(٣)
لا إله إلا الله
نشهدنا فيها بفطرتنا، ونقومنا لها بعزتنا، نشهدها بنا برسالتنا
يوم نقوم محمدا رسول الله بمحبتنا
ويقومنا عباد الله وحقائق الله برحمتنا
حديث الجمعة
٥ جمادى الأولى ١٣٨٧ هـ - ١١ أغسطس ١٩٦٧ م
لا إله إلا الله، نشهدنا فيها بفطرتنا، ونقومنا لها بعزتنا، ونشهدها بنا برسالتنا، يوم نقوم محمدا رسول الله بمحبتنا، ويقومنا عباد الله، وحقائق الله برحمتنا.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله ديننا، وقيامنا، واستقامتنا.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله، كتابنا وطريقنا، ومأوانا وجنتنا.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله، روحنا، ونورنا، ووجودنا، وعزنا، وسعادتنا، نفوسنا بها لنا، ملكنا وساحتنا، بيتنا ونعمتنا.
بلا إله إلا الله، وبمحمد رسول الله، تميزت حقيقة ورسالة الفطرة، وتميزت حقيقة ورسالة رسول الله، وتميزت وتطورت البشرية بمحمد الله، وتميزت حقيقة أهل بيت الله، لقائم بيت رسول الله، في دائم قيام الله، لدائم بيت الله، بلا إله إلا الله، محمد رسول الله.
محمد الله لكل نفس لمحمد رسول الله لحق الله، قام آلا، وبيتا، وأهلا، وآباء، وذرية، وصحبا، وأنصارا، وأمة قائمة متجددة، في قديم متأبدة، وفي قادم متواجدة، وفي الحق القائم صامدة متسرمدة.
إن الفهم والعلم في محمد هو الدين، والقيام به والقيام فيه هو الطريق. فيجب أن ندرك الفهم فيه، بشرا، وروحا، ونورا، ونارا، ووجودا، ماءً، وترابا، ومعدنا، مادة وانطلاقها، طاقة وتجسدها، أسرة وقائمها، في أسرة وقديمها، لأسرة وجديدها، بشرا متوالدا دائما، ودما حارا دائرا، وروحا منطلقا سابحا، ونورا متزايدا مشرقا، ونارا مشتعلة محرقة، وقدرة بالله دائبة خالقة، وطاقة محيطة بالحق محكمة. بعث بالحق للناس كافة، عطاء وأسوة، وجودا وقدوة.
إن محمدا بموجوده البشري دما، ومن الأرض نباتا، وبالروح حياة، وبالنور إشراقا وانفعالا، وبالنار اتقاء وتقوى واشتعالا، تجربة واختبارا ومحنة، نفسا وملكا ونعمة، جزاء ثوابا، وعطاء حسابا، يتخلى عنه إلى الأعلى ربا، وفى الله عبدا، فيصبح بالنور جنة وكتابا، وحقا رسولا لاسم الله جلبابا. كان محمد بذلك ودوامه للناس بالناس في الناس لله رسالة، وللخلاص طريقا وحقا وحقيقة.
إن الرسول بذلك كان للإنسان مثالية، وللناس في عمومها قدوة، به قدر الله، وبه عرف الله… به قدر الله حق تقديره… وبه عرف الله حق معرفته… به كان لله المثل الأعلى، وكان للناس به المثل الأعلى، فبـه كان الناس وجه الله، يوم تآلفت في الله على الله بالله إلى الله قلوبهم، ووضعت عنهم أوزارهم، وبعثوا فيه به بحقهم، محققين الغناء لأنفسهم بربهم، والولاء لله به بكونهم، فكانت حضرة الله مأوى وبيتا لهم، وكان الرسول حقا وأبا لهم.
