(٦)
محمد الحق
للنبيين والحكماء وأئمة المؤمنين به يحمدون ولله يكبرون
وللبشرية بكوثره يحققون
رسولا قائما دائما للناس أجمعين
في كل أرض وفي كل أمة وفي كل دين، في كل وقت وحين
حديث الجمعة
٢٦ جمادى الأولى ١٣٨٧ هـ - ١ سبتمبر ١٩٦٧ م
الحمد لله والشكر لله… الحمد لله والشكر لله… حمدا وشكرا لحق الله، ورسول الله… الحمد لله الذي هدانا إلينا لنراه، في مبنانا لمبناه بقائم معنانا لمعناه بلا إله إلا الله، في طريق رسول الله، طريقا لله، من الله إلى الله.
نحن هنا لا نطلب حقا بعيدا عن وجودنا، ولا نسعى لغاية بعيدة عن موجودنا، ولا نتابع رسولا في عزلة عن عقولنا، ولا نمتطي للطريق في الحياة مطية غير نفوسنا، ولا صديق لنا في طريقنا غير ضمائرنا.
الله لنا كل معانينا، ومعيتنا في كل أطوارنا في مبانينا، هو لنا كل أحوالنا في مغانينا. قامها الرسول من أنفسنا قدوة لنا فينا، به اقتدينا، وله أسلمنا. فإلى ما هُدي هُدينا، وفيما بُني بُنينا، وبما قامت أحوالـُه أصلح الله به أحوالنا لنا فينا، وبما استقامت معانيه قَوَّم الله فينا معانينا، فقمنا له، بعثا به، قياما بربه، شهده وأشهده، قامه وأقامه، وعَلِمَه وعَلَّمه، وفَهمه فأَفهمه، وكرمه وتكرمه. قام بنفسه وبحسه وبوعيه، كما قام بغايته وبأحواله، وبحكمته وبكوثره وأمثاله، بحقائقه وظلاله، لحقه في أحده باسمه ومثاله، في مطلق موجوده قياما لمعنى معبوده.
فكان للعالمين خالص رحمة، ولم يكن في رحمته أي شائبة لنقمة، ولكن النفوس بالغفلة عنه رحمة مهداة، أدانت نفسها، وظلمت كرتها، يوم أخذت في غير سبيله طريقها، فتفرقت سبلها عن سبيله، وافترقت بدليلها مفارقا دليله عن سبيله لها ودليله… سبيلا واحدة لا شريك لها… سبيلا مستقيما لا عوج فيها… سبيلا مشرقا لا ظلام لها… سبيلا محسوسة لا تجهيل لمسالكها… سبيلا دانية لا بُعد لها… سبيلا مصلحة لا فساد فيها… سبيلا مخلصة لا تعثر بها، ولا عثرات فيها… سبيل الله… سبيل البصيرة… سبيل ربوبيته… سبيل حقيته… سبيل متابعيه بحقه إلى حقيقته. {وذلك دين القيمة}[١].
سبيل هي دنيا… سبيل هي وجود… سبيل هي برزخ بين دنيا الله حيث لا خالق ولا مخلوق، ودنيا الناس من خلق آبائهم، دنيا وسطا بين دنيين، ووجودا وسطا بين وجودين، وأمرا وسطا بين أمريـن، وحقا وسطا بين حقين، وعالما وسطا بين عالمين. فإن الله بدينه وأمره وسبيله، بحقه ووجوده، هو لهم جماع، وهم فيه على اجتماع.
يخرج الناس من دنيا الناس إلى دنيا رسول الله، فيردون إلى دنياهم، أو يردون إلى دنيا مولاهم، فيه وفي دنياه مرج الله البحرين يلتقيان، به يخرج من بحره الجامع للبحرين اللؤلؤ والمرجان، به ومن وجوده ينشق عنه الملك والجان، وفيه يتجدد الآدم والإنسان. ديان لا يدين، وحق ظاهر، في دوام من كوثره يبين ويبين.
