(١٠)
معلم البشرية ورائد الروحية
الإنسان وابن الإنسان
حق وعبد الله للمرسل ورسوله
بشعار عبوديته لشعار ربوبيته
مهدي العرب ورافع الرتب
حديث الجمعة
٢٥ جمادى الآخرة ١٣٨٧ هـ - ٢٩ سبتمبر ١٩٦٧ م
حمدا لمن لا يتوجه بالحمد إلا إليه، وثناء على من لا يثنى إلا عليه.
حمدا للقائم لا شريك له من حامده، وثناء على الموجود لا تعدد له فيه بمتواجده، والصلاة والسلام على معلم البشرية، ورائد الروحية، الإنسان وابن الإنسان، حق وعبد الله للمرسل ورسوله، الإنسان المحمد والأحمد والمحمود… مهدي العرب، لرافع الرتب، مسيـح الوجود ومسيح مسيحه، الحق وحقه وحقيقته، من جاء بلا إله إلا الله لشعار عبوديته، وجاء الله به محمد رسول الله لشعار ربوبيته.
عباد الله… خلق الله… حقائق الله… وجوه الله… أوادم الله… إنسانية الله… وأبناء الإنسانية لله… وأصول إنسانية الله، لقادم إنسانية الله، في قائم الله، لا حد له، ولا حصر له، ولا إحاطة به، وهو المحيط والمحاط… وهو العابد والمعبود والمعبد والعبد، وهو الأب والولد، قبل الأب والولد، وبعد الأب والولد، عنونته بشرية الأرض بدائم الأب والولد في بيوت يذكر فيها اسمه لذاته وصفاته، مجرد عنوان للإعلام، بلباس لمعنى الإنسان بإنسانية من التراب، ومن النار، ومن النور، ومن الروح، ومن اللـه.
إن البشرية على الأرض، ذاتا لجماع ذواتها، كانت علما على الغيب لها، وعلما لما قام بالغيب لشهادته بها، من ذات لله أزلية بالإنسـان، بظاهره وباطنه في جماع ألوانه، وفي جمع أرواحه وأبدانه، من قائم شتاته، لعنوانه بأزمانه وأوقاته لجمع أوطانه لهياكله بصفاته، لقائم المكان لعين ذاته بلا إله إلا اللـه.
علمها وشهدها، وعلّمها وأشهدها، وقامها وأقامها، بقائمه بها، لقيام لها بأمة له، الله إليه نسبها، وهو بها إلى الله انتسبها، حق الله وعبد الله ورسول الله، فكان بغيبه لشهادته أولى بالمؤمنين من أنفسهم، نبيا يؤمن بالله معية المحسنين… معية المتقين… معية المؤمنين، ولا يجحده حفيظا على الكافرين، فالبشرية عنده إلى الله نسبت، وهو عندها إلى الله انتسب.
كان لها، إلى ما أعدها الله له، بإعدادها لنفسه برسوله نفسا له، كان لها إلى غايتها هو الوسيلة والسبب والعروة الوثقى لمن طلب، وهو الطريق والفرج لكل الكرب. هو الحق الذي يحب… وهو الرب الذي عليه يعتب… وهو وجه الإله الذي إليه ينتسب.
يوم يتابع من متابع، فلا حجاب ولا عجب، ولكنها الحقيقة، يعوزها الطلب، وهي لكل من طلب، يوم أنه إلى النبي انتسب، وله قارب، ومنه اقترب، فغير ما بنفسه، إلى ما عرف وطلب.
إن الإنسان داخل الوجود المادي، بطبقات عوالمه الروحية، وإن الإنسان خارج الوجود المادي، بطبقات عوالمه الروحية، وإن الإنسان بوجوده المادي في أطواره، بمراقيه بمادي وجوده لعين معناه، إنما هو الإنسان، كيفما كان، وحيثما كان، والله له، في جميع الأكـوان، وفي كل عنوان… إنه معكم حيثما كنتم، وأينما كنتم، وكيفما كنتم، وعلى أي صورة كنتم، وفي أي حال كنتم. إنه لكم، هو أنتم، من قلب للرب وقالب للعبد.
