(٣)
المُعلِّم
مَن عَلِم وعَلَّم أن الله لم يخرج منه شيء، ولا يشينه شيء[^٣_٨٤]
فكان من الناس رسولا من الناس إلى الناس
فقام من الله رسولا بالله من الله إلى الله
فَعلَّم وقاد الأشياء أن ترتفع إلى مشيئتها بعد الزمان وفوق المكان
بدائمه تحت الزمان والمكان إلى قائمه فوق الزمان والمكان
حديث الجمعة
١ ذو القعدة ١٣٨٦ هـ - ١٠ فبراير ١٩٦٧ م
نعوذ باسم الله لرحمته من الشيطان الرجيم لفتنته.
ونطمع أن نكون بسم الله الرحمن الرحيم، فعَّالين وقوَّالين وبقيومها قائمين.
نطمع أن نردد كلام الله، نبعا منا، لسان حقه، وأقلام قدرته، وألواح كتبه، وكتب وجوده، ووجود شاهده ومشهوده، في لانهائي موجوده، لمعنى مطلق وجوده، فنشهد أن لا إله إلا الله، بقائمنا له، محمدا رسول الله وعبد الله وحق الله.
إن الله بموجوده، قبل الإنسان… وإن الله بوجوده معية الإنسان… وإن الله بدائمه بعد الإنسان… وهو في ذلك إنما هو الله، على ما هو الله، لا مُحدَث فيه، ولا جديد ولا قديم له… إن الله، قبل رسوله… وإن الله، معية رسوله… وإن الله، بعد رسوله… هو الله، على ما هو الله، صمد في ذاته، صمد في صفاته.
إن الإيمان بالله، على ما يليق بالمؤمن به، إنما هو الإيمان بالله، للإنسان، حيث هو الإنسان، وكيفما كان الإنسان، وأينما كان الإنسان، ومتى كان الإنسان.
الإيمان بالله، يجب أن يكون عند المؤمن به، معية قيامه، بكينونته وزمانه. نعم هو أقدم منه، ونعم هو أبقى منه، ونعم هو أكبر منه، وهو بإحاطته يجب أن يدركه قيوما عليه مهما تعالى به فيه، فالإنسان بفنائه عنه يبعثه به، لا غيرا له ولا كُلًّا له، بقائم وجه له لوجه له وهذا معنى البقاء لله بعد الإنسان.
الإنسان بفرده لا بنوعه محدث فيه، له بدء فيه، وله قيام فيه، وله كينونة فيه، وله زمان فيه، وهذا معنى الوجود لله قبل الإنسان، ينتهي الإنسان فيه، بكينونته، معزولا عنه، وبزمانه موقوتا فيه، وبإمكانياته، معدومة معه، ينتهي ليبقى الله لا شريك له، ويفنى ليتواجد الله بظهور وجه له لوجوه فيه، ويغيب عن تقييده ليظهره الله في بعثه بجديده.
وهكذا قبل أن يكون الإنسان إنسانا كان الله معه رحمانا فكان في أحسن تقويم، ثم غاب عنه ليظهره هو، واختفى عنه، لزمانه ومكانه، ليتواجده هو، مقيدا لموصوف عبده ولموصوف خلقه، ولموصوف شأنه لوجوده بحاضر موجوده، موصوف أمره أسفل سافلين.
حتى إذا آمن بنفسه وجودا، وبغيبه موجِدا، وبموجوده عبدا، لموجِده ربا، صَلُح لموجِده، الذي لنفسه أوجده، ولموجوده عليه عبّده.
فعَرفه أقرب إليه من حبل الوريد، قائما على نفسه، معيته، أينما وُجِد، وكيفما تواجد، فبذلك صَلُح لموجِده قياما ودواما، فطلب إليه بهديه ورسالاته، أن يوحِد[١] وجوده، لموجوده في موجده، فتوحد مع الأعلى للحق الذي عَرَفَ.
