(١٢)

الله لنا
به تواجدنا وجودنا وأوجدنا عوالمنا
عرفنانا فعرفناه وتواجدنانا فتواجدناه
فبالوحدانية عرفناه وبالأحدية ذكرناه
ويوم رفعنا علم لا إله إلا الله برسول الله وجوها لله بالقيام ظهرناه

حديث الجمعة

٩ رجب ١٣٨٧ هـ - ١٣ أكتوبر ١٩٦٧ م

آمنت بالله لا شريك له… وآمنت برسول الله لا غيبة ولا انقطاع له… وآمنت بالإنسان، خَلقه وحَقه، رسوله ومرسله، وقائم المرسل إليه، قائم الله وظاهره، لباطن الله وباطنه، ما عرفنا فيه علما عليه إلا الإنسان، في دنانا، وأخرياتها لأخرانا، في عوالمنا، وفي معالمنا. لا شريك له منا، ولا شريك له علينا، ولا شريك له بنا.

جاءنا عبده ورسوله، وحقه ووجهه، بعلمه عنا معلما، معلما لنـا، آخذنا بنواصينا إلينا، جامعا لنا علينا، اجتماعا على من توحدنا ووحدنا، ولنفسه أوجدنا، بلا إله إلا الله، شعار رسالته إلينا، وشعار قيامته بنا، وشعار خليقته لقيامنا، وشعار حقيقته لمعانينا… بها كنا المسلمين، وبها كنا المؤمنين، وبها كنا العارفين، وبها كنا الأنبياء المعلمين، وعباد الرحمن القائمين.

نثير بيننا الحديث في الله، عن الكون والكينونة مجادلين، وعن ظلال الرسالة بالرسل مصدقين ومكذبين، بحديثنا متنابذين، فلا نحن عن الحق باحثين، ولا للحقيقة لأنفسنا طالبين، ولا للرسالة لرسلها موحدين، ولا بالمرسل واحدا أحدا مؤمنين، ففي حصن لا إله إلا الله داخلين، ولأنفسنا بحالها لقائمها بنا بعيدا عن الحق كاشفين، فأنفسنا طلبا للحق مخاصمين مباعدين، يوم نكون من المسلمين للكتاب قارئين، وللنبي متابعين، ولمادي مبانينا متفهين، ولجوهر معانينا مقومين…

فبالطريق معنيين، وبالجهاد الأكبر مجاهدين لأنفسنا محيين، ولعقولنا محررين، وبأرواحنا منطلقين، وعن الجهاد الأصغر غير غافلين، فدون أنفسنا وأموالنا وديارنا محاربين، لذواتنا بموقوتها باذلين، قاتلين ومقتولين، للشهادة طالبين، وإلى مرضاة الله ساعين، وفي تعاليمه قائمين، وبكتابه عاملين، وطريق الحياة سالكين، وعن وجوهه بها بيننا باحثين.

فإذا تلاقينا معها إليها ساعين، كنا من المتحابين المحبين المحبوبين، قلوبنا متآلفين، ونفوسا متجمعين، لضمائرنا مجيبين، ولعقولنا محررين، ولقلوبنا محيين، ولذواتنا مجددين، ولكوثرنا مبقين ومضاعفين.

نحن في قيام لا مبتورين، ولكن في دائم مبعوثين، وبحق متطورين، وبأئمتنا متجددين، أمما في مفرداتنا، لأممنا متكاثرين عارفين متلاقين بالحق متواصين.

وعما غفل عنه السابقون، نحن له مستيقظون، ولما فاتهم من الدين نحن له طالبون، وبزلاتهم فيما زلوا متعظين، بنور الله لنا متحررين، وبهداية الله لنا عن أنفسنا من الخطائين متحدثين، مستقبليـن لاقتدائنا ومحبتنا للتوابين، من الخطأ أنفسنا غير مبرئين، فإذا كشفنا لنا الأخطاء، فلسنا من اليائسين، ولكنا من المستغفرين، في الليل وفي النهار نحن لربنا ذاكرين، له في أنفسنا مراقبين، ومعه متعاملين، لله في دوام قانتين.