إنه مع العاصين، كما هو مع الطائعين… إنه مع المتقين على ما هـو مع المؤمنين… إنه مع العارفين عين معيته مع الجاهلين… (كن كيف شئت فإني كيفما تكون أكون)[١]… إنه للإنسان، وإن الإنسان لـه.
هذا ما جاءكم به دين الفطرة. وهذا ما قدمته وما تقدمه لكم في دوام رسالة الفطرة، وهذا ما قامه بينكم إنسان الفطرة، وهذا ما يقومه في دوام آدم وأوادم الفطرة. وهذا ما يقوم به كوثر الفطرة إنسانا للفطرة، وما يقوم به إنسان الفطرة ظلالا للفطرة، بقائم عبد ورب في الله. شانئه الأبتر.
إن محمدا هو الطريق إلى الفطرة، وإن الفطرة هي الطريق إلى إنسانها محمد الفطرة… فطرة الله ومن أحسن من الله فطرة… هذا هو الله للسماوات والأرض. وهذه هي صبغة الله لها وبها، ومن أحسن من الله صبغة.
هذه هي فطرة الله التي فطر الناس عليها… وهذه هي صبغة الله التي صبغ الناس بها، فأين هو الله لطلبكم؟ ومتى هو الله للقائكم؟ وكيف هو الله لمسيرتكم؟ ومتى هو الله في لقائكم بهمتكم؟ (من تقدم إليّ ذراعاً تقدمت إليه باعاً ومن جاءني مشيا جئته هرولة)[٢]… {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}[٣]، فلست بعيدا عنكم.
إن جيئتي إليكم، إنما هي في كشف الغطاء عنكم بنور على نور، حتى تروني فيكم قائم القريب، وحتى تطلبوني لكم لمراقيكم، المعبود البعيد، والرجاء الوحيد، والحق الفريد، أنا القديم والجديد… أنا الشقي والسعيد… أنا من لا شريك له في وجود، ومن لا مشارك له في بذل السعود، هذا لسان حال الله بالوجود لكل موجود.
أنتم في دنياكم، وإن كنتم به قائمين - ولكنكم الفيصل - بين آلهة الهاوية وبين النفوس العالية باليقين… بين النفوس الهاوية في أعماق وجودها لماديها، والنفوس العالية عن مادة وجودها، عنها متخلية، وبمعارج الله متجلية، وبرحمن الله على عروش عوالمها مستوية، لقائم ملك وملك، ومالك لممالك.
فيها من هو محل عطائه، ومن هو محل جزائه، وفيها من هو محل رضائه، ومن هو محل توحيده وولائه، أو محل سعيه ورجائه، وفيها من هو محل إنسانه لبلائه، واختباره لجزائه، وقبوله لعطائه، في حضرة نعمته وولائه.
ماذا يطلب الناس بعد رب الناس؟ لمن يخضع الناس بعد ملك الناس! لمن يعرف الناس بعد إله الناس! قل جاء الحق، وما كان إلا الإنسان، وقل زهق الباطل، وما كان إلا شيطانه بالأبدان، وموجوده بماديـه للعنوان، تخليا عنه إلى الرحمن، لظهوره بالإحسان، واستوائه على عروش عوالم الأبدان.
الإنسان قائم اسمه اللهم… وقائم حقه الله لهم… فهو قائم كتابه، بما كان الله به إلا هم، ظاهر نعمته بآلائه، قدر فهدى، وأعطى الأمانة لوجوده لقائمه بهم بموجوده، فما كانوا إلا جماع آلائه، لصفات جزائه وولائه، ظاهرا لباطن بهم له.
أمروا أن يستعيذوا من أنفسهم مستعينين بقائمه بأنفسهم، (اللهم إني أعوذ بك منك)[٤]… (وألجأ بك إليك)[٥]، بلا إله إلا الله فلا إله إلا أنت، متوسلا بمن قامها بك، فكان عينها لك، من أنفسنا لنا، وسيلة إليك، وشفيعا لنا عندك، رحمة للعالمين وهبته، وما عن طالب منعته، وما بإساءة مسيء قام فيه جازيته، ففي دوام له غفرته وأكرمته وقربته، وحققته.
