(١١)

الهجرة
عبر المكان والزمان ومن الزمان والمكان، وإلى الزمان والمكان
من مكان لمكان ومن زمان لزمان، وإلى لا زمان ولا مكان
ومن حيث لا زمان ولا مكان إلى حيث الزمان والمكان

حديث الجمعة

٤ محرم ١٣٨٧ هـ - ١٤ أبريل ١٩٦٧ م

باسم الله، وباسم رسول الله.

بالحق نقوم، وفي الله نعمل.

نشهده لا إله إلا الله، وبه نشهدنا محمدا رسول الله.

بنا يسجد لله، فنكون من الساجدين لله، السابحين في الله، المنزهين لله، المسبحين بالله، لمن سبح معنا في الله، فدخل معنا في حصن لا إله إلا الله، وفي وحدانية الله، وحدانية هي في أكبر، لأوسع وأرحب بوحدانية مطلق الله… ويطول بنا إسناد عنعنة من ذواتنا لله، حتى إلى ذات وحدانية الله، في أحد لآحاد الله، لمطلق الله بروح لله، إلى روح لله، لروح أعظم وروح مطلق لانهائي لله.

بإدراك قرب الله، نقدر الله حق قدره، يوم نقدر أنفسنا به، ونعرف أنها بعيدة عنه بعيدا عنها هي شعار العدم، وأنها قريبة منه قريبا بها هي الحياة، وهي الكون والعالم، وهي الوجود، فنشهد بيقين أنه لا إله إلا الله، يوم نقوم بيقين لا إله إلا الله، كشفا للحجب وإقامة سافرة في حصن لا إله إلا الله.

فنعرف ونُعرِّف بيقين، يوم نَعْرف[١]بقيام، أن محمدا رسول الله… يوم نقوم ونقيم محمدا رسول الله في خلق الله قياما للعباد لله، لإنسانية الله في مطلق الله بموجود الله، لوجود الله في وجود الله، عبادا لله، بقائم عبد الله.

في مثل هذا اليوم… في مثل هذه الأيام من كل عام، نحتفل بأول العام الهجري… نرى فيه عيدا… نعود بأنفسنا إلى ذكراه، ونتأمل في أحوالنا بمعناه.

في مثل هذا اليوم هاجر رسول الله… هاجر رسول الله كارها لأن يفارق أهله… كارها أن يفارق أحب البلاد إليه… كارها أن يبتعد عن أحب الناس عنده… كارها أن يفارق عشيرته الأقربين… وإن كانوا بئس العشيرة لعشيرهم، وهو نعم العشير لهم.

فعبر الله به وبقومه وبأحداث زمانه، كيف أن الإنسان بفطرته، كاره أن يفارق قائم حسه لذاته مستبدلا جوارحه النفسية إلى جوارحه الروحية يوم يفارق حسه الذاتي إلى حسه العقلي، يوم يفارق أحاسيسه الزمنية المادية، إلى أحاسيسه الروحية الأبدية، يوم يفارق عالم العدم لذاته إلى عالم الحياة لروحه. وهذا أمر يتم له يوم ينتقل بأنانيته والإحساس بها من جلدته إلى جوانيته قلبا ورأسا لموصوف الرب والعبد له في قائم حقه لحقيقته، اسما لله وكلمته.

أهملوه وما أهملهم… قلوه وما قلاهم… كرهوه وما كرههم، ما أحبوه ولكن أحبهم، شجرة بشريته أظهرهم، وهو في حقيقة أمره أول العابدين، وبعث شجرتهم لبشريتهم، إنه شجرة البشرية على الأرض بحقه لحقيقته، إنه سدرة المنتهى للخلق من البشرية بحقيته.

ضرب الله به مثلا لما أودع في كائن الإنسان لأحديته بواحديته من كنوده بقائمه لظاهره مع ربه لقائمه بباطنه وجوانيه، من كنوده بأحاسيس جلدته، وماديه مع معنويه بعاطفته وإدراكه، بقلبه ورأسه.

إنه كلمة الله التامة، {وتمت كلمة ربك}[٢] توفاها الله مسيحا لإنسان عبوديته، فصار به عبدا لله، وأبرزها بجديد لقديم لمعناها، علما على سرمدي معناه لذاته وروحه، كلمة طيبة، هي شجرة طيبة، هي سدرة طيبة، أصلها ثابت، أصلها ثابت في الوجود مركز السماوات للشهود، وفرعها في السماء في كل سماء، قائم أمرها. ظهر الرسول الحق العبد على الأرض أمرا لها بمحمد، لفرعها توفى لعنوان موجودها، فبدلت به الأرض غير الأرض والسماوات.

صارت به الأرض سماء، وتكاثرت به الأرض أراضين، صارت به البشرية سبعا من المثاني وتكشف لها فيها بها الناموس، وقائم القرآن العظيم. صارت به البشرية كتاب الله الجامع لكتب الله، وكلمة الله الجامعة لكلمات الله. صارت به الذات روحا، وتجسدت وتجمعت به الروح ذاتا، فكان روحا وذاتا، روحا لذات وذاتا لروح.

كلمة الله تامة متوفاة، أزواجا تواجدت، وأزواجا في قديم وجدت، وأزواجا في قادم وقائم تتواجد. تقوم مع من معه تقوم، مثنى وفرادى، فيعرف التوحيد لمعنى النعمة واليقين يوم يقوم الإنسان في التوحيد، ويعرف الجزاء والعطاء بقائم التعديد، لناموس الاختبار والابتلاء… برؤية الأنا والأنت، مع من هو أنا وأنت، مع من هو فوق الأنا والأنت، مع من هو بعد الأنا والأنت، مع من هو لقائم الأنا والأنت، بأنت أنا، وأنا أنت. أنا وأنت لسنا إلا هو. وما كان هو إلا أنا وأنت… وجه لوجه فيه… نفنى عنا ونبقى به وجها لوجه، وجوه بالله ناضرة وناظرة، ووجوه لله قائمة حاضرة، بالله منظورة، (النظرة الأولى لك والثانية عليك)[٣].

له المثل الأعلى في السماوات والأرض، ولا يعرف إلا بمثل عليا… للمثل العليا. ولا يتعارف لمثل دنيا إلا إذا اشرأبت إليه به لتكون مثلا عليا… بإدراكها لوحدانيته تحت التحت على ما هو في وحدانيته فوق الفوق، لا تعرف وحدانيته لها قادمه إلا بطلبها في وحدانيته له قائمة. وهذا لا يكون إلا بكشف وحدانيته في دائمها بدائم نعمته ودائم رحمته، في الضمير متكلمة، وفي العقل معلمة، وفي القلب مقاربة، ولكلمة الله به متممة… فهلا استمعنا إليها تنادينا من مكان قريب، من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال.

يعرف الإنسان الله لنفسه يوم يحيا بذكره، فيشرق العقل بحقه، فيعرف بيته لأمره فيستوي الحق في بيته على عرشه، فيسود العقل ملكا سيدا بسلطانه على ذاته، ويتحكم العقل في صفاته مطورا لها فتستقيم جوارح ذاته، وتحيا مواصلة كراته وكراته، في موجوده لذاته لكبير وجوده في الأعلى لذاته وروحه.