وقَتل نفسه بالاعتزال عنها، فحيا ربَّه الذي به شرف، فاختفى عنه بموجود عبدِه لمعنى قالبه[٢] وخلقه إلى موجود ربه لمعنى قلبه وحقه فشُهِده الرَّب القديم في قائم عبده، لمبعوث حقه لأناه ومعناه عند محدثه لموصوف خلقه، وعرفه وقدّره لا شريك له منه، ولا شريك له من عبده، ولا شريك لعبده من أمره في موصوف خلقه، وعرف الحق لا شريك له مما أوجد أو مما فيه تواجد، في الله ذي المعارج، وقدر الله أكبر.
فبذلك عُرِفت عن الله عند عارفه وحدانيته، وقامت عند عبده، أحديتُه، فظهرَ الحق، وغاب الخلق فرأى الحق في الناس على ما هو فيه.
فقال العارف بالله، بمعرفته لنفسه، معروفَة لربِه في مشهوده له بخلقه، في الحق لمطلقه، في موجود انطلاقه قال للناس مُعلِما ومُعلِّما وهاديا…
(إذا تغيبت بدا …وإن بدا غيبني)[٣]
وحَمل إليهم البشرى بقائمه بينهم، حالي حالكم، ومَا ليِ هو مَا لكم، وما أنتم هو ما كنته، وما أنا هو ما تكونونه، وسعادتي أن أكونكم، وأن أتخلى عني لكم، تواصوا معي بالحق، وتواصوا معي بالصبر، فما أنا إلا قُدوة لكم، وهدية ربكم، عَبِّدوا أنفسكم، لواجب الوجود لوجودكم، تعرفونه بعقولكم، وتحسونه بنفوسكم، وتقومونه بقلوبكم، وتوحدونه بمعانيكم، وتجددون وجوده من حولكم لوجودكم، بجديد وجود له فيكم، أنتم به من حوله إحاطته وحقه {أوليس الذي خلق السـموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم}[٤]، فما كان المـُخَاطَب لمعنى السموات والأرض إلا نفس الإنسان من حقيقته له، فوق السموات والأرض لوجوده {ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين}[٥].
بذلك، جاء دين الفطرة… بذلك تواجد بيننا ليكون قدوة لنا من قديم وجوده، إنسان الفطرة… بذلك، ظهرت لنا، وتعنونت، عندنا صبغة الفطرة، بآدم الفطرة، آدم أوادم الخليقة وثمرة أوادم الحقيقة…
من أسميناه بيننا محمدا، ومن تسمى إلينا، من الفطرة حقا، ومن تواجد بالحق لنا فينا رسولا وقدسا متكاثرا، بأقداس متلاحقا، حجرات بيت، وبيوت مدينة، ومدن عوالم، وعوالم وجود، من وصلناه يوم سعدناه، إيمانا به وبمولاه بمن وصله، بيننا، لله ذكرا، ومن تواجد به بيننا محدثا له عترة، وانتشر بنور الله كوثرا، وبعث به حقا، فعنون بكوثره، أكثر وأكثر، لقبله وقبل قبله، فبقي بكوثره، لبعده وبعد بعده، ذكرا محدثا لذكر قديم، جعل له الخلد، فبعث به الأزل في الأبد للحق القائم في سرمد…
إنسانا، عنون إنسانية رشيدة، قديمة قائمة جديدة، عَالِمة، عارفة، حقية سديدة، أُمة وسطا بين أزل الإنسان، وأبد الإنسان في قائم الله بالإنسان لقائم الإنسان بالله، هي للحق أسماؤه وحقائقه، وهي في ذي المعارج، معارجه ومراقيه لرافع الرتب بهباته ومغانيه.
تعنونت الآزال، لقائم الإنسان بقيومه، عند قائم الإنسان به لأبديته لقادمه. به كانت البشرية، إنسانية ما بين يدي رحمته، بإنسان رحمته، في إنسان حقه، وعَلَم حقيقته بكوثره لقائم أحواض فيض الحياة لخليقته.
فالإنسانية… قبل سفور العروة الوثقى، لها شأن، والإنسانية فيه، لها شأن، والإنسانية من بعده، لها شأن. فنحن في إنسانيتنا لقائمها، إنما نحن إنسانية محمد، إنما نحن الإنسانية في محمد، لم ينتهِ بَعد محمد، ولم يُعرف بعد محمد، ولم يظهر بعد لنا محمد، ولم يَقُمنا بعد محمد، ولم نَقم بعد بمحمد. إننا قي قائم إنسان محمد، بين يدي رحمة الإطلاق، بمن قبله من إنسانية مثاله لوجوده، وبمن بعده من إنسانية تواجده بنا، لمثاله لقديم اقتدائه وشهوده.