أزواجا خلقته، وأزواجا تجليته، وأزواجا أبقيته، وأزواجا حققته، وأزواجا شفّعته، وأزواجا علّمته، عبدا وربا أبديته، وإلها واحدا تواجدته، خلقته وما خلقته، وحققته وما حققته، فقد كان الحق الذي تجليته، ما خلقته ولا بدأته، وكان الخلق الذي أظهرته، ببدء في لا بدء أوجدته، وبانتهاء في لا انتهاء قدرته وأعلمته.
وفي الناس جددته وبذلته. بهم أمة له وعدته، وبه حقا لهم فيهم أكدته، وقدوة لهم ولا خيار لهم اخترته، وفيمن يصطفي منهم لنفسه خيرته، وبحقك أكرمته، وخلقا منك وصفته، وعرفته، حتى يكون لنا قدوة ميسرة بما أكرمته، وبما شرفته، وبما وهبته وأعطيته، وبما علمته وأقمته.
فكفرناه، وبكفرنا له كفرناك، وأنكرناه حقا لنا، وبإنكار حقيته أنكرناك، وعن أنفسنا أبعدناه، فبأنفسنا باعدناك، وأنت القريب بوجودك قربك بمعناك، قياما على كل نفس، وأقرب إليها من حبل الوريد، ومن ورائها بتأييدك، وبإحاطتك، لتكون لك وجها باستقامتها، وبنضرتهـا وبنضارتها، وبنورانيتها، وبروحانيتها، لنقوم بالحق فيك وجها لوجه.
بسم الدين قياما فيه، ادعينانا خلقا لك، وما خلقنانا لنكون خلقا لك تخلقا بخلقك مع من تخلق بخلقك بأمانة معنانا قياما بك.
{ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك عنه يصدون…}[٦]… (إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد، وإن جلاؤها لذكر الله)[٧]… (ازرع كلمة الله في أرض ناسوتك)[٨]… {الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا}[٩]… والذين آمنوا بالله ورسوله ثم ارتابوا… نعم الاسم… وبئس الاسم. رجل كسب الله… ورجل خسر الله… فمن كسب الله ماذا خسر؟ ومن خسر الله ماذا ربح؟ (فاطمة ابنتي روحي من أغضبها أغضبني[١٠] ومن أغضبني فقد أغضب الله[١١]).
كل من عليها فان، بقائمه لغير الله، وكل من عليها باق بقائمه لله، ويبقى بذلك وجه الله، ويفنى بذلك ما ليس وجها لله. هذا رجل كسب الله، وهذا رجل خسر الله. هذا رجل اسم لله، وهذا رجل اسم للشيطان، اسم للفسوق والبهتان.
إن محمدا جاءنا بالحق. أي حق؟ أهو حق من ألفاظ تلوكها الألسن، ولا قيام لها في القلوب؟ هل جاءنا محمد بكهيعص، لا يلمسها منا لامس؟ وهل لمسها منا لامس؟ نعم لمسها من حيا قلبه. يقولون إنهم أهل كتاب، فما هو كتابهم؟ إنه كهيعص! هل أدركتموها؟ هل أُشْرِبتموها؟ هل تكيفتموها؟ هل تكيفتم بها؟ هل تكيفت بكم؟ هل قمتم بها؟ هل كنتم بقائم وجودكم علمها وعلمها، لمعلومها عند عالمها، وقائمها؟
جاء الروح رسول الله، يحمل هذه الحروف، إن ربك يقرئك السلام، ويخصك بالتحية والإكرام، ويقول لك {كـاف} ك. ثم جاء في اليوم التالي وردد تحيته، وقال له إنـه يقول لك {هـاء} هـ. وتركه لليوم الذي يليه، ثم جاء وقال له إنه يقول لك {يـاء} ي. ثم جاءه في يوم لاحق وقال له، إنه يقول لك {عين} ع. ثم ختم هذه الأيام بيوم قال له، إنه يقول لك {صاد}[١٢] ص.