يظهر دائما دنيا من دناها، ودنيا لدناها، دنيا وآخرة لمعناهما من معناه، في قائمهما ومبناهما لقائمه ومبناه. هو بدناه الأولى والثانية، وهو قبل الأولى للأولى، وبعد الثانية للثانية. هو دنيا من دنيـا، وهو دنيا تنشق عنها دنيا، بلا بدء لدناه عنه لدنياه منه تنشق، ولا آخر لدناه عنه بدناه منه تنشق. فكان لنا دنيا وسطا، وأمرا وسطا، وإنسانا وسطا، وحقا وسطا، ووجودا وسطا.
كان لنا عَلَم القديم، وعِلم القادم مُعلما ومعلما لأعلام القديم والقادم قائم القائم، اختارته أعلام الله لأوادم الله في قديمها، لظاهرها لها في سبق ظهوره، واتخذته لدوام ظهورها لها غاية، وقدوة، ونهاية، فأخذ له الأعلى ميثاق النبيين، وشهد له بحسن الخلق رب العالمين. يتوفى الأنبياء إلى مقامه، قدم مولاه، ووجه أعلاه، ويد قادره، وروح قيومه، لداني قائمه.
به سعى الخالق لخلقه، وبه سعى الخلق إلى خالقهم، فكان الطريق المستقيم إلى الخالق، وكان الطريق القريب للحقائق إلى الخلق من عالم الخالق… معجما ولا إعجام… ميسرا ولا يسر… قريبا ولا قرب… عظيما ولا عظمة… ضعيفا ولا ضعف… مسكينا ولا مسكنة… يتيما ولا يتم… عائلا ولا عول… قادرا ولا قدرة.
إنسان… وبعيدا عن مفهوم الناس للإنسان. رحمن… وقائما عند الناس بقائم الإنسان. حق… ما عُرف إلا في جلابيب خلق. تدثر وما اختفى، وعرا بالحق وما ظهر. ما عرفه غير ربه، وما كان الناس عنده إلا ربه، لا يرى إلا قلوبهم وما فيها، وبقلوبهم لربه عرفوه… عرفوه ربـا لهم، وقيوما عليهم، وحقا قائم إحاطتهم، يد الله مقلة، ويـد الله مظلة، وعين الله ساهرة، ووجه الله ظاهر، ونصب الله سافر، وبيت الله المذكور للذاكر.
قال ظلاله للناس لسامع منهم، (لو أردناك، لكان كل ما فيك يردنا)[٢]. فماذا يقول أصلهم؟ ماذا يقول رسول الله؟ ماذا يقول أصل وجوهر الرحمة، وجنة النعمة؟ يقول (أمة مذنبة ورب غفور)[٣]… يقـول (لا أرضى وأحد من أمتي في النـار)[٤]… يقول (لكم من الله ما لـي)[٥]، يقول (من كان مني كنت منه)[٦]… من رآني ربه، ظهرت له عبده، جامع العبد والرب فيه، لقائمه ومقتديه.
أظهره الأعلى على الدين كله، وكيف أظهره على الدين كله؟ ما عرف الألوهية إلا يوم لبس جلبابها فكان إلها، فعرف نفسه بها، وما عرف الربوبية إلا يوم قامها وكان ربا، فأدرك الربوبية لقائمه ربا، وما قدر العبودية إلا يوم كانها، فسعد واستراح بها عبدا، فحـرص على عبوديته، وبذل للناس ألوهيته وربوبيته، قائم عبد لهم، مرضاة للأعلى، حتى يرفعهم إلى معبوده هو، ومنشوده هو، ومعلومه هو، فيعرفون ربه يوم يكونون أربابا، ويعرفون إلهه يوم يكونون آلهة، ويعرفون زمالته، وشرف عبوديته، يوم يكونون عبادا على مثاله رشادا، وبقائمه حقا، وبطريقه مجاهدة وسعيا، إلى اللانهائي غاية وهدفا، فتقوم اللانهاية فيهم عطاء ونعمة، عطاء غير مجذوذ، ومرتقى غير متوقف.