نحن نتحدث دائما عن رسول الله. ويسعدنا أن يكون حديثنا دائما عن رسول الله. فإذا تحدثنا عن رسول الله، فإنما نتحدث عن أجمل حديث عن الله، وعن أطيب حديث من الله، وعن أسعد حديث نسعد به برسول الله بالله في قائم معنانا، لعين مبنانا، عن قديم لمعنانا ومبنانـا، بقديم في الله عن معنانا ومبنانا، وعن قادم في الله لمعنانـا ومبنانا، من خلال قائم لله بقائم معنانا ومبنانا، في قائم معناه ومبناه، لقائم الأعلى لمبناه ومعناه.
نحن الأمر الوسط، بمبنانا ومعنانا، بين أمرين في الله، لقديم أمرنـا، وقادم أمرنا فيه، لا بدء لأمره، ولا انقضاء لجديد من أمره، في دائم قائم لأمره نقوم فيه به لدائم أمرنا، إيمانا بالله ورسوله لنا، حتى نقدر الله حق قدره، يوم نقدر الرسول لمعنانا ومبنانا حق قدره لقديمنا وقادمنا بقائمنا، في قديمه وقادمه بقائمه.
جاءت رسالة الفطرة مع رسول الله، قائم الفطرة وإنسانها، يوم حل بالحق بالمدينة والبلد، وقام مقاربا مدانيا بحقه حلا بوالد وما ولد. به كانت مدينة الإنسان قائمة على أرضه لعالم ووجود قيومه، فقام مبعوثا إنسان العلم، على واجب الوجود إنسانا لإنسان، فكان بمعناه ومبناه للرفيق الأعلى له، قياما، وعلما، وإعلاما، لا فرق بينهما، وطلب إلينا أن لا نفرق بينهما، وأن لا نفترق بإيماننا عنهما.
نقوم لقائمهما، فناء فيهما، ونسعد يوم نبقى بقاء بهما. إلى الحضرتين ننتسب، وبالحضرتين نقوم، وبهما نعمل ونريد، فيكون لنا من الله لقائم الوجود والناموس ما أراد بنا، وقد أصبحت إرادتنا إرادتـه، ومشيئتنا مشيئته، فكان ما أراد هو ما أردنا، وما أردنا هو ما يريـد، {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله}[١]… (كن كيف شئت فإني كيفما تكون أكون)[٢].
هذا أمر للبشر جميعا، يوم يتمتع الناس بمقام البشرية… إن البشرية مقام… إن البشرية علم وعلم… إن البشرية حق وكتاب… إن البشرية لله أمر وحجاب… إن البشرية أمر يجمع أمورا، ودار تجمع بمفردات ساكنيها عوالم ودورا… إن البشرية قلوب… إن البشرية عقول… إن البشرية نفوس استقامت. أما نبات الأرض من الأجساد فاكهة وأبّا، زينة الأرض، وزينة الحياة الدنيا، فليسوا بشرا… إن البشر إنما هم الناس حقيقة، وإن الناس حقيقة هم وجه الله، من ورائهم بإحاطته، باسم الله قيوم قائمهم لأنفسهم بأرواحهم، وأشباحهم.
ما خلقهم العلي العظيم من الله عبثا، وما خلقهم الأعلى من الرحمن إلا بالحق، يوم يكونون بموجودهم غير عابثين، ويوم يكونون عن حقهم غير غافلين، ولنفحات الله متعرضين، فمن الرحمن لنفسه يصطفون، وإن يقظتهم في التفافهم حول آيات الله بينهم، رسلا من أنفسهم غير مهدرين لحريتهم وإنسانيتهم في متابعة الطاغين، كان محمد لهم دوام، ولجمعهم بأمته أعلام.
أين هي أمة محمد؟ وأين هو محمد؟ فلا أمة لمحمد بغير محمد، ولا محمد بغير أمة لله تحمد.
