(٧)
الإنسان الحق ينطق بحاله في قائمه ومآله
(بي)
اسم الله
الرحمن الرحيم
حديث الجمعة
٤ جمادى الآخرة ١٣٨٧ هـ - ٨ سبتمبر ١٩٦٧ م
نزلت البسملة على كل نبي ورفعت معه، فكانت معية كل نبي، وقام بها كل نبي، فكان اسم الله الرحمن الرحيم، رسالة متصلة، دائمة متواصلة، بالنبيين، على الأرض يدبون، ومن الناس يبعثون، وبين النـاس في دوام يتواجدون، نُصبَ[١] الله، وأعلام الله، ووجوه الله، وقبلة الصلاة، وبيوت الخلاص والنجاة.
حتى أبرز الله بمحمد، لهم خاتما قائما وطابعا دائما، كانت البسملة معه ومع كوثره بعديدهم، ومعلوم عدهم، أُعطيها له ولأُمته في دوام، حوله يتواجدون، ومعه يعملون، ودين الله في وئام ووحدة يقيمـون، وكلمة الله يُشهرون، ويعلون، وبها يبشرون ويعدون، فكانوا به بها بين الناس من الناس جمعا وأمة شهداء يبعثون.
من الأمم يختارون، ولأُممهم يأمّون، وهو عليهم الشهيد به يأتمون، وله يتابعون… إمام النبيين، النبيون له يعرفون، وظلالا له يشهدون، وكلمات الله من بيته يقومون، فعترة له يعرفون… عبادا للرحمن على الأرض هونا يمشون، حَلوا محل النبيين، قيمةً يبعثون، بخلقه يتخلقون، فعلى ما خُلق يُخلقون، وعلى ما حقق يحققون.
بهم، به، جاء الحق، رسولا للناس من أنفسهم، وأعلم الناس عنهم، ليعلموا عنه بهم، جماع جوامع الكلم، هو لهم وهم له، يوم هم بخلق الله يتخلقون، فبناموس الله أنفسهم يخلقون، وأنفسهم يجددون، وما في أنفسهم من الشيطان بهم يجرى مجرى الدم يغيرون، إلى الرحمن عليهم قيوما أقرب إليهم من حبل الوريد، يوحدون فيشهدون، يوم هم بقلوبهم يتجمعون، وبنفوسهم يتواءمون، وبعقولهم يتذاكرون، وبأرواحهم بالحق يتواصون، فيوحدون الله، ففي وحدانيته يعلمون، فيجمعون أشتاتهم، إنسان الله يتجمعون، ووجه الله يظهرون، بخَاتَم وطابع النبيين {محمد رسول الله والذين معه}[٢] يبعثون، {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير}[٣]، يكونون ويتكونون، وفي معارج الله يبعثون، ويرتقون.
إن النبوة بعد محمد، غيرها قبل محمد. فقبل محمد كان الناس لها يُصطَفون، وبها يُبعثون. وبعد محمد كان الناس لها يتعرضون، فلهـا يوهبون، يوم أنهم محمدا لأنفسهم قدوة مرضية يرتضون، وعلى أنفسهم يكبرون ويعلون، ودعاءه بينهم، عن دعاء بعضهم لبعض يُميزون، وأمام حجراته بالقلوب المشرقة يقفون وينتظرون، حتى يخرج إليهم من حجرته، بقلوبهم عليه لا يستكبرون، وأنفسهم على نفسه لا يُعلون، بل أنفسهم لنفسه يتبعون، وحجراته بينهم في دوام حولها يطوفون، وعند أبوابها يسجدون، له ينتظرون، ورحمة الله منه إليهم يرجون، ويأملون، (إن الشيطان لا يتمثل بي)[٤]، والناس بما يجري بهم منه مجرى الدم، به لا يتمثلون… إلا من رحم.
