(٩)
إنسان الحق لا يلد ولا يولد
يتجدد لكوثره بلا صاحبة ولا ولد
زهق خلقه لعاطله وبعث حقه لعامله
لله يسجد من في السماوات ومن في الأرض
وظلالهم
حديث الجمعة
١٨ جمادى الآخرة ١٣٨٧ هـ - ٢٢ سبتمبر ١٩٦٧ م
أعوذ بالله، وأستغفر الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأقبل على الله في معيته لي، وأدبر عن نفسي في كنودها له.
الله… لا إليه إلا هو… الله الحي القيوم… لا إلى الله إلا الله، لا إله إلا هو… لا إله إلا الله… {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}[١].
في قلوب عباده لا تأخذه سنة ولا نوم، وفي بشريته يظهر بها لها، فردا يقوم {محمد رسول الله، والذين معه، أشداء على الكفار، رحماء بينهم}[٢].
وما كانوا أشداء على الكفار، إلا إيقاظا لهم ورحمة بهم، جندا لمن جاء رحمة للعالمين، إن خرجوا من كنودهم، ورجعوا إلى جمع ربهم، وقائم حقهم، كان لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.
(الإسلام يجب ما قبله)[٣]… و(التائب من الذنب كمن لا ذنب له)[٤]، وللإنسان بتوبته ورجعته جديد مولد، في قائم حق وليد، ظلا لمن لا يلد ولا يولد، عَلما على من لم يلد ولم يولد ولم يكن له فيه، كفؤا أحد، لأحدية مطلقه في مطلق الوجود، بآحاده لقائم الله بأسمائه، لظهور الله بآلائه، في مفردات أحديته لعنوانه، لأحدية عَلمه بإنسانه.
الله؟ من يكون الله؟ لمن ينصرف هذا اللفظ؟ الله اسم عَلم… ما معنى هذا الاسم، ومن يكون هذا العَلم؟ الله موجود، وواجب الوجود، فما يكون هذا الوجود المسمى الله؟ وما الذي أوجب وجوده؟
إنه كيان، ووجود، وكائن، لا يُرى عند رائيه غيبا، ولا يسير أمره عند مدركه إلى مجهول، ولا يعرف منكرا عليه للشهود، لا إلى الهو، لا إلاه، لا غيب… إلا لأناه… إلا له… إلا هو… لا حركة فيه إلا له ولا سكون إلا به.
فمن يكون هذا ال الله الذي لا يعرف إلها، إلا نفسه… إلا هو… إلا هويته؟ ذلك هو الحي… القيوم… فكل حي، عليه من الحياة حياة هي له، وعليه قيوم، لنبع حياته. وكل حي، تنبع منه الحياة، وهو على ما نبع منه، قيوم بالحياة، فهو حي قيوم.
هذا هو تقدير الحياة لمعنى الله، يوم نحسن تقدير هذا اللفظ يظهر به الإنسان لمعنى الحياة، فنذكره لحقيقته بها، الله لا إله إلا هو، الحي القيوم… أي شهادة الإنسان لنفسه أنه الإنسان، الكائن المعروف عنـد الناس بلفظ الله أو كلمة الله، أما الله عند هذا الإنسان فلها مدلول آخر يذهب إلى اللانهاية وإلى الإطلاق المنزه عن التسمية والغير قابل لهـا، ولا يصلح لها ويعجز المسمى عن تسميته باسم له، وإليه مصير كل من سبق أن باسمه تسمى.
هذا الأنا لأناه، وهذا الهو لهويته ومعناه، ما ظهر مثل ظهوره بالإنسان، شيئا ومعنى، فهو الظاهر بإنسان الشيئية كائنا وذاتا، وهو الظاهر بمعنى الحقية للشيء لمعنى الإنسان، هيكلا وروحا، هو معنى الحق له.