فكان رسول الله عقب كل إلقاء لحرف من حروفها يقول: (فهمت)، حتى استكملت حروفها، فقال له الروح: يا رسول الله، إني أحمل إليك هذه الحروف من ربك، ومعلمك، ورفيقك الأعلى، لقيوم قائمه بوجودك، منك وإليك في موجودك، فتقول (فهمت)، وأنا الذي أحملها ما فهمت… فأفاض عليه الرسول فهمها، فوجده في قائمه لمفهومه، قياما بها، فأثنى على الرسول بقوله له (ما أمنت مكر الله إلا بمصاحبتك يا رسول الله)[١٣]، فقال له الرسول، وأنا ما عرفت الله إلا بمصاحبتك يا رسول الله.
{لا يمسه إلا المطهرون}[١٤]… {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا}[١٥]. إن ضمانكم من ضلالكم معه، وإضلالكم به أن لا تكونوا من الفاسقين، فإنه لا يضل به إلا الفاسقين، فيضلون به، ويضلون بضلالهم به ضالين مضلين.
أمرنا خطابا للرحمن فينا، أن نستعيذ بالله منهم، استعاذة من أنفسنا قائمة في عدائنا بين جوانحنا، وعُلمنا من معلمنا أن معناهم يجـري منا مجرى الدم، وأنه لا شيطان هناك في غيب عنا، كما أنه لا رحمن هناك بعيدا عما فينا.
الله لا إله إلا هو الحي القيوم… ألستم أحياء؟ فأين تطلب الحياة أو يطلب الله؟ إذا لم تطلبوه في معاني الحياة قائمة بكم، فقد جانبتموه، {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[١٦]. كتبكم بأيمانكم فأي كتاب تقرأون لتعلموا عن الله أو عن أنفسكم، إن لم تقرأوا كتب أنفسكم انعكاسا بالنظر والمجاهدة إليكم، إلى جوانيكم، إلى ما بقلوبكم، إلى ما في جلودكم، إلى لبابكم؟
اقرأوا ما شئتم، واذهبوا حيث شئتم، فلن تعرفوا عن الحق شيئا، إلا إذا إلى أنفسكم رجعتم، {ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير}[١٧]، فإذا انحسرت المادة عن لبابكم وعن بصركم، أصبح البصر حديدا يرى بعيدا ويكشف صغيرا وكبيرا وعديدا، وليـس هناك بعيدا عنك أبعد مما هو فيك. إنك عنك بعيد، ونظرك إليك حديد، إذا ما تكشف الأمر لك، إذا سقطت الأسوار، وتكشف ما في الدار.
إذا انحسر عنك الغطاء، ما كذب الفؤاد ما رأى. وإذا قام الفؤاد بما رأى، ما زاغ البصر وما طغى. إنك ترى الله في أعماق نفسك بلا إله إلا الله، وتشهده متجليا لعينك، لوجودك بحسك لشهودك لأمرك، بالله أكبر لقائمك برسول الله.
ترى الله بالله… وترى رسول الله برسول الله… ثم ترى الله برسول الله… وترى رسول الله بالله… فلا فرق بين الله ورسوله، ولا تفرق بين رسول الله وبينك، ما آمنت بالله ورسوله، لقائمك وعينك، اسما ووجها لهما.
إن الذي هو أقرب إليك من حبل الوريد، إنما هو الله ورسوله. رسول الله، أقرب إليك من حبل الوريد، إذا لم تفرق بين الله ورسوله، فإن الله لا يفترق عن رسوله قيوم قائمه، وإن الرسول لا يفترق عن ربه قائم قيومه {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما}[١٨] قيوم قيامهم لقائمهم.
إن الله يترفع برسوله، أن يكون للكافرين معية، أو أن يكون للجاحدين ربا ورحمة، وإن كان الله معهم ولهم وعليهم حفيظ. إن الله منعما، ما أنعم على منعم عليه، إلا بقائم رسوله له، رحمة مهداة، وحقيقة متوفاة، وإنسانا اصطفاه، ورضيه لمعناه، وبذله لمن ارتضاه، أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
حقا سماه، وعبدا أبداه، وعابدا اقتداه، في الناس لمعناه، باسمه اللهم، فصلى عليه بقديم جنسه ممدا، وصلى إليه بقائم جنسه مجدا، وجـدد صلاته منـه، قائـم أمـره لجنسه معـدا… {أولم يروا أنّا نأتي الأرض…}[١٩]… {قل جاء الحق…}[٢٠] فكشف عن الحق بهم، وقال خلفت الله عليكم.
أظهره على الدين كله، وجعله لنا الدين كله، وجعلنا به خير أمة أخرجت للناس يوم نكون أمة له تأمر بالمعروف، وهو الله، وتنهي عن المنكر، وهو كل ما سواه، وتؤمن بالله لقائمها قياما به وقياما له في قائم ولا نهائي معناه.
هذه هي أمة رسول الله… أمة القيمة… أمة الأنبياء… أمة المعلمين… أمة الهداة… أمة الشهداء… أمة الأئمة، لا تعرف الأوطان… ولا تعرف الألوان… ولا تعرف العصبية… ولا تعرف اللغة… ليست أمة من أولاد يعرب، ولكنها ثمرة الجنس، والأصل له… والشجـرة للإنسانية، بشرقيها وغربيها. يعرب وأبناء يعرب، من أبناء معناه، لقائم حقيقته، في مبناه، عنوانا على من تولاه، وبالحق أظهره وتجلاه، بقائم لا إله إلا الله، لقيام محمد رسول الله.
أمة تخلق الأوطان، بتجمعاتها مجاهدين معمرين، وتحقق العنوان، بتغيير الأبدان من الشيطان إلى الرحمن، به قائمين. لا تعرف اللغة، فلغتها لغة النور… لغة الروح، (أعربي وأعجمي)… {يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده}[٢١]… {ما كنت تدري ما الكتاب، ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا}[٢٢]، وهكذا في دوام نجعله نورا، نهدي به من نشاء.
قدمتهم الفطرة عبادا اتقوا الله، وفي أنفسهم عرفوه، وعلمهم الله في قائمهم لاقوه، عبادا أتاهم الله من لدنه رحمة لهم وللناس، بها جعلهم أمناء كنوز رحمته، وعلمهم من لدنه علما كانوا به حكماء وحقائق علمه وعلمه، عبادا لا يزعمونهم بما نقلوا عن الآباء حصفاء، ولكنهم يشرفون بما علمهم الله، حكماء أوفياء، أصدقاء، أتقياء، عرفاء، رسل أممهم بلغة قومهم، بحق ربهم، وأصحاب أزمانهم في دهر الله لمعنى معبودهم.
هذه هي أمة محمد، فهل نرى لهذه الأمة وجودا في عصرنا، فنشهد لها أنها بما هو لها من الله ورسوله، خير أمة أُخرجت للناس؟ لقد أقامها الرسول مرتلا فبناها، إنها أمة الأبد لا تزول، وإنها أمة الحق الذي لا يحول، فإذا كنا قد أضعناها، وأفسدنا بعملنا معناها فإنها في عصرنا، أمة ما زالت قائمة بمفردات متفرقة، في مشارق الأرض ومغاربها قائمة متحققة بين سائر الأجناس، وسائر الأمكنة والأوطان للناس، بمفردات لها فردها آدم وأمة.
هم على تباعد الأجداث، فمفرداتهم قلوبهم متلاقية، وعقولهم متصافية، ونفوسهم متراضية، وأرواحهم متواصية، وعلومهم مترابطة متتالية، إذا تلاقت منهم الأبدان، تناجت بهم القلوب بالوجدان، وشهدوهم لمن هم فيه بما فيهم قائم العنوان، وجه لوجه وجوها للرحمن، هم مثل نوره في قيام البشرية… هم مصابيح نوره للإنسانية… هم أوتاد الأرض للآدمية، وجبال النفوس موئلا للنفوس المطمئنة الرضية، ووجوه الله لكل طالب، وأحواض الله لكل وارد، ومراقي الله لكل صاعد. لا يغيبون عن الأرض أبدا، ولكن الناس بكنودهم وكبريائهم في مخاصمة لهم دائما سرمدا.
فنسأل الله لنا بهم الهداية، ونسأل الله أن تكون لنا منه بهم الولاية والرعاية والعناية، في البداية وفي النهاية. أمة إنسانه، ووجـوه عنوانه، وعباد رحمانه، وأسماء إحسانه، لمن آمن أنه لا إله إلا هو، وآمن بأن محمدا ما كان إلا له، وأنه كان لمحمد في دوام، ما قطعه عن قيام، وما عطله عن سلام، وما أسكته عن الكلام، يتلو كتابه على مكث بأعلام، في القيام بكل لسان، وبكل عنوان وفي كل مكـان، وإلا ما كان رسول الله كافة للناس، فهل خرج الناس في عصر من كافة الناس؟ وهل من سمعوه قرآنا هم كافة الناس؟ اللهم به فأصلح أحوالنا، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، طائعين وعاصين، يقظين وغافلين، واكشف اللهم بوسيلته إليك، وبرحمته إلينا منك، الغمة عن الأرض وعن هذا البلد، وعن بلاد عبادك أجمعين، وعن بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
من حديث قدسي: “أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب إليّ بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة”. أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة. ↩︎
سورة البقرة -١٨٦ ↩︎
من حديث شريف: “اللَّهُمَّ أعُوذُ برِضَاكَ مِن سَخَطِكَ، وبِمُعَافَاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، وأَعُوذُ بكَ مِنْكَ لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أنْتَ كما أثْنَيْتَ علَى نَفْسِكَ.” صحيح مسلم. ↩︎
من الحديث الشريف: “اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إليْكَ، وَوجَّهْتُ وَجْهي إلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أَمْرِي إلَيْكَ، وَأَلجَأْتُ ظهْري إلَيْكَ، رَغْبةً وَرهْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجأ ولا مَنْجى مِنْكَ إلاَّ إلَيْكَ، آمَنْتُ بِكتَابكَ الَّذِي أَنْزلتَ، وَنَبيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ.” صحيح البخاري. ↩︎
سورة الزخرف - ٥٧ ↩︎
معنى هذا الحديث الشريف جاء بأكثر من صيغة: " إنَّ هذه القلوبَ تصدأُ كما يصدأُ الحديدُ، قيل: يا رسولَ اللهِ فما جلاؤُها؟ قال: قراءةُ القرآنِ." أخرجه ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء))، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء))، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) باختلاف يسير. و "إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد إذا أصابه الماء، قيل: يا رسول الله وما جلاؤها؟ قال: كثرة ذكر الموت، وتلاوة القرآن. أخرجه الخرائطي في ((اعتلال القلوب))، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)). كما أخرجه البيهقي، والطبراني، والديلمي، بلفظ: “إن للقلوب صدأ كصدأ النحاس وجلاؤها الاستغفار.”. ↩︎
استلهاما من تعاليم السيد المسيح وهو يدعو حوارييه أن يزرعوا “الكلمة” أي كلمة الله، أي المسيح في أرض ذواتهم. ↩︎
سورة الحجرات - ١٥ ↩︎
حديث شريف: أخرجه البخاري ومسلم، بصيغ متعددة، " فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَن أغْضَبَها أغْضَبَنِي." ↩︎
استلهاما من حديث شريف، جاء بصيغ متعددة: “فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، من آذاني فقد آذى الله.” المكتبة الشيعية. بحار الأنوار. ↩︎
سورة مريم - ١ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎
سورة الواقعة - ٧٩ ↩︎
سورة البقرة - ٢٦ ↩︎
سورة الذاريات - ٢١ ↩︎
سورة الملك - ٤ ↩︎
سورة الجمعة - ١١ ↩︎
سورة الرعد - ٤١. ↩︎
سورة سبأ - ٤٩ ↩︎
سورة غافر - ١٥ ↩︎
سورة الشورى - ٥٢ ↩︎