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظًا من نفسه يأمره وينهاه.” أخرجه الديلمي، وجاء في الجامع الصغير للسيوطي. ↩︎

  23. سورة آل عمران - ٥٩ ↩︎

  24. سورة النجم - ٣٩ ↩︎

  25. تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎

  26. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  27. سورة الحجرات - ٧ ↩︎

  28. سورة الطارق - ١٢ ↩︎

  29. سورة فاطر - ٣٧ ↩︎

  30. سورة غافر - ١١ ↩︎

  31. سورة يس - ٧٨-٧٩ ↩︎

  32. سورة الأنبياء - ١٠٤ ↩︎

  33. سورة النساء - ٥٦ ↩︎

  34. سورة المؤمنون - ١١٥ ↩︎

  35. سورة الحجر- ٨٥ ↩︎

  36. حديث شريف ذات صلة: “لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبِي”. صحيح البخاري ↩︎

  37. سورة النساء - ١٤٧ ↩︎

  38. سورة النحل - ٦١ ↩︎

  39. سورة يوسف – ٨٧ ↩︎

  40. سورة الإسراء - ٧٩ ↩︎

  41. سورة الكوثر - ٢ ↩︎

  42. سورة النساء - ٦٤ ↩︎

  43. سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