هذا هو الدين، يوم يكون لنا دين، ويوم يكون لنا بالدين وجاء من الطاغين، وسور نحن خلفه متحصنين، لحق الله في أنفسنا ناصرين، وبالحق قيوم قيامنا مستنصرين، فإن صدقنا فنحن المنصورون بدفع الطاغين، ونحن الغالبون بنشر اليقين، في أنفسنا وفي الآخرين.

إن يوما للدين بدأ من قرون، ويوشك أن يظهر ويبرز بساعة لقائم الفصل للمجاهدين، لتمييز المنكرين وكشف المصدقين، قضية الرسول، ورسالة المرسلين… قضية عادلة بكل دين، ورسالة قائمة في كل وقت وحين، فبمَ تحكمون؟ وكيف للرسالة استجبتم أو تستجيبون، ولها رفضتم أو تقبلون؟ كفي بأنفسكم لكم أو عليكم حكما، كما سوف تشهدون وتحكمون.

إن لله في أيام دهركم لنفحات فتعرضوا لها أيها المؤمنون… إن لمحـة من اللمحات، ووقتا من الأوقات، وحينا من الأحيان، يصدق فيه بقلبه الإنسان، يتلاقى في نفسه مع الرحمن، في مقام الإحسان بكتاب العرفان، فلمَ لا تحاولون؟

نحن في لحظات حاسمة، بالأيام القادمة… إن صدقتم مع الله في قلوبكم، ونصرتم الله في أنفسكم، على أنفسكم… أعدى أعدائكم بين جوانحكم، كان الله وهو معكم، في نصرتكم، وفي نجدتكم، أفرادا أو جماعات.

إن الدين وِجاء المؤمنين بالدين… إن دين الإسلام جوهر كل دين، وعماد كل يقين، يقوم بحصن لا إله إلا الله، بلا تفرقة بين الداخلين، من كل أمة ومن كل دين. ما دخلها فريق من المؤمنين، فكانوا بوحدة قلوبهم علما للدين، ومركزا لدورة اليقين، إلا كانوا رحمة للعالمين.

فتجمعوا قلوبا، وتحرروا عقولا، وتراصوا نفوسا، وتصافوا واصطفوا قوالبا، في معركة الكرامة لهم… في معركة الحق لقائمهم… في معركة الدين لأمرهم… في معركة العزة لجمعهم… في معركة رسول الله، إعلاء لكلمة الله به بهم، وكلمة الله فيه فيهم، وكلمة الله منه منهم.

كلمة قديمة قائمة خالدة، لكوثره، خفيا بين الناس عن عيونهم، ظاهرا لقلوبهم، يوم تحيا قلوبهم ظاهرا لعقولهم… يوم تتحرر عقولهم ظاهرا لنفوسهم… يوم تتزكى نفوسهم باجتماعهم على ذكر الله لاسمه لهم وبالتآمهم على أمره لأمرهم، وفي ركونهم لعزته لاعتزازهم، وفي حرصهم على كرامته لوجهه لوجوههم بالله يعزون، وبه يكرمون، وبالحق يظهرون، ورسول الله بينهم، جزاء لهم معه يتلاقون، وله يشهدون، وبه يؤمنون، وفي أمره وشأنه ووصفه وقيامه يدخلون.

إن رسول الله لكم بكم، أمر الله هدية لكم، هو ثمرة اجتماعكم على ذكر الله، وإن رسول الله لقائم قيامكم نواة جمعكم، لله ورسوله، أمـر يتم لكم بمن صدق من بينكم، فتخلق بخلق الله ورسوله لجمعكم، نصبـا لاجتماعكم، لوحدانيتكم في وحدانية الله لأحده، بظلال رسوله لدائم رسالته، في دائم إنسان الله بينكم.