قامت رسالته به يتردد في مواطن الفطرة، ويتأمل في أطوارها بالعبرة، بين دفين جذور الشجرة، وظاهر الفروع لها بالثمرة، بالحق ينزل ليعلم، وبالحق ينزل ليتعلم ويعلم، فيتعلم يوم يُعلِم، ويجهل فيجهل يـوم يعلم… لا يطلب لنفسه عِلما إلا عن الحق والحقيقة، ولا ينكر على الحق في الخلق والخليقة.
أدبه ربه فأحسن تأديبه… أدبه حقه فأحسن تحقيقه… أدبه قيومه فأحسن تقويمه وقيامته… أدبه الأعلى، ورفعه لأعلى، اتجاها إلى من لا يُعلى، يوم أعلاه على نفسه، حتى يعلو بقائمه وحسه، وحتى ينزل بإرادته دون من أعلاه بقدرته، فيعلم الناس كيف يكون العلـو، ولما وكيف يعلون، وليعلمهم عليين كيف يكون الدنو، ولمـَا، وبما، وكيف يدنون، رحلة الشتاء والصيف، خروجا من الشتاء إلى الصيف، وخروجا من الصيف إلى الشتاء، وخروجا من الشتاء والصيف إلى حيث لا شتاء ولا صيف، مترددا بين السماء والأرض، انطلاقا إلى السماء، تخلصا من الأرض، وعودا من السماء إلى الأرض، لإحاطة الأرض برحمة السماء، بطي السماوات سجلا وكتابا لعلم الله على الأرض، ليكون من الموقنين.
{وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض}[٧]. ومن الذي أرى إبراهيم ملكوت السماوات الأرض؟ أليس هو روح القدس؟ أليس هو رسول الله روحا وقدسا فهو الحق من الله، لكل من رأى الحق لله، قياما بمن أحاط بالسماوات والأرض، فما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا، أو من وراء حجاب، وما كان روح القدس له إلا رسول الله.
من الذي حمل إلى آدم رسالة الله إليه بمهدي الله، وتكليف الله له، بما كلف به نفسه، نبعا عن نفسه وحسه، وحيا يوحى أو من وراء حجاب الروح الأمين؟ من يكون الذي ألقى على آدم، أو نفخ منه في آدم بروح الحياة الدائمة؟ {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه}[٨]، في آدم قيامه، بآدم حسه.
من الذي قال لآدم في طور من أطواره {اسكن أنت وزوجك الجنة، فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة}[٩]؟ من الذي حمل عبارات الله إلى ملائكة الله، في قائمهم بشرية الله، وما كان الله ليكلمهم بشرا، إلا وحيا أو من وراء حجاب، {اسجدوا لآدم}[١٠]؟ فمن كان حجاب الله المتحدث إلى آدم، بما حمل إلى آدم من إرادة الله وهدي الله؟ هل كان كل هذا من غير رسول الله؟ أو هل يوصف القائم بهذا إلا بلفظ رسول الله أو الكلمة أو الروح؟ {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا}[١١]… أرسلنا لها رسولنا… (أنا روح القدس)[١٢]… (ما عرفني غير ربي)[١٣]… أنا كلكم (ولست كأحدكم)[١٤].
