(١١)
أمة الإنسان وإنسان الطريق
هذا هو الحق والجنة والصديق
نتابعه فيسمعنا ويقربنا، وفي طريق الخير يقودنا ويهدينا
هو دائم رسول الله بنور الله، يقوم ويتقلب في ساجدينا
حديث الجمعة
٢ رجب ١٣٨٧ هـ - ٦ أكتوبر ١٩٦٧ م
أشهد أن لا إله إلا الله، لا شريك له، ولا عبد ولا معبود سواه، عابد نفسه بنفسه، وشاكر نفسه بنفسه، وحامد نفسه بنفسه، ومعبود نفسه عند نفسه، ومشكور نفسه بنفسه، ومحمود نفسه لنفسه.
والصلاة والسلام على من صلى هو عليه، فصلينا به عليه، تخلقا بخلقه، ومتابعة لفعله، وقياما في أمره، وبعثا بحقه.
نحمده متابعيه على حمد نفسه، ونشكره في اقتدائه لشكره لفعله وأمره، قائم ذكره لمذكوره، بالمؤمن ورسوله، عند المؤمن وحقه، لعبده وربه.
نحمده على ما هدانا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا. وقد فارقنا إليه أنانا ومعنانا، وما هُدينا إليه إلا به، وما قمنا فيه إلا له، لا شريك له من ذواتنا، ولا شريك له من قيامنا، ولا شريك له من نفوسنا، ولا شريك له من عقولنا، ولا شريك له من معانينا، ولا شريك له من أمرنا.
عباد الله… اتقوا الله… في أنفسكم، وفي أهليكم، وفي أمتكم، وفي أبنائكم وآبائكم… اتقوا الله حق تقاته، باليقظة لأمركم فيه… استمعوا إلى رسول الله إليكم، وتابعوه على ما هداكم. فما قام بينكم وفي دوام يقوم، إلا لاهتدائكم إلى اقتدائكم، وإلى طريقكم لسيركم، سيرا إلى سلامة مآلكم لحقكم وحقيقتكم، وخلاص معناكم بمبناكم، لخلقة أناكم لحق معناكم، بتوحيد الله في تآلف قلوبكم، واتحاد أمركم، في متواصل كراتكم باللقاء آباء وأبناء، في صعيد واحد، وزمان واحد.
إن ما تشاهدون من اختلال في مجتمعكم، إنما هو من رد أعمالكم إليكم. فإن فسد حكامكم، فمن فسادكم، وإن صلح حكامكم، فمن صلاحكم. (كيفما تكونوا يولَّ عليكم)[١] ، هي حاكمية الله لأمره في حكمكم، بناموس فطرة وجودكم، {والفتنة أشد من القتل}[٢].
وقد رسم رسول الله لكم طريق صلاح الحكم فيكم، وصلاح الحاكم القائم عليكم، في صلاحكم أنتم مع الله، القائم على كل نفس منكم. فإن أصلحتم أمركم بينكم وبين ربكم، أصلح الله بينكم وبين بعضكـم. (ما تركت شيئا يقربكم من الله إلا وأمرتكم به وهديتكم إليه، وما تركت شيئا يبعدكم عن الله إلا نهيتكم عنه وكشفته لكم وأخذت بيدكم فيه)[٣]، وكشفته لكم وأخذت بيدكم فيه. (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)[٤]، (المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد)[٥].
هذا ما هداكم به رسول الله، وهو به هاديكم في دوام، روحا وذاتـا بدائم قيام، {واعلموا أن فيكم رسول الله، لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم}[٦]. إن رسول الله بينكم في دوام، يلبس جلباب زمانكم، بحال قيامكم، ويخاطبكم بعباد الرحمن على قدر عقولكم، بما يصلح به حالكم، ولا يكلف نفوسكم إلا وسعها. وهو أعلم بها، من علمكم أنتم بها، فأنتم تجهلون نفوسكم، ولكن الرسول بينكم يعلمها، ويقدر أمرها.
أنتم تطلبون الرسول بينكم متربعا على عرش من عروش زمانكم حاكما آمرا، ولا تطلبونه بينكم عبدا لله مأمورا، يقوم في كل مكان، ويظهر بأي إنسان. هو بروحه وسره ونوره في أمركم ساريا، وفي قلوبكم ساكنا، وفي ضمائركم إلى عقولكم وحيا دائما، وبينكم نارا مقدسة، تشعل منها وتشتعل بها نفوسكم، وحكمة ملهمة، تصل إليك إذا ما تأملتم، ولله في أنفسكم وقلوبكم ذكرتم، وعلى النبي صليتم، وقبلته لكم إليها اتجهتم، بمنسك عرفتم وفي الحق ما عرفتم!
