(٧)
قيوم القدوة لقيام المقتدي
هو إنسان القلب لإنسان القالب له، في إنسان الإرادة لهما
هو الطريق إلى المقصود، وهو الحق للموجود
تعرفه وتقدمه القلوب، وتشهده وتعرفه العقول
حديث الجمعة
٦ ذو الحجة ١٣٨٦ هـ - ١٧ مارس ١٩٦٧ م
أشهد أن لا إله إلا الله، شهادة أسأل الله أن يجعلها لنا قياما ويقينا. وأشهد أن محمدا رسول الله، شهادة أسأل الله أن يجعلها لنا قياما ودينا.
أشهد أن المؤمن مرآة للمؤمن.
وأشهد أن الإيمان قيام بمؤمن مع مؤمن.
أشهد أنه في اجتماع القلوب معرفته، وفي تحرر العقول طريقه، وفي استقامة النفوس على أمره، خَلْقِيته لخَلِيقته.
يخلقون أنفسهم بأنفسهم، بأمانة قيامه، بقائم الحياة لهم، في الحي القيوم عليهم، بالحي القيوم منهم، لا شريك له من أنفسهم، ولا من عقولهم، ولا من أرواحهم.
وإنه لا ظاهر له في عظمة قيامه وسعته، إلا بظهورهم بلطيف، لقائمهم بكثيفه، ولا شهود له فيه إلا في شهودهم أنفسهم منه، ولا شهود لهم، هم له في أنفسهم، إلا باتحادهم… إلا بتوادهم… إلا بتجمعهم، إلا باجتماعهم على ذكره، واستقامتهم على أمره اجتماعا على قائم ظلال الرسول بينهم لذكره وأمره. المؤمنون أعضاء جسد واحد لاسمه الحي القيوم من اسمه الحي القائم.
حول ذلك يتجول الفكر ويعمل العقل لإدراك وحدانيته قائمة، بإقامة وحدانيته مدركة. بذلك يقوم دين الفطرة، وتستقيم الفطرة، وتُشهَد[١] الفطرة، فطرة الله لإنسان السماوات والأرض هو إنسان صبغته، لقائمه بكائناته، بقيومه لقائمها، واحدا في أكبر لآحاده، وأحدًا في واحديته، باجتماع الإنسان الرشيد على إنسانيته، وباجتماع الإنسانية الرشيدة على إنسانها، يقوم الجمع له فيه عنوانا على فرده، ويقوم الفرد قياما لجمعه، فتُعلَم لا إله إلا الله، وتُشهَد لا إله إلا الله، ويُذكر الله بذكر لا إله إلا الله، يوم يقوم قائمٌ بها، إنسان الله ومحمدا رسول الله، ويقوم جمعٌ بها، قياما لفرده أمة محمد رسول الله، وعالما رشيدا.
محمد رسول الله والذين معه، لهم من الله كفايتهم بكفايته، وفيهم لله حقيقتهم لحقيقته، عَلَمًا على الأعلى من غيب إنسان رشاده، وإنسانيته في رشادها، ظاهرا لباطن أمة من الشهداء على الناس، الرسول عليهم شهيد.
أمة عنونت ما خلت منهم الأرض من أمم، من قبل، بالحق، وما ينشأ عليها من بعد من أمم لموصوف الخلق، أمة وسطا بدخول الأمم في عهدها، إليها من الأعلى من الله لهما، دخول في ميثاق النبيين والحكماء، والعارفين، والأولياء، والمتولين، والقيمة، والمقامين. الكل يرجعون إلى الله، في أنفسهم، قيام الدين، في قائم الدين، وقيام اليقين، في قائم اليقين، الأعلى والأدنى في الله ولله لأمر وسط في ركب متحد مرتقٍ في الله بالله إلى الله في معراج لا ينتهي منتهى إلى معرفة الله له فيه.
إن فعلوا… إن استقاموا… إن اجتمعوا على ذكره… إن تواصوا بالحق في أمره… استقام أمرهم، وسكنت سريرتهم، وبعث سرهم، فقام أمرهم، وعلا بالله شأنهم، وتعالوا إلى الله، لا يجذ عطاؤهم، ولا يختفي أمرهم، ولا ينقطع ذكرهم، ولا يمحى شأنهم، ولا يتوقف عن التواجد بموجود الحق لهم بعثهم بحقهم، في جديدهم بخلقهم، من صنعهم، أثرا لهم، في ثابت أمرهم.