هل قدرنا رسول الله حق قدره؟ هل توقفنا عن التفريق بين الله ورسوله؟ هل صدقنا وقبلنا الكتاب… (لا تفرقوا بين الله ورسوله)[١٥]، {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}[١٦]… هل جاهدنا أنفسنا لكشف الحجاب؟ هل طرقنا السبيل فلم تسقط أوزارنا، ويحتد إلينا بصرنا، فندرك ما تشهد أفئدتنا، ونسعى في الله سعينا، وترتقي بالله أحوالنا، ونسلك في الله طريقنا، فنشهد خلتنا، وجها لوجه، وعينا لعين، حتى لا يزيغ البصر ولا يطغى، فنعرف أنها نزلة الحق إلينا، سعيا لنا، ودنوا منا، حتى نكون فيه قاب قوسين أو أدنى؟
ما شُهد الله بوجه يشاهد، لوجه يشهد، إلا وجه المؤمن، لوجه المؤمن… وجـه المؤمن بالله ورسوله، لوجه المؤمن قيام الله ورسوله. وهل قام محمد إلا قائم الله ورسوله؟ وهل كان لنا بيننا من أنفسنا، إلا الحق وجها لله ورسوله، لنكون به قيام عينه وجوها لله ورسوله، يوم نؤمن بنا وجوها لله ورسوله فنتلاقى معه، ويتلاقى معنا، وجه لوجه، لله ورسوله، مؤمن لمؤمن، بقائم الله ورسوله لطالب لله ورسوله، حق لحق، حق بشطريه، بقوسيه، الله من ورائهما بإحاطته، على ما كان الرسول مع الأعلى لله ورسوله، طالبا مفتقرا؟ (ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات)[١٧]، وعلى ما كان الرسول قياما بالله ورسوله مع عترته من بنيه من موحديه، ليكون بنعمة الله قدوة به للناس فيه. أليست هذه أقانيم وثالوث وتعديد وتوحيد لحقائق الأمر الوسط في الله ذي المعارج؟
إن الحق الجامع للحقين في أعلى وفى أدنى له منه فيه، بتنزيه الله عن الاتجاه والحركة، ما تشاهدت حقائقه له، في حقيقة اجتماعه، إلا بوحدانية جمعه. وهذا ما كان للإنسان في مطلق الله… إنسان وحقائقه… رحمن وملائكته… آدم وولده… مُوجد وموجوده… مشاهد ومشهوده… حق وحقائقه… خلق وخلائقه.
هذا ما جاء به دينكم، يوم تكونون في دينكم… هذا ما جاء به حقكم، يوم تقومون بحقيقتكم… هذا ما جاء به رسولكم يوم تدخلون رسولكم، بيتا لله، أشار إليه منسككم… بيتا لله عمرت بأنواره قلوبكم، وأشرقت بإشراقه مشكاة صدوركم، يوم تذكرون أمركم لأمره، في أمر الله، لجهره وسره.
إنكم لرسول الله غايته إلى نفسه، وإنكم مع رسول الله هو غايتكم إلى حقكم لحقه، فحقه له فيكم غاية، وأنتم لكم إلى حقه بكم غاية. إنه لنفسه بكم قائم بداية، وأنتم لنفسه فيه بحقكم به قائم نهاية لغاية. الرسول عليكم شهيد ما كنتم به على الناس الشهداء. ليس لكم من الله، إلا مما كان له، ولن يكون لكم من الله ما له، ما لم تستقبلوه منه لقائم وقيوم نفسه لعينه بكم. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله، يؤتكم كفلين من رحمته}[١٨].
(الله معطي وأنا قاسم)[١٩]. وكيف يصل إليكم العطاء، إذا لم تطرقوا أبواب أبى القاسم لأخذ عطائكم؟ عنده لكم هدية من الله إليكم، وهو ما يحييكم… وما يغنيكم… وما يرضيكم… وما يسعدكم… وما يغرقكم في نعمائه… وما يحيطكم برعايته وولائه… وما يقوم في أنفسكم بجزائه… وما يبعث في قلوبكم بحقه واصطفائه.
الرسول هو كل شيء للمؤمن، وبغير الإيمان به لا إيمان بالله. إن الإيمان في الله إنما هو الإيمان به بموصوف الرسول أو بموصوف الحق المعلوم.
إن الله بمطلقه في لانهائيه وجود لا إيمان به… إن الله بمعناه وجود لا شريك له… إن الله بمبناه بالوجود شهود لا غيب له… إن الله بحاكميته بقدرته قيام لا إنكار عليه. ولكن الحق المنشود للنفس إنما هو الرسول، هو طريق الله إليكم بالحق فيكم… هو لمفرداتكم الطريق إلى قدس جمعكم أحد في واحديته وقدس لجمعه في ذاته، لحقيقته لقائم فرده.
إن القائم على كل نفس بما كسبت، هو في شهودكم قائم، وعلى كل نفس بما كسبت ظاهر. إنها الوحدانية، {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}[٢٠] {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}[٢١]… {وهديناه النجدين}[٢٢].
إن رسالة محمد لم تُغيب الله، ولكن أشهرته وأشهدته، ولكنها غيبت أنفسكم ممسوحة بالحق أو ممسوخة بالباطل، ولكم في عمائكم عنكم قدمته، حتى تأتى أنفسكم من غيبها في حقها لقائمها ولشهودها، ظاهرة بأحد الحالين، مغيبة للآخر، الله من ورائها بإحاطته، وأقرب إلى كل نفس من حبل الوريد فإن ظهرت بباطلها تهيأت لها الفرصة لتغيير ما بها إلى الحق المرسل إليها لشهودها، قياما لله على كل نفس بما كسبت.
لقد عكسنا الأوضاع في فهمنا عن دين الإسلام، فأحضرنا وحضرنا أنفسنا، وغَيبنا الله، وجَهلناه، وعن وجودنا أبعدناه، ففقدناه، وأتلفنا مبناه، وحرمنا معناه ونحن نقول كالببغاوات، بألسنتنا ما ليس في قلوبنا، نشهد أن لا إله إلا الله.
أي إله؟ وأين هو هذا الإله؟ وكيف شهده مشاهد أنه لا إله إلا اللـه؟ ومن يكون عنده هذا الإله؟ وما يكون عنده معنى الإله؟ وما يكون عنده معنى الكائن المشاهد لإله؟ ومن يكون عنده المؤمن بالله؟
هل شهد الله من هو ليس الله!!! أو كيف يشهد الله من هو غير الله؟ هل شهد إلها من هو ليس بإله؟ وكيف يجتمع مخلوق على خالق، ولا تناسب بينهما؟ هل إذا دخل المخلوق في حضرة الخالق يبقى في وصف وصفات المخلوق؟ من يكون المبعوث بالحق عندكم!!! وهل من بُعث بالحق يفقد الحق!! ويرتد إلى وصف الخلق!!
{يا أيها المدثر قم فأنذر}[٢٣]… (أنا النذير العريان)[٢٤]… {ووضعنا عنك وزرك}[٢٥]… {فكشـفنا عنك غطاءك}[٢٦]… {إنا أعطيناك الكوثر}[٢٧]… {إن شانئك هو الأبتر}[٢٨]… {قل جاء الحق}[٢٩]، دائم الحق، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٣٠]، تتلو كتابا من علمك، ومن معرفتك، ومن تجربتك، ومن إنشائك لفيض حكمتك، ومن قلمك لبيان مكنتك، في صحائفك بكرات تواجدك، في أي صورة ما شاء ركبك، في واحدية وجودك، لأحد حقك وموجودك، {إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين}[٣١].
أعلمك الله ما كان، وأعلمك ما يكون، وأقامك ما هو كائن لكائنك، ولأمرك، ولوجودك، على ما شهدت، وعرفت من موجود سبقك، لقائم خلتك، بمن اجتمع عليك بوصف خليلك وحبيبك، وبمن جمعت على نفسك لعينك، فكان لك وكنت له قاب قوسين أو أدنى، فعرفته على ما عرفك، كلاكما للأعلى، لا يستنكف أن يكون لله عبدا، فقـام الرسول بيننا، وتحدث إلينا عن الذي دعانا إليه ربا لنا، وربا له، فلم يستنكف أن يكون لله عبدا، وإن كان رب وجوده، وحق شهوده، وسيادة فعله وموجوده، وخالق نشأته لعيانه وشهوده.
فخاطبه الأعلى لسمعنا… كافة للناس يسرناك، فيسر ولا تعسر، {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}[٣٢]، خاطبهم على قدر عقولهم، وارتق بعقولهم معك في معراج رقيك، في أناة وتؤدة، بعيدا عن العجلة، بسبيل هدايتك قائمة في دائم رسالتك، خافضا لهم جناح الذل من الرحمة.
وقال له لهدينا، جعلنا النبيين ظلالك، وجعلناهم معجبين بحالك، طالبين منا مآلك ومثالك، وإنا لمتوفيهم إلى ما طلبوا، ورافعيهم إلى ما صبت إليه نفوسهم، ورافعيك فوق ما حققوا، أنت إلينا الإمام، وأنت منا السلام.