كرات بيضاء وعوالم ملائكية، وكرات حمراء وعوالم نفسية، مرجت في مجرى دمه، في صغيره لكبيره، تلاقت في برزخ وجودها بعالم ذاته، وهو في موجوده للأعلى بجماعه كرة سابحة فيه. فإذا ما تحرر وعيه لنفسه يوم ينعكس الإنسان بنظره وهمته، على ما هدي وبه أمر، إلى جوانيه، لكشف قائم صفاته وخصائصه لقيوم عقله على قائم نفسه في مشاهدة ربه لمعيته، بقائمه في بيته هو له وجه، وهو من ورائه بإحاطته، ومن أمامه بطلعته، وعن يمينه ويساره في قدرته لنجدته، ومن تحته ومن فوقه… من فوقه لحمايته من نفسه، ومن تحته لحقيقته من ربه في نعمته ورسالته، ليكون بالله لاسمه، جنة داخليه وعزة متابعيه، وقدرة مستقيميه، ومشهود عارفيه، نفسا واحدة لقائم اسم الله وقيوم أسمائه، به فيه مشهودا لمن صلى وراءه بكل ما هو فيه، وجها لوجه لله، واسما لاسم لله… نعم المؤمن مرآة المؤمن، ونعم المؤمن مرآة أخيه…

قائم الدين وحق الواردين وشمس المبصرين ومصباح نور الله في قلوب العاشقين، هم به في الليل سارين، وفي النهار عاملين… {إن لك في النهار سبحا طويلا}[٤]… {إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا}[٥]… {تنزل الملائكة والروح فيها، بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر}[٦]… {وكان فضل الله عليك عظيما}[٧]… و{النور الذي أنزل معه}[٨] ، {نهدي به من نشاء}[٩]… {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}[١٠]… هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[١١].

أُعطي الرسول نفسا بشرية هي خير من ألف شهر أي من ألف كائن ملائكي من النور. أُعطي أرضا أبعاضها وذراتها أقمار، أشرقت عليها شمس الحقيقة لقديمها فجعلتها مدينة الأحرار، وقبلة الطواف والأسرار، تشد إليها الرحال ويقوم بها لله الرجال، بيتها حيث وجدت بيت الله في الحال والمآل، على ما كانت في سابق من مجال، بحق قامت في آزال وبحقها تبقى في الآباد لعين الحال. بيوت توضع وترفع، رحمة للعالمين، وقدوة للعالمين، وأمرا قائما قام ويقوم للمقتدين سلاما للمؤمنين وحربا على الكافرين، ووبالا على المتآمرين على هدم الدين، وإطفاء شعلة اليقين.

هكذا كان رسول الله… وهكذا كانت عشيرته، يوم فاءت لأمر الله، فقامت بحكمة الله، وبقضاء الله، بعد أن أخرجته من بيته، وحرمته من داره، أقصته عن مدينة ربه، وأخرجته من وطنه، وأخرجته من سكينته، وأخرجته من دار محبته، فكان في ذلك محنته، وكان في محنته عطاؤه وجزاؤه ورجاؤه، لتمام قدوته وريادته، ثم عادت لطبيعتها مع أهل بيته، وثمرة جهدها وجهده، فتكررت المحنة وتكررت الحكمة. هكذا كانت الهجرة عندما قامت، وهكذا تكون كلما قامت وتقوم.

سأل الرسول، أما وقد أخرجتني من أحب الدور إليّ، ومن أعز البلاد عليّ، اللهم أسكني خير دار عندك وأحب بلد إليك ليعنون في قائمه بالظاهر، ما هو قائم بالباطن، يوم لا يتثاقل الإنسان إلى الأرض في طريقه إلى الله… فأسكنه الله المدينة، وطنا جديدا، وجعل له فيها وبأهلها مولدا فريدا، وحقا وليدا شب كريما عتيدا من حق قديم خرج طريدا. {لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد…}[١٢]، في آدم من الناس، في غفلتهم، بها راضين وبجهلهم محورين وبمحنتهم جبارين مستكبرين.

(بئس العشـيرة كنتم لعشيركم)[١٣]، وما زالوا، وما زال هو على ما كان، فأبدله ربه بعشيرة تالية، عشيرة حبيبة موالية، عشيرة تحبه، عشيرة ترتضيه، عشيرة ترضيه، عشيرة تؤويه، عشيرة تمنعه وتحميه. وهكذا يفعل الله له دائما. عرّفها الأنصار، وعرّفها الناس، وعرّفها أمته.

بذلك كانت هجرته من مكة إلى المدينة هجرة من عالم البلاء إلى عالم الجزاء والعطاء، ذكرى ما زلنا نذكرها مهللين، لكل هجرة من كل نفس نفارقها بالهجرة، عرفناها وقدرناها وأدركناها. هجرة، بها فتح رسول الله قلوب أهل المدينة… فتحا عظيما إذ فتح الله له قلوب الناس بدينه في مدينته، وعوّضه عشيرة خيرا من عشيرته. فكان ذلك يوما من أيام الإسلام. طغى بذكراه على كثير من الأيام من أيام الإسلام، وكم في الإسلام عند قيامه من أيام، وكم سيكون له من أيام، لا تقِلّ عن يوم الهجرة فضلا… وقد تعلو عليه شرفا وذكرا. فأين يوم الهجرة من يوم مولده، وأحداث عام الفيل، أو فتح مكة يوم بيوم خروجه ردا من الله ورسوله على يوم الاضطرار إلى الإفلات والفرار وكشف الناموس عن ثمرة وجزاء الاصطبار.

نعمت مكة بيومين من أيام الله للذكرى بما كان من إحسان الله على البشرية بإنسان الإحسان، هما يوم مولده عنونه عام الفيل… عاما سجله التاريخ لمولده… يوم ولد الرسول، فنصر عشيرته وهو في مهده، نصرها طفلا يكلم الناس في المهد بأحواله، أوتي الحكم صبيا، حاكما روحيا، فكان أقوى من رجال مكة وشيوخها… أقوى من فرسانها، وأحكم من حكمائها. جاء الأرض ربا لهذا البيت، اسما وعلما لربه الذي أطعمهم به من جوع وآمنهم به من خوف، يوم أحاط أبرهة باسم النصرانية الداجلة أو النصرانية غير العاقلة، راغبا في أن يزيل هذا البيت لتعلو على الأرض كلمة الله بالإنسان الابن، أساء قومه فهمه وتقديره وقد ولد يومئذ صاحب هذا البيت… ولد من يعنونه هذا البيت… ولد حقيقة هذا البيت… ولد من يشير إليه هذا البيت… ولد القلب كلمة لله تتم، لقائم الإنسان الأب، وأول العابدين… فمن الذي يقوى على الاعتداء على هذا البيت، وقد ولد إنسان الوجود طفلا ليظهر للشهود، حق الحياة وتمام كلمة الله، وشرف رسول الله، وحق عبد الله، ومشرق وجه الله للقلوب، وقائم اسم الله للعقول، وبيت ونصب الله للقوالب، لإحياء ذكر الله في هياكل النيام من النفوس، بين من غفلوه متخلفين ليلحقوا بمن ذكروه سابقين.

أمة تؤمن بالله وتعرفه، وتقوم بالله وتشرفه… وتنسب إلى رسول الله عبادا لله، مع عبد الله يشرّفها وتشرّفه، يوم هي تعرفها فتعرِّفه، وتعرف الله أقرب للناس من حبل الوريد، فتنصف الناس يوم تنصفه، فتعرفه لها حقا تقومه وتقيمه وتتكلفه.

هذا كله كان في عام الفيل ليوم مولده. فهل جددنا الاحتفال بعام الفيل مقترنا بعزة سيده، ونصرة مجدده، وقد هوجمت أمته، وهو بين ظهرانيها طفلا على وسادته، تنتظره للظهور بقائمها على الناس سيادته، فناب عنه الله لنصرة قومه وعشيرته؟ فهلا توسلنا به لنصرتنا في محنتنا، واستنصرناه لنجدتنا في كربتنا… هل اقترنت عندنا أحداث عام الفيل بيوم مولده، ونحن ما زلنا في كل عام نحتفل بيوم مولده؟ هلا تذكرناه بما يليق به، مع ما أودع فيه سيدنا وسيده، أم أنا نحتفل به بصورة بعيدة كل البعد عن جدية مشهده؟