ما غاب عن البشرية في دوام محمد! وهل يغيب الحق! وما مات محمد! وهل يموت اسم الله! {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٣]… (من رآني فقد رآني حقا)[٤]… إن محمدا شبحا بينهم، ولد عن النفس ميتا، بالحق مبعوثا وموجودا. {إنك ميت، وإنهم ميتون}[٥]، و(الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)[٦]، على ما أنت منتبه، بعد موتك وبعثك بالحق، انتبهوا على ما انتبهت، وبعثوا على ما بعثت. (والذي بعثني بالحق)[٧]، (والـذي نفس محمد بيده)[٨]، فكيف يموت المبعوث بالحق! وكيف تختفي يد اللـه!
إن محمدا هو قضية البعث في ذاته بمعناه لإنسان الحق… إن محمدا هو قضية الموت في شبحه لمبناه من أوزار الخلق… إن محمدا هو قضية بشرية الأرض، بالحق لآبائه… إن محمدا هو قضية الملأ الأعلى للسماء بجديدهم لأبنائه. يبعث آباؤه من خلال قائمه، حق إنسانه لرحمانه لدائمه، وإنسان حقه لقائمه بقائم قديمه. ابنته بعث أمـه، وولده بعث أبيه، وخلقه بعث حقه، وقادمه المتواصل بعث قديمـه المتصل بحق قائمه. تأملوا قوله لفاطمة (يا أم أبيك)[٩]، هو خليل الرحمن، حبيب الرحمن لمعنى الرفيق الأعلى من الإنسان لا فرق بينهما، (لا تفرقوا بين الله ورسوله)[١٠]… فكان ذلك له هو ناموس البعث بالحق لقائم الخلق، لكل كائن بشرى كسب مقام البشرية. (لا يدخل ملكوت السماوات إلا من ولد مرتين)[١١]… (لا يدخل الجنة عجوز)[١٢].
إن ما كان لرسول الله، ما كان إلا مما هو كائن لإنسان الله… إن ما كان لرسول الله، كان كله مما هو في الله كائن لإنسانية الرشاد.
إن كل ما هو في قائم الشهود إنما هو ظاهر رسالة الله برسول الله. وإن كل ما هو من ظاهر الله بحق الله إنما هو قائم أو قام أو يقوم بحقيقة رسول الله.
وكل ما قام برسول الله كان مملوك الزمام لرسول الله بالحق يقوم في الله، قائم الله، ويقوم بالله، قدرة الله، ويظهر بالله، لله، في الله، عزة الله، هي لرسوله وللمؤمنين، عزة هي لله جميعا، في الرسول، أو فيمن كان محلا للإيمان بالله ورسوله، قائم ومبعوث إنسان لإنسان في مطلق الإنسان لله.
(ما عرفني غير ربي)[١٣]، وكيف يعرفه غير ربه! إنه معروف ربه، وإنه الإنسان العارف بربه.
فهو يوم يخفض جناح الذل من الرحمة، فيرفع من دونه، إلحاقا لهم بمن يعلونه، يومئذ بالأعلى يعرفونه.
ويوم يعرفونه، يقدرونه، ويبجلونه، ويوقرونه، وعلى أنفسهم برضائهم واختيارهم يعلونه، فينزلون لخيرهم بعليهم عليه دونه، فيرعاهم، فيدركونه، ويخاللهم فيتصفونه، ولا يكون لهم من فعل أو هدي دونه، فيقومونه، ويشهدونه ويعلمونه، فرسلا لله يظهرونه، فتظهر دوره وغرفه ورسالته، خالدة دائمة، متجددة معلمة.
وهنا يقول رسول الله (يبعث الله في هذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمور دينها)[١٤]، ويقول (عليّ مني وأنا من عليّ[١٥]، حسن مني وأنا من حسن[١٦]، كما أنا من حسـين وهو مني[١٧])… (تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي)[١٨]… كتاب الله محفوظا بعترتي، وعترتي قائمة بنفسي لدائمي لمعنى كتابي الناطق المبين ببياني، لقائمي بمعنى الرحمة لكم بحجابي، وحجابي لمعنى القدوة لكم بوجودي، ووجودي لمعنى شهودكم للحق أقوم وأتقلب فيكم بالسجود للأعلى لموصوف ربي عندكم… أنا نور الله للسموات والأرض وأهلها لو عرفتم. (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[١٩] لو أنصفتم، وما هي إلا بعودتي تنشق الأرض عني، كما كنت أول من انشقت الأرض عنه، في دائم أمري.
