(٩)
أين هو محمد يا من تتوهمونه!؟
يوم تعرفونه له فبالنور تقومونه، وبالروح تتحررونه، وباسم الله تترببونه!
سلاما لمن يسالمونه، وحربا لمن يحاربونه!
حقا وأمرا وسطا تقومونه وتقيمونه!
أمة وسطا به تتوحدونه فتشهدونه وتشهدونه![^٩_١٩٠]
حديث الجمعة
٢٠ ذو الحجة ١٣٨٦ هـ - ٣١ مارس ١٩٦٧ م
(اللهم إني أعوذ بك أن أقول زورا، أو أن أغشى فجورا، أو أن أكون بك مغرورا)[١].
(اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين)[٢]، مسكينا لك لا لغيرك، ولا غير لك إلا ما سولت النفس للنفس عنك، بقيام النفس بعيدا عنك، وأنت القائم على كل نفس بما كسبت، أيا ما كسبت، بما عليه عزيمتها عقدت.
ملهمة فجورها وتقواها… ممن علاها من نوعها لمعناها… فعطل أو حقق لنفسه بها لها مناها… شيطانا في قطيعة موجوده، أو رحمانا في نعمة وجوده… آدما وإنسانا بعمله، أو إبليسا رجيما بخبله… روحا حيا بحقه، أو مادة ميتا بفعله… كتابا قائما بعلمه، أو ظلاما قاتما في قائم وهمه… دنيا من خيال لرسمه، أو آخرة بمآل لكسمه في شهادة لخلقه، بعثا بمعاني حقه، أو مواصلة لقائم وهمه بفهمه… مقيدا في شيئه وعجزه أو مطلقا في قدرته بحي أمره.
الإنسان في قائمه لقيومه، يقوم بذلك كله بفطرته، ليظهره الله من خلقه لنفسه، على الدين كله لصبغته لاسمه، فيقوم في ذاته أولية لذواته، خلقة من ذاته، ويقوم في سعيه ومجاهدته آخرية لمعناه في معناه بمعناه اسما لله، وهو فيما بينهما ضالا يهدى، وعائلا يغنى، ويتيما يؤوى.
فلما قام فيما بينهما على ما يليق من أمرهما أمرا وسطا لهما استكمل معنى الأول لمعناه ومبناه، واستكمل معنى الآخر لمولاه ومرتضاه، فعرف عنه أنه بأوله لأول لا أول له… وأنه بآخره لآخر لا آخر له… فكان بذلك تمام الأمر الوسط وخير الأمور. عرفه أمرا وسطا، بين أمر لمعنى بدئه، ظاهرا لباطن له، إلى أزل لا أول له، وأمرا لمعنى انتهائه، ظاهرا لباطن له، إلى أبد لا انقضاء ولا آخر له.
قام أمرا لبدء بدئه في أحسن تقويم، وأمرا لانتهاء انتهائه إلى أحسن تقويم، في قائم بينهما بهما لهما هو للأمر الوسط أحسن تقويم. فكان الأمر الوسط هو الإنسان في علميته على الرحمن ومخاصمته لعزلته لمعنى الشيء لنفسه لقائمه للشيطان، اسما لله ووجها له، وكلمة الله المترددة بين العالمين بعالم وجودها لها.
بذلك جاء رسول الله أمرا وسطا… عَرَفَه لأمره الأول شهده ربا له وقيوم قائمه، فتقدم إلينا عبدا، وعرفه لأمره الآخر بعمله وامتداده في أمته نافلة له ربا غفورا… فقام بينهما حقا، عبدا وربا، فعرف العبد لمعناه، ليكون للناس قدوة لمعانيهم عبادا لله، وعرف الرب لمولاه، في قائمه له لمعناه بأعلاه على أدناه، قيام أعلاه من الروح، على مبناه من الذات… فعرَّف بذلك الرب للناس، منشودهم لهم في أنفسهم لأنفسهم على أنفسهم، تعريفا لم يسبق إليه من معلم ظهره ظلا له من قبله، عرَّفه القائم عليه، وعرَّفه[٣] لهم القائم به عليهم، حقا مرسلا، لحقي أمانيهم حقائق مرسلا إليها.
فكان رحمة للعالمين حقا، استكمل به آدم لبدئه معنى الرب لنفسه، بموجود العبد بولده أظهره الناموس على الدين كله، فسبح الأعلى لربه لمعاني الرب الأعلى له فسوى الأعلى بين العبد وربه، بين الأب وولده، فكان بالأعلى عبدا له عين من عرف لمعنى ربه وأبا له، متوحدا معه، بوحدانية ربه وربه… فعرف ربه إليه رسولا ومن الأعلى مرسلا… فقام بيننا لربه الأعلى عبدا ومنه إلينا رسولا. وعرف ربه العظيم بقيومه لقائمه له خليلا وعليه وكيلا. عاملنا على ما عامله به ربه الخليل وعرفنا بما قام به الأعلى عليهما، فكان لنا ربا غفورا، ورسولا كريما، وعبدا مقيما.
كان لنا ربا، كنا به أربابا، وكان بيننا للأعلى عبدا، كنا به له وللأعلى عبادا، يوم كان لنا فينا منا بهديه علما ورشادا، فرأيناه لنا في متابعتنا له الأعلى والأعلى، وشهدناه في مرايا وجودنا منا بنا من عملنا الأدنى والأدنى، ظاهر الأعلى والأعلى فوحدنا الله حقا، وقمنا بوحدانيته فعلا.
فاستكمل به الدين حكمته، واستكمل به الكون فطرته، واستكمل به الوجود دورته، واستكمل به آدم أوبته، وقدسي طلعته، واستكمل به الأعلى إرادته، على مراده من خليقته، أوجدها لنفسه، لظهوره بحقي عبوديته.
فكان نور السماوات والأرض لخاص وجوده، وكانت السماوات والأرض عَلم ذاته، وكانت النجوم والشموس أعلام صفاته، وكانت السدم أنفاس حضراته، وكانت الحقائق ذوات طلعاته، وكانت القدرة آيات علمه، وكانت الأكوان عوالم قومه، وكان الوجود جنة سبحه، وكانت الروح قائم أمره، وكان النور أرض انشقاقه، وكانت الأرض في قبضة ذاته ناشئة الليل بأوادمه، والسماوات مطويات بيمينه، وناشئة النهار بكلماته حق الأعلى وآياته.
فوق السماوات سار وإحاطة للسموات والأرض صار… به قدر الله حق قدره… يوم عُرِف الإنسان وجها لظهوره، ويوم قام الإنسان رسولا بنوره، ويوم تواجد ويتواجد الإنسان نبيئا حاملا لخبره، معلنا عن قائم الأكوان في الوجود لأثره.
كلكم راع لمعاني أوليته، وكلكم مسئول عن رعيته لمعنى آخرة أمره لآخريته، وكلكم بين أوليته بكبريائه، وآخريته بجزائه، أمرا وسطا لأمر رجائه ووفائه.
قام الرسول بيننا أمرا وسطا، وضرب لنا بالأمر الوسط مثلا، قام به لنا قدوة، ولم يظهر بيننا بآخرة أمره، ولا بأولية أمره، لنتابعه جهد استطاعتنا في قويمه على استقامته… قائما بمسئوليته، ربا مهموما بمن كُلِّف بهم لمعنى رعيته، وعبدا قائما في نعمته، موكلا أمره لربوبيته، حسبه الأعلى، لأعلى وكل إليه أمره، وجعل في الانشغال به سره وجهره، وضرب لنا مثلا بنفسه لمن يريد أن يكون في نعمة الله بربه، محتسبا صابرا، بقضاء الله راضيا، ومن الله راجيا، أن يكون عنده مرضيا، ومن وجهه بالخلق معلوا، لا يأبه لأمر الناس في جهلهم عنهم ويعاملهم على أساس من علمه بهم، بما عرف من رحمة ربه وربهم… وسعت كل شيء علما ورحمة، وأقامت كل شيء انتظاما وحكمة.
لم ييأس من ربه في نفسه، ولم يطغَ على مربوبه لأمره، ولم يخطئ التقدير لموجوده بسره وجهره، لباطنه وظهره. تفرقت أمته من بعده، على ما تفرَّقت الأمم من قبله، كلما جاء الناس من الله علم، بإنسان قام بينهم، نصبا وبشرا، كتابا وأمرا مبينا وخبرا، فجرا من ليل ويوما من شهر، وعصرا من دهر، فبشّر وحذّر بما علم وشهد، وفيه نظر، وله أوجد على ما وجد، وعلى ما قام في أمم الأرض من قبله، وعلى ما يقوم فيها من بعده.
(لا ترتدوا من بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)[٤]… (المسلم من سلم الناس من لسانه ويده)[٥]… لا تنحرفوا عما جئتكم به، فـــ (أنتم في زمان من ترك عشر ما أمرتكم به لهلك…)[٦]. لو أن موسى قام بينكم اليوم فاتبعتموه لهلكتم… لقد جئتكم بخير مما جاء به عيسى وموسى والنبيون من قبلي… (ما تركت شيئا يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به وما تركت شيئا يبعدكم عن الله إلا ونهيتكم عنه)[٧]… {لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}[٨]… أظهرني الله على الدين كله… وها أنا مظهركم على الدين كله… (أنا مدينة العلم وعلي بابها)[٩].
فتفرقت أمته من بعده فرقا مع سحب الظلام بالفتن عليها أقبلت، يأخذ بعضها برقاب بعض، أولاها خير من أخراها، كما أنبأ وعرف، فمنهم من نزل به دون ما يليق، ومنهم من علا بإنائه عليه، أكبر مما يليق، ومنهم من جهّله على ما لا يليق، ومنهم من أعلمه بما لا يليق، وما استقام في أمره على أمره، إلا من رحم الله، يوم لحقته عناية الله برسول الله، فكان لرسول الله، وكان من رسول الله له، فكان كل شيء برسول الله.
قام وأقام في الله، منتهيا إلى الله، مبتدئا من الله، لا ينتهي لقائمه في الله بدؤه منه، ولا نهايته إليه. يدور في الله لا حدّ له، ويدور في الدهر لا بدء له، ويدور بالعصور لا انقضاء لها.
كان في دوراته خلقة العصور والأزمان ببدايات ونهايات، لبدء الإنسان ونهاية الإنسان… يبدأ خلقا من حق، وينتهي حقا لجديد خلق، في دورة الحياة الدائبة، في دورة الصبغة في الفطرة، ودورة الفطرة في الصبغة، دورة الإنسان في الإنسان عبدا وربا، وفي الإنسان بالإنسان إلها وحقا، وفي الوجود بالوجود وجودا روحا وذاتا، وفي الموجود لموجوده موجودا كتابا وعلما في الله ذي المعارج، تعرج إليه الحقائق وتبرز منه الحقائق، وتتحقق بحقائقه منه له الخلائق، دانية حقية العبد، ربا آلها في الشهود، وعالية عبدية الآلهة، مألوها في الوجود.
هذا دينكم، وهذا رسولكم، وهذا ربكم، وهذا إلهكم، وهذا وجودكم… هو بكم، ولكم، وفيكم، الظاهر والباطن، والباطن والظاهر، دواليك… لا توقف لظهوره، ولا تعطل لتكنزه لبطونه.
إذا أدركنا ذلك، وأعملنا الرأي فيه، ودأبنا على النظر إليه، تكشفت لنا الأمور، وأسفرت بنا الحقائق، وانقشعت عنا الحجب، وانطلقت منا الأرواح، وتطورت بنا الأشباح، ونارت فينا العقول، واتسعت منا القلوب، وانطوت لنا القوالب.
فعرجنا معراجا بعد معراج، وصعدنا مرتقى بعد مرتقى، وتعالينا علوا بعد علو لعليّ بعد عليّ… في محمود ومحمود، لمحمد ومحمد، لأحمد وأحمد، فحمدنا الله، وقمنا شعار الحمد لله، وقمنا أمة محمد لمحمود الله لأحمد من الله، فشهدنا أنه لا إله إلا الله، وشهدنانا محمدا رسول الله.
هكذا كان آباؤنا… فإلى أي حال صرنا؟ ولأي مآل أُلنا؟ إنّا نتحدث عن المادة، ونقوم بالمادة، ونحاط بالمادة، ونقاد بالمادة، خلف أعلام للمادة، بدين يقوم لحمته وسداه من المادة، فَنُخلي قلوبنا وقوالبنا من المعنى، ونصارع بموادنا لمادينا معانينا لمعنانا، مسخًا على مبنانا، لا نعرف فينا روحا لمولانا، ولا عقلا لمرتقانا، ولا نفسا تشعل لإضاءة الطريق، في التئام على حق صديق، مؤمن لمؤمن، وأخ لأخ، وسيد لسيد برفيق لرفيق.