وهناك له ببكة يوم آخر قرين يوم مولده به نصر على عشيرته، قرين يوم هجرته، به نصرت أمته من الناس، هو يوم الفتح… يوم فتح مكة وعودته إليها عزيزا قويا. نصر هو به على عشيرته فانطلقت في الوجود أريحته، وظهرت عزته، وعمت رحمته، وبدت حكمته، فيوم النصر على عشيرته لم يظهر عليها بعزته بل أطلقها برحمته، متألفا القلوب إلى محبته وما زال، وما زالت القلوب على قسوتها وجفوتها، فكان فتح مكة يوما من أيام رسول الله.

ولكنه يوم لا يرفع له في أمته بينها شعار، لأنه لم يبقَ له بينها قرار لأن عشيرته رأوا فيه هزيمتهم أمامه (وهو أحدهم)، بقاء مع أنفسهم، فكيف يجددون الذكرى لهزيمتهم، وقد رددوا في كربلاء الذكرى المرضية عندهم لردتهم، وهم لا يدركون في انتصاره النصر لحقيقتهم، حقا انتصر على مظلم وظالم جبلتهم، فهذا يوم ما زال مجفوا في بيئة محمد لأنهم يعفون عن نصرة محمد لمثاليتهم بحقه لحقيقتهم، بحقه على النفوس، ونحرها به لقيامتهم.

إن هجرته إلى المدينة كان فيها انتصار النفوس لحقها بمحبته، ولكن فتح مكة كان فيه انتصاره هو على النفوس بعزته. أما بمولده فكان فيه إشهاره وانتصاره لحقه لقائمه بفطرته، كما كان فيما وقع من قومه كشف لطبيعة الناس، في كنودهم لربهم بتفريط قومه في أمرهم لأمره، بجبلتهم من الشيطان يجري منهم مجرى الدم، وهم على ما هم، حتى يومكم هذا، صبغة الناموس ببقاء الناس في فطرتهم، إلا من رحم الله بعلم رحمته، مبدلين أنفسهم من شيطانيتها إليه، لحقي رحمته.

إن الرسول بحقيقته كما هو بخليقته[١٤] أمر لله قائم دائم، قديما وقادما، على ما هو في قيامه قائما. إن الرسول خلقية القوالب، خلقا به، تتخلق بخلقه لدوام، وحقيقة القلوب به تتحقق حتما لقيام، ونور العقول به تستنير قياما لسلام، ونار النفوس به تشتعل لحركة ومجاهدة ومقام.

هو وحدة من الناس، ومن الملائكة، ومن الإنس، ومن الجن، هو عنوان لمقام البشر في البشرية… هو الإنسان للإنسانية، مثالا يقوم بفرده، يوم يقوم بحقه، وحضرة تقوم بجمعه، يوم ينتشر بنوره. فيقوم في الناس بعترته. تتحقق بهم للناس بشاراته بكلمة تامة سواء بينهم بذات وروح، وبشارات النبيين من قبله لفطرته لفطرتهم، والنبيين من بعده لتجديد أمره، والنبيين في قائمه لدائم كوثره، وعامل هديه ودائم رحمته.

أُعطي جوامع الكلم بروح قدس الله، وجماع كلماته تنشق عنه له فيه عذراء زهراء، فارتفع فوق الهامات علما للحق لكل علم للحق، قام، ويقوم متقلبا في الساجدين على أعلامهم في مطلق الله، بالنور الذي قام به قديما، وأنزل معه قائما، وجعل له دائما. فكان نور القلوب ونور العقول ونور النفوس، نور الهياكل يوم تصبح الهياكل من النور، ونور العقول يوم تتحرر العقول من الأفول، ونور القلوب يوم تحيا القلوب فتبعث من الموت، وتتواجد من العدم، وتستيقظ من النوم.