تعرفونه يوم تعرفون أن منسككم بقبلتكم، ما كان إلا استقبالا لوجهه في معنوي قيامه، لنصب شُرع لكم لبيته غرفة يذكر فيها اسم الله، مثالا لقلوبكم لأمركم به بيوت ذكره، وكوثر أمره، وظلال حقه، ونافلة ليله لأرض فجره، يوم يشرق على أرض قلوبكم بشمسه، وأقمار بيته دليلا وعَلما على ربه وملئه، قائم الأعلى في قربه.
هو الأب وأبوه… هو الابن وبنوه… هو الأمة الوسط بما تواجد فيه من حقائق الأزل لقيوم مبديه، وحقائق الأبد نصبا قائما لطالبيه ومتابعيه. هو خير أمة أخرجت للناس يوم يقوم الناس فيه، فيقوم بنور الله فيهم فيبدلهم تبديلا، من قائم خلقهم يبعثون به بقائم حقهم لحقائق أمرهم، في ربه لقائمه في الله ذي المعارج.
المسلمون!؟ يوم يتواجد المسلمون! يوم يسلم من الناس لله ورسوله، مشهودهم لمشهود قيامهم في وحدانية أمره لوحدانية أمرهم… قلوب تتآلف، ونفوس تتعارف، وعقول تستنير فتتلاقى وتتكاتف، فتخرج من الجهل وتدخل في العلم قائم حال لها.
فتعرف أنها وقد زحزحت عن الجهل زحزحت عن النار، وأنها يـوم تدخل في العلم ترى الجنة دانية، بوجودها لشهودها، لطاعميها بقطوفها، ولوارديها بقائميها.
فلا جنة إلا العلم وقائموه، ولا علم إلا بالإسلام لله ورسوله وعالميه. ولا نار إلا الجهل، ولا جهل إلا بالجهل لله ورسوله. إلى قاليه هما في قائم أمر الجاهل لهما، على ما هما في قائم أمر العالم بهما.
الجنة والنار في دين الإسلام، أمور فوق المكان، وفوق الزمان، يعنونها المكان بتحتيته عن الإنسان، ويقومها الزمان بمثاليته للعنوان. إن الجنة والنار لقائمكم في هذه الدار، هذه الدار لهما مثالية مشهرة، يدركها المتأمل، ولا يأبه لجنة هذه الدار، ولا يرهب نار هذه الدار.
ولكنه يأخذ جنتها بيسر وحذر ما تيسرت، ويصبر لنارها بعمق وصبر، ما أحاطت أو أسفرت. يشغله أمره في وحدانية الله عن حاله لمبناه بقائم في جنة أو نار. النار عنده برد وسلام ما ذكر الله، والجنة عنده فتنة في قيام ما أغفلته عن الله.
وما ذكر الله إلا قائم الله لقلبه، وما عرف رسول الله إلا قائم الله لعقله، وما عرف كونا ووجودا لله إلا في قائم كونه ووجوده، الله قائم على نفسه وأقرب إليه من حبل الوريد، معه أينما كان. يعامله ويتقيه… يعشقه ويخشاه… يحبه ويرهبه… يطلبه ويتجنبه… يتجنبه ويسعى إليـه… يقدر الله ويقدر أمره بالله، فيرى أمره في يقظته جليلا عظيما خطيرا، ويقدر شأنه في غفلة عن الله، فيراه ضئيلا بسيطا ضعيفا حقيرا.
يجلو قلبه بذكر الله في دوام، ويشعل صدره بنور الله في سلام، ويسقى مطيته من ماء الحياة راوية صافية في دائم قيام.
يراه كرات، ويتأمله نظرات، ويستقبله خطرات، ويشغله لفتات، أليس هو المسلم لرسول الله، إسلاما لمن أسلم له رسول الله، إنسانا في أي صورة ما شاء ركبه الله؟
أسلم رسول الله لربه فكان وجها له، وأسلمنا لوجه الله له فكنا وجها له، فكنا بكينونتنا وجوها لرسول الله، وجوها لربه، وكان ربـه عندنا بكينونته وجها لله، وجها للأعلى، فعرفنانا عبادا ووجوها لله، لرب ووجه لله، هو لأعلى وجه ورفيق، في الله ذي المعارج، وجها لله لوجه لله، ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات.