ولكن عبيدا ندعونا ولأي رب نحن العبيد؟ وسادة نزعمنا ولكن بأي سيد نحن نسود؟ هل للسيد المجيد؟ هل للفرد الوحيد؟ هل للوجود العتيد؟ هل للوجه السعيد؟ هل عرفنانا لإنسان الوجود، لطلعة الشهود، للموجود في أنفسنا، للحياة، للحي القيوم في حياتنا بنا، لكلي الحياة لنا؟
لاللـــ هم لمعنانا… لاللـــ هم لسيدنا لمبنانا… لاللـــ هم قائما على كل نفس بما كسبت… لاللـــ هم من ورائنا بإحاطته… لاللـــ هم إنسانا جامعا، وحقا على أعلى مجتمعا ولأدنى راعيا مجمعا.
لاللـــ هم رسولا عرفناه… لاللـــ هم في الرسول شهدناه… لاللـــ هم في أنفسنا رجوناه… لاللـــ هم مؤمنين به آمناه… لاللـــ هم به آمنا، وفي السلم دخلنا، وفي السلام قمنا، ولنصرة السلام عملنا.
أم أننا باسم السلام خاصمنا وتخاصمنا! وباسم السلم كفرنا وطغينا، وعلى الله تعالينا! وهباء لنا، لهباء أنفسنا عبدنا، ولها هالكة معانينا عبدنا فهلكنا ما حيينا ومتنا ما بقينا!
{إنك ميت وإنهم ميتون}[١٠]. أنتم بالأجساد دون الأرواح موتى، فما كنت بالجسد حيا، ولا حياة، ولا عنوانا للحياة، ولكنك كنت وتكون بالجسد كونا يشهدونه، وبيتا يقصدونه بأدبهم يوم يدخلونه، ويسعدهم يوم يعرفونه، ويرضيهم يوم يرتضونه، بروحك لأرواحهم يتواجدونه.
يا أيتها النفس المطمئنة - ادخلي في بيتي - ادخلي في عبادي، فهم بيوتي، وهم عوالمي وهم جنتي، فادخلي جنتي، قلبا بين القلوب لقلوب يتألفها ويجمعها كبير قلب، بمظاهر لهياكلها إنما هي نفوس جزئية تدخل نفسا كلية وعقول ساعية ترتضي عقلا راعيا، وأرواح حبيسة ترتضي لها روحا منطلقا واسعا حوضا وريا.
ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم… من دخل فيك دخلت فيه، من رآك بيتا لي أجعله بيتا لك، أقم فيه واسجد لربك به (أنا في الآب والآب فيّ[١١]، من رآني فقد رآه)[١٢]… (إذا جئت في القيامة دعوتكم بـ: يا إخوتي)[١٣]، إن القيامة إنما هي رسالة الإنسان… هي رسالة أبيه من الروح من الحق.
وإذا أنت به فرغت من كل ما سواك، قياما لمن كان بك وكنت به، وبه سوّاك، إذا فرغت فانصب، خطابا موجها لمحمد وحقه آدما وإنسانا بظلاله من الحقائق والخلائق من الروح والناس، إذا فرغت من كل أغيارك فانتصب بينهم نصبا لربك يطوفونه، وفي صلاتهم يستقبلونه، ولأمرهم يستعينونه، وبخلقه يسترشدونه، وفي مسراه يتابعونه، ففي أنفسهم بربك ربا لهم يجدونه في الله يؤمنونه، وبالحق يعبدونه.
كان ربه له فيه دونهم، أحدا في اثنينيته، بأمرين لأمر في حقيقته في الله، مذكورا بأحديته لا شريك له من خليقته من الروح والناس، فأصبح به فيهم يعرفونه، حقا رسولا يذكرونه، يصلهم ويصلونه. عَلَما على الحضرتين بالحضرتين روحا يقومونه. بالحق لهم به يبعثونه، قياما للرسول وربه حقا يقومونه، وقياما لهم يشهدونه، قياما للعبد وربه، قياما للرب وإلهه، قياما للإله وإحاطته… قياما للإحاطة ووجودها… قياما للوجود وأكوانه… قياما للكون وعوالمه… قياما للعالم ومن كان فيه، الكل يحمدون رب العالمين، وهم العالمون برب العالمين، عَلَما عليه، وعلما عنهم في أنفسهم يذكرونه، وبحقهم لحقيقته يقومونه، وللناس هم له على ما هم فيه يقدمونه[١٤]. بذلك كان محمد كافة للناس بشرا مثلهم، وللروح كافة روحا مثلهم. بذلك كان رسول الله حقا وخلقا عبدا وربا.
هذا هو دينكم يوم تعرفونه… وهذه هي ملتكم يوم تطلبونه… وهذا هو طريقكم يوم تسلكونه… وهذا هو الحق من ربكم يوم تشهدونه، فتقومونه، فتسعدونه.
بهذا جاء محمد وبه لم يغب، فأين هو محمد تسألونه؟ أين هو محمد تسترشدونه؟ أين هو محمد تتبعونه؟ أين هو محمد تأكلونه وتشربونه؟ أين هو محمد تقومون دونه؟ أين هو محمد في الله تعبدونه وعليكم ترببونه وتسودونه والله به لكم أسماء له تشرفونه؟ وبالنور تقومونه، وبالروح تتحررونه وتسبحونه، ففي النفس تزكونه، وبنار الله مقدسة لأنفسكم تشعلونه، حربا على من يكفرونه، وسلاما لمن يسالمونه، أحياء به بينكم تقومونه، أشداء من حوله لا تهزمونه، ولا تُهزمونه، به لا تضيعونكم وبالله لا تضيعونه.
هل أنتم كذلك يا من تقولون إنكم مسلمونه؟ أين هو الإسلام يا من يهرطقونه؟ أين هو الإسلام يا من يشعوذونه؟ أين هو الإسلام يا من يجمدونه، ولا يطورونه! ولا في أنفسهم أو في الآفاق يشهدونه؟
لا إله إلا الله لفظا ترددونه، وقياما لا تطلبونه، وحقا لكم لا تذكرونه، وفي باطلكم لقائكم بوهم تدعونه، لأنكم تذكرون الله لفظا تعرفونه، وقياما لكم تنكرونه. أينما تولوا فثم وجه الله، ولا تشهدونه. عمى تعمهونه ولا تبصرونه، وعمى على قلوبكم ترددونه لا تصدقونه، وحتى ظلام أنفسكم لا تدركونه، ونورا تعرّفونه، وعلما تقدمونه.
فما تكون الجاهلية؟ وما يكون الجهل ثوبا تلبسونه؟ يا من لفظ الإسلام هو دينكم، لا تتجاوزونه! أين المجاهدة في الله؟ ففي أنفسكم تجاهدونها دونه؟ وتطلبون لها الحق من الله على ما هديتم، وعلى ما قام الرسول به بينكم فيكم! ها أنتم لأنفسكم من كل مجاهدة لها أعفيتم ومعها ما جاهدتم! ثم لأوصاف المجاهدين لأنفسكم ذكرتم! ما حققتم لا ولا طلبتم!
الجاهلية الأولى جددتم وبعثتم! ومنها بجديد للإسلام ما خرجتم! (لا تَبرجوا تبرج الجاهلية الأولى)[١٥]، فإن جاهلية ثانية ستأتيكم في دورة الزمان، بهذا أنبئتم. (يأتي على أمتي زمان، القابض فيه على دينه، كالقابض على الجمر)[١٦]. هل لم يأتِ هذا الزمان بعد؟ (خيركم بعد الألف والمائة، الخفيف الذي لا زوجة له ولا ولد)[١٧]… (الأولاد مبخلة مجبنة)[١٨]… فهل نفي الرسول عندكم لكم الرهبنة؟ لقد قام بينكم الرهبان في الله من أمثال البدوي والدسوقي والقنائي، وغيرهم الكثير. فأنتم تتحدثون عن الرهبنة ولا علم لكم عن الرهبنة ومعناها في الله، بقاءً له وفناءً لما سواه. وتتحدثون عن التكاثر ولا علم لكم عن التكاثر في الله سفورا له وحجبا لما سواه… تتحدثون عن حفظ فروجكم، ولا علم لكم عن حفظ فروجكم، وكيف تحفظ، وكيف تعرف، وعما تعفون، وعمن تعفون، والعفة في حفظ ما خلق لله أن يطأه ما سواه.