إن الإنسانية المحمدية، التي تقومونها، والتي هي بشراكم لبشريتكم، يوم تشرفونها، فيقوم ويتقلب فيكم قائم الحق بكم، وقائم الحق عليكم، وقائم الحق منكم، بالحق به نورا لله منتشرا بالحياة نورا على نور، هي إنسانية الأمر الوسط للأمة الوسط، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. لا تغيبه ولا تسوفه ولا تجحده ولا تعدده.
لقد جاءتكم قبل محمد، رسالات، برسلٍ، وكتب، وآيات، وهدي وتعاليم، كما جاءتكم بعد محمد، رسالات، ورسل، وكتب، وهدي، وتعاليم، وما زالت تجيء وتتعاقب، وتتلون وتتباعد وتتقارب، موضوعا وزمانا ومكانا، وما كانت رسالات ما قبله، إلا بدايات لرسالات ما بعده، تجددت من خلاله بعد بروزه، كمالا لها وقياما فيه، بعد قيام به، حتى يبقى لها وجودا دائما بما جاءت به رسالته في دائم أمته، مزوية لها الأرض انزواءها له.
فما كانت رسالات ما بعده بعثا لما قبله، إلا بيانا لما أُرسل به جامعا له في كتابه، كان رسلها ظلالا له، مجتمعة في إهابه اجتماع رسالتهم في أم كتابه.
بذلك كان ما قبله وما بعده، مما عرفتم، ومما شهدتم، ومما ذكرتم، ومما قمتم، ومما حَرَّفتم، ومما عليه التويتم، ومما له كَذبتم، ما كان إلا في دائرة رسالته لدائرة الحق بموجوده، لحضرة عالمكم.
إن ما قبله الحق الأحد، وإن ما بعده الحق الأحد، وإن ما قائمه إنما هو الحق الواحد لعينه، عليكم بأحديته، قام فيكم، وقام بينكم، مشتتا من اجتماع جماع حقائق الله بإنسانيته لإنسانه، إنه تشتيت ما قبله من الحق، إلى واحديته، من قديم أحديته.
وإن ما بعده، إنما هو جمع شتاته، لعين أحدية الحق لما بعده، على ما كان، وعلى ما كان من كان له قبله، وإنكم في قائمه مشتتا في شتاتكم، هداكم لأن تجمعوا أبعاضكم، تتحد، لتتوحد، لترتبطوا بأحده لما قبله، وتصيروا إلى أحده لما بعده، ظلالَ أحديته على ما هو لقائمه، قيوم أحديتكم على ما أنتم، لقائم واحديتكم، المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد، إذا شكت مؤمنا شوكة وجدت ألمها عندي.
إذا اجتمع قديمكم، على قائمكم، فتواجد له فيه قادمكم، فقمتم، بقائم واحديتكم، قائم أحدكم، في حاضركم، متحدا مع قادمكم وقديمكم، كنتم أحدًا لله، ولذلك خلقكم، خلقكم لنفسه.
خلقكم بظاهر عبده لعملكم، ولقيوم ربه لقائمه بكم، ولقائم موجوده لقدسه في اتحادكم وتآلف قلوبكم. فأنتم بباطنكم، حق، وأنتم بغيبكم لظاهركم، حق، وأنتم بظاهركم، لباطنكم وغيبكم، حق.
أنتم بظاهركم، لباطنكم عبد… وأنتم بباطنكم، قيوم ظاهركم رب… وأنتم بغيبكم، لموجودكم، بظاهركم وباطنكم آله وإله وقدس وحق… أنتم مظهر لجماع حقائق في عالم اجتماع لها بكم، أدناها ثلاث، بقائم حقكم وأعلى، لسابق حقكم، وأسبق لقادم حقكم وأبعد، في أحديتها بظاهر حقكم وغيبه لموجودكم وأكبر.