إنه مفتاح الحياة وسر الحياة، في قائم الحياة، عند القيام، وهو عارية الحياة عند النيام، وهو النور الحي في حكمة الأعلام.

بأمر الله هو أمر الله لكل أمر لله. خلقه وسلوكه ومعاملته دين القيمة، ومتابعته طريق الاستقامة، وحديثه بمعرفته الحكمة، وفعله بالأعلى الإرادة، وأمره بما هدى التشريع والتبليغ، ووحيه الدائم المكالمة مع كل كليم، وكوثره القائم السلام والمسالمة لكل سليم.

هاجر من مدينة إلى مدينة، ثم هاجر من أرض لسماء، ثم من سماء إلى سماء، حتى إلى سماء لأرض لم يعصَ ولن يعصى الله عليها، ثم هاجر من سماء لأرض إلى سماء لأرض، سبعا من المثاني، ثم جاء بالحق من السماوات عودًا إلى الأراضين أرضا فأرضا. إنه المهاجر دائما، إنه الهجرة الدائمة، وإنه العودة إلى حيث هاجر، يعود بالحق كلما افتقد الناس مهاجرا من حيث صار إلى حيث بدأ. إنه الحياة ومثاليات الحياة حيث وجد.

إنه دورة الحياة، وحلقات الحياة، وسلسلة الحياة. بهذا قامت رسالته على فطرته، إنه الجيئة بالمولد، وإنه الغيبة بالانتقال في كل أرض وفي كل سماء. إنه كلمات الله لظلالها في قائم حقها، منفردا بحاله. يقومها الناس في متابعة لآله، في التمسك بعترته لقدوتهم، قرين كتابه لمعرفتهم، وبكتابه حيا قائم بيته لقبلتهم، بأئمة ريادتهم. لا فرق بينهم ولا تفرقة لهم ولا تفرق فيهم. كتاب الله وعترته لكتاب الله وعترته.

بهما يتحدث بينكم في دوام وتسألونه بدائم له بكوثره في كل قيام، ويجيبكم بينكم بدوام حكمته رسالة لا ينقطع بينكم لها قيام. (يبعث الله في هذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمور دينها)[١٥]… (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)[١٦]… (نزلت البسـملة على كل نبي من قبلي ورفعت معه إلا أنا فقد أعطيتها لى ولأمتي)[١٧]، بها بينكم أقوم، وبها بينكم أُبعث وأدوم، وبها بينكم تنشق الأرض عني فأقوم، في دوام قيام لا ينقطع بين الناس نيام، في قيام بحكمة وهدي لسلام لا يتوقف، في صلة مع الله تبيتون بها عنده كلما بتّ، وعنده ستلاقونني، وبين يديه معكم تجدونني على ما أنا معكم فيه تشهدونني، يوم أنكم لا تحولون بأنفسكم دوني، حقا لكم تقومونني، {هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[١٨].

اتقوا أنفسكم ولا تحولوا بها دوني، فأنا جديد نفوسكم بالحق يوم تعشقونني، فتكرهون أنفسكم بالباطل يوم تعرفونني، فتبادلونني عليها يوم تكبرونني، بتغيير ما بأنفسكم إلى نفسي تقتدونني، فأعطيكم نفسي حقية وآخذ منكم أنفسكم مظلمة ظالمة، أنا أقدر منكم على تقويمها وإصلاحها ثم المبادلة بها عند من يقبل فعلكم ويحتذي مثالكم.

هذا هو ناموس الفطرة، قامه بيننا ليكون به لنا، {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}[١٩] فهو صبغة الله في الفطرة له بالوجود، أمره لخيره، وهداه لخيرنا به، أن {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}[٢٠].