إن الله واجب الوجود لواجب وجودكم، في قائمكم بموجودكم، ما تواجدتم ذاكريه، وتحاببتم طالبيه، وتعشقتم وجهه منكم لرائيه. أينما تولـوا فثم وجه الله لعاشقيه وطالبيه… من طلب الله وجده، ومن وجد الله عشقه، ومن عشق وعرف الله توحده، ومن وحده ما عدده، ومن تخلى عن نفسه به بعثه، فكان لا إله إلا الله وحصنها، وكان على لا إله إلا الله وقيامها، وكان قائم لا إله إلا الله وأهلها.

هكذا يكون الدين به نتواصى وعليه نجتمع، لا متفاضلين بيننا، ولكن على أنفسنا بالفضل منكرين، وبالفضيلة لإخواننا علينا مؤثرين. الله لنا جمعيا ما دمنا له ذاكرين، والرسول بنا جميعا ما دمنا به مؤمنين… مفرداتنا للجمع ملتزمين، ولأنفسهم لصالح الجماعة ملزمين. بشهوات النفس مضحين، وبصالح الجمع لصلاح النفس متمسكين، وبين الأنبياء والهداة والحكماء غير مفرقين.

بهذا قام ويقوم الدين… (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)[١]. فهلا أصلحنا أنفسنا للدين، فأمدنا الله في محنتنا بآلاف من الملائكة مسومين، ونصرنا مستضعفين، وأعزنا باليقين، نحن بالله وبربنا على موجودنا معتزين، وعن معيتهم لنا غير غافلين، بثالوث قيامنا متحدا في أحد الوجود نحن الموحدون.

عباد الله… اتقوا الله، ولا تهملوا في أمر أنفسكم، وفي أمر دينكم، وفي أمر وطنكم، وفي أمر جماعتكم، وفي أمر اجتماعكم، وفي أمر قضيتكم في الحياة، وقضيتكم بين الناس… قضية رسول الله رحمة للعالمين، به نصر الدين، وبه قام اليقين، وبه وبدينه هُزم الطغاة الكافرون، البغاة الظالمون.

إنكم في أيامكم القليلة القادمة ستشهدون، وسترون جند السماء، لقضية الحق ينتصرون، وربما تواجدوا بينكم ظاهرين غير مختفين. وكم ظهروا بينكم للمتقين، وفي دوام يظهرون، فهم القيام الخالدون.

أنتم في يوم للدين، ويوم لليقين، به تدور الدائرة على الطاغين… على الظالمين… على المفترين… على المعتدين… على الآثمين… على المكذبين بالدين… على القالين لرسول الله جماع المرسلين، وخاتـم النبيين للمحدثين المنطبعين، الذي جاء البشرية على مكث ليبين رحمة للعالمين، فأغفل أمره المتنطعون والمتفيقهون، كتابيون وغير كتابيين، وأدعياء متابعته أو من كانوا للتقوى المدعين، أو من صدقوا قليلا ثم كانوا من المفترين.

لقد ضاع بيننا الدين بضيعة من كان إنسان الرحمة للعالمين، وبيت القبلة للمصلين، ونصب الشهود للرائين، وحوض الورود للأحياء المالكين.

ها هي الأيام تدور دورتها… وها هي الأمور تأخذ في الظهور طريقتها… وها هو يوم الفصل الموعود بالموعود يعود، لليوم الخطير المشهود، يوشك أن يحل في سفور بيننا، وإن لم يحتجب عن العارفين لجمعنا، في دائم قيامنا، بدائم قيامهم لنا بنا.