بذلك جاءكم دين الفطرة، وإلى ذلك هداكم دين الفطرة، وعلى ذلك أعانكم ويسر لكم، دين الفطرة، فكان آدم محمد بينكم محمد الله، وآدم الله، وحقا من حقائق الله، فكان لرسالة الله رسول الله، والمرسل والمرسل إليه فكان سريانه نورا لله في المؤمنين بالله ورسوله، هو طريقهم ليبعثوا به، أُمة له وإنسانية رشيدة لله. فأنتم بمحمد، وأنتم بدين الفطرة عنونه لكم، وأنتم بكتاب الفطرة قائمة به بينكم، أُمة محمد خلت من قبلها أُمم، أُمة الشهداء على أمم الناس مما يخلق ويَبعث الله، أُمة وسطا الرسول لها وعليها الشهيد على شهدائها، والإمام لأئمتها، والنبي لأنبيائها، والحكيم لحكمائها.
بما أودع الله بمحمد، كان نطقه التنزيل، وفعله التجميع والترتيل، ونصره الرحمة، منصور لا يهزم، ناصر لا ينهزم، حق لا يحتجب، نور لا ينطفئ، سراج مشتعل لا يشعل ولا يطفأ، رسول الله بين الحق والخلق بكوثره عبدا وربا، حقا قائما في مطلق الله.
سراج الله… نور الله… شمس الله… نجم الله… إنسان الله… روح الله… اسم الله… وجه الله… حق الله… تراه القلوب، يوم تحيا به القلوب، تراه لها فيها قلبا… وتراه النفوس، يوم تحيا به النفوس، فتراه لها هي فيه وهو فيها لها نفسا… تشرق به العقول، تراه العقول، يوم تتحرر من ظلام المنقول، إلى انطلاق الوعي، أحاط بالمعقول وأدرك ما وراء المنقول، ونقل عن الرفاق الأعلى من العقول.
يراه العقل، نور وجوده، ووصف موجوده، مشهودا له، في مرآة تواجده، بما أوجد لوجوده، بيد قدرته، ومن كنوز جوده، يعرفه يوم يعرف أن الله قائم على كل نفس بما كسبت.
كيف يعرف الله، من لم يعرف نفسه؟ كيف يعرف الله، من لم يصنع بالله نفسه؟ كيف يعرف الله، لوصف الخالق من لم يتخلق بأخلاق الخالق، من لم يكن خالقا، خلق نفسه، وجدد نفسه، وطور نفسه، وأحيا نفسه، وعدد نفسه بشرية وإنسانية، واحتفظ بنفسه، لمن صاره ربا لها وحفيظا عليها لحضرته؟
{ليس للإنسان إلا ما سعى}[٦]، ما يعمل من مثقال ذرة خيرا يره، وما يعمل من مثقال ذرة شرا يره، وعمله هو نفسه ووجوده، لأمانة قيامه بالحق فيه وبالحق عليه. {ووجدوا ما عملوا حاضرا}[٧]، (عبدي أطعني أجعلك ربانيا)[٨]، أجعلك ربا (تقول للشيء كن فيكون)… تقول لشيئك أنت (كن) فيكون، تقول لوجودك، تقول لصنعك، فلا تخدعك ربوبيتك إلى الاستعلاء على موصوف بها في أعلى عليك في معارج الحقائق.
{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب، ثم قال له كن، فيكون}[٩]، على ما قال لآدم ولكل آدم (كن) فكان، وما عَلّم من يكون، إلا بمن كان، وما قال لما يكون (كن) إلا بمن كان. إن الذي حمل إرادة (كن) لمن أراد، ناموس الحق له أن يكون، ما كان، إلا موصوف الحق الرسول بها كان إلى من أراد الله أن يكون. إن المعلّم بها هو من بها كان، والمريد لها بإرادته لمن كانها، هو من بها يكون.
إن الذي حمل إلى آدم أن (كن) فكان، إنما هو رسول الله إليه، وإن الذي حمل إلى عيسى (كن لتكون)، و{إني متوفيك ورافعك إليّ}[١٠]، إنما هو رسول الله إليه.