بذلك كانت أمة محمد… أمة أنبياء يُشهدون، يدعو الأعلى كل أناس، بإمامهم يَعرفون وبه يُعرِفون، له يتابعون، وخلفه يصلون، ومسرَاه يسيرون[٥]، وطريقه يطرقون، وبابا لرسول الله وربه، عنده يقفون.
وعنه إن غاب عنهم يتساءلون، وبينهم سعيا إليه، يتواصون ويبحثون، ويجاهدون ويجتهدون، فإليه يُهدُون، وإليه يَسعُون، أو هم بإخلاصهم وصفائهم يأتيهم فيلقون، أو معه عفوا يتلاقون، وله يدركون.
فكم منهم معه يتلاقون، وله لا يدركون، ولا يبصرون، ولا يحسون! بعماء بصائرهم يعمهون، وهو أمامهم يُشاهدون، ويلاقون، وعليه ينكرون وله يجحدون.
بذلك، رضي الله الإسلام دينا، الأنبياء عن بيئته لا يغيبون، وبيئته زويت لها الأرض كما أعلموا، وكما في دوام بآيات الله في مشارقها ومغاربها يشهدون، يوم هم يدركون ويعلمون.
(لا تفكروا في ذات الله، وتفكروا في آلاء الله)[٦]… إذا كان شيء ما موضع الفكر، تقلب فيه الفكر، بين الوجود والجحود، بين العلم والجهـل. فلم يكن الله في دين الإسلام للناس موضع الفكر، ولكنه كان لهم موضع الذكر.
إن وجودهم استوجب وجوده، وشهودهم لأنفسهم استتبع شهوده. (اعبد الله كأنك تراه)[٧]، وهو لا يكون لعلمك دائما وأبدا، إلا كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، هل يعز على عقلك أن يعلم أنه يراك؟ (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)[٨]. فإن أنكرتك لك إليه، فإنك به بك لك تراه.
إن الله، مثل تراه، ولا تراه… إن رؤية الله براءٍ لمرئي، فيها الشرك بالله، والبعد عن وحدانية الله. ووحدانية الله تقتضي أنك لا تراه، أو أنك لا تراك، فإن كنت تراك فلن تراه، وإن كنت تراه، فلن تراك. فإنك إن تراه ولا تراك، فإنك مثل تراه، أو كأنك تراه.
إن غبت عنك، بدا لعينك، بعينك تحسه ولا تراه. وإن غبت عنه، إليك بدا بأناك محسوسا منك ولن تراه. فإن وهمت أنك تراك، وتصفك على ما تراك، فإنك تخطئ الوصف لمعناك ومبناك لأنك ما رأيتك، ولن تراك في معناك أو مبناك إلا يوم تقومه متخليا عنك بمعناك ومبناك، ففي مرآة لك به تراك، فتعرف فيه به معناك لمبناك، ومبناك لمعناك.
يجادلون في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير. إن الله معرفته لا تتقبل الجدل، فإذا كان موضوع جدل بين مجادلين أنكروا على أنفسهم به قائمين، غاب عن الجمع له وإن كانوا مؤمنين هم به بأنفسهم مشركين فقاموا فيـه حائرين، ولن يخرجهم من حيرتهم، ولن ينشلهم من كبوتهم إلا من كان به عليم… إلا من كان به خبير… إلا رسول رحمته… المقيل للناس من عثراتهم بما أقيل، والمخلص لهم من كبواتهم بما خلص… {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة، أنا ومن اتبعني}[٩]… (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[١٠].
وما هي القيامة؟ إن هي إلا قيامه بينكم بحقيقته، يوم تنشق الأرض عنه برجعته، فيبدأ على قديم بدايته… آدم وحقيقته… بإنسان ربوبيته… وربوبية ألوهيته… وألوهية لانهائيته… في لانهائية معبوده للانهائية موجوده… للانهائية الوجود المطلق لعلمه وشهوده… هو فيه المقيد، يوم يرسل منه إليه فيه فبه يتقيد، يتقيد بأعلى عليه، هو فيه المنطلق، يوم يتحرر بروحه، من سجين ذواته، إلى قيام سبوحه، هو لنا في كوننا بنا المطلق، يوم نحن به بالروح ننطلق، فنحوي المكونات، ونسري في الكائنات، قبضة نوره للأرض والسماوات.
هو للنبيين والشهداء والصديقين، وللناس أجمعين روح الحياة للروح الأعظم مزوية له الأرض، مطوية به السماء، كطي السجل للكتب، كافة للناس رحمة من ربه، وهدية إليهم، لمن يريد أن يكون لله ورسوله، فيكون له الله ورسوله.
كيف يتكلم الناس في الله عن الله؟ إنهم يتكلمون عن الطبيعة، يتكلمون عما هو تحت الإنسان، واهميهم يتحدثون عن الله وعن الحقيقة، إذ هم يتحدثون بظنونهم عن الكون وعن الوجود، وعن الطبيعة، وعن الفطرة.
فإذا سما بهم الحديث، وهم يتحدثون عن الفطرة، فرأوا أنهم إذ يتحدثون عن الإنسان ثمرة لها، وخير ما ينتج عنها، تخيلوهم أنهم إنما يتناولون الحديث عن الله للإنسان، لقائم الإنسان.
وهم إذ يدخلون الإنسان في الفطرة ويجعلونه ثمرة الطبيعة، إنما يتحدثون عنه، عن أسفله لأسفلها، ويجهلونه بعلوها لأعلاها. إن الإنسان يعلو الفطرة، بصبغة الله له، ويسفل الفطرة بصبغتها له وبصبغته لهـا. ونحن إذا تحدثنا عن الإنسان تحت أو دون الفطرة، أو عن الإنسان فوق الفطرة، أو عن الإنسان قائم الفطرة، فإننا لم ننتقل بالحديث بعد عن الإنسان إلى الله.
إن الحديث عن الله، إنما هو الحديث عما قبل الإنسان، وعما بعد الإنسان، وعما فوق الإنسان، وعما هو الإنسان… إن الحديث عن الفطرة وعما فوق الفطرة، وعما قبل الفطرة، وعما تحت الفطرة، وعما بعد الفطرة، إنما هو الحديث عن الإنسان، ولا يحمله إلى مستمع له أو يشبع بـه رغبة طالب له، إلا رسول الله، وهو ما احتفظ به رسول اللـه لنفسه، ولم يصدر عنه إلا إلى من أصبح نفسه، يوم أحبه لنفسه، وآمن به لنفسه، وعشقه لنفسه، وأعلاه على نفسه، وآثره على نفسه وولده، وماله، يوم أصبح الرسول قلبه وقالبه… يوم صار الرسول نفسه وعقله، عشقه فقتله، وقتله فبعثه وصاره.
هذا ما جاء به رسول الله، لأمته لموصوف البشرية ليكونوا أمته عن بنيه ليكونوا به اسم الله الرحمن الرحيم، كلهم سليمان، وكلهم اسم الله الرحمن الرحيم… كلهم موسى، خلقهم الأعلى لنفسه، بيديه، وتحت نظره، مستقبلين من فيض عينيه… كلهم عيسى، شُرح له صدره، ويسر له أمره، وصدق منه خبره، واستقام به أثره… كلهم إنجيله في صدره… كلهم جيل… كلهم قرن… كلهم عمر… كلهم زمن… كلهم أنانية… لوجود، ولحق في شهود.
يبعث الله في هذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمور دينها، ويجمع القرون بليال عشر، في واحدية فجر، لأحدية حق بأمر بالشفع والوتر… كان محمد جماع كل فجر، قبضة نور الله للسماوات والأرض، كما كان عد كل ليال بلا حصر، يقوم ويتقلب في الساجدين عصرا بعد عصر، ودهرا بهد دهر بالنور الذي أُنزل معه نافلة له.