وحذره ونهاه لخيرنا {ولا تعدُ عيناك عنهم}[٢١]، ولا تستشرف نفسك إلى وجوه من أهل المادة من أهل الدنيا، إلى وجوه زينتها المادة، إلى وجوه من التراب قد تعجبك أجسادهم، وقد تسمع مخدوعا لمعسول أقوالهم، هم وجوه الأرض بمن عشقوها، وعلى أنفسهم رببوها، فلا تختر لمواصلة نفسك من جعلناه زينة الحياة الدنيا، ولا تطع لإبراز قدوتك من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، لا تتابع بحبك من اتبع هواه وكان أمره فرطا، وارقب وجه الله، وتعامل مع الله في الذين اتقوا والذين هم محسنون. إن الله كان بوجوه ظاهره عليما حكيما، على ما علّمك ربك، بمن علمه، وسوى بينكما على ما عرفك الأعلى مفيضا عليك من حكمته.

آتاك من لدنه رحمة وعلمك من لدنه علما، وضاعف الرحمة معك حتى لا رحمة إلا رحمتك. وضاعف لك العلم عنه بالعلم عنك له حتى لا علم إلا ما علمك. فقال رسول الله (أنا مدينة العلم وعلىٌّ بابها)[٢٢]. أنا لا أحب علما لا ينفع سائلا الله (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع)[٢٣].

اللهم بمن جعلته لحضرتك بابا، وعنك من غضبتك وعدلك حجابا، وجعلته منك حجاب نورك لعباد معرفتك، قيوم قائمهم في قائمك، فجعلت به كلمة الله عامة شاملة، ونعمة الله حاضرة ميسرة كاملة، اللهم به فارحمنا، وفي حجابك بنورك فأدخلنا، وفي حجابه من غضبتك فقنا، وبروحه روحنا أحينا، وبحقك به سلمنا وعلمنا وتولَنا.

اللهم إنا به آمنا ولم نره، فتغلغلت بالحب نفسه في خفي أنفسنا ففي أنفسنا رأيناه، وبنعمتك قمناه، وفي دينك دخلناه، وبسرك صليناه، وبسره وجها لك شهدناه، وبقائمه لقائمنا عرفناه، وبحقه لحقائقنا سبحناه، وبذرات وجودك بنا عنا نزهناه، وبأدبه في الكل عاملناه، فحققت لنا به ما وعدناه، فبما تولانا تولينا، وبما أغنانا منك أغنيتنا، وبعلمه بك بالعلم عنا لك علمتنا، فبالحديث عنه حديثا عنك أمرتنا، وبالتعريف عنه أقمتنا، فعرفْناه على ما عرّفته، وعرّفناه على ما عَرفْته، فكنَّاه على ما وصفته فشرفته، وعلى ما شرُفناه فأشهدناه، يوم شرفتنا لعلمنا وقيامنا إياك لإياه، ومعناك لمعناه، وقيومك لقائمه، بقيومه على قائمك به في الناس.

لا إله غيرك ولا قائم إلا موجودك، ولا حي بحياة إلا من أحييت، فأنت الحياة، وأنت الأحياء. بك حيينا يا من هو الحي بنا… يا من هو القيوم علينا بالحياة… يا قائمنا بالحياة… يا مقيم الحياة من قائمنا على من تقيم به الحياة معنا.

أمته أمة وسطا جعلتها خير أممك أقمتها وقومتها، وجعلت بها الأمة الوسط خير الأمم في قائم الفطرة لصبغتك وأمرا وسطا جعلته، وخير أمورك عرفته، اسما وسطا للعبد والرب قمته، وبالعبودية لك شرفته، وبالربوبية لك على العباد كلفته، وأربابا به قدرته فبالتنزيه لمطلق حقك أعلمته، وأرسلته، واسم القيام لقيومك وظهور قائمك في حاضرك لحاضر بك أشهدته، وفي المؤمنين بالله ورسوله أقمته، فأنت على ما أنت فوق الآزال وما قبلها، وفوق الآباد وما بعدها، وفوق القيام وقائميه، وبعد القيام ومتحققيه، لا شريك لك، ولا موجود بحق سواك.