بذلك كان الإنسان، في المطلق أنا، و هـ… و، وحيا، وقيوما بالحياة، فالإنسان بحيه، وبالقيوم عليه، وبقيومه لقائمه على قائم منه، في قيام به، إنما هو ثالوث الحياة، إنما هو العروة الوثقى، في الحيـاة متواصلة متصلة بين الحياة لا بدء لها، وبين امتداد الحياة، لا توقف له، وهذا ما عناه الكتاب، يوم وصف الحق، عرفناه رسولا، واتصف عندنا عبدا، فقال لنا، هو العروة الوثقى، لا انفصام لها، لا انفصام لها عن قديم الحياة، ولا انفصام لها عن جديد الحياة، ولا انفصام لها عن الأشياء حية، في قائم الحياة.
هذا هو الحق، جاءنا ما عرفناه… وأحيانا من فيضه فما قدرناه، فكنا في دوام في كنود لمعناه، وفي خصام مع مبناه، كلما تجلاه. فكلما تواجد فينا بمعناه ذكرنانا ونسيناه، وكلما تواجد بيننا بمبناه أنكرناه وهدمناه، وبالإيمان ذكرنانا، وبالجنون قدرناه وزجرناه.
إنه إنسان الله… إنه إنسان الحياة… إنه إنسان وجودنا… هو عِلم الله لهديه {واذكر ربك في نفسك}[٥]. قام قدوة لنا بما تعامل به معه. تَعامل مع هذا الذي هو في نفسه معاملته معنا الحي القيوم، سراج نور الله لنا أنت به لقائم الحق، حي قيوم، تعامل معه بمحبته، لما غذاك به ربه وربك من نعمائه، وكشف لك عن آلائه، وتعامل به معه، مع الناس، في معاملة معهم، باتقاء جزائه، في عدل حاكميته، وراقب كنود نفسك، لمحمود حسك، بغفلتك عن معيته لك، وعن قيامه بك، وقيومه عليك، لحق قيامك، لقدس أعلامك، حتى ترى الله لك به جهرة، وترى الخلق لك فيه أزواجا في الله ذي المعارج.
إن العبد والرب وصفان لك، وإن الحق والإنسان قيامان بك، في المطلق اللانهائي، لا اسم له. وهو يوم يتسمى عندك، لك أو بك يتسمى قيـام الإنسان بالحق، {قل جاء الحق}[٦]. فهل عرفنا أنه بالإنسان جاءنا الحق؟ {أولم يروا أنا نأتي الأرض…}[٧]، يوم سِرت عليها بقدميك، ووطأتها بنعليك، {ننقصها من أطرافها}[٨] بمن خلصت، فما كنت غيرنا، وما كان الناس غيرك {قل جاء الحق}[٩]، فما كان الخلق إلا مكان الخالق، وما كانت الحياة لهم إلا زمانه بهم.
فهل عرفناه الحق؟ وهل عرفنانا به حق؟ وهل غاب عنا الحق؟ ظهر لنا كما ظهر بنا خلقا، لا أبترا ولكن خالدا كوثرا، وتجلى به الأحد لواحديته كوثر أحده، وتعالى مخلفا لا منقطعا، ولا أبترا، فما غـاب ولا أسدل الحجاب، بل تجدد وما تعدد. هو أحد في عديده، وهو قديم في جديده، وهو واحد في خلقه، وهو متجل بكونه، وهو متعنون بوجوده، وهو متجل بوجوهه لشهوده، حق الله، لا إله إلا هو، الله لا إله إلا الله الحي القيوم.
جعل في الأرض خلافته، يوم جعل الإنسان القديم من الأرض جدته، فتواجد جده وجديده، وقام منه له فرده وعديده. يلقي الروح من أمره على من يشاء من خلقه فيسوي بينهم وبينه عبادا ورشادا، لا عن صاحبة ولا ولد.