إن كانوا كذلك سعدوا بذلك، وهل تصلح الدنيا، لدناها، إذا لم تصلح لها فيها آخرتها لمعناها؟ {وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع}[٢].
إن الدنيا في الآخرة، وليست الآخرة في الدنيا، إن الدنيا سعة، يوم يدخل من يدخل من أهلها، في سعة الآخرة. وإن الدنيا ضيق وسجن، وسجين بذوات أهلها لأرواحهم فيهم، سجينة ذواتهم، حبيسة نفوسهم، مقيدة عقولهم.
لا يتحررون من سجينهم، ذاتا ولا نفسا شهوانية، ولا عقلا مقيدا، إلا بانطلاق أرواحهم، سبحا في دارهم عرضها السماوات والأرض.
يتحررون من قيد ذواتهم دنيا عنها يزحزحون، خروجا من دورهم ومن سجين نفوسهم أحرارا يخرجون وينطلقون، ومن سجون عقولهم مقيدة يتحررون، ويتفكرون، وفي خلق السماوات والأرض يتأملون.
فبتأملهم يتخلقون ويتواجدون، ولخلق أنفسهم يشهدون، بأمانة الله لهم قائمة يدركون فيقومون، ويستيقظون، فيُبعثون، وطائرَهم بطينتهم، باسم الله لهم، فيه ينفخون فيحيون، فيطيرون فيدركون، ففي ملكوت الله بين جوانحهم ينظرون، وفي محيط الله بهم واسعا، يسبحون، فسماوات الله لأنفسهم يجتازون، وفوق السماوات والأرض يصعدون وعنها ينزلون، بلا إله إلا الله يذكرون وبمحمد رسول الله يقومون.
تعالى الله عندهم، عن وصف الواصفين، وخيال المتخيلين، وتنزه الله لهم، أن يفترق عن موجودهم بوجوده به موجودين، أسماء له يقومون، ووجوها له يظهرون، الله من ورائهم بإحاطته على ما يعلمون، يوم أحاطهم بعلم عنه، في معلومهم عنهم له، فَعَلِموهم، إليه منسوبين، وبه موجودين.
بذلك جاء الدين، والناس عن الدين بينهم يجادلون، وبجدلهم بعيدا عن ميدان الحق يختصمون، فعن الحق في أنفسهم مع الزمان، يقطعهم لا يقطعون وعن الحق في معيتهم يبتعدون، وعن الحق لهم ينأون، وبالحق بهم يكفرون، ولله يجحدون، بصلاة من أوهامهم يصنعون ويؤدون، لها يقيمون، وغاية الصلاة شرعت لهم لا يطلبون، وحكمتها لا يدركون، وأثرها لهم لا يحققون، وآدابها بها لا يتأدبون.
إن الله غني عن العالمين، ولكنهم هم بالغناء لأنفسهم بأنفسهم منها يقومون، وهم إليه معيتهم بالحياة المفتقرون، ولكنهم لا يفتقرون، وافتقارهم لا يدركون، ما كانت صلاتهم إلا لهم، يوم أنهم يؤدونها محسنين، ويقيمونها مدركين.
ما فرضها عليهم إلا لخيرهم، يوم أنهم للذكر الحي، يرددون، وبالذكر بينهم يهتدون، وبالذكر لمحبتهم يتواصون، وإلى الذكر في قبلتهم يتعارفون، ذكرا بينهم فيهم بإنسان قيامهم لجمعهم من أنفسهم يشهدون، وبه يتصلون، وله به يقومون، ذكرا لله يصلون. أظهره الله لهم بينهم، وهم له يتجاهلون، وأخفاه بينهم بعيدا عن مقام عبادتهم لكراسي السلطان لها يسجدون، وحولها يطوفون، ولها يخضعون.
وسلطان الله لهم في أنفسهم لا يدركون، وسلطان الله في المادة ينظرون ويؤمنون، وهو قد فتنهم به عن أنفسهم وهم بما فتنهم لا يكفرون، والرحمن بينهم، في تواضعه لهم وجوها له، عبادا على الأرض هونا يمشون، بالله يُذكِّرون، وعن الله يتحدثون، وعلى الله يجمعون[٣]، وبنور الله في الناس يسرون، ولهم يُحيون، والعقول ينيرون، والأرواح يطلقون ويحررون، والنفوس يُزكَّون[٤]ويُشعلون… هم عنهم غافلون، بل وعنهم يصدون. عامة الناس عنهم شموس الحياة لهم في غفلة عنهم وإليهم لا يتجهون، وعنهم لا يبحثون، وفي أنفسهم يعمهون.