فيقول القرآن {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك}[٢٠]… {ويوم القيامة يكفرون بشرككم}[٢١]… {لا نسألك رزقا، نحن نرزقك، والعاقبة للتقـوى}[٢٢]… {الأرض يرثها عبادي الصالحون}[٢٣]… {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}[٢٤]… {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له، وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا}[٢٥]… {وأشرقت الأرض بنور ربها}[٢٦]… {إن شانئك هو الأبتر}[٢٧]… رحمة للعالمين كنت، ورحمة للعالمين في دوام تكون.
فإذا جاءت الملائكة، فما تكون وما تكون رسالتها؟ وإذا جاء ربه فمن يكون؟ وما تكون رسالته؟ لو جعلناه ملكا لجعلناه بشرا. أنت أولى بالمؤمنين من أنفسهم ربا. {لا نسألك رزقا، نحن نرزقك والعاقبة للتقوى}[٢٨]… فمن صلح منهم، أصلحناه لنفسك، فكان الرسول بذلك أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكان من كان كذلك لهم ربا، فأمر {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}[٢٩]… فأنت الرب يوم ترب، وأنت المربوب يوم تستقيم، ولذكر الأعلى تقيم، كيف لا؟ وقد جعل الله لك نوره تمشى به في الناس، وأمر (لا تفرقوا بين الله ورسوله)[٣٠]… وهدى (ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان)[٣١].
أنت الناس في يقظتهم يوم يستيقظون… وأنت الناس في نومتهم يـوم ينظرون، {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}[٣٢]، قائم الناس، بك رحمة للعالمين يقومون، {ولسوف يعطيك ربك فترضى}[٣٣]، فقال (لا أرضى وأحد من أمتي في النـار)[٣٤].
فيقول الرسول، بين أنا نائم أطوف بالكعبة في دائم ومتجدد قيامي برسالتي بينكم، رأيت رجلا مسيحا آدم لله، وشَهدت قرين مشاهدته دجالا أعور. كما يقول، إذا رأيتموني القائم بالحق، لأنفسكم بقائمي، رأيتموني في قيامتي لقيامتكم وأنتم يومئذ الموطؤون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، أو كان أقربكم مني منازل، أحاسنكم أخلاقا، وهو أمر يقوم في الحياة البشرية. (إذا كانت القيامة انقطع كل نسب وحسب وسبب وصهر إلا نسبي وحسبي وسببي وصهري)[٣٥].
فما تكون القيامة؟ إنما القيامة هي سفوره في قيامه بينكم، أو في قيامه عليكم لمن تعجل أمره من الحق في متابعته طريقا قائما دائما، يوم يرفع عنكم حجاب خلقكم ببشريتكم، عن حقه في بيته، لقلوبكم قائمـة بقلبه لحقيقته، عن نور الله لقائمه بوجوهكم وجها لمن كان من ورائه بإحاطته، ومن ورائكم به بشموله ورحمته، نور السماوات والأرض.
إن رسالة رسول الله، وإن شاركت رسالات السماء فيما قبلها وفيما بعدها، في قائم لا إله إلا الله، وفى بعث الإنسان باسم الله الرحمن الرحيم، إلا أنها رسالة تميزت بأن رسولها لم يتحدث إلى الناس عن نفسه إلا بمثاليته لهم بقائمه لقادمهم، فتحدث إلى الناس عن أنفسهم، {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}[٣٦]. لم يتحدث إلى الناس عن نعمة الله عليه، ولكنه تحدث إلى الناس عن نعمة الله عليهم، {وأما بنعمة ربك فحدث}[٣٧]… نعمة ربك التي عرفت، وبها أدركت أن ربك هو رب لهم بربوبيتك عليهم، بوكالته عليك في أمرك له، وأن ما أتاك يؤتهم، وما أعطاك يعطهم، {خلق فسوى}[٣٨]، ورحمة للعالمين جعلك.
فتحدث إليهم بنعمة الله عليهم، وبنعمة الله لهم، وقد عرف فعرف أن ربه أقرب إليهم من حبل الوريد، وأنه معه أقرب إليهم من حبل الوريد، يقوم ويتقلب في الساجدين… أولى بالمؤمنين من أنفسهم… عرف ربه في نفسه… عرفه قائم ربه به، وقائم إنسانه لهيكله وبيته… عرفه وجودا كائنا بذاته من مطلق الوجود للأعلى، فعلى ما عرف عرّف، وقد أمره {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}[٣٩].
قل لهم… {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون}[٤٠]… قل لهم إنهم مخاطبون بموصوف السماوات والأرض ممن خلق السماوات والأرض، في لطيف وجودهم، انطلاقا من كثيف تواجداتهم، يوم يوجدون أنفسهم بأنفسهم، في متكرر تواجدهم، لعين مـن تواجدهم يوم أوجدهم، كان ولا شيء معه، وما زال لا شيء معه، فالكل له، وليس هناك ما هو غيره، الكل يوم يكسب البقاء ببقائه فهو وجهه، وهو من ورائه بإحاطته. {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}[٤١].
فإذا كانت رسالة عبد الله، تعريفا عن ربه، في موجوده بخلقه، لقائمه بعينه، ظهور قيومه، لحق قائمه… إذا كانت رسالة رسول الله كذلك، فإذا جاء ربه وربهم، فما تكون رسالته؟ وما يكون ربه وربهم؟
إنه يوم الفصل بحقية الأمر الوسط، {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم[٤٢]… لكان لزاما[٤٣]}… (كيف بكم وقد نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم [فأمكم منكم])[٤٤]، يوم يبعث أبوه في ولده، فيظهر ولده بقائم أبيه هو إنسان بينهما يوم يقوم الروح لرب العالمين، هنا جاء ربه بيانا وعرفانا بالمقام المحمود له لرسالة كلمة الله به، وهو بقائمه، كان إجابة دعـوة الكلمة الابن والكلمة الأب يوم نادى الابن أباه، أبانا الذي في السماوات… فأجيب دعاؤه، وحقق رجاؤه، ويوم دعا الأب ربه {وابعـث فيهم رسولا منهم}[٤٥]، فأجاب الأعلى رجاءهما. طلب الابن… ليأتي ملكوتك على الأرض كما هو في السماء… فجاء إنسان أبوته عبدا من عباد لله، وقائم أول العابدين، مبعوث عبد الله وحق الله، ومسيـح المطلق وكلمته وروح قدسه في قديم وأزل الله، ليعلم البشرية الكتاب والحكمة، وليكون للكافة قدوة وأسوة، على مراد أبيه إبراهيـم.
{قل إن كان للرحمن ولد فأنا…}[٤٦]، أنا أول العابدين… أنا خليل الرحمن… أنا حبيب الرحمن… أنا الوالد والولد… أنا الأب وما ولد… أنا الإنسان… أنـا المبعوث بالحق، فما رآني من لم يرني حقا، ومن رآني حقا فقد رآني.
أنا وجه الله… أنا قبضة نور الله للسموات والأرض… أنا روح الأرواح… أنا حياة الأشباح… أنا نور الحياة… أنا نور العالم… أنا نور الوجود… أنا بحقي لله الظاهر الموجود في كل مشهود… أنا حق الخلـق… أنا علم الخالق… أنا حياة القلوب والقوالب… أنا رحمة الله… أنا هدية الله… أنا الرحمة المهداة للوجود… أنا على ما أنا، وأنا أنا، إنما أنا عبد الله.
فيا أيها الناس… إذا كان هذا شأن عبد الله، فما يكون شأن الله؟ قدروا الله حق قدره، واتقوه حق تقاته، واعبدوه على ما يليق به، كونوا معي… كونوني… ادخلوني… تفانوا في محبتي محبة لربي… افنوا في وجودي فناء في وجوده، لتكونوا قائمين في موجودكم بموجودي لموجوده، فتشهدوا بي لأنفسكم مشهودي بكم لنفسي، وتسعدوا بسعدي في معرفتي، وتقوموا بجنتكم في جناني في موجودي.
(لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ومن نفسه التي بين جنبيه)[٤٧]. لا تغيبوني من بينكم، فما اجتمعت قلوبكم على ذكر، وعلى محبتي محبة له إلا كنتكم فردا وجمعا.
{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير}[٤٨]، فما كان الله إلا الخير، وما منه إلا الخير، وما كان الخير إلا هو، ولتكن منكم أمة تدعو إلى الخير، تأمر بالمعروف، وهو الله لقائمها ومراقيها، وهو المنشود المفتقر إليه، لمعاني قيومها، أقرب إليهم من حبل الوريد لكل مفرداتها، وأقرب إليهم من حبل الوريد في كل تجمعاتها.
يذكرونه في أنفسهم، ويتلاقون معه ويشهدونه في بيته من قلوبهم… ويتناهون عن المنكر بالتناهي عن الشرك به بقائم لأنفسهم، بعيدا أو مستقلا عن قيامه.
{إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}[٤٩]… إن الله لا يغفر لمن أدرك لنفسه وجودا مستقلا عن تدبير وإرادة الله في موجود اللـه، ولم يضف نفسه إلى الله بمعناها لمنشئها، ولم يردها إلى خالقها، ولم يقومها بالتوحيد في وحدانية بارئها فيقومها بقيومها مع رسول الله إليها في كل وقت وحين ذاتا تقتدى، ووحيا يوحى، وروحا تلقى، ونورا يسري، ووجودا يتجدد، وقبلة تطاف، ورسالة تتواصل.
ولكن هؤلاء الذين أغمضوا العين عن الشيطان يجرى منهم مجرى الدم، وقاموا على الناس ينسبون إليه أنفسهم، حكاما أو فقراء، عقروا رسالته، وعقروا مطية الحياة لهم، بقائم مطيتهم، {نسوا الله فأنساهم أنفسهم}[٥٠]، ولن يبعثوا في قادم، ولن يلحقوا بقديم، إلا بما كسبوا في قائم، {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}[٥١]… (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[٥٢].
(يُبعث المرء على ما مات عليه)[٥٣]… {من كان في هذه أعمى، فهو في الآخرة أعمى، وأضل سبيلا}[٥٤]، تأتيه سكرة الموت بالحق مما كان منه يحيد، فيلقى الحق فيعرفه، ولكنه لا يكسبه ولا يقومه.
{الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم، والذين آمنوا بما أنزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}[٥٥]، وما كان محمد إلا الحق من ربهم، إنسان الحق لربه وربهم… {قل جاء الحق}[٥٦]، إنسان الحق أخذ كتابه بيمينه وقال للناس هاؤمُ اقرؤوا كتابي، فما كان كتابه القرآن، إلا من خط يده، ومن قلم فعله، قائم الحق وقيومه بالقيمة على الناس.
{ن والقلم وما يسطرون}[٥٧] فهو بظاهره لنا تطبيق الناموس في قديم تواجداته، بعث بها في قائمه، مشهرا كتابه بيمينه يتلوه فيهم على مكث بـه، بدائم لعترته. {إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين}[٥٨].
إلى متى يبقى الناس في غفلة عن أمر هذا الدين بين أيديهم، بكتابـه وبرسوله، في أنفسهم وفى دائم بالقيمة بينهم؟ تتجدد آياته في النـاس، وفى الآفاق، والناس يغمضون عيونهم ويضعون أصابعهم في آذانهم حذر الموت، لا يريدون الحياة التي تبعث فيهم بموتهم عـن التعلق بمادي أنفسهم، بعزلة أنفسهم، وعدم إضافتها إلى بارئهم فناء لها، وبقاء له، غيبة لها وظهورا به، بعث قيامهم بالحق لاسمه بهم (اللهم).