إذا تجدد فيك رسول الله لك، وقد سرى فيك بنوره، هل تجدد بك بصاحبة أو ولد؟ قل جاء الحق الذي يتجدد بالمؤمنين، ولا صاحبة ولا ولد. {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[١٠]… هو حق قيامهم، وهم كوثر قيامه. هو جديدهم لحقهم في جدتهم، وهو قديمهم في قدمهم لحقيتهم.
أين هم المسلمون؟ هل كان لهم معهم بذلك الأمر، فصلى ونحر فظهروا به كذلك حقا مبعوثا يظهر وباطلا يزهق لا عن صاحبة أو ولد؟ {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[١١]… أومن {جعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}[١٢].
أفمن جعلنا له نورا، فكان قيامه نورا، وكان باطنه نورا، وكان ظاهره نورا كمن بقي في ظلام نفسه؟ أفمن {جعلنا الشمس عليه دليلا}[١٣]… بالحق أنزلناه نجما هوى بين الناس، يمشي بينهم، يراه المبصرون، وقد رفعت عن أبصارهم غشاوة الكنود والعناد، ويعمهه العمي عن الشهادة والرشاد، ويسمعه من كان له سمع… أفمن كان كذلك كمن بقي في ظلمات النفوس؟ إنهما أمران مختلفان، أمر الرسول أن خـذ من الليل نافلة لك تهجد بهم وامتد فيهم بنورك ليبصروا، وفي عقولهم ليدركوا، وفي آذانهم ليسمعوا، وفي هياكلهم لتبقى {أبصر به وأسمع}[١٤]… {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}[١٥]، أن يبعثك فيهم بما عرفت لك.
أنت يد الله، تمسك بهم نواة للسموات والأرض أن تزولا، وربك على ما عرفت وشهدت هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا. تخلق بخلقه وتابعه على فعله، بصرهم أنه إذا أمسكهما، حتى لا تـزولا، وهو الصمد في فعله وإرادته، هل يتركهما من قبضته لتزولا؟ تخلق بأخلاق ربـك، تبلغ فيهم مرادك لأمرك فجاهدهم لخيرهم وبعث أمرهم باخعا نفسه على آثارهم. (أمة مذنبة ورب غفور)[١٦]. وقال لهم مقالته لربهم في أمرهم، (لا أرضى وأحد من أمتي في النـار)[١٧].
{أوليس الذي خلق السماوات والأرض، بقادر على أن يخلق مثلهم}[١٨] لكل عبد له… لكل مؤمن به… لكل قائم في قيامه لقيامه، {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذا المضلين عضدا}[١٩]، ولو آمنوا لفعلت لهم، كما فعلت لغيرهم يوم آمنوا.
{والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون}[٢٠]… {كما بدأنا أول خلق نعيده}[٢١]، وعدا علينا لكم، إنا كنا فاعلين ذلك لآبائكم وأجدادكم. {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم، في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون}[٢٢].
فما يكون الفلك المشحون؟ أهو شيء غير أرضكم؟ عليها تقيمون، ومنها تأكلون، وبها تحيون، وعلى مثالها من خلقها في خلقتكم تجددون، وفي جديد تنشأون، في سلالات من طين، بكرات للحياة، ثم بسلالة أخرى في مجال آخر، من ماء مهين، حتى يصل بكم إلى كبير وجودكم لأنفسكم، {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس يعلمون}[٢٣].
(خلقت كل شيء من أجلك، فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب)[٢٤]… {يا معشر الجن والإنس، إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان}[٢٥]… وما خلقناكم إلا لتنفذوا من أقطار السماوات والأرض، بتعبيد أنفسكم لخالق السماوات والأرض، بتعبيد هياكلكم لمن لم تتسع له السماوات والأرض، بتعبيد أنفسكم عبادا لله هو نور السماوات والأرض، لا إله إلا هو، الحي في حياتكم، القيوم في قيامكم وقيامتكم، قيمة بالحق… دين.