إن كنا كذلك كنا أمة رسول الله، المؤمن للمؤمن منا يشد إلى الحق أخاه، ويشده في الحق أخوه، لبنات بنيان، وبيوت رحمن، وأعضـاء وجوارح وخلايا إنسان، كان لله العنوان. (المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد)[٧]، الجسد الذي هو محمد في كونه ووجوده… الإنسان الذي هو محمد في حقه وشهوده… الحق الذي هو محمد في كرمه وجوده… اسم الله الذي هو محمد في محموده… وجه الله الذي هو محمد في قيامه وسجوده… فهل عرفنا في محمد إنسانا لله، أو حقا لله، أو كتابا لله، أو نورا لله، أو وجها لله؟ فكيف ندعينا أمة محمد أو أمة رسول الله!
إن أُمة رسول الله {خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف}[٨]، وهو الله… وهو رسول الله… وهو كتاب الله… وهو نور الله… وهو روح الله… هذا هو المعروف عندنا… تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا تفرق بين أحد من رسله. تسمع لكل رسول، وتقبل لكل هدي، وتستجيب لكل نداء، وتتعشق لكل حكمة. الحكمة ضالتها حيثما وجدت، ولو في الصين، ولو نطق بها مجنون، ولو صدرت عن جاهل، ولو تحركت بها شفتا كافر، الحكمة هي الحكمة.
إذا عرفنا الحق عرفنا أهله. أما إذا أخذت ببصائرنا بوارق الزينة، ورفاهية ورخاوة الحضر والمدينة من جاه الدنيا، بمركز أو مال، بكرسي أو سلطان، فأعجبنا البريق، وطربنا للنهيق، واغتنينا بالعدم، وما أحسسنا بعد بالندم، فرأينا بجهلنا أن الحق ما نطق به حيوانيـة الأرض، ومادية القيام، فقد غاب عنا الحق… غاب عنا، غنيا عنا بغير رجعة، إلا ما إليه رجعنا، بيقظة بنا تقوم، لإدراك باطل قيامنا، بهمة تتحرك في نفوسنا، بحثا وسعيا إلى ما فقدنا، وطلبا لما عنه ضللنا.
أمة… أمه… أمت… متى… أتم… إن حروف أمة، وهي ثلاثة حروف، يتشكل منها بالتقديم والتأخير كلمات كثيرة، بتأملها ومتابعتها تتواجد لنظرنا آيات، فكل جماعة بمفرداتها تأتى بالكثير من الصور والتشكيلات في كونها وفق انتظامها. أمة هي الوحدة… هي الاتحاد… هي تآلف القلوب… هي تناسق النفوس… هي تراص الذوات… هي امتزاج العقول… هي بعث الحقائق… هي إزهاق كل باطل… هي انتشار الحكمة… هي شمس المعرفة… هي نصب الله… هي بيت الله… هي مدينة الله… هي دار الله… هي عالم الله… هي وجود الله، وما كانت إلا أمة الإنسان… أمة محمد، كانت قبل أن يكون، وتلاحقت بعد أن كان.
أمة قد خلت مما سوى الله من قبلها أمم خلت منها الأرض، وتواجدت ويتواجد في متابعتها من بعدها أمم تخلو منها الأرض يوم تخلو مما سوى الله. أمة وسطا، الأب والآباء، والابن والأبناء، إلى لا آباء ولكنه الله، لم يلد ولم يولد، وإلى لا أبناء ولكنه الله، لم يكن له كفؤا أحد، جماع كلمات ودائم آيات.
أمة… تؤمن بالله لقيامها قائم الله، في قائمه ذي المعارج، ترفع طبقا بعد طبق، وترد طبقا بعد طبق. أمة هي البعث… أمة هي الحشر… أمة هي النشر… أمة هي التشتيت، تصدر أشتاتا لترى أعمالها… أمة هي التوحيد، تتوحد من أشتاتها لتبعث بحقها، في أحدية ربها، لأحدية ربه، في الله ذي المعارج.
أمة يخاطب العقل العقل في أمرها بما يطيق، وتكلف النفس النفس في سرها بما يمكن لها، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. الله فيها القريب ما تقارب بعضها لبعض، والله فيها البعيد ما تباعدت القلوب بين أهلها.