يومئذ، لا ينفع نفس إيمانها، لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا… إنه يوم لا بيع فيه ولا خلال… إنه يوم ترد فيه الأعمال، ويتجدد فيه على الأرض من قديم قائم مثال، لتمام الكمال يرافقه بداية لقابل ينال… إنه دورة الأيام بيوم، للطاغين مآبا، لابثين فيه أحقابا… إنه يوم الفصل، وما هو بالهزل، {إنهم يكيدون كيدا، وأكيد كيدا، فمهل الكافرين أمهلهم رويدا}[٢]… {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم}[٣].

إن الأمر كله لله… وإن الحكم كله لله… وإن القيام كله لله… وإن الإنسان بكله وبعضه لله، بفرده وجمعه، ببدئه وتمامه، بيقظته وغفلته، هو لله… إن الإنسان لله لا شريك فيه لغير الله… إن الإنسان لله، كتاب الله، وعلم الله، وحكمة الله، وكلمات الله.

إن الله لنا، ما آمنا به لنا، فكنا له بعملنا، وصدقنا معه باستقامتنا، وتعشقناه بصفائنا، وطلبناه بمحبتنا… تقاربنا إليه فقاربنا، وكشف الغطاء عنا فأشهدنا، ومن العناء أخرجنا، وبالهناء أوجدنا، وبالوكالة عنا في أمرنا أراحنا، فطورنا به لنا في الله أشباحنا، فتواجدنا وجودنا، وأوجدنا عوالمنا.

به تولينا أمرنا، يوم تولانا بأمره لنا، وبالأعلى علينا، هدية ورحمة لنا، فكان حسبنا ونعم الوكيل، وكنا لنا علينا حسبه ونعم الوكيل… عرفنانا فعرفناه، وتوحدنانا فتوحدناه، وتواجدنانا فتواجدناه، فبالوحدانية عرفناه، وبالأحدية ذكرناه، وبالقيام ظهرناه… فقلنا ورفعنا علـم لا إله إلا الله، وأشهدنا بنا لنا وللناس معنا، محمدا رسول الله، حق الله، ورحمة الله.

اللهم يا من بالوحدانية أوجدتنا، وبالحق تواجدتنا، وبالأحدية أعلمتنا، يوم قمتنا فكناك… يوم كنتنا وعرفناك… يوم نظرتنا وإلى الرسول أضفتنا، وبمحمد شرفتنا، وبالأنبياء تجليت لنا، وبهم تجليت منا، أوادم لك وصفتنا، وحقائق منك أعلمتنا، وحقا فيك سبحتنا، فسبحنا أمرنا، أحرار وجودنا، بمطلق وجودك، بلانهائي جودك.

اللهم فأتمم لنا نورنا، وأكمل لنا علمنا، ويسر فيك أمرنا، وحرر إليك عقولنا، وأشعل بقدسك نفوسنا، وقوم بهديك جوارحنا، وطور في الكون كائناتنا، وعدد لأكواننا أشباحنا، ولحقائقنا أكواننا، وخذ بنواصينا إلى الخير، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك، حكاما ومحكومين، أئمة ومأمومين، مجاهدين وقاعدين، يقظين وغافلين، بمن جعلته رحمة للعالمين.

اللهم أحيِ قلوبنا وقلوبهم، وأنر عقولنا وعقولهم، ويسر أمرنا وأمرهم، وولِ أمورنا خيارنا ولا تولِ أمورنا شرارنا بعملنا، وقضائك فينا، وغضبتك علينا. أصلح لنا برحمتك حكامنا، ويسر لهم أمورهم لأمرنا، وأنر الطريق أمامهم إنارة للطريق لنا، برحمتك بنا، تجاوز عن سيئاتهم وسيئاتنا، واجبر زلاتهم وزلاتنا، وقوم عثراتهم وعثراتنا، واسلكنا وإياهم سبيل السلام معك، والقيام لك، والذكر لرحمتك، والطاعة لأمرك.

لا إله إلا أنت، سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. مقولة للإمام مالك. ↩︎

  2. سورة الطارق - ١٥-١٧ ↩︎

  3. سورة هود - ١١٠ ↩︎