قياما بدين الفطرة، ذلك الدين القيم… ذلك دين القيمة… أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس… لتكونوا شهداء على معنى الناس… لتكونوا شهداء على معنى البشر… لتكونوا شهداء على معنى الإنسان… لتكونوا شهداء على معنى العنوان، ويكون الرسول عليكم شهيدا، {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٢٦]… إنما المسلمون أخوة، لا شرف لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
أي حق هذا الذي يجيء، والذي يشهد؟ إنما هو حق الإنسان، إنما هو حق الله بالإنسان، لا يشهده إلا إنسان احترم إنسانيته، ولم يفرط في أمره من الله، ولم يعبث بحقه فيه، ولم يتلف وجوده منه، إنسان السماوات والأرض، وإذ قلنا للسموات والأرض، وهي إنسان منطلق من كثيفه، قائم في لطيفه، سديم وجود لموجده، {ائتيا طوعا أو كرها، قالتا أتينا طائعين}[٢٧].
أين هو الدين! أين هو رجل الدين! أين هو المتدين! أين هو المسلم! أين هو الإسلام! أين هو الإنسان، يُسلم إليه أمره الإنسان!
رجل سَلم لرجل، ورجل فيه شركاء متشاكسون، أين هما الرجلان؟ وكيف هما الرجلان؟ إن الإنسان يوم يكون جديرا بهذه التسمية لا يكون جديرا بها دون رب عليه يشهده في نفسه، ولا يكون جديرا بها نفسا لله دون مخاللة لمؤمن، به يشهد له في نفسه للأعلى لهما، بهما يشهد هو فيمن يخاللـه، فيعرفه أمرا وسطا بين أمرين، وحقا وسطا بين حقين، وإنسانا وسطا بين إنسانين، وآدما وسطا بين آدمين، وكونا وسطا بين كونين، ووجودا وسطا بين وجودين. هذا هو الدين القيم للقيمة على الناس به.
هذا ما رضيه الله لمعناه لقائم الموجود اللانهائي المطلق ليكون الإنسان عَلما عليه، وهذا ما رضيه الحق في بيته لموصوف الخلق له، بقائم صنعه لصبغته، وقد أخرجهم من خلقيتهم يوم حررهم من باطلهم، وأضافهم إلى حقيتهم يوم زحزحهم من نار القطيعة وأدخلهم جنان وجوده، بعباد شهوده، ففازوا بالحياة، وكانوا أسماء لله، لا إله إلا هو الحي القيوم، يوم شهودهم لا إله إلا الله، وقاموهم فيهم بهم محمدا رسول الله.
هل جاء رسول الله، وكتاب الله بغير ذلك، أو بأمر بعيد عن ذلك؟ ما قام كتاب الله، وما جاء رسول الله، إلا بهذا الأمر الخطير، إلا بهذا الدين القيم، إلا بدين للقيمة جدده بينهم بالكمل من رجال الطريق حقائق الله وأبواب جنانه.
الناس فيه بأوزارهم هباء، وتواجدهم من الأرض فيه غثاء. كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكـى إلا المخلصون، والمخلصون إلى غايتهم، السائرون إلى نهايتهـم لموصوف الخلق، البادئين في معارج الحياة، بدايات لا تتناهى في حقيقتهم لموصوف الحق، سيرا في الله، متجاوزين عن معاني السير إليه إلى السير فيه، هم في هذا على خطر عظيم.
إن الذين يحرصون على ذلك، على خطر عظيم فيه، هؤلاء المتحققون به يقولون مقالة العبد والحق الأول فيه، لأحد وجوده… (وها أنا رسول الله بينكم ولا أدري ما يفعل الله بي غدا)[٢٨]… (أنا أقربكم إلى الله وأخوفكم منه)[٢٩]… {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}[٣٠]… و{إنه لا ييأس من روح الله}[٣١] لقائمه وقيومه، حيا قيوما، {إلا القوم الكافرون}[٣٢].