إن الظلام قد بلغ بأرضكم مداه، وظهرت أرضكم بظلامها بكل معناه، فلا روحا يذكرون، ولا نفسا يخاصمون، ولا عقلا يحررون، ومع ذلك، فهم المصلحون الصالحون… هم الرواد المقيمون… هم القيمة يظهرون عن القيم الروحية يتحدثون، وبكل جهل يذكرون… (ما فائدة الروح؟ ماذا نفيد من اتصالنا بعالم الموتى؟ وما فائدة الاتصال بعالم الروح، إن صح أن هناك اتصالا بعالم الروح؟ إنا لا نؤمن أن يكون هناك اتصال بعالم الروح!!! وأن الحياة ممتدة بعد قائمنا بها، يوم نفقد قيامنا لنا!!)
(يقوم الروح لرب العالمين)[٥]، يوم يقصر الداعون، ويعوج المعرفون، وينحرف الأئمة المجتهدون، ويظهر على الناس بطغيانهم المقيمون لأنفسهم، فعلى الناس بطغيانهم، وعلى الجمع لهم يطغون. يومئذ يقوم الروح لرب العالمين… وها هو الروح في عصركم هذا يقوم لرب العالمين، تجديدا للأمر وتجديدا للدين.
لا يقوم الروح طاغيا مع الطاغين، ولا ماديا مع الماديين، ولا مظلما مع المظلمين ولا ظالما مع الظالمين. ولكن الروح، جاء لخدمة المظلمين وإنصاف المظلومين… جاء لتقويم الظالمين… جاء لسد الفراغ عند المفتقرين، بنفوسهم فاقرين، وفي أمرهم حائرين، ولله واجب الوجود لوجودهم طالبين، وإلى أعلامه ساعين، للعلم متعطشين، وفي الحق للحق راغبين، وللحياة، ولطلب الحياة، ولقائم الحياة، ولقائم ولقيوم الحياة، ولمستقيم الحياة مفتقرين، وللمزيد من الحياة مقدرين وراغبين.
يتحدثون عن الفضيلة للإنسان! وكيف تقوم الفضيلة، ولا وازع من دين!! يطلبون إلى الناس البعد عن الرذيلة، وكيف يبتعد الإنسان عن الرذيلة وهي فطرته، وهو جاهل الفضيلة، وأثر الفضيلة، وخير الفضيلة بجبلته!! (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الرب)[٦]… (حسب ابن آدم من الطعام لقيمات يقمن بها صلبه)[٧]. (إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد، وإن جلاؤها لذكر الله)[٨].
إن الذين يؤمنون بالله وبرسول الله، وبأنفسهم من الله ورسوله، {يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}[٩]. إن الذين يقدرون لأنفسهم معنى الإنسان، ليسوا في حاجة لسياط القانون، لسياط الجزاء، لسياط العقاب. إن الذين يعرفون معنى الإيمان، يقيمون العدل، هم تحت ضمائرهم بسلطان ضمائرهم، لا يحتاجون إلى رقيب، لا يحتاجون إلى أجهزة للتنقيب عن سوءاتهم، إنهم يعرفون سوءاتهم، ويجافونها، ويطلبون حقيقتهم ويعشقونها. إن الذين يؤثرون على أنفسهم، لا يؤثرون على أنفسهم بترك حقوقهم للأغنياء، فهذا ليس إيثارا ولكنه الضعف والهزيمة. ولكن المؤثر من يؤثر بما يملك فعلا وإلى من يراه أحوج منه لما في يده.
إن الإنسان يوم يكون إنسانا جعل الله فيه كفايته الذاتية لكل فضيلة، وجعل فيه أجهزته الحكيمة للبعد عن كل رذيلة. هل تواصى الإنسان بإنسانه مع أخيه الإنسان، ولم يجد الله في عونه، بالإحسان وبالبيان، وبالوصلة للعيان؟ هذا ما تقيمه الروح ورسالة الروح وتقدمه ميسرا للإنسان عبدا لله، وربا للعالمين.
فهل هذا أمر يسير أم هو أمر خطير؟ هل الناس في غنيةٍ عن كشف هذه الحقيقة لأنفسهم؟ وهي إن تكشفت لهم، كان فيها الوازع والحافز، وكان فيها الرقيب العتيد، وكان فيها الحافظ الرشيد، وكان فيها البأس الشديد.
كان فيها المعلم في معية كل متعلم، وكان فيها الجمال من وراء كل جميل، وكان فيها المثال لمن يطلب المثال، في كل مثيل، في كل أمة، وفي كل مكان، وفي كل عصر، وفي كل جيل، من مثل الخير للمتابعة، ومن مثل الشر للمجانبة.
كافة للناس كلما أبرزها، ورحمة للناس كلما كثّرها، فظهر للناس كوثرها، وظهر أحده بكوثره، لواحدية أعلامه علم الحق في إعلامه، العروة الوثقى في قيامه، والأمر الوسط في علمه وسلامه، برباط الحب وحياة القلب، وإشراق العقل ودوام الأمر. أما أحد الظلام لواحده بجنوده، ففي تشتيت، بعيدا عن التوحيد، وفي توقيت بعيدا عن التجديد، لا يلبث وجنوده أن يزولوا عن الوجود، فلا أثر لهم، ولا ذكرى بهم في الشهود.
المقصود وجه الله… إنسان الله… عبد الله… حق الله… وجه الله لوجوه الله… اسم الله لأسماء الله… حق الله لحقائق الله… إنسان الله لإنسانية الله… كلمة الله لكلمات الله.
يا أيها الناس، لـِـــمَ يكون ذلك حالكم في دوام؟ أليس فيكم من رجل رشيد، تعرفونه، وتلاقونه، فيمتد فيكم رشاده؟ جعل الله له نورا يمشي به في الناس، فيه الكفاية لأهل الأرض جميعا… لو عرفوه… لو صاحبوه… لو رافقوه… لو آمنوه… لو ائتمنوه… لو إليه في أنفسهم سعوه، لوجدوه، فما حرموه، الأرض له مزوية، والدنيا فيه مطوية، والآخرة به قائمة دنية.
إن الناس، بطرفهم من القديم، وبطرفهم من القائم، ولمفرداتهم من القادم، خُلقوا من نفس واحدة، خُلِقَ منها زوجها، وبث منهما رجالا ونساء كثيرين، لمعنى قائم البيت الموضوع، وللبيت المرفوع لمعنى أزواجا خلقكم، ومن فضله بناموسه أن جعل كل فرد منكم، نفسا واحدة، يتخلق منها زوجها وولدها، من بناتها وبنيها، فيتكاثر كوثرا، على مثال من فرد أصلها لأمها وأبيها.
وإنكم في قائمكم على ما أنتم، منتهون إلى أب واحد وأم واحد وروح واحد، وإنسان واحد، يريدكم، ويريد كلا منكم لوصف الابن له، ويحب أن تصيروا إلى مثاله والعين له، أن تصيروا إلى معناه، أن تصيروا إلى حاله، أن تصيروا إلى قائمه وقيومه لتعرفوه لكم في أنفسكم بحاله ومثاله، يوم تكونون بدوركم آباء.
يتحقق لكم ذلك يوم أنكم بتكاثركم لكم في قائمكم لمعانيكم رفعتم لحال الآباء، والآباء لهم، والآباء لآباء لهم، إلى أحد أبيكم وفرده في حالكم لعين حاله، طبقا بعد طبق ترفعون، ففي أنفسكم إليه ترجعون، وهو ما تَجهلون من أمركم، على ما أنتم به اليوم قائمون، ولا تعرفونه، إلا يوم تكشف عنكم أغطيتكم بما تقومونه بواقع من فعل أيديكم، ومن قائم أنفسكم، ومن هدي عقولكم، ومن انطلاق أرواحكم. {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}[١٠] {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[١١]… {علمت نفس ما قدمت وأخرت}[١٢] هو الناموس أنتم له، وهو القانون أنتم تحته، وهو الوجود أنتم منه.
إن الروح يقوم في هذا العصر لرب العالمين، وما كان رب العالمين إلا إنسان نشأتكم، لقائم جبلتكم، فكيف نكون في غنية عن رسالة الروح تقوم بيننا؟ وما كانت رسالة الأنبياء إلا فرعا عنها، وبعضا منها. وما كانت رسالة الحكماء إلا قياما بها وفطرة لها، وما كانت حقيقة الأولياء إلا وجوها لها وقياما بها، وما كان عباد الرحمن على الأرض الا سعيا منها، وتجسدا بها.
إنكم على الأرض بهذه البشرية قدم الإنسان، والإنسان في ذاته لذاته يحرص على قدمه، عين حرصه على رأسه، أنتم بقوالبكم مطايا الله، أنتم في الأرض بماديكم شعرات في قيامها، وهي تقوم قلبا، لقائمها في إنسان وجودها، استوى بسلطان إرادته على العرش لعنوانه، لوجهه لقائم رأسه، للملأ الأعلى، تحمله عمده، من حقائقه على كراسيها من جوارحه، لقائم الدنا بماديها، وما يقابلها بلطيفها.
تسبح في عمد عرشه، جنانا لملكه، في كبير ممالكه، بعوالمه لمثالية الأعلى بأعلامه، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، يعز ويذل، يرفع ويخفض، يمحو ويبقي، يخلق ويخلق ويخلق، ويجدد ويجدد، خلقا من خلق، وخلقا لخلق، ثم يحقق ويحقق ويحقق، بحق قيوم خلق، وبحق من قيوم حق، في معراج لا يتناهى، وفي إبداع لا يتعطل.
إذا عرف الإنسان ذلك لنفسه، وشهده في قيامه لحسه، فكان كتابه لعِلمه، وقيامه لمجاهدته، ومجاهدته[١٣] لرسالته، ورسالته لنفسه، ونفسه لحقه، وحقه لقيومه، وقيومه لربه، في الله، بالله، للا إله إلا الله، لرفيق أعلى، قام بقائمه، قائم محمد رسول الله، شهده لنفسه، وآمنه لسكينته، واستزاده لعلمه، وسار خلفه لحقه، طلبا لربه الأعلى وإقامة[١٤] لأمره، فاستقام له فيه سره وجهره.
فاستقامت به جماعته، واستقامت بجماعته جماعاتها، فسقطت الحواجز بين الشعوب والأمم، وسقطت الحدود بين الأراضي والدول، وقامت البشرية بحقها إنسانية واحدة، وقامت الأرض ملكا واحدا، وقام عليه الإنسان سيدا، وعرفه في الوجود خليفة، وللشهود طلعة.
فاجتمع غيب الإنسان على شهادة الإنسان، دينا[١٥] ودنيا، وروحا وروحا، وإنسانا وإنسانا، إنسانية وإنسانية، فاستقامت الحوافز، وقامت الزواجر[١٦]، وانتظم الأمر بين الكبير والصغير، وبين الصغير والكبير…
واستقام الحاكم في خدمة المحكوم ناصحا صادقا، واستقام المــَحكوم في النصح للحاكم، دفاعا عن الصادق، ومخاصمة للظالم.
لا طبقية، ولا غيرية، ولا فرقة، ولكنها المحبة والألفة، جمعت القلوب، فغفرت الذنوب، وكفرت النفس عن الخطيئة، وأظهرت وكشفت عن مجسد الرذيلة، وقامت وأقامت، قائم الحقيقة، فكان الفرد معبود الجمع، وكان الجمع معبود الفرد، وكان المعبود للعابد عبدا، وكان العابد للمعبود ربا، بلا إله إلا الله للجميع وبمحمد رسول الله للجميع.
فآمنا بالإنسان، ربا للإنسان، وآمنا بالله ربا، للرب والمربوب، من ورائهم بإحاطته، قائما عليهم برعايته، آخذا بنواصيهم إلى حضرته، فقلنا {غفرانك ربنا وإليك المصير}[١٧]، فاستقامت الطريق، وانكشف العدو والصديق.
كان الإيمان بالإنسان لنا دينا، وكان الإنسان للرحمة من الله به إلينا رسولا ويقينا، نارت به قلوبنا من ظلامها، وأشعلت مصابيح الحق بسرجها، في مشكاتها من صدورنا، فعرفنا الرب في القلب، وعرفنا العبد للقالب، عرفنا الجلود وما حوت، عرفنا المادة وما احتوت، وعرفنا الحياة فحيينا، وبها بعثنا فروينا، وبالحياة قمنا لمعانينا.
فأدركنا ما تكون القيامة، وما يكون البعث، وقمنا ما يكون الحشر، فتجمعنا على ذكره، ورفعنا أعلام وحدانيته، وسعدنا وجوه شهادته، وأسعدنا من شهدناه، وجها لنا ووجها له، فعرفنا الأعلى للأدنى، وعرفنا الأدنى من الأدنى، لعين الأعلى من الأعلى، فرفعنا أعلامنا ناطقة، ومعارفنا صادقة، ونصائحنا يقينية محققة، وريادتنا فاعلة قادرة، فأعلمنانا للوجود وللشهود، لا إله إلا الله محمد رسول الله، بها قمنا، وبها شرفنا كلمات لله.