برسول الله سعادتنا، وبالغفلة عنه شقاوتنا… فلا تستكبروا على رسول الله، استكبارا على الله… لا تستكبروا على عبد الله، استكبارا على ربه… لا تستكبروا على خلق الله، استكبارا على خالقه… لا تستكبروا على حق الله استكبارا على محققه… لا تستكبروا على عليّ الله، دينا بينكم، استكبارا على الأعلى، وكنودا مع الأدنى، (واخفض لهم جناح الذل من الرحمة)[٣٣].
اخفض لهم جناح الذل رحمة بهم… اخفض لآبائك جناح الذل… اخفض لأبنائك جناح الذل… اخفض لأخوتك جناح الذل… اخفض لأبناء أخوتك وأبناء عمومتك جناح الذل… اخفض لأخلائك من الليل جناح الذل… اخفض للناس جناح الذل… اخفض للوجود جناح الذل، فلست ذليلا، حتى يفعل فيك مركب النقص فعله في غيرك، أنت العزيز والأعز… أنت الكريم والأكرم… أنت الرحيم والأرحم… أنت العلي والأعلى… أنت الحق والأحق… أنت اسم الله، وعلم الله، والأعلى في الله، لكل من علا في الله، طلبا لله، في متابعتك.
أنت حصن لا إله إلا الله يدخلونك… وأنت حقيقة رسول الله يقومونك، فأقم دينك على دعامته من كتابك وعترتك، الخير فيك وفي أمتك إلى يوم سفورك بقيامتك، في شهود لا إله إلا الله، بمحمد رسول الله، لبيت الله، وقبلة الطواف والاعتكاف والصلاة.
اللهم بمن كان لا إله إلا الله محمدا رسول الله، وبمن كان محمدا رسول الله لقائم لا إله إلا الله… اللهم به أقمنا فيها، فأشهدنا به أنه لا إله إلا الله، وأشهدنا بك أنها محمد رسول الله، بإشهادنا لنا قائم محمد رسول الله، لشهادتنا لنا للا إله إلا الله.
اللهم بمن قومت به السبيل، قوم إليك سبيلنا… اللهم بمن جعلت منه إليك الدليل، اجمعنا عليه فينا، دليلنا، بمن جعلته له دليلا بيننا، رسولا من أنفسنا، عنا بكوثره ما قطعته، وربا لنا في أنفسنا كلما أشهدته، فخرجنا به من العدم، يوم بنا إليه، حققته، فبه تحققنا، بما حققته.
اللهم بمن جعلته الوسيلة، ومن حمدته الفضيلة، وبمن أثنيت عليه حسن الخلق وكريم الخلق، ومصطفى الحق، واسم الخلق عند الخالق، واسم الحق عند المخلوق، اللهم به فارحمنا.
جعلته ذكرا محدثا لذكر قديم، وجعلته لنا بنا حدثا، وجعلتنا به فيه قدما، وجعلتنا لك به أبدا، وأضفتنا إليك به أزلا، فكنا به لك عبادا، وعلونـا على ما صنعت بنا أربابا، وعلى من حققت بنا بطريقنا له لـك أسماءً، علما عليك، وعبادا لك مكرمين منك فوق الأرباب، وفوق الآلهة، كتب علمك وأئمة دعوتك، لا يحاط بك، ويحاط بما شئت أن تحيط به مما نحاط به من علمك، كلمات قدسك وهديك من علمك أنـت في خلقك، يوم يعلم الخلق عنهم علما عنك، معلومة لهم أنفسهم في معلومهم بك.
وما زلت بفضلك غيب وجودهم، ومشهدهم معارج شهودهم، يشهدون وجهك بشهودهم أنفسهم، ويشهدونك من وراء وجوهك بإحاطتك، قيوم قائمك بحقائقك بإنسانيتك، راشدين مرشدين، عالمين معلمين، متحققين محققين، عابدين قانتين معبدين، إلى اللانهاية سالكين مسلكين، لغاية الحياة وبمشهود الحياة قائمين ومقيمين، الله لا إله إلا هو موجودين، بالحياة فياضين، ولأحواضها واردين وموردين، ولأنهارها مجرين ومطهرين، وببحارها معلمين، دين القيمة للعالمين.
هذا هو الدين… فاعرضوا أنفسكم على الدين، فإن لم تكونوا في الدين، فادخلوا في الدين، وإن كنتم في الدين فاحمدوا الله رب العالمين.
أنا لا أقول لأيكم، أنت في دين، أو أنت في غير دين، ولكن قولوا أنتم لأنفسكم بضمائركم، بعقولكم، بصفائكم ما تقولون، ولا تنافقوا مع أنفسكم، بل كونوا معها صادقين، ولا تجزعوا إذا حكمت ضمائركم عليكم أنكم لستم في دين، فإنكم إن عرفتم حكمها مصدقين صادقيـن فقد طرقتم أبواب الدين، ودخلتم بتغيير ما بأنفسكم في الدين. فالزموه حتى يأتيكم به العلم واليقين.
إن الأنبياء من قبلكم ما برّأوا أنفسهم، فَلِم تكونوا أنتم لأنفسكم مبرئين، وقد أعلمكم العليم وصدقكم الصادق الأمين، إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؟ ولن يغيروا ما بأنفسهم حتى يسرى فيهم نور الله، بمصاحبتهم لمن يحمله.
إلى متى بينكم نفوسا تتناجون؟ وبعضكم لبعض بزائف القول يوحون؟ وبالباطل يتذاكرون؟ وكلام الله عن مواضعه يحرفون؟ والله بعيدا عن أنفسهم يطلبون؟ وهم إلى أنفسهم لطلبه يوجهون؟ وفى دوام بمثل بينهم يذكرون؟ وبقوارع الحياة يساقون؟ ولكنهم لا يتحركون، وعلى الأذى يصبرون، وللضرب يستطيبون، وعلى البلاء يحرصون، ومراكب النجاة بينهم بعترة رسول الله لا يركبون، وفي ركبه لا يسيرون، وإلى ساحته من العذاب لا يتخلصون.
دين وأي دين… دين القيمة أوغل فيه برفق، (هذا الدين القيم، أوغل فيه برفق، إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى)[٣٤]، ولكن الناس لا ظهرا يمتطون، ولا طريقا يطرقون، فكيف هم لأرض يقطعون، وعن دار البلاء يزحزحون؟
اللهم بمن أحييت به مطايا وجودك، لنعمة بهائمك، لحياة حيوانك، إلى حق روحك، وإنسان سبوحك، {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون}[٣٥]، من أقطار السماوات والأرض فانفذوا - إن استطعتم أن تنفذوا - لا تنفذون إلا بسلطان.
اللهم بمن جعلته رحمة للعالمين، ولِ أمورنا خيارنا رحمة بنا، ومغفرة لنا، ولا تولِ أمورنا شِرارنا ردا لأعمالنا إلينا جزاء لنا، وإقامة لعدلك فينا، وعاملنا اللهم برسول وحضرة رحمتك، به فارحمنا وآباءنا، وأولادنا، وأخلاءنا، وأصدقاءنا، وأحبابنا، وجمعنا.
اللهم به فتولَ أمورنا، ويسر أمرنا، وخذ بنواصينا إلى الخير، وألف بين قلوبنا، وأنر عقولنا، وأشعل نفوسنا، وأحيِ قلوبنا، وقوم جوارحنا.