أمة وأي أمة! أمة هي شرف الإنسان… أمة هي طلعة الرحمن… أمة لا تغفل عن ذكر الله، ولا تعرف النسيان… أمة مكشوف عنها الغطاء، مرفوع عنها البلاء، موعودة من الله بالوفاء… أمة بين الموتوالبعث… أمة بين النوم واليقظة… أمة ما بين القبور والمنابر في وحدتها وأمرها… أمة أوجدها الناموس كفاتا، أحياء وأمواتا… أمة هي الأرض والسماء… أمة هي العابد والمعبود… أمة هي العبد والرب… أمة هي الرفيق والرفيق الأعلى… أمة هي الملأ الأدنى والملأ الأعلى وما بينهما… أمة هي الحياة وأسرارها… هي الكتب وأخبارها… هي الذات وأسماؤها… هي الصفات وآلاؤها… هي الحقائق واجتماعها… هي الطرائق واستقامتها… هي الخلائق وحقيقتها… هي الأنبياء وربوبيتها… هي الأبناء وأبوتها… هي الحقائق وظلالها.
خير أمة أخرجت للناس. الناس من حولها باقتدائها، بمتابعتها، بالاستماع لها، أمم في طريقها للوجود بالحياة… أمة هي النبوة بقائمها… أمة هي الولاية بدائمها… أمة هي الحقيقة لطالبها وعالمها.
أمة لم يختلف نبيها وإمامها وأولها عن مفرداتها في غاية ولا في وعى عن بداية، ولا عما يطلب في نهاية… أمة لم تخرج مفرداتها من قائم فرد نبيها وإمامها، النبي والإمام لها أولى بالمؤمنين من أنفسهم، يرفع عنهم سهوهم وقراءتهم.
عباداتهم صحيحة مقبولة في متابعته، ودعاؤهم مرفوع في مناجاته، وآمالهم محققة بوسيلته، ما به إلى الأعلى توسلوا، وكلما أمروا به استجابوا وتابعوا، ابتغوا إليه بعترته الوسيلة فابتغوا بالله لهم إلى ربه الوسيلة، فقاموا به في الحق والفضيلة، لا شرف لعربي على أعجمي إلا بالتقوى… زويت لعلمها الأرض وطويت لمسيرتها السماء.
أمة من الصالحين القيمة… النبي وسيلتهم… النبي كرامتهم… النبي شفاعتهم… النبي قيامتهم… النبي حقيقتهم وغايتهم… شهداء على الناس… النبي عليهم شهيد حقائق للناس… النبي حقهم وحقيقتهم… لا يفرقون بيـن الله ورسوله… ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله ورسوله، ولكن يتخذون بعضهم بعضا أربابا بالله ورسوله.
أمة على دين أئمتهم… أئمتهم أمة، لقائم إمامهم، ولناطق كتابهم، ولمرجو سلامهم، ولوحدة جمعهم، بألفة قلوبهم، في ائتلاف أحوالهم، حول نصبهم، في قائم من بينهم، شهيد عصرهم، صاحب الزمان لزمانهم بكراتهم… هم به أصحاب زمانهم، وحق عنوانهم، وعنوان حقهم.
أمة… هي لا إله إلا الله في قيامها، وهي محمد رسول الله، في سلامها وأمانها… أمة هي الحق في دوامها… أمة لا تعرف الباطل لجمعها، (لا تجمع أمتي على ضلالة)[٩].
أمة الحرية فيها دينها… أمة الحرية مقدسة عندها حرية الفرد في جمعها، وحرية الجماعة في اجتماعها… أمة لا تخشى في الحق لومة لائم… أمة لا طاعة لمخلوق عندها في معصية الخالق… أمة تعرف الحق وتعرف أهله… أمة تقوم للناس الحق وأهله.
ألا نفكر في هذا… ألا نستيقظ لهذا… ألا نعمل لهذا… ألا نجدده يوم نعرف أنّا فاقدوه… ألا نطلبه يوم لا نرانا فيه… ألا نسأل الله… ألا نتوسل إليه برسول الله، حتى يكشف عنا الغطاء، ويرفع عنا ويرفع بنا عن الأرض البلاء؟
ها هي الغمة تعم الأرض، وها هي الغمة يأخذ هذا البلد منها نصيبه، وبلاد المسلمين، ألا نرجع إلى الله، حتى يظهر بيننا رسول الله؟ حتى يأمن بيننا رسول الله؟ حتى يسفر لنا رسول الله؟ حتى يكشف اللـه عن بصائرنا، فنبصر بعين الله وجه الله بقائم رسول الله، يوم نصدق في شهادتنا لله ولرسول الله؟
فنشهد أنه لا إله إلا الله، في صلتنا وصلاتنا برسول الله… نشهده لأنفسنا، محمدا رسول الله، منا قريب وليس عنا ببعيد، أليس هو قبس نور الله للناس يقوم ويتقلب فينا بالساجدين به منا؟ ألا نسجد لله على ما عرفنا كيفما عرفنا فيسجدنا رسول الله على ما شرفنا؟
هل نحن نسجد لله حقيقة؟ إنّا نسجد بحركات كآلات… كخشب… كتماثيل من الشمع أو من التراب، أو من الحديد، أو من الخشب، أو من الخزف. إنها تماثيل أيا ما كانت طبيعتها، وعلى أي لون ظهرت جلدتها، وإنها لا تأتى إلا بحركات آلية أيا ما كانت عبادتها.
إن الحقائق فينا لا تسجد، ولكن يسجد لها، يوم تسجد القوالب لقلبها، وتعرف النفوس ربها لنفسها. {واذكر ربك في نفسك}[١٠]، يوم تتعامل معه بها، تضرعا وخيفة، لا في رياء بجهر، ولا في كتمان لسر.
دين الإسلام… دين السعادة… دين الخلاص… دين النجاة… دين العمل… دين المتابعة… دين القيادة… دين الحق… دين الخلق… دين الحياة… دين الوجود… دين الله… هل عرفناه؟ هل تديناه؟ هل دانانا فدانيناه، فدانانا فقدرناه؟ وهل قدرناه، فأكبرناه، فآمناه، فقمناه، فسعدناه؟
نسأل الله لي ولكم أن ندخل في هذا الدين، وأن نعرج في معارجه وحقائقه، وأن ندرك هذا الدين… وأن نستمع لهذا الدين… وأن نستجيب لهذا الدين… وأن نستيقظ لهذا الدين… فلسنا على ما نرى في هذا الدين، ولن نعرف أننا لسنا في هذا الدين على ما نرى، إلا يوم أن ندخل هذا الدين فنرى، يوم نتابع من رأى فيرينا، وفي طريق الخير يقودنا ويهدينا. (لا تصاحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله)[١١]. واعلم أن (من دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على الله فقد نصحك)[١٢]… (المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[١٣]… هو {الرحمن فاسأل به خبيرا}[١٤].
اللهم إنا رجعنا إليك في حدود قدرتنا… اللهم فأرجعنا إليك في حدود قدرتك… اللهم إنا امتثلنا لك في حدود مكنتنا… اللهم فقومنا لك في محدود مكنتك… اللهم إنا أحببنا رسولك إلينا في حدود صفائنا، اللهم حببه إلينا في حدود حبك وقدرتك… اللهم إنا ذكرنا لك في حدود معرفتنا، اللهم فاذكرك منا في حدود معرفتك.
اللهم ألف بين قلوبنا، ووحد جمعنا، وأعل ِكلمة الحق فينا وعلينا وبنا… اللهم وائم بين نفوسنا وذواتنا وعقولنا، ووحد بين أرواحنا، وقوم فيك أمرنا، ويسر إليك طريقنا، وجدد بك فيك جمعنا.
اللهم بجاه محمد فاغفر لنا، وبجاه الرسالة فقوم أمرنا، وارفع مقتك وغضبك عنا، واكشف الغمة عن هذه الأرض، وعن هذا البلد، وعن بلاد المسلمين، وأنر الطريق أمامنا، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
حديث شريف: “كما تكونوا يولَّ عليكم.” رواه الديلمي والبيهقي. ↩︎
سورة البقرة - ١٩١ ↩︎
إشارة إلى حديث شريف: “إنَّهُ ليس شيءٌ يُقَرِّبُكُمْ إلى الجنةِ إلَّا قد أَمَرْتُكُمْ بهِ، وليس شيءٌ يُقَرِّبُكُمْ إلى النارِ إِلَّا قد نَهَيْتُكُمْ عنهُ، إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ نَفَثَ في رَوْعِي: أنَّ نَفْسًا لا تَمُوتُ حتى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها، فَاتَّقُوا اللهَ وأَجْمِلوا في الطَلَبِ، ولا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ، فإنَّ اللهَ لا يُدْرَكُ ما عندَهُ إِلَّا بِطَاعَتِه.” أخرجه الحاكم والبيهقي. ↩︎
حديث شريف: “المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بيْنَ أَصَابِعِهِ”. صحيح البخاري. ↩︎
حديث شريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
سورة الحجرات - ٧ ↩︎
حديث شريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
سورة آل عمران - ١١٠ ↩︎
حديث شريف: “إن الله أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة.” أخرجه ابن ماجه. ↩︎
سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎
من الحكم العطائية. ↩︎
مقولة للشيخ ابن مشيش. ↩︎
حديث شريف: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