(٤)

الله ورسوله
لا فرق لهما ولا افتراق عنهما
أحد في واحديته
بالناس وربهم بهم، ورسولهم معهم حقيقة من أنفسهم

حديث الجمعة

١٢ جمادى الأولى ١٣٨٧ هـ - ١٨ أغسطس ١٩٦٧ م

اللـه أولا وقبلا… اللـه آخرا وبعدا… اللـه قياما وكلا… اللـه لا إله إلا هو، عند من كان أنا له، لاسمه الرحمن الرحيم، منه الحياة وإليه المصير… الله خارج الأسوار للإنسان، والله داخل الأسوار للإنسان، أسوار الزمان وأسوار المكان، وأسوار الصور والأشكال، وأسوار الطبائع والأكوان.

اللـه ورسوله، لا فرق لهما، ولا افتراق عنهما، قبلا وبعدا وقياما، خارج الأسوار وداخل الأسوار، لهياكل البشر.

اللـه ورسوله، لنا جميعا، وللوجود جميعا، وللأكوان جميعا، وللناس جميعا، وللكائنات جميعا، وللأشياء جميعا، ثالوث في أحديته، وأحد في ثالوثه لأحده… هما جوهر الحياة لكل حي بكلمة الله… هما الخلاص من خطر الفناء والعدم، إلى النجاة وجنات الكلم، بالهداة والأعلام بهادي علم… هما حياة النفس والعقل والقلب والقالب في دنيا المعاناة والفناء… هما قائم الوجود والموجد للشهود، للموجد والوجود في الوجوب، فما هما إلا لا إله إلا الله، محمد رسول اللـه.

رحمة للعالمين أبرزه أعلاه، وقبله أدناه، فتولى من والاه، وأسعد من رضيه لمعناه، (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)[١]… من كنت مـولاه فالله مولاه، يرعاه ويتولاه حسبي الله، ونعم الوكيل على من وكلني عليه، وقبلني رسول الله إليه.

رسول الله لنا هو كل شيء من الله لنا. {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[٢]، هو أولى بنا منا، وأسهر منا علينا من عقولنا وضمائرنا، هو لنا ما كنا له، والله لنا ما كنا لمن أرسله، عصينا أو أطعنا. (أمة مذنبة ورب غفور)[٣]، فهل قبلناه ربا لنا ولم يستغفر لنا؟ وهل استغفر لنا ولم يغفر الله لنا؟

هو الربوة المستقرة العالية، وهو الجنة الواسعة الدانية، وهو يد الله المتلقية في الهاوية… هو أعلانا مظل، وهو أسفلنا مقل… هو قيامنا ومعنانا محيي… هو لقائم المضل فينا مفني، فكيف لا يكون هو كل شيء لنا، من الله بنا، لله معنا، ومن حولنا، وبه جاء الحق وزهق الباطل!

هو المدينة والبلد… هو الوالد والولد… هو لنا السماء والأرض، وما بينهما من عرض… هو الروح لنا… وهو الأشباح بنا… وهو القائـم علينا… وهو القائم منا… وهو قيامنا، بقائم الحق لنا بنا، في لا نهائي ومطلق الله لاعتقادنا ومعبودنا.

إنسان رضواننا، نرضاه لنا، ويرضانا له، ونرضاه لآبائنا، ويرضانا لأبنائنا… هو رضواننا، قديمنا ومآلنا، لحقيقة قائمنا.

أين نلقاه لنكون في معناه؟ {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين}[٤]، هو {الرحمن فاسأل به خبيرا}[٥]… {والذين جاهدوا فينا، لنهدينهم سبلنا}[٦]… {اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم}[٧]… (مصر كنانة الله في أرضه، من أرادها بسوء قصمه الله)[٨]… مصر كنانة الله في أرضه، رجالها سهام الله، وقوّمها[٩] لرسالتها عباد الله، وحقائقها نصب الله، وأرضها جنة الله، وسماؤها حرم الله.

مصر ذكرها الله، ورعاها الله، وعناها الله، وحفظها الله… مصر أرض الله المقدسة، لإمامة قدس أراضيه، امتصت مغتصبيها، وطبعتهم بمعانيها، وخلقتهم بخلق بنيها… مصر الله… مدينة الله… بلد الله… أرض الله، أودع الله فيها ما أودع من آياته، وأخرج منها ما أخرج من كلماته، واصطفى منها ما اصطفى من أوادمه، وحقق منها ما حقق من إنسانية الرشاد له بأعلامه، وأوى إليها من آوى من حقائقه، مصر كنانة الله لرسول الله في أرض اللـه.