اللهم به فاكشف الغمة عن الأرض، وعن هذا البلد، وعن بلاد المسلمين، وعن بلاد خلقك وعبادك، وعمم به رحمتك، وقرب به نعمتك، وأعلِ به كلمتك.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
اللهم به فأصلح أحوالنا حكاما ومحكومين، يقظين وغافلين، عاملين وخاملين.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة البينة- ٥ ↩︎
بيت من نشيد صوفي يُرجعه البعض لشاعر من العصر العباسي معروف باسم “بكشاجم”. كما يرجعه البعض إلى السيد ة زينب ابنة الإمام علي كرم الله وجهه:أيها المــعرض عنا … إن إعراضك مـــــنا لو أردناك جعلنا … كلَّ ما فيك يردنــــــــــا عباد أعرضوا عنا … بلا جرم ولا معنــــى أساءوا ظنهم فينا … فهلا أحسنوا الظـــن فإن خانوا فما خنا … وإن عادوا فقد عدنـــــا وإن كانوا قد استغنوا … فإنا عنهم أغنى ↩︎
حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في (تاريخه) عن أنس ابن مالك. المحدث الألباني. المصدر: ضعيف الجامع. ↩︎
من حديث شريف جاء في تفسير القرطبي أنه حين نزلت الآية {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال النبي صلى الله عليه وسلم “إذا والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار.” وجاء في صحيح مسلم (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا قول الله تعالى في إبراهيم : فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم وقول عيسى : إن تعذبهم فإنهم عبادك ، فرفع يديه وقال "اللهم أمتي أمتي وبكى. فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأل فأخبره. فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك) ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأملها في السياق… ↩︎
إشارة إلى معنى جاء في عدد من أحاديث أخرى منها: “إن عليا مني وأنا منه.” رواه الترمذي والنسائي في السنن الكبرى. و" حسين مني وأنا منه". أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد باختلاف يسير. أيضا: في حق جليبيب لما استشهد بعد قتله سبعة من المشركين، فقال صلى الله عليه وسلم: “هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه.” رواه مسلم. ↩︎
سورة الأنعام - ٧٥ ↩︎
سورة آل عمران - ٩٣ ↩︎
سورة الأعراف - ١٩ ↩︎
سورة البقرة - ٣٤ ↩︎
سورة مريم - ١٧ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ↩︎
حديث شريف ذات صلة: “إيَّاكم والوصالَ إيَّاكم والوصالَ قالوا: فإنَّكَ تواصِلُ يا رسولَ اللَّهِ قالَ: إنِّي لستُ كَهَيئتِكُم إنِّي أبيتُ يُطعمُني ربِّي ويَسقيني” أخرجه مالك، والبخاري ومسلم باختلاف يسير. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة البقرة - ١٤٣ ↩︎
مقولة للشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية: فإن نظرت إلى الآلات طال بنا *** إسناد عنعنة حتى إلى الذات. ↩︎
سورة الحديد - ٢٨ ↩︎
حديث شريف: “أنا أبو القاسم، الله يعطي، وأنا أقسم”. أخرجه البخاري. ↩︎
سورة الشمس - ٧-٨ ↩︎
سورة الإنسان - ٣ ↩︎
سورة البلد - ١٠ ↩︎
سورة المدثر - ١-٢ ↩︎
من حديث شريف: “إنَّما مَثَلِي وَمَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقالَ: يا قَوْمِ، إنِّي رَأَيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وإنِّي أَنَا النَّذِيرُ العُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ، فأطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِن قَوْمِهِ، فأدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا علَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ منهمْ، فأصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فأهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذلكَ مَثَلُ مَن أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ ما جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَن عَصَانِي وَكَذَّبَ بِما جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ.”. صحيح البخاري. وجاء في صحيح مسلم باختلاف يسير. ↩︎
سورة الشرح - ٢ ↩︎
سورة ق - ٢٢ ↩︎
سورة الكوثر ١ ↩︎
سورة الكوثر- ٣ ↩︎
سورة سبأ - ٤٩ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨:٢١٩ ↩︎
سورة التكوير - ١٩:٢٠ ↩︎
سورة النساء - ٦٣ ↩︎
استلهاما من {واخفض جناحك للمؤمنين} سورة الحجر – ٨٨، والآية {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} سورة الشعراء - ٢١٥ ↩︎
حديث شريف: “إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، فإن المنبَتَّ لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى.” أخرجه البزار والحاكم، وكذلك البيهقي باختلاف يسير. وأخرجه أحمد “إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق”. ↩︎
سورة العنكبوت - ٦٤ ↩︎