هل عرفوا البعث على ما أراد الله بالبعث؟ هل عرفوا الموت على ما أراد الله بالموت؟ هل عرفوا القيامة على ما أراد الله بالقيامة؟ هل عرفوا الحشر على ما أراد الله بالحشر؟ هل عرفوا عَلامَ يندمون، وبمَ يفرحون؟
إنهم يفرحون بما سوف يكون سبب ندامتهم. وإنهم لا يأبهون لما هو سبب نعمتهم، يوم يطلبون نعمة الله، افتقارا إليه واتقاء له، وإيمانا به، مع رسوله بينهم، وفى أنفسهم من أنفسهم.
لا إله إلا الله، محمد رسول اللـه
اللهم بمن جعلته للدنيا والدين، انتظام الدنيا واستقامة الدين… اللهم بمن جعلته للأولى والآخرة… اللهم بمن جعلته حق الظاهر وحق الباطن… اللهم بمن جعلته أمر أمرك، وحقيقة خلقك، ويد وجودك، ووجه موجودك، اجعل لنا به دنيا ودين… اجعل لنا به أولى وآخرة، اجعل لنا به خليقة وحقيقة… اجعل لنا به زمانا ومكانا… اجعل لنا به حقا وخلقا… اجعل لنا به أمرا وأمرا وأمرا، كوثر أمرك.
اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا ردا لأعمالنا… اللهم به فعاملنا بعفوك ومغفرتك ورحمتك، والطف بنا في عدلك، وارحمنا في قضائك، وخفف عنا في بلائك، وأوفر لنا في جزائك، واقبلنا به برحمتك.
اللهم به فادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم… إنك أنت الأقدر… إنك أنت الأوسع… إنك أنت الأعلم… إنك أنت الأقرب.
اللهم بمن قاربت حتى أفنيت، وبمن علمت حتى تعاليت، وبمن أعطيت حتى خلقت، وبمن أمددت حتى تخلق بما تخلقت… اللهم به فاجعلنا منه… اللهم به فينا فاجعلنا إليه… اللهم بك لنا فألحقنا به، جنة رحمتك وطلعة حضرتك، وقائم وجودك، وداني موجودك.
اللهم فاكشف الغمة عن الأرض، وعن هذا البلد، وعن بلاد المسلمين، وعن بلاد خلقك جميعا بعموم رحمتك… اللهم به فاكشف عنا الضر، وعاملنا باللطف، ويسر لنا في الأمر، واغفر لنا ما رأيت من الذنب، فيما قمنا من الفعل في غفلة عنك، وفى ظلم لأنفسنا… اللهم به فارحمنا على ما أردت، وعلى ما شئت، يا أرحم الراحمين ويا أوسع الغافرين.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الإنسان -٣٠ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
سورة الزمر- ٣٠ ↩︎
قول للإمام عليّ كرم الله وجهه. المحدث: السيوطي. المصدر: الدرر المنتثرة. ↩︎
قسم يبدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أحاديثه. ↩︎
قسم يبدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أحاديثه. ↩︎
ذكر ذلك الطبراني في (المعجم الكبير)، وكذلك عدد من أهل السير والتاريخ، ومنها ابن عساكر في تاريخ دمشق عن أبي جعفر الباقر من أهل البيت رضي الله عنه، أن السيدة فاطمة الزهراء كانت تكنى بـ “أم أبيها”. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎
من كلمات السيد المسيح عليه السلام: “الحق أقول لك: لن يرى أحد ملكوت الله إلا إذا وُلِد ثانية.” (يوحنا ٣: ٣) ↩︎
حديث شريف: “أتت عجوزٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال لها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا يدخلُ الجنَّةَ عجوزٌ فبكت، فقال: إنَّك لستِ بعجوزٍ يومئذٍ قال اللهُ تعالَى إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا”[الواقعة ٣٥،٣٦]. الراوي: الحسن البصري، المحدث: العراقي. المصدر: تخريج الإحياء للعراقي. كما أخرجه الترمذي في ((الشمائل المحمدية)) باختلاف يسير. ↩︎
حديث ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داود والحاكم. ↩︎
حديث شريف: “إن عَليّا مني وأنا منه وهو وليّ كل مؤمن بعدي.”، أخرجه ابن حبان واللفظ له، والترمذي وأحمد باختلاف يسير. ↩︎
حديث شريف: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "حسنٌ مني وأنا منه أحب الله من أحب الحسن، الحسن والحسين سبطان من الأسباط ". رواه الطبري. ↩︎
حديث شريف: “حُسينٌ منِّي، وأنا منه، أحبَّ اللهُ مَن أحبَّ حُسينًا، الحسَنُ والحسينُ مِن الأسباطِ”. رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان. ↩︎
إشارة إلى حديثين شريفين: “إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض”. أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. و"إني تارك فيكم ما إن استمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما". جاء في سنن الترمذي: ↩︎
تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
سورة الأنعام - ١٥٨ ↩︎
سورة فاطر - ١٤ ↩︎
سورة طه - ١٣٢ ↩︎
سورة الأنبياء - ١٠٥ ↩︎
سورة الإسراء - ٧٩ ↩︎
سورة طه - ١٠٨ ↩︎
سورة الزمر - ٦٩ ↩︎
سورة الكوثر- ٣ ↩︎
سورة طه - ١٣٢ ↩︎
سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
مقولة صوفية تتناغم مع خلق الله للإنسان كخليفة لله. ↩︎
سورة الفتح - ٢ ↩︎
سورة الضحى - ٥ ↩︎
من حديث شريف جاء في تفسير القرطبي أنه حين نزلت الآية {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال النبي صلى الله عليه وسلم “إذا والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار.” وجاء في صحيح مسلم (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا قول الله تعالى في إبراهيم : فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم وقول عيسى : إن تعذبهم فإنهم عبادك ، فرفع يديه وقال "اللهم أمتي أمتي وبكى. فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأل فأخبره. فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك) ↩︎
حديث شريف: “كلُّ نسَبٍ وصِهرٍ ينقطع يومَ القيامةِ إلا نسَبي وصِهْري”. رواه الطبراني، والحاكم، والبيهقي، ورواه أحمد في مسنده، كما جاء أيضا بلفظ: “كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي.” أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)). ↩︎
سورة النساء - ٦٣ ↩︎
سورة الضحى-١١ ↩︎
سورة الأعلى - ٢ ↩︎
سورة النساء - ٦٣ ↩︎
سورة غافر - ٥٧ ↩︎
سورة النساء - ٦٣ ↩︎
سورة هود - ١١٠ ↩︎
سورة طه – ١٢٩ {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزامًا} ↩︎
حديث شريف. أخرجه البخاري ومسلم بلفظ: “كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.” ↩︎
سورة البقرة - ١٢٩ ↩︎
سورة الزخرف - ٨١ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ، وَاللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ.” صحيح البخاري. "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. "متفق عليه. ↩︎
سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎
سورة النساء - ٤٨ ↩︎
سورة الحشر - ١٩ ↩︎
سورة النجم - ٣٩ ↩︎
من حديث قدسي: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” الراوي: أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. ↩︎
حديث شريف: “يُبعث كل عبد على ما مات عليه.” أخرجه مسلم ↩︎
سورة الإسراء - ٧٢ ↩︎
سورة محمد - ١-٢ ↩︎
سورة سبأ - ٤٩ ↩︎
سورة القلم - ١ ↩︎
سورة التكوير - ١٩:٢٠ ↩︎