أفمن كان منه، فجعلنا له نورا يمشي به في الناس، إماما بينهم لحق وجودهم، واستقامة طريقهم برسول الله لهم بهم، وإمام خلق الرحمن يصطفون من بينهم بإمام كلمات الله، بخاتم النبيين، بطابع الوليين، بقائم المهتدين، بسر الهادين، بحقيقة المتحققين، بقدرة المحققين، بإرادة المريدين، إرادة له هي إرادة رب العالمين فطرة وصبغة الله للموعودين، {وما تشاءون إلا أن يشاء الله}[١١]… {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[١٢]… أفمن كان كذلك يستوي مع من لم يكن كذلك؟!
فالحديث عن الإنسان، إنما هو الحديث عن الرحمن، وهو الحديث عن الإنسان… رسولا… من الإنسان رفيقا أعلى… للإنسان رفيقـا وأعلى… إلى قائم الديان لا يدين… إلى قائم الغفور الرحيم… إلى قائم الله، لا يؤاخذ الناس بظلمهم. ولو آخذ الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة، {ولو شاء ربك ما فعلوه}[١٣]… (إذا لم تذنبوا وتستغفروا فيغفر الله لكم، لأتى بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم)[١٤].
إن الحياة على الأرض الحزينة إنما هي تجربة على الأرض الملحقة بدنيا الحيوان لكم، {ليبلوكم في ما آتاكم[١٥]… ليبلوكم أيكم أحسن عملا}[١٦]. وإن الدار الآخرة من حياة الأرض، لأولاكم لدناكم بمعناكم من الأولى متاعا لها من نبات الأرض إلى معناكم من الحيوان في الآخرة، ودار الحيوان لكم لهي أول مراحل الحياة، لمن كانوا يعلمون. وقد جعلت الأولى والآخرة، لكسب التجربة والخبرة عن الحياة ومراقيها وقيام الإدراك، والعبـرة بالنجاة، والدخول في الحياة ومغانيها، وهذان أمران في الإنسان، لا يدخل بهما الإنسان بعد، في حقيقة الأعلى في ملكوت الله لملكوته تخلقا بخلق ربه.
إنه لا يدخل إلى ملكوت الله سجناء، سواء جذبتهم الأرض فسجنتهم، أو حصرتهم السماء فأبقتهم.
إن الذين يتعرفون إلى الله، في معرفتهم عنهم لقائمه بهم، إنما هم من يتحررون من سجن السماء وسجن الأرض ومن سجن السماء قبل سجن الأرض، {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان}[١٧]، وإنا لا نعطي هذا السلطان لمن يطلبه، وإنما نمنحه لمن يطلبنا… لمن يقصدنا فنقصده… ويطلبنا فنطلبه… ولا يجحدنا فيشهدنا فنشهده، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[١٨]… {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا}[١٩]… {إن لك في النهار سبحا طويلا}[٢٠].
إنه يتبعك بنظره، فينظرك، حيث تكون، وفي كل من تكون، وأينما تكون، {وأنت حِل بهذا البلد، ووالد وما ولد}[٢١]… {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهـم}[٢٢] رحمة للعالمين، {وما كان الله ليعذبهم}[٢٣]، وهم يستغفرون من وجودهم، يوم يعرفونهم في جحودهم، فيكفرون بأنفسهـم وبشرككم، فيتهيأون للإيمان بنا، فنهديهم بك إلينا، ونهديهم بنا إليك، إن الله عليهم حفيظ.
ويوم يؤمنون، بأنفسهم مجددة إيمانا بك له، ويكفرون بها لغيره، تكون أنت بنا وبحقنا وبأمرنا عليهم وبهم الوكيل، {لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى}[٢٤]. وما العاقبة وما التقوى للمتقين إلا لمن يتابعونك، وبالحق يعرفونك، ووجها لنا يشهدونك، بوجه لنا يقومونك، ولسوف يُعرَف لمن عقبى الدار، من يخاصمونك، يومئذ يكفرون بشرككم.
يوم يشهد المؤمنون أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقومون ويظهرون بها.
(أوحي بعد رسول الله!)[٢٥]، نفثة من الشيطان، قذفت في قلوب أتباعه، قل (أوحي قبل رسول الله!)… نعم وحي قبل رسول الله، فلِمَ لا يكون وحي بعد رسول الله؟ هل أرسله الأعلى نقمة على الناس أم رحمة بهم؟ لقد عمم الله به الوحي إلى الناس، وقد جعله هو وحيا منه إليهم، ذاتا وروحا، بدائم رسالته وفعله، ووجود كوثره لقائم أمته، لعموم بشريته.
هل جاء رسول الله يوحى إليه، ليغلق أبواب الوحي إلى الناس!!! أم جاء رسول الله يوحى إليه ليعمم الوحي إلى الناس!!! (ما أعطيته فلأمتي)… جعله {كافة للناس}[٢٦]… {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[٢٧]… {إن هو إلا وحي يوحى}[٢٨].
وهل كان الإيمان مع رسول الله، ومن قبل رسول الله، إلا الإيمان بروح الله؟ {يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده}[٢٩]، ولم يقل علـى من يشاء من أنبيائه، فقد عمم إلقاء الروح على الناس، برسول الله، روحا يلقى من أمر الله، جعل الله له أمره. {أتى أمر الله فلا تستعجلوه}[٣٠]، (أنـا روح القدس)[٣١]… (فاطمة ابنتي روحي)[٣٢]… فكان رحمة للعالمين، فاتحا لما أغلق، خاتما للضيق الذي سبق، فقد كانت الروح من قبله، قاصرة على النبيين، ومن بعده عممت للمؤمنين.
أما في الفطرة، فما غاب وحي الله، للحيوان، وللنبات، وللجماد، وللإنسان، أوحى إلى النحل، كما أوحى إلى العنكبوت. أوحى إلى النحل أن اسلكي سبل ربك زللا… وأوحى إلى العنكبوت أن يبني بيتا ضعيفا واهنا… إن أوهى البيوت لبيت العنكبوت… أوحى إلى الحشرات، وأوحى إلى الناس، أوحى إلى كل نفس، فألهمها فجورها وتقواها… إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا… أوحى لها أن اسلكي سبل ربك زللا، فهداهـا، وأوحى لها، نفسا وما سواها، ذرية بعضها من بعض، خبيثة أو طيبة… أوحى لها منها بها فيها إليها، أن تبنى بيتا واهنا، وجعل منها زينة الحياة الدنيا، {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض}[٣٣]، ويبعث المرء في جديده على ما مات عليه في قديمه، إنما هي أعمالكم ترد إليكم.
إن وحي الطبيعة لكائناتها قائم قديما وأبدا، وسرمدا، وحي الكل لأبعاضه لكل ألوان الطبيعة، أما الوحي إلى الإنسان من الأعلى باصطفائه، مـن جنسه، من البشر، ليكون آدما وبدءا ينفخ فيه الأعلى من روحه، لتجليه بنفسه، ويكرمه في أبنائه، اصطفى آدم وكرم بني آدم، {ورجلا سلما لرجل}[٣٤]، أول عابدين، في قيام وصف العبد له بين عباد من مثاله.
هذا أمر الدين، وهذا يقوم فيه الرسول قدوة ومثالية كافة للناس… (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)[٣٥]… (كلكم راع وكلكم مسـئول عن رعيته)[٣٦]، جعله الله، كافة للناس، يقتدونه، فيبعثونه، فيكونونه، فيعرفـون الله أكبر، يوم يقومونهم في حصن لا إله إلا الله، أسماءً لله، ويشهدونهم في كوثر رسول الله محمدا رسول الله… (الزم الإمام… الزم الجماعة)[٣٧]… (عض ولو على جذع شجرة)[٣٨]… (من مات وليس في رقبته بيعة لإمام مات ميتة الجاهلية)[٣٩]… (قليل من عالمكم من يدخل إلى عالمنا وهو منسوب إلى أسرة)[٤٠] هذا ما تقول به الأرواح المرشدة.
هذا جاءكم به دين الفطرة، فهل أنتم بينكم به تتواصون، ودين الفطرة تتعلمون وتُعلِمون؟ ومن وعي حي به منكم به تفيضون وتلهمون، وتوصون حتى يتواصى الناس بالحق، مع محب لله ورسوله، ومخالل لله ورسوله، ومؤمن بالله ورسوله معه على دين الفطرة يقومون، حتى يقوم منهما في الفطرة، لمحمد أمة، من رسول لمرسَل ومرسَل إليه لرسول ومرسِل صديقا مع صادق، وقائم حق وظلال له في ناموس؟ (ابدأ بنفسـك ثم بمن تعول)[٤١] ، (منك وإليك يا رسـول الله)[٤٢]… (لا فرق بيني وبينك)[٤٣]… لما بين العبد وربه.
فهل تواصينا أن البدء يكون من النفس للنفس؟ وأن الوعي لا يبدأ إلا من أعماق النفس؟ وأن الإيمان لا يقوم إلا من أعماق الذات؟ وأن الخلق والتخلق والخلق لا يبدأ إلا من القلب لينتشر في القالب؟ وأن الفكر لا يسلم من شوائبه إلا بالتوحيد مع موحد، في وحدانية الله؟
كل هذا كان لنا، وهو لنا كائن، ولأبنائنا يكون، يوم أنا له نكون، لمن كان من قبلنا له كان، أمة طيبة وشجرة طيبة ونفس صالحة، وإنسانية رشيدة، بعضها من بعض. والذي خبث لا يخرج إلا نتنا.
بهذا جاءنا رسول الله… وبهذا بيننا حديث الله بكتاب الله نقرأه ولا نتواصاه، نترنم به ولا ندرك معناه، نطرب له ولا نجدد فينا مبناه… أين هو الله؟ أين هو الإنسان؟ أين هو رسول الله؟ من عصر رسول الله إلى عصرنا فقدناه، وهو بيننا ما افتقدناه، أو جاهدنا لنلقاه، أو جاهدنا لجانبه يوم شهدناه. كانت سيوفنا سيوف أعداء، وقلوبنا له بيوت مولاه، خالية من نوره ومعناه.
هذا حالنا، وهذا أمرنا. ويوم لا نفرط في أمرنا، به يصلح حالنا، يوم نقوّم أحوالنا. ها نحن في هوان… ها نحن في مسكنة للطغيان… ها نحن مجرد أبدان، لا وجدان لها… لا قلوب لها… لا بصائر عندها. ها هي آيات الله في أنفسنا، وفي الآفاق، فينا ومن حولنا، وعلينا ومن تحتنا، وبنا وبغيرنا، تتلاحق لإيقاظنا، ونحن نيام، لا نستيقظ… لا نفيق… لا ننتبه… هذا حالنا… هل إلى كفرنا اهتدينا، فأصبحنا في هدى، حتى نتواصى كيف نغير ما بأنفسنا، حتى نغير ما بنا؟ سبحان الله… ما أصبرنا على النار.
إن الإنسان لربه لكنود، إنها الدنيا معبوده، إنه المال منشوده، إنها الأرض… إنها الدور… إنها الأرائك… إنها الزرائب… إنها الرياش… إنهـا الرخاوة… إنها الطراوة… إنه الخمول… إنه اليأس… إنه الموت… إنه العدم، هو الذي يستهوينا، وهو الذي نرضاه ليرضينا.
إن الله لا يتركنا لأنفسنا تضيعنا. وها هو يسوقنا ويذكرنا حتى نفيق، وحتى نستيقظ، فهلا استيقظنا وهلا أفقنا. إن الله بالغ أمره، وإنه لبالغه، ولكن متى؟ وبعد أي مشقة! وبعد أي بلاء! إننا لو تنبهنا، لتلاقينا مع الله في الطريق، ولتوقف هذا البلاء، ولتحققت لنا نعمة الرجاء.
نسأل الله بمحمد أن يحقق لنا ما أراد لنا، وأن يبعد عنا ما أردنا لأنفسنا، وأن يأخذ بنواصينا إلى الخير، وأن يكشف الغمة عن الأرض، وأن ينزل إليها السلام، وأن يقوِّم بين أهلها الحديث والكلام، حتى يتواصى الناس بالحق، لإعلاء كلمه، وطلب طلعته، وشهود يده ونجدته برسول رحمته.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله
مصادر التوثيق والتحقيق
في هذا الجزء من الألواح تم إضافة بعض علامات التشكيل بناء على النسخة الأصلية المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎
سورة الفتح - ٢٩ ↩︎
سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎
من الحديث الشريف: “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان… ↩︎
تم تصويب هذه الكلمة وفقا للنسخة الأصلية المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎
حديث شريف: “تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله.” أخرجه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) والطبراني في ((المعجم الأوسط))، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) ↩︎
من حديث شريف، “اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.” مجمع على صحته، أخرجه مسلم، والبخاري. ↩︎
نفس الملحوظة السابقة ↩︎
سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎
تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
سورة الإنسان -٣٠ ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة الأنعام - ١١٢ ↩︎
حديث شريف: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ.” صحيح مسلم. ↩︎
سورة الأنعام - ١٦٥. ↩︎
سورة الملك - ٢ ↩︎
سورة الرحمن - ٣٣ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨:٢١٩ ↩︎
سورة المزمل - ٦ ↩︎
سورة المزمل - ٧ ↩︎
سورة البلد - ٢-٣ ↩︎
سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎
سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎
سورة طه - ١٣٢ ↩︎
عبارة جاءت في الأثر هدف قائليها إن وحي السماء توقف بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، والممكن فقط أن تكون للمؤمن فراسة، فيشير السيد رافع إلى أن رسول الله هو نور الله الباقي الدائم في عترته وكتاب الله. ↩︎
سورة سبأ - ٢٨ ↩︎
سورة يوسف – ٨٧ ↩︎
سورة النجم - ٤ ↩︎
سورة غافر - ١٥ ↩︎
سورة النحل - ١ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
إشارة للحديث الشريف: فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَن أغْضَبَها أغْضَبَنِي. أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
سورة الأنعام - ١١٢ ↩︎
سورة الزمر - ٢٩ ↩︎
حديث شريف. أخرجه الترمذي في صحيحه، والدارمي ↩︎
من الحديث الشريف: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
من الحديث الشريف: “تكونُ دعاةٌ على أبوابِ جهنمَ، مَنْ أجابَهم إليها قذفوه فيها، هم قومٌ مِنْ جِلْدَتِنا، يَتَكَلَّمُونَ بألسنتِنا، فالزمَ جماعَةَ المسلمينَ وإمامَهم، فإِنْ لم تَكُنْ جماعَةٌ ولَا إمامٌ فاعتزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّها، ولَو أنْ تَعَضَّ بأصلِ شجَرَةٍ حتى يُدْرِكَكَ الموتُ وأنتَ كذلِكَ.” أخرجه ابن ماجه بنحوه، البخاري، ومسلم مطولا. ↩︎
نفس الحديث أعلاه. ↩︎
من حديث شريف: " مَن خَلَعَ يَدًا مِن طَاعَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَومَ القِيَامَةِ لا حُجَّةَ له، وَمَن مَاتَ وَليسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً". صحيح مسلم. ↩︎
عبارة للسيد الروح المرشد سلفربرش. ↩︎
حديث شريف ذات صلة: “خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. وابدأ بمن تعول.” صحيح البخاري وصحيح النسائي. أيضا من الحديث الشريف: “ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها فإن فضلَ شيءٌ فلأهلكَ، فإن فضل من أهلك شيءٌ، فلذي قرابتِك فإن فضَل من ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا، وهكذا.” أخرجه مسلم والنسائي. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