اللهم بما عرفنا، فمكنا لنعرف.

اللهم بما شرفنا، فمكنا لنشرف.

اللهم بما علمنا، فمكنا لنعلم.

اللهم بما تحققنا، فمكنا لنحقق.

اللهم بما أيقنا، فمكنا لنوقن.

اللهم بما انتشر فينا من حقك فمكنا أن ننتشر به بحقك.

اللهم بمحمد فحقق لأهل الأرض فيهم رجاءه، ولا تعاملهم بنظرهم إليه، وعاملهم بنظرتك إليهم به.

لا شريك لك، أينما نولي فوجهك، وفي أي ما نقوم فأمرك.

اللهم بما حققتنا فحقق أخواتنا من الناس.

اللهم بمحمد عبدك ورسولك وحقك، فولِ أمورنا خيارنا بفضلك، ولا تولِ أمورنا شرارنا بما كسبنا لقائم عدلك.

اللهم به فارحمنا، حكاما ومحكومين، أمراء ومأمورين، ربانيين ومربوبين، مجاهدين وقاعدين، يقظين وغافلين، وقد جعلته رحمة للعالمين، به فارحمنا، وفيه فالقنا.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. تم وضع بعض علامات التشكيل وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎

  2. سورة الأنعام - ١١٥ ↩︎

  3. من حديث شريف: " يا عليّ إن لك كنزا من الجنة، وإنك ذو قرنيها، فلا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة." جاء في حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل. كما جاء بصيغ مختلفة في المكتبة الشيعية. ↩︎

  4. سورة المزمل - ٧ ↩︎

  5. سورة المزمل - ٦ ↩︎

  6. سورة القدر – ٣-٥ ↩︎

  7. سورة النساء - ١١٣ ↩︎

  8. سورة الأعراف - ١٥٧ ↩︎

  9. سورة الشورى - ٥٢ ↩︎

  10. سورة الأنعام - ١٢٢ ↩︎

  11. سورة الشعراء – ٢١٨, ٢١٩ ↩︎

  12. سورة البلد - ١:٣ ↩︎

  13. حديث شريف: “بئس عشيرةُ النَّبيِّ كنتم لنبيِّكم، كذَّبتموني وصدَّقني النَّاسُ، وأخرجتموني وآواني النَّاسُ، وقاتلتموني ونصرني النَّاسُ، فبئس عشيرةُ النَّبيِّ كنتم لنبيِّكم”. ورد في تفسير ابن كثير، للآية ٧٩ من سورة الأعراف، {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِين}، إشارة لقوم النبي صالح عليه السلام، ثم ذكر هذا الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم. كذلك جاء في السيرة النبوية لابن هشام، نقلا عن ابن اسحق، في حديث سيدنا محمد لأهل القليب. ↩︎

  14. هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎

  15. إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داود والحاكم. ↩︎

  16. حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎

  17. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  18. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  19. سورة الفتح - ١٠ ↩︎

  20. سورة الكهف - ٢٨ ↩︎

  21. سورة الكهف - ٢٨ ↩︎

  22. حديث شريف: “أنا مدينةُ العلمِ، وعليُّ بابُها، فمنْ أرادَ العلمَ فليأتهِ منْ بابهِ”. المحدث: السيوطي. المصدر: الجامع الصغير، أخرجه الطبراني، وابن عدي، والحاكم… ↩︎

  23. جزء من دعاء مأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وفتنة الدجال، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِى تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا، اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لاَ يُسْتَجَابُ لَهَا.” أخرجه مسلم، والنسائي، والطبراني باختلاف يسير. كما جاء بلفظ: " اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ منَ الأربعِ، مِن عِلمٍ لا ينفَعُ، ومِن قَلبٍ لا يخشَعُ، ومِن نَفسٍ لا تَشبعُ، ومِن دُعاءٍ لا يُسمَعُ." صحيح أبي داود. ↩︎