إن الإنسان بصوره بروابطه على اختلافها من أخ لأخيه وأب لأبيه وابن لأبنائه وأب لآبائه وزوج لزوجته، رجلا لامرأته، وامرأة لرجلها، وصديق لصديق، وحبيب لحبيب، وخليل لخليل، إن الإنسان في ذلك كله إنما يصور مظاهر الحق له فيه، وهذا ما أراده الرسول في قوله وبقوله (ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان)[١٩] في أي صورة ما شاء ركبه… خلقه أزواجا وحققه أزواجا، وأظهره بقدسه بروابط القلوب فيه أزواجا.
خلقه فقدره، والسبيل له يسره، أماته فقبره ثم أخرجه فنشره، عجوزا أبقاه، وجديدا أحياه، آباءً يقومون ويتجددون، وولدانا يخلدون ويبعثون، في فردوس ذاته لفرد وجوده… الله قائم على نفسه قيامه على كل نفس بما كسبت.
فأين هي الجنة يا من يطلبونها؟ وأين هي النار يا من يصطلونها؟ إنما الجنة في النار، يوم تكونون لله فتكون النار بردا وسلاما على المؤمنين. وإنما النار هي في الجنة يوم أنكم في قطيعة عنه وأنتم في نعمته تمرحون، لا تخرجون من فتنتكم لكم وعنه فيكم تعمهون.
نعم فالنار في الجنة يوم يطغى الإنسان بنعمة الله فيجحد قائم نعمة الله فيطرد من نعمة الله نارا قامت في جنة، لقائم نفسه في كنودها وجحودها، شيطانا مريدا، وفرعونا جديدا.
أين هو فهمنا في الدين للقائم على كل نفس بما كسبت؟ أين هو فهمنا في الدين لسريع الحساب؟ لسريع العقاب؟ لراد الأعمال على أصحابها، يوم يجازى برفضها؟ لقابل النفوس لنفسه يوم هي به تسعد على علاتها؟ يوم يرتضيها لنفسه، لا عن طاعة بها قامت ولا يرفضها بمعصية فيها دخلت وأقامت. ولكنها يوم رضيته في طاعتها واستغفرته في معصيتها قدرها شاكرة، فلبست لكل حالة لبوسها، فحمدته يوم أطاعت محمودا مكرما، واستغفرته يوم عصت غفورا منعما، فقبلها وأكرمها وأعزها، ولنفسه أضافها، ووجها له ظهرها، في الدنيا وفي الأخرى لها.
إن الله (لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية)[٢٠]، ولكن الطاعة تنفع صاحبها، والمعصية تضر بصاحبها في ناموس الله لبعث حقه وكسب رحمته. وقد أشهره برسوله. (أخفى الله الرضا في الطاعة، والغضب في المعصية)[٢١] حتى لا يهدم ناموس الأمر والنهي لشريعته، وحتى لا يضيع رسوله وقائم رسله في طريقته وشفاعته، وحتى لا يهدم تعاليم دينه بجزائه ورحمته. أقامه بأبعاضه فيمن قاموه من صوره بأنبيائه. كان محمد لهم جماعا، وكانت أمته لهم فيه اجتماعا.
لا إله إلا الله محمد رسول الله.
اللهم يا من جعلت من محمد لنا حقا، وجعلت من حقه بنا حقائق… اللهم به وبحقائقه فحققنا.
اللهم يا من جعلت محمدا لنا إنسانا، وجعلت به لنا فيك مثالا، وجعلت به بنا عليك عنوانا… اللهم أدخلنا في إنسانيته.
اللهم يا من جعلت من محمد لك وجها، وجعلت به لنا لك وجوها، اللهم اجعل منا له ظلالا، وأقمنا فيه حالا ومقالا وآلا، واجمعنا عليه قياما ومآلا، ولا تخرجنا منه دواما وسلاما.
اللهم يا من علمتنا به الأول في أحسن تقويم، والآخر في أحسن تقويم… هو بينهما لك في أحسن تقويم… اللهم اجعلنا به منك له في أحسن تقويم.
اللهم حقق لنا به قدوتك إلينا حتى نتحقق، وحتى أنا بأنفسنا نترفق، وعليها منها نشفق، بما علمنا من أن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وبما علمتنا لو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم.
اللهم ادفع عنا شر العجلة، ولا تدخلنا باسمك واسمه فتنة لنا في أنفسنا قائم مهزلة.
اللهم به فولِ أمورنا خيارنا ولا تولِ به أمورنا شرارنا جزاء عدلك، وقيام غضبتك.
اللهم به فادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم.
اللهم به كن لنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، مجاهدين وخاملين، قائمين وقاعدين، متحركين وكسلين، لا إله أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
اللهم به فارحمنا يا أرحم الراحمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
دعاء مأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر في كتاب “بحار الأنوار” من المكتبة الشيعية. ↩︎
من حديث شريف. صحيح الترمذي. ↩︎
تم وضع بعض علامات التشكيل وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎
من الحديث الشريف: “لا ترجِعُوا بعدي كفارًا يضرِبُ بعضُكم رقابَ بعضٍ.” أخرجه الطبراني، والإسماعيلي، والدارقطني. ↩︎
من حديث شريف. صحيح ابن حبان ↩︎
من الحديث الشريف " إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك، ثم يأتي زمان من عمل منكم بعشر ما أمر به نجا." صحيح الترمذي ↩︎
حديث شريف: “إنَّهُ ليس شيءٌ يُقَرِّبُكُمْ إلى الجنةِ إلَّا قد أَمَرْتُكُمْ بهِ، وليس شيءٌ يُقَرِّبُكُمْ إلى النارِ إِلَّا قد نَهَيْتُكُمْ عنهُ، إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ نَفَثَ في رَوْعِي: أنَّ نَفْسًا لا تَمُوتُ حتى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها، فَاتَّقُوا اللهَ وأَجْمِلوا في الطَلَبِ، ولا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ، فإنَّ اللهَ لا يُدْرَكُ ما عندَهُ إِلَّا بِطَاعَتِه.” أخرجه الحاكم والبيهقي. ↩︎
سورة العنكبوت - ٤٦ ↩︎
حديث شريف: “أنا مدينةُ العلمِ، وعليُّ بابُها، فمنْ أرادَ العلمَ فليأتهِ منْ بابهِ”. المحدث: السيوطي، أخرجه الطبراني، وابن عدي، والحاكم… ↩︎
سورة الزمر- ٣٠ ↩︎
من إنجيل يوحنا: “أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ.” (يو ١٤: ١٠). ↩︎
متوافق مع قول المسيح عليه السلام: (اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟ أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ.) ( يو ١٤: ٩, ١٠) ↩︎
إشارة لقول المسيح عليه السلام بعد القيامة أنه قال للمجدلية: “اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يوحنا ١٧:٢٠). وتلك كانت المرة الأولى التي يدعو فيها تلاميذه بكلمة أخوتي. قبل القيامة، كان يسوع يدعو تلاميذه “أحبائي”، “عبيدي”، أو “تلاميذي”. ↩︎
هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎
استلهاما من {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} سورة الأحزاب - ٣٣ ↩︎
حديث شريف: “يأتي على النَّاسِ زمان الصابر فِيهِم على دينه كالقابض على الجمْر.” رواه الترمذي. ↩︎
من حديث شريف رواه السيوطي في (الفتح الكبير)، وقال رواه أبو يعلي في مسنده: " خيرُكم في المائتينِ كلُّ خفيفِ الحاذِ قيلَ يا رسولَ اللَّهِ وما خفيفُ الحاذِ قالَ الَّذي لا أَهلَ له ولا ولدَ." لكن معظم كتب الأحاديث تصفه بأنه حديث لا يصح. ومع ذلك فالمعنى الإشاري للحديث يمكن فهمه من السياق. ↩︎
حديث شريف ذات صلة: “الولَدُ ثمرةُ القَلبِ، وإنَّه مَجبَنةٌ، مَبخلةٌ، مَحزَنةٌ.” أخرجه البزار، وأبو يعلي، وغيرهما. ↩︎
مقولة صوفية. ↩︎
من خطبة للإمام علي كرم الله وجهه من كتاب نهج البلاغة: “أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ…”. المكتبة الشيعية. ↩︎
من مقولة للإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام): إن الله أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرن شيئا من طاعته، فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم. وأخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغرن شيئا من معصيته، فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم. وأخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرن شيئا من دعائه، فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم. وأخفى وليه في عباده، فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله، فربما يكون وليه وأنت لا تعلم… بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