فهل كان الإيمان عند المؤمن بالله إلا الإيمان بروح الله؟ وهل كان الكفر عند الكافر بالله إلا في اليأس من روح الله له في قيام بمعيته معه؟ وها هو الروح يقوم لرب العالمين.
ها هو الروح الأمين… وها هي أرواح الشياطين في قائم حياتكم مـن عصركم ووجودكم يبعثون، تُرسل الشياطين على الكافريـن فتأزهم أزا، ويلقي الروح من أمر الله على الصالحين منكم، بهـا يحيون، ومن أنفسهم معها عيانا بيانا يتخلصون، ووسطاء يدعون، وكانوا في أمسكم بالنبوة ينادون ويوصفون، ثم كانـوا في ستر من الله في الناس بينهم أخفاهم وقد خاصموا في دوام النبيين، عبادا للرحمن أظهرهم، هونا على الأرض يمشون، وبسـلام يخاطبون، وبالجاهلية لا يضيقون، وها هم وسطاء بين الناس وربهم بالعبودية يظهرون، وعلى الربوبية يجمعون.
ها هي الحياة تدور دورتها، وتظهر وجوه الله ناضرة، لوجوه لله ناظرة، بين وجوه عليها غبرة ترهقها قترة، يسمون عندكم الكفرة الفجرة، والله عليهم حفيظ والله لهم منظر، ها هو وجه الله يرى لطالبه كما طلب الناس.
وسيجدد الله برحمته برسولها لهم الكرة، المرة بعد المرة، فلا تظنوا بالله ظن السوء، ولا تظنوا بالله الظنون، ولا تعبدوا الله على حرف. اذكروا ربكم في أنفسكم، واشهدوا وجه الله أينما تولوا وجوهكم بــه.
(يا رُبَّ جوهر عِلم لو أبوح به، لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا) [٣٣].
وهل لم يبح به في هذا التعبير، (أرأيت ربك يا علي؟)[٣٤] قال: كيف أعبد ما لا أرى، ألم أصدق الله، وهو يقول لى، كما قال لكم {فأينما تولوا فثم وجه الله}[٣٥]) إني أراه أنت، فهل رأيته أنت أنا؟ هل رأيته أنا؟ إنـي أراه أنت، فأحييك بالسلام معك، وتحياتي لله إنما هي لك أنت، هلا رددت عليّ تحيتي، فحييتني كما حييتك، ورأيتني على ما رأيتك، أو بأحسن منها بالله أكبر لى ولك. يقولون إن أصحابك قد خولطوا، نعم فقد خالطهم أمر جلل، إني أواصل بينكم رسالة الرسول. ألم يقل لكم (خلفت الله عليكم)[٣٦]؟ فأنا بيان ذلك لكم أواصل مقالة الرسول بينكم، (فأقول لكم في أنفسكم قولا بليغا)[٣٧].
إن الله يُرى بقيام الرسول بالمؤمنين في قيامه لمعاني الحق لله، يرى الله نفسه في الناس، فما رأى الله إلا الله، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٣٨]، فقال قائم الحق بالرسول عبدا لله… (رأيت ربي بعيني رأسي)[٣٩]، فقال له معلمه وربه، {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا}[٤٠]… لا تطع الكافرين والمنافقين، إن لهم من يطيعهم وليس أنت، نعم إنك تشهد وجوها عليها غبرة، هي له، ولكن وَلِ وجهك عنها إلى الوجـوه النضرة، {إن الله كان عليما حكيما}[٤١]… {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}[٤٢].
فلا تقم دولتك، ولا حاكميتك على ما عرفت عنا، فنحن منفردين بما فيه كنا، ولكن رتل القرآن ترتيلا، ورتب جمعك، وقوم جماعتك بما أنزلنا إليك، واحكم بين الناس بما أنزل إليك، لا بما عرفت. فقال الرسول… (ربما كان أحدكم ألسن بحجته مِن بعض، فأقضي له، فليتقِ الله)[٤٣]، (أُمرت أن أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر)[٤٤]… (أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم)[٤٥].
إن حاكمية الله تقوم على السرائر، وعلى ما في القلوب، ولكن حاكمية الإنسان للإنسان في الله، (لا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله)[٤٦]، تقوم على ظاهر الحياة، وعلى ما أمر الله به أن يوصل، ونحن في حاكمية الله، بما أودع الله في قلوبنا، وبما انطوت عليه نوايانـا، وبما كتمناه في أعماقنا سرا لنا، فإن أسأنا في أمرنا، وفرطنا في شأننا، وأخرجنا ما في سرائرنا، أعملت حاكمية الله بناموسها عملها، بحاكمية بعضنا في بعضنا.
{ولولا دفع الناس بعضهم ببعض، لفسدت الأرض}[٤٧]… و{… لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا}[٤٨] {لو شاء ربك ما فعلوه}[٤٩] {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله}[٥٠]، فيجب أن نفرق بيـن حاكمية الله وحكمه، وبين حاكمية الناس وحكمهم، ويجب أن لا نخرج حاكمية الناس وحكمهم عن دائرة حاكمية الله وحكمه، (كيفما تكونوا يولَّ عليكم)[٥١]… (إن الله ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر [ينتقم به ثم ينتقم منه])[٥٢].
هذا ما يجب أن نتأمله في دوام في أمرنا، ما كانت لنا على الأرض كرة، ولنعلم أننا مردودون إليها المرة بعد المرة، {والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع}[٥٣]، حتى يستقيم في الله أمرنا. ولا يستقيم في الله أمرنا إلا يوم أن نكون لله أمرا، سرا وجهرا، خلقا وحقـا، عبدا وربا، ظاهرا وغيبا، إلها وقدسا، (ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات)[٥٤].
كل هذا جاءنا به دين الفطرة، مع الحق رسولا، ربا وعبدا، لا أبترا ولكن كوثرا، فعزلناه عنا فردا وجمعا، وأنكرناه وجودا وبشرا، واعتزلناه حقا وإنسانا، فإلى متى يبقى هذا الزيف وهذا الانحراف؟
جدد دينه بيننا، بما أودع فيه ربه، وبما أذن له، وبما أعانه عليه، على رؤوس القرون في أنفسنا، وما استيقظنا، وها هو يجدده على اجتماع تجدداته، فيخرج لنا من الأرض دابة ودوابا، تكلمنا أن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، دابة لا صماء ولا عمياء، ولا عرجاء، ولا كتعاء، ولكن إنسانا سويا، ورجلا رشيدا، عبدا لا تعرفه قديما أو جديدا، اجتمع له القديم والجديد، في قائم وليد، انشقت عنه الأرض كما سبق أن انشقت، وسقطت عليه السماء كما سبق أن سقطت، وبدل من خلقه إلى قائم الحق لله، كما سبق أن بدل، وما زلنا في سباتنا ولا نفيق.
قام بيننا لنا ناموس الله وفطرته، دائم الله وطلعته، قائم الله وأمره، ميسر الله ورحمته، حق الله ونعمته، آدم الإنسان وجدته، إنسان الرحمن وحقيقته، حق الإنسان وكثرته خالد دائم كوثره، لا عن صاحبة ولا ولد، يتجدد لنا بيننا فينا وبنا ومنا، لا عن صاحبة ولا ولد، يتعدد… لا خروجا من واحديته، ولا ابتعادا عن أحديته… إنسان الله… نصب الله… قبلة الله لطالبي الله… وجه الله لوجوه الله، لا يعرفه إلا من شهد أنه لا إله إلا الله، ولا يقومه إلا من شهد أنه محمدا رسول الله.
لا إله إلا اللـه، محمد رسول اللـه
اللهم يا من كنت بجودك لوجودك لا تتعدد لموجودك، في صغيرة أو كبيرة… اللهم بمن كنت به معلما، لنعلم عنك، حقا ورسولا منك، عبدا وربا لنا، ندرك معه وحدانيتك، ونحقق لنا به توحيدك، فنعلمك قديمك وجديدك، لانهائيك ووليدك، أنت الشيء، وأنت لا شيء، وأنت كل شيء، وأنت في كل شيء، وأنت فوق كل شيء، وأنت قبل كل شيء، وأنت الباقي بعد الشيء، وبعد كل شيء، اللهم كن برحمتك برسولك لنا، راحما ومعلما، ومقيما، ومحييا، ومجددا، ومبقيا.
اللهم به فاكشف الغمة عنا، نتيجة عملنا وتقاعسنا وضعفنا، وجهلنا وكنودنا وغفلتنا وبعدنا عن ذكرك، وغفلتنا عن مذكورك في أنفسنا، في موجودنا لك ولنا بيننا بدائم رسالتك بوجوه وظلال رسولك، ببعدنا عن لا إله إلا الله، وبكنودنا مع محمد رسول الله، ربا أبرزته وفي النفوس أقمته. به خلصت من خلصت. {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}[٥٥] من أنفسهم… من أوزارهم… من طبيعتهم… من ماديهم… من حملهم… من ثقلهم.
اللهم إنا جئنا رسولك فاستغفرناك واستغفر لنا… اللهم لنا فاغفر… اللهم لنا به فاقبل… اللهم به وبروحه فينا فاسرِ ولنا جدد، عقولنا فأنر بنور عقله، وقلوبنا فأحيِ بروح قلبه، وهياكلنا فقوم بمقـوم هيكله، وحقق لنا به قدرتنا، وقد جعلت فيه اقتداءنا، وقد جعلته الحق لنا مخاللا في حياتنا النجمية، والخليفة علينا فينا من حياتنا الروحية.
فأشهدنا برحمتك أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، حكاما ومحكومين، يقظين وغافلين، متجمعين ونافرين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة آل عمران - ٢ , سورة البقرة - ٢٥٥ ↩︎
سورة الفتح - ٢٩ ↩︎
حديث شريف: “إن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها.” مسند أحمد. ↩︎
حديث شريف أخرجه ابن ماجة، والطبراني، والقضاعي. ↩︎
سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎
سورة سبأ - ٤٩ ↩︎
سورة الرعد - ٤١. ↩︎
سورة الرعد - ٤١ ↩︎
سورة سبأ - ٤٩ ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
سورة الأنعام - ١٢٢. ↩︎
سورة الفرقان - ٤٥ ↩︎
سورة الكهف - ٢٦ ↩︎
سورة الإسراء - ٧٩ ↩︎
حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في (تاريخه) عن أنس ابن مالك. المحدث الألباني. المصدر: ضعيف الجامع. ↩︎
من حديث شريف جاء في تفسير القرطبي أنه حين نزلت الآية {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال النبي صلى الله عليه وسلم “إذا والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار.” وجاء في صحيح مسلم في حديث طويل منه: “اللهم أمتي أمتي وبكى. فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأل فأخبره. فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك.” ↩︎
سورة يس - ٨١ ↩︎
سورة الكهف - ٥١ ↩︎
سورة الذاريات - ٤٧ ↩︎
سورة الأنبياء - ١٠٤ ↩︎
سورة يس ٤٢:٤١ ↩︎
سورة غافر - ٥٧ ↩︎
استلهاما مما جاء في بعض الآثار: يقول تعالى: ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكلفت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء. وذكرهما كذلك المناوي في فيض القدير. قائلا: “ولم نعثر بعد البحث على عزوهما للنبي صلى الله عليه وسلم فلعلهما مما روي عن أهل الكتاب.” ↩︎
سورة الرحمن - ٣٣ ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
سورة فصلت - ١١ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “واللَّهِ ما أدرِي - وأَنا رسول اللَّه - ما يفعل بي ولا بكم.” صحيح البخاري. ↩︎