اللهم بها فأقمنا وبنا فأقمها، شرف الفطرة، وشرف الإنسان، اللهم بها فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، اللهم بها فادفع البلاء عنا، وأظهر الحق لنا بيننا منا، وللباطل أنفسنا فدرّكنا وجنبنا حتى يستقيم فيك أمرنا، وحتى تبعث بك أعلامنا، وحتى يظهر بنا شرف آبائنا بها، قيام عنوانهم بهم، أمة وسطا، شهداء على الناس، الرسول عليهم شهيد.
يجددون الحق، في جديد الخلق، بالرجوع بحقهم الجديد، إلى حقهم القديم، على حاله، وعلى مثاله، يتجددون، ويقامون، ويقومون محمدا رسول الله، والذين معه، أشداء على الكفار، حتى ينتهي الكفر، رحماء بينهم، حتى ينقطع الفجر، ليالي الله، لصباح الله، لضحى الله، لظهيرة الله، لآصال الله، قام بيننا بها رسول الله، جديد قديمه، وأصل قادمه، لقائمنا به، في الله ورسوله.
ما غابت يوما رسالته، ولن تغيب يوما طلعته، قائم قيامته، لا تنقطع قيامته، كوثر الحياة، جديدها وقديمها، خلقها وحقها، كافة للناس جعله الله رحمة مهداة.
ألسنا من الناس؟ ألسنا من كافة الناس؟ ألا تنبه الناس أن يكونوا من الناس؟ هل نحن بحالنا ناس؟ إنا ما زلنا من نبات الأرض، قامت بنا أمانة الله لنكون من الناس، لنكون الناس، لأن نكون ناسا لإنسان، لأن نكون إنسانية للرحمن، لنكون رحامين للديان، لنكون ديانين للقيوم القائم بالإحسان، ربا للعالمين…
يوم أنّا لعوالمنا نقوم، وبه لها نقيم، كل منا في فردوس وجوده، وعلم شهوده، في إنسان موجوده، لا يستكبر على أخيه، يوم أنه لم يحقق لنفسه معانيه، بل يدخل فيه، رحم رحمة الله، حتى ينمو بنور الله، حتى يكمل بروح الله، حتى يتواجد في إنسان الله، فيلده إنسان الله في الوجود وجودا، وفي الأكوان كونا، وفي الإنسانية إنسانا، وفي الحقائق حقا، فيقوم ويقيم لا إله إلا الله، محمدا رسول الله.
اللهم بها فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، اللهم بها فادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
مصادر التوثيق والتحقيق
تم وضع بعض علامات التشكيل وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎
سورة الرعد - ٢٦ ↩︎
هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎
هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎
إنجيل متى: ٤: ٤ ↩︎
من حديث شريف: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه. (رواه الترمذي) ↩︎
معنى هذا الحديث الشريف جاء بأكثر من صيغة: " إنَّ هذه القلوبَ تصدأُ كما يصدأُ الحديدُ، قيل: يا رسولَ اللهِ فما جلاؤُها؟ قال: قراءةُ القرآنِ." أخرجه ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء))، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء))، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) باختلاف يسير. و "إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد إذا أصابه الماء، قيل: يا رسول الله وما جلاؤها؟ قال: كثرة ذكر الموت، وتلاوة القرآن. أخرجه الخرائطي في ((اعتلال القلوب))، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)). كما أخرجه البيهقي، والطبراني، والديلمي، بلفظ: “إن للقلوب صدأ كصدأ النحاس وجلاؤها الاستغفار.”. ↩︎
سورة الحشر - ٩ ↩︎
سورة النجم - ٣٩ ↩︎
سورة الزلزلة - ٧-٨ ↩︎
سورة الانفطار - ٥ ↩︎
هذه الكلمة تمت إضافتها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع ↩︎
هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎
هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع. ↩︎
كلمة “زواجر” في اللغة العربية تعني المنهيات أو الأشياء التي تنهى عن فعل معين أو تبعد عنه. [١، ٢] وهي جمع لكلمة “زاجر” التي تعني المانع أو الرادع. ↩︎
سورة البقرة - ٢٨٥ ↩︎