لجأ إليها عيسى صبيا، مهدا له ليخرج منها كهلا منه مرضيا… وولد فيها موسى صفيا، نشأ بها رجلا فتيا، وهيأه بها لنفسه ليخرج منها نبيا… واحتمى إليها يوسف فتى عليا، وبعث بها رشيدا وليا… وحـج إليها إبراهيم أبو الأنبياء ليكون من أهلها دنيا. جعل الله ذريته منها وليا ونبيا، وقام بذريته فيها البيان والكتاب، ورفع عنه وعن كوثره بها عبادا للرحمن الحجاب، فنادى للصلاة وللحج إليه وجوه الله باسم الله لبيت الله، فأجيب من المؤمنين وجوها لله، وهو لهم قائم وجه الله، وسعى إليه نصب الله لكوثر عباد الله لغرف اللـه.

فطاف به من نجا من عذاب نفسه، وعكف عنده من عرف الله بحسه، طريقا قويما مستقيما إلى الله لا عوج له، لبى من ناداه، ونادى من لباه أن ينادي إليه وإلى أحضانه بدوره من ارتضاه.

فكان أمة بمعناه أمة الله، وإنسانية الله، وحقائق الله لحق الله، فكان بمعناه بيت أقداس الله، ومدينة الله، وحرم الله، مجددا لدوام معناه بدائم رسول الله، يقوم ويتقلب في الساجدين، بمحمد الله لقائم معناه في قديم اللـه.

هكذا كان، كلما كان… وهكذا يكون، كلما يكون… فكان البيت المرفوع من البشرية، وكان البيت الموضوع للبشرية قوسي دائرته… كان جديد آدم، وكان آدم جديده لقديم آدمه في قائم آدم الله.

كان آدم في آدمية الله لا بدء ولا انقضاء له… كان الإنسان في إنسانية الله لا عد ولا حصر له… كان الحق في حقائق الله لا انقطاع ولا غيبة له… كان الأمر الوسط في قائم الله بين من تعالاه وبين من تدانـاه، لا غيبة ولا تعطل له. بهذا بعث بيننا رسول الله بخير الأمـور قياما ودواما بالأمر الوسط، ظاهر قديمه بالموجود في الوجـود، وقائم قادمه بالمحمود للشهود… قائم الحق لداني الحقيقة في قدس الوجود {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[١٠]. فما كان الحق جاء إلا هو بجيئة من جيئات، وما كان المعنى له إلا باطن المبنى لشهودنا بـه، شهدنا فينا معناه، يوم لاقينا بيننا مبناه، كوثرا لا يبتر ولا ينعدم، زاهرا أزهرا لا يتحطب ولا ينثلم.

هو الشجرة الطيبة على الأرض الطيبة، لها البقاء والدوام… لها الحق والسلام… لها العلم والكلام… لها الأمر والدوام. {ما ينفع الناس يمكث في الأرض}[١١]… {أما الزبد فيذهب جفاء}[١٢]… {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد}[١٣]… {إنا أعطيناك الكوثر}[١٤]… (تقوم وتتقلب في الساجدين)[١٥]، مرئيا منظورا مرعيا من ربك، كوثرا بوجودك وأمرك.

وإن من قرية إلا نحن مهلكوها، أو معذبوها، قبل يوم القيامة لها، بعث بالحق فيها… أما قريتك فلها منا الأمن والسلام، ببعثك بها وبأهلهـا، {لا أقسم بهذا البلد}[١٦]، ووالد وما ولد، {وأنت حل بهذا البلد، ووالد وما ولد}[١٧]، أنت بها حي في قبرك، لا تغيب عن القلوب، وأنت بقومك قائم هذا البلد، في كل نفس صلحت لله، مدينة الله لا تحتجب.

إنهما القريتان دائما… إنهما البلدان دائما… إنهما المدينتان دائما… إنهما الدنييان دائما، مدينة بالحق تشرف وتبعث لتعرف، ومدينة بالباطل تزهق فترجف، لأنها للحق تجحد، وفى أمرها من الله تفرط وتعبث، فبالباطل تلهث، وقـد فاجأها الحق منها مباغتا لتعرف ما كانت به تهرف.

إن محمدا كان له المدينتان وثالثة لهما… كان له البلدان وثالثة بهما… كان له الدنييان وثالثة عليهما. علا بأولاهما، وتألف قلوب ثانيتهما بعد قهر لها وسيادة عليها، وحشر إلى الحق بالحق في ثالثتهما.

عالج الناس بالحب، وبالقهر، وبالرضا، وبالإقناع بالحجة، وبالمداورة، مكروا به، لسوء حظهم، ولخيبتهم، ومكر بهم لخيرهم ولنجدتهم، وما زال… وما زال في متاعب ومشقة دعوتهم.

فإذا رجعنا إلى تاريخ أورشليم، وبابل، وجدنا القريتين، وشهدنا أمر البلدين، وإذا رجعنا إلى صدر الإسلام، وجدنا مكة والمدينة لمعناهما قائم القريتين، وأمر البلدين.

وها نحن بحاضر بهذا العصر، يتجدد لنا أمر القريتين، ويعود أمر البلدين، أورشليم سليمان، وقاهرة الفاطمي… على قضية تتصارعان، وفى أمر رسالة تتنازعان، ولقائم أمر لله تدعيان، وما اختلف الرجلان في الحق وفي البيان، فترى لأيهما يكون السلطان؟ ومن أيهما يظهر وجـه الرحمن؟ ولأيهما يحكم الديان؟ ومن منهما آل إليه أمر إبراهيم وعمران، بجديد لعيسى المهدى للعيان؟

لقد غلفت وغلفت بمعركة إسرائيل بالأمس قضية الأولى من الأمر بتداول الأيام. وتهيأت بداية الآخرة للجهر من السر ليوم الإنسان، فإذا وقعت الواقعة، فليس لوقعتها كاذبة ببهتان، خافضة رافعة في عيان، إذا حم القضاء، وظهر موهوم البلاء، فانتظروا من الله لمؤمنيكم الجزاء، يومئذ يرث الله الأرض ومن عليها بالضعفاء، يوم يرثها الصالحون من عباده في سفور بعطاء… أما هي للعارفين فعمل وعناء، إذ هي في يد الله وسلطانه بهم، بلا ابتداء وبلا انقضاء.

إن في الأمر المنتظر، وإن في النبأ المرتقب، وإن في الحادث الذي ترهص له الأرض، وتأبه له السماء، يظهر أمر الإنسان بشرا له الخلد، يوم يظهر أمر رسول الله، ويظهر به أمر معنى إنسان الحق لـه.

ظاهر الناس رسولا من أنفسهم لا يروه فلم يدركوه، ولم يستقبلوه، وبعث بالحق بينهم من أنفسهم ليشهدوه، فجافوه ولم يتقبلوه، وتجاهلوه ولم يتعشقوه، ومنهم لجمعهم لفظوه، وفى أنفسهم نور الحياة لم يستبقوه، وصدورهم له لنور الله معه لم يفتحوها ليزدادوه.

نور الله للسماء والأرض… نور الله للحشر والعرض… روح الله للقيامة والبعث… أمر الله للمعرفة والحس… طريق الله لأطوار الخلق، ومعارج الخالق بالسلوك لاجتياز المقامات والأحوال، وتسلق الأسـوار أنكروه، وللتخلق بخلق الله في التخلق بخلقه لكسب وإقامة الحياة أغفلوه.

إمام الركب، ولسان الحق، ونبي الوجود، ويد الكرم والجود، وقدم السعي للرؤية والشهود… هل قدروه؟ فأيقنوه، فعرفوه، فقاموه، ووجه الله لكل وجه لله هل شهدوه؟ الناس في دينه لله وجه لوجه، ما كذب الفؤاد ما رأى، وما زاغ البصر وما طغى، هل دخلوه؟

ها هو يوم المعاد، بأمر للأرض من السماء عاد، لعودة الأنبياء إلى أرض الآباء من سماء الأنباء في بيوت اللقاء من قلوب العباد، للصلاة خلف إمام وخاتم الحكماء، هل أدركوه؟ ها هي الأرض تشرق بنور ربها هل استقبلوه؟ ها هي الأرض أمة الله تنشق، بهم، عن سيـدها، ففي أنفسهم يحمدوه ويعرفوه فهل حمدوه؟ أو عرفوه؟ أو لبـوه؟

أمر تتذاكرونه وتتناقلونه، ولا تتأملونه، ولا تجتهدون لتكسبوه، حشرا مع النبيين والصديقين والشهداء، في قائم قيام تعرفوهم وتدركوهم لتعرفوه وتستقبلوه، يوم يقوم في قلوبكم مع الله السلام، في روح السلام تسمعوه وتشهدوه، يوم تدخلون معه في السلم، إسلاما لرسوله، كوثرا لا أبترا، متجددا مع تجدد الناس، مولودا مع مواليدهم، راحلا مع راحليهم، حتى يقودهم إلى ما يرضيهم وإلى ما يغنيهم، وحتى ينشأ معهم في قويم نشأة، لمرضي نشأتهم، على ما أراد قيومهم لقائمهم.

نبي الأمم… حامل العَلم… أمين الأحواض… ساقي زمزم… سيد وإمام الحرم… جماع الكلم… نُصب قبلتي المكان والزمان… معلم لا يغيب… كتاب ناطق لا يسكت… وقلم كاتب لا يتوقف، في صحائف الله بالناس لا تنقطع، في مشروع الحياة الأبدي لا تتوقف عن التواجد صحائفه، ولا تحتجب بما فيها عن الشهود بواطنه لدثره في كوثره.

بيوت جامعة، لنفوس راجعة، ورعاة صالحة، لنفوس جامحة. هو بحقه الراعي، وما يرعى، وقائم المرعى… هو تجليات الحياة بموجود الحيـاة، لطالبي الحياة، لعاشقي الحياة، للمفتقرين إلى الحياة، للمتذوقين للحياة، الطالبين لمزيدها، المتطلعين لجديدها، المنشئين لوليدها، الساعين لبعيدها، الممسكين بدانيها وقريبها.

إنكم في هذا العصر تشهدون إرهاصات لتجديد رسالة الرسول بينكم، لتجديد أمر الله لكم… لتجديد علم الله لقلوبكم… لتجديد حق الله في جديد نفوسكم. فالحق في ذاته ولذاته لا يبلى، والحق لا يتجدد ولكنكم أنتم بموصوف الخلق، يبلى خلقكم، ويتجدد خلقكم، فيتكشف لكم قديم حقكم، بقائم حقيقتكم، لقادم أمركم في قائمكم بمعلمكم. {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[١٨].

(يبعث الله في هذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمور دينها)[١٩]. وإن الله يجدد آدمية هذه الأمة بآدم، بفجر وليال عشر، كل ألف من السنين في استكمالها لعديدها وعددها بوصفها يوما من أيام الله، لا تتجاوز الثانية، إلا ويظهر فيها آدمها، ويبعد عنها شيطانها مهزوما مدحورا، فيقبع في عالم الروح، انتظارا ليومه الجديد.

وها نحن قبل أن يستكمل عيسى الألفين، وبعد أن انقضى على مولد محمد الألف ونصفها ننتظر أن يجتمع الأمران، الوالد والولد، في قائم إنسان لله، يتوفاه الله، بموته عنه، وبعثه به، على ما كان من أمر رسول الله وعَليّ معه، نفاذا لنبوءة محمد (كيف بكم وقد نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم [فأمكم منكم])[٢٠].

جاء عيسى مبشرا به، ومبشرا منه، ليتوفاه الله به، {إني متوفيـك ورافعك إليّ}[٢١]، يوم يتواجد من خلاله جديد كلمة لقديم كلمة، مبعوثا في جديده بأمره في قديمه، ليكون أمرا وسطا، خلق من تراب ثم قيل له كن فيكون روحا وكلمة من الله في رسالة الروح، فبالله يكون على ما في قديم كان.

من تراب خلقه لنظركم على ما كان من أمر آدم لذكركم، فاستكمل الوليد أمر الوالد، وكمل الابن في كمال الأب، بكمال الأب بالأعلى من رفيق، بما علم من الغيوب، قام بها، غيوبا هو علامها، وهو عليمها {وتمت كلمة ربك}[٢٢].

أظهره الأعلى للناموس على الدين كله، فكان الدين كله، وبعث بالحق على ما كان في قديمه لأزله، ليقوم به في قائمه لسرمده، ويتجدد به في قادمه لأبده جماع الزمان وفوق المكان، به استدار الزمـان على هيئته كيوم خلق الله السماوات والأرض، لجديد لأمره من السماوات والأرض، وبهذا كانت رسالته كافة لمن يتابعه عليها، لتحقيق مراد الخالق بالخلق، بالتخلق معه بأخلاق الله، عرف وعرّف الكمال الإنساني للأمر الوسط.

رسول الله… وحق الله… وعبد الله… وإنسان الله، به عرف الله بعظمته في بعده وقربه، وبه قدر الله حق قدره، يوم قام حقا، مبعوثا في خلقه وحقـه، باعثا الخلق بخلائقهم في خلقه، وبحقائقهم في حقه، رحمة للعالمين، وتحقيقا للطالبين.

هو روح الله الممتد إلى القلوب والصدور ليحييها وليمحو ظلامها، ونار الله إلى النفوس الخامدة ليشعلها، ونور الله إلى الأرواح السجينة ليحررها، وإلى العقول العاطلة ليحركها، وإلى محيط الظلام الغاسق حول النفوس ليرده… خصيم الجهل، وصديق العلم… كتاب الحكمة، وقائم المعرفة.

ها هما القريتان، عليه تتنازعان… أين هم بنو إسرائيل؟ أهم في أورشليم… أم في قاهـرة الفاطمي؟ {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا}[٢٣]… أين عترة رسول الله؟ أين هو رسول الله؟ من هو الموصوف برسول الله؟ أهو من بنى اسحق أم من بنى إسماعيل؟ في أي القريتين يتجدد إبراهيم، ويظهر بآدمه مسيح الوجود؟ في أي البلدين تنشق الأرض عن رب الأرض، يوم تنشق الأمة عن سيدها، وتنشق الطبيعة عن وليدها من لقاح السماء بابن السماء، وابن الأرض بابن الإنسان بقائم السماء والأرض؟ في أي القريتين تنزل سحب السماء تحمل جنود الحق، لشهود الخلق، مع إمام الملائكة ومسيح الرحمن قائم العلم على أبيه وجها وهيكلا للرحيم الرحمن، وعلما على الإحسان، تعريفا عن الله للإنسان، وعن الإنسان لله حقيقة الرحمن في القيام، ورسول الديان لساعة الفصل والبيان في قائم ودائم الإحسان لعمران السماء والأرض في عيان.

بعث وقيامة المعلم، المكلِم المكلَم، القائل للناس في أنفسهم قولا بليغا، يبلغ به مراد الحق فيهم، لكشف أغطيتهم عنهم لهم لشهود حقهم فيهم بجديد بصرهم، في جديد أمرهم، لجديد أنفسهم، بهديه القائم، بكتابه المحفوظ الدائم، جديد قديمه في رسالته، وجديد كتابه بهدايته، وأصل قادمه لعينه برحمته؟

لأي القريتين الغلبة؟ ولأي القريتين النصر؟ إن سمونا بوعينا في الله، فهما ولدا آدم بالحق، فالنصر من الناصر لكل من المعنى للقريتين، في دائرة حقه، فالرسول بهما حقيقة الأمرين لأنه مالك المكانين، وجامع الزمانين، إنـه والد الولدين وحق الحقين… إنه سماء النجدين… إنه باطن الوجودين… إنه إنسان الآدمين، وإمام القبلتين، وبـاب الطريقين، إنه وجود الوجودين، وجامع الكونين… إنه الحق من الله في الله إلى الله في العالمين، أليس هو رسول الله؟ أليس هو وجه المحيط بكل شيء لقائم كل شيء؟ أليس هو من أظهره الله على الدين كلـه؟

في الأيام القريبة القادمة سيرى الناس ما كانوا به يستعجلون، وقد بدت إرهاصاته وعلاماته… سيرى الناس شاخصة أبصارهم إلى حقائق الله في أنفسهم وفى الآفاق مما كانوا بأمره يهزأون، وستعمل السماء في الأرض… وستبرز الأرض من قواها مما في باطنها لأمر ظاهـرها، الإرهاص والإرهاص، فما كانت الأرض إلا كائنا وقياما حيا، مدركا لأمره مدركا به حتى يفيق الناس. وإنها مبرزة لأمرها، في هذا العصر على ما هي مبرزة له في دوام، ولكنها الآن مجمعة لها في الناس وفي الطبيعة على تناسق مع ما تأتى به السماء وبتعبير أكثر وضوحا.

ففي هذا العصر تبرز أمرها في تصريف أمور الناس خاصة وعامة، وتحرك ريحها وتزلزل زلزالها، على صورة معبرة ملفتة، ولكن العمي لا يبصرون… وعلى صورة مسمعة، ولكن الصم لا يسمعون… وعلى صورة مدركة محسوسة، ولكن هؤلاء الأشلاء لا يحسون… على صورة معقولة مبينة شديدة الإبانة، ولكن الحمقى لا يعقلون… إنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

إن مضغة القلب لو حييت، لصلح وحيا البدن كله، فعملت الجوارح، ونظرت العيون، وسمعت الآذان، وأدركت العقول، ولمست الأيدي، وتحركت الأرجل، وما أنت بمسمع من في القبور.

إن هذا ما سيكون برسالة الروح في عصركم سافرة، فلا دنيا ولا آخرة. إن جديدا معها لقديم في دورة الحياة بزمان ما ستبدأون، ففارقوا ما ترك لكم الآباء، وأصلحوا أمركم حتى يصلح بكم لكم الأبناء، وتدركوا ما فيما بين أيديكم من كتب السماء من أنباء.

إن رسالة الروح، على أرضكم في عصركم، هي هداية السماء، وخلافة الأرض، كما هي يوم الجزاء وساعة الفصل والعناء. وها هي أبواب السماء بها تتفتح بماء منهمر، وها هي الأرض تستقبل وطأتها فتنشق عن عيون تبصر، وآذان تسمع، وهياكل تحيا، وقلوب تعمل، وأرجل تسعى، وأياد تبطش.

إن السماء والأرض يلتقيان، ويمتزجان، ويتحدان، ويتوحدان، ويتزاوجان بقيام الروح لرب العالمين، ومن موجودهما الواحد بالسماء والأرض تنشق معالم الإحسان عن جديد بدء بالإنسان، هو حقائق الأكوان، بمركبات الهياكل والأبدان، كتب ووجوه الرحمن، بحضرات الربانيين، العباد الرحامين.

من أراد أن يجدد دينه بالإسلام، وأمره بالعرفان، وعقله بالإحسان، وقلبه بالديان، ونفسه بالرحمن، فليرجع إلى رسالة الروح، وليؤمن بها، وليستقبل لها، وليسلك طريقها، ليترسم الخطى مع روادها.

اليوم يقوم الروح لرب العالمين، ليسد ثغرة النقص بيننا، وقد نسينا إنسان الله برسوله، فها هو بيننا يتجدد، وبقديمه في جديده يتعدد، أمة يشهد، به أرض الله تسعد، جنة تتجدد، ونارا مقدسة تشعل لا تطفأ، ولا تخمد.

إن ما يبرز الله من آياته في عصركم لآيات معبرة مشيرة، لمن يعتبر، ولمن يدكر… تأملوا الفيضان يعم بقعة من الأرض، والنيران تشتعل بالصواعق في الغابات، والقرى وسط الماء، فلا يستطيع رجال الإطفاء الوصول إلى النيران المشتعلة في وسط بحار الفيضان، نار في ماء، وماء محيط بنار… سبحان الله! وأين يقع هذا؟ في بلاد عاتيـة تهاجم بلادا ضعيفة، فترد الطبيعة لها، ردا لأفعالها إليها، جزاء من جنس عملها.

إن الله يعبر بمثل هذه الآيات، في مشارق الأرض ومغاربها، فترى الأحداث متشابهة في أقصى الشرق مع أقصى الغرب، تتكرر على وتيرة واحدة، وعلى صورة واحدة، وفي وقت واحد، سواء في حوادث الطيران، أو تصادم القطارات والسيارات، أو ظواهر من فعل الطبيعة كالفيضانات والزلازل والرياح، ثم هي تسكت هنا وهناك في وقت واحـد… هلا تأمل الناس… هلا تدبر الناس… هلا فكر الناس أن للطبيعة وعى… وأن للطبيعة عقل… وأن للطبيعة إرادة… وأن للطبيعة حكمة… وأن للطبيعة حديث ورسالة.

إن الطبيعة إنما هي جلباب لمن يلبسها… كما أن الحياة فيك تلبس جلباب ذاتك. إذا فارقت الحياة فيك جلباب ذاتك، هل لجلبابك من حركة؟ هل تستطيع أن تمشي؟ هل تستطيع أن تتحدث؟ هل تستطيع أن تنظر؟ فإذا كانت الطبيعة تتحرك، فمن الذي يتحرك في الطبيعة؟ هل كانت الطبيعة إلا جلباب لمن يلبسها؟ ولكن الناس لا يريدون أن يعرفوا لابس الجلباب، لا في أنفسهم ولا في الطبيعة… ينكرون على الله، وهو صاحب جلابيبهم، وهو صاحب جلباب الطبيعة، ولو لم يكن المتحرك بالطبيعة والمحرك لها صاحب إرادة حكيمة هادفة، ما تواجد الإنسان بعاقله وعقله كائنا عاقلا معقولا من ثمرات شجرتها لوجودها.

إن الله فيكم يتعارف إلى الله في الطبيعة… وإن الله في الطبيعة يتعارف إلى الله فيكم. على أساس من هذا قام دين الفطرة مع رسولها، وعلى قيام بـه، قامت رسالات الفطرة لكوثره، وكان ظلاله بينكم، على اتفاق تام مع الطبيعة ونواميسها في خدمة رسالتهم بما ظهر على أيديهم مما يعجز العقول الخديجة، وها هي رسالة الروح، تأتى لتقوم بجماع ما كان في صعيد واحد، وفي رسالة واحدة، وفي أمر واحد، بحق متحد، الأرض جميعا قبضته، والسماوات مطويات بيمينه… يتكلم من وراء معاني الروح الأعظم من خلال حجاب وسطائه، رواد دوائرهم، وأنبياء معارفهم، ومن خلال الطبيعة بما يتحدث به بها.

ها هو الحق أبلج، وها هو الباطل لجلج، وها هي دولة الباطل توشك أن تزول، وها هي دولة الحق توشك أن تقوم ظاهرا وعيانا. وما غابت في يوم عن عين مبصرة، وعن قلب حي، وعن عقل مشـرق. ولكنها توشك أن تظهر في مملكة المادة بسلطان الروح، في يوم المعاد، في حركة الإعادة إلى أرض النشأة. ها هم الآباء يعودون… ها هم الموتى يتكلمون… ها هي الأرواح تظهر مجردة من الأشبـاح، لسان الحق ووحيه، نور الخالق وأمره، سر الحياة وجهره، فتتخذ لها أشباحا من جديد الأشباح، لتتحدث من خلالها إلى الأرواح في سجينها في عالمكم الحزين.

أبعد قيام الروح لرب العالمين، ينتظر الناس شبحا، هم له في قرون وقرون ينتظرون! وهو بينهم ولا يدركون… الخير في وفي أمتي، وهم له يكذبون، وعن طريقه يحيدون، ولحديث الصدق لا يصدقون.

إنهم اليوم في يوم الفصل… هم فيه قرونا ينتظرون… وها هم في هذا القرن، بالفصل الذي كانوا يوعدون يوفون، فله اليوم يشهدون.

إنهما القريتان، على أمر يتنازعان، مدينة سليمان، ومدينة الفاطمي. إنهما القضيتان… ابن الرسول وابن الإنسان… إنهما القاهرتان… إنهما المصران… إنهما المدينتان، وإنهما البلدان… وإنهما الأرضان والعالمان {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم}[٢٤]… تعالوا إلى ساحة الحق، إلى أرض السلام، وأمة الأعلام للإعلام… (كنانة الله في أرضه)[٢٥]… اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم.

ها هي الأيام بيننا، فسيظهر الأمر لنا، إن بقينا أياما أخرى في أشباحنا فسنشهده جميعا أنتم وأنا، بعيوننا وبأرواحنا… يومئذ بنصر الله تفرحون، وبأمر الله تتعلقون، وفى دين الله تدخلون، وحياتكم بالحق تبدأون، وقديمكم تتجاهلون وتجهلون، وله تلفظون، ومنه تتخلصون.

لا إله إلا الله، محمد رسول اللـه.

اللهم برسول الله أتمم لنا نورنا، وقوم فيك أمرنا، وأحيِ سرنا وجهرنا، وابعث بالحق قلوبنا، وحرر في المطلق أرواحنا، وأنر بالموجود عقولنا، وأشعل بجذوة الحياة نفوسنا، وقوم برسولك جوارحنـا، وأصلح لنا خلقنا، وأتمم لنا به خلقنا، لا إله إلا أنت مولانا، وهو بك يرعانا ويتولانا، هو حسبنا ونعم الوكيل.

اللهم به فابعثنا… اللهم به فقومنا… اللهم به فيسر أمرنا… اللهم به كن لنا كل كلنا… اللهم به فاختم لنا بخاتمة السعادة أعمالنا، وألحقنا به في القيادة والريادة، ووحدنا معه، في النشأة والجدة، والديمومة والولادة بالحق والعناية والسعادة.

اللهم به فادفع عنا البلاء، وأوفر لنا الجزاء، واقبل منا الدعاء.

اللهم به فاكشف الغمة عن هذه الأرض، وعن هذا البلد، وعن سائر البلاد، وعن عبادك وعن خلقك، وعن داره لأرضك، زويتها له لعنوانه، فازوها له لرحمانه، وازوها له لإرادته وإحسانه، حتى يعم السلام، وحتى يستقيم بيننا الكلام، وحتى يظهر بيننا بالحق الأعلام، وترفع بيننا الأعلام، وينتشر فينا العلام، ويتوقف من بيننا الهراء والمهاترة، ونقلع عن الكبرياء والمكابرة.

فنشهدك لا إله إلا الله، ونقومك محمدا رسول اللـه.

اللهم به فأصلح أحوالنا، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شريف، يوم غدير خم، بعد حجة الوداع، حيث أخذ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بيدِ عليٍّ رضي الله عنه، فقال ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسِهم قالوا بلى قال ألستُ أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه قالوا بلى قال فهذا وليُّ من أنا مولاه اللَّهمَّ والِ من والاهُ اللهمَّ عادِ من عاداهُ. صحيح ابن ماجه، أخرجه ابن ماجه وأحمد. ↩︎

  2. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  3. حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في (تاريخه) عن أنس ابن مالك. المحدث الألباني. المصدر: ضعيف الجامع. ↩︎

  4. سورة المؤمنون - ٥٠ ↩︎

  5. سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎

  6. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  7. سورة البقرة - ٦١ ↩︎

  8. عبارة جاءت في الأثر، ولها مرجعية بأكثر من لفظ: قال السيوطي: (وفي كتاب الخطط يقال إن في بعض الكتب الإلهية (مصر خزائن الأرض كلها فمن أرادها بسوء قصمه الله). ووجدت في كتاب الموضوعات لعلي القاري: (مصر كنانة الله في أرضه ما طلبها عدو إلا أهلكه الله.) ↩︎

  9. هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الأصلية التي راجعها السيد علي رافع بتاريخ ١٠/٦/ ١٩٧٦ ↩︎

  10. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  11. سورة الرعد - ١٧ ↩︎

  12. سورة الرعد - ١٧ ↩︎

  13. سورة الأنبياء - ٣٤ ↩︎

  14. سورة الكوثر - ١ ↩︎

  15. استلهاما من {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين} سورة الشعراء - ٢١٩ ↩︎

  16. سورة البلد - ١ ↩︎

  17. سورة البلد - ٢-٣ ↩︎

  18. سورة سبأ - ٤٦ ↩︎

  19. إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داود والحاكم. ↩︎

  20. حديث شريف. أخرجه البخاري ومسلم بلفظ: “كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.” ↩︎

  21. سورة آل عمران - ٥٥ ↩︎

  22. سورة الأنعام - ١١٥ ↩︎

  23. سورة البقرة - ١٠٢ ↩︎

  24. سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎

  25. عبارة جاءت في الأثر، ولها مرجعية بأكثر من لفظ: قال السيوطي: (وفي كتاب الخطط يقال إن في بعض الكتب الإلهية (مصر خزائن الأرض كلها فمن أرادها بسوء قصمه الله). ووجدت في كتاب الموضوعات لعلي القاري: (مصر كنانة الله في أرضه ما طلبها عدو إلا أهلكه الله.) ↩︎