إشارة إلى أكثر من حديث شريف منها: “إنَّ أتْقَاكُمْ وأَعْلَمَكُمْ باللَّهِ أنَا.” صحيح البخاري. أيضا “… ما بَالُ أقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أصْنَعُهُ؟! فَوَاللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُهُمْ باللَّهِ، وأَشَدُّهُمْ له خَشْيَةً.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
سورة الأعراف - ٩٩ ↩︎
سورة يوسف - ٨٧ ↩︎
سورة يوسف - ٨٧ ↩︎
من أبيات شعر الإمام زين العابدين (عليه السلام): العلم والحكمة في الكتاب والسنة - محمد الريشهري. المكتبة الشيعية: “يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثناولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسناإني لأكتم من علمي جواهره * كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتناوقد تقدم في هذا أبو حسن * إلى الحسين ووصى قبله حسنا.” ↩︎
من حديث للإمام عليّ حين سأله أحد الرجال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: أفأعبد ما لا أرى؟ فقال: وكيف تراه؟ فقال: لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان. قريب من الأشياء غير ملامس. بعيد منها غير مباين. متكلم لا بروية، مريد لا بهمة. صانع لا بجارحة. لطيف لا يوصف بالخفاء. كبير لا يوصف بالجفاء. بصير لا يوصف بالحاسة. رحيم لا يوصف بالرقة. تعنو الوجوه لعظمته، وتجب القلوب من مخافته. من نهج البلاغة. المكتبة الشيعية ↩︎
سورة البقرة - ١١٥ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎
استلهاما من {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} سورة النساء - ٦٣ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨:٢١٩ ↩︎
حديث شريف ذات صلة، رواه مسلم عن أبي ذر بصيغة: “سألت الرسول صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال نورٌ أنّى أراه”. وفي مسند أحمد وصحيح الترمذي جاء بصيغة “إني قمت من الليل فتوضأت فصليت ما قدّر لي فنعست في صلاتي فاستثقلت، فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة…” ↩︎
سورة الكهف - ٢٨ ↩︎
سورة النساء - ١١ ↩︎
سورة النحل - ١٢٨ ↩︎
من حديث شريف. " إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فأقْضِي علَى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فمَن قَضَيْتُ له مِن حَقِّ أخِيهِ شيئًا، فلا يَأْخُذْهُ فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النَّارِ. " أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
حديث شريف: " نحن نحكمُ بالظاهرِ واللهُ يتولَّى السرائرَ." المحدث: الشوكاني. المصدر: الفتح الرباني. خلاصة حكم المحدث: لم يصح عنه، ولا ثبت أنه من قوله وإن كان كلاما صحيحا. ↩︎
حديث شريف ذات صلة: “إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم.” بحار الأنوار (الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، المكتبة الشيعية. كما جاء في البخاري أن الإمام علي كرم الله وجهه قال: " “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله” ↩︎
استلهاما من {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎
سورة البقرة - ٢٥١ ↩︎
سورة الحج - ٤٠ ↩︎
سورة الأنعام - ١١٢ ↩︎
سورة البقرة - ١٠٢ ↩︎
حديث شريف: “كما تكونوا يولَّ عليكم.” رواه الديلمي والبيهقي. ↩︎
حديث شريف ذات صلة: “إن الله ليؤيد هذا الدِين بالرجل الفاجر.” أخرجه البخاري ومسلم… وعبارة “ينتقم به ثم ينتقم منه” للسيد رافع. ↩︎
سورة الطارق – ١٢،١١ ↩︎
مقولة للشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية: فإن نظرت إلى الآلات طال بنا *** إسناد عنعنة حتى إلى الذات. ↩︎
سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