إن رسول الله، هو الحق من الله، لمن يطلب الحق من الله، فكيف لا يكون رسول الله، هو حق لله لكل متحقق من الله بحق الله، لأمر نفسه، عرف أو لم يعرف، أدرك أو لم يدرك. ولو أدرك لكانه ولعرف الله أكبر.
إن رسول الله في الله لخلق الله، هو القضية الكبرى للخلق في الخالق. فهو العروة الوثقى، والصلاة الوسطى، وبرزخ اجتماع البحرين للملأين الأعلى والأدنى. إنه طريق الهبوط للملأ الأعلى، كما هو طريق الصعود للملأ الأدنى.
إن رسول الله، وقد أظهره الله على الدين كله، فكان بمعلوم آدمه على ما كان بغيوب أوادمه بناموس آدم في دورته، عَلَّمه الله الأسماء كلها، فَعلِمَها، وتَعلَّمها، وعَرَفَها، وتعارف إليها وعرف من أبناء آدم في سابق دورته، وبعضا منهم لأسبق من دوراته، قام بها وقامت به أبناءً له وابنا لها لقائم آدمه حقا له وحقا لها، وما علمها وعرفها إلا يوم كانها وقامها وما علمته وعرفته إلا يوم لقيته وقامته.
هكذا كان رسول الله لنا أكمل ما يكون الإنسان في الله لاقتدائنا وكسبنا وعطائنا. لم يسبقه إلى كماله إلا قديمه بربه {قل إن كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين}[١١]، فما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا، بل اتخذ عبادا مكرمين.
كان لهم، وكان معهم، وكان بهم أقرب إليهم من حبل الوريد، قام بعاليهم في دانيهم اجتماع الأزل والأبد فيهم ناموس مطلقه.
كان لهم وكان معهم وكان بهم، أقرب من الأب لبنيه، وكانوا في قربه، وفي وصلته، أقرب من البنين لأبيهم، عبادٌ مكرمون، ضُرب ابن مريم مثلا لهم.
كان محمد لهم جماع أمثالهم لمعاني أمثاله وقد أُعطي جوامع الكلم. كما كان للناس لمعنى كلمة الله وروح قدسه ظاهره بينهم لتمام حاله، فإذا قومه عن مثاليته مَثَّلها لهم من قبل وليده وجديده، يصدون وله لا يكبرون، {فلا وربك، لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم}[١٢]، ومعك لا يختلفون، وفي سكينتك وسلامك يأمنون، لا يتخاصمون، ولا يجادلون.
يومئذ بالحق يقومون، وحقا منا يعرفون، وبحقك لهم يتصفون، فشهادة لا إله إلا الله، أعلاما لها يقومون، وشهادة محمد رسول الله، كتابا لها يُتلُون، ويَتلُون، وعلى مكث بكتابك يتحدثون، وبلسان الصدق لسانا لك هبة منك يبينون، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[١٣].
{أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم}[١٤]. ما تواجد بينكم باسم الله ليموت، وكيف يموت ذكر الله أو يموت اسم الله، وما تواجد الله لكم به حقا بينكم ليختفي! فأينما تولوا فثم وجه الله، وهو لكم وجه الله، ما كنتم به وجوها لله.
إن الذي علمكم وأعلمكم أن الله أقرب إليكم من حبل الوريد، ألم يكن الله له معه أقرب إليه من حبل الوريد؟ أو الذي وعدكم وبشركم بسريان نور الله، في ظلام أنفسكم، ألم يجعل الله له نورا، سرى في ظلام نفسه؟ فمحاه وبالحق قامه، وبالحق أقامه، ومبعوثا بالحق فيكم قامكم، ومنكم منه نشره وأقامكم؟ وهو الذي يقول لكم، إنه قد جعل له نورا يمشي به في الناس، يهدي الله به من يشاء، أنزله معه ليعمل على مكث فيكم، فكيف يتواجده لهذه الغاية، ولا يحقق له هذه النهاية؟!
إننا في محمد، غَيرُنا بعيدا عن محمد… إننا في محمد، إنما نحن في الله… إننا في محمد، إنما نحن في قلب الله… إننا في محمد، إنما نحن في بيت الله… إننا في محمد، إنما نحن في غُرف الله… إننا في محمد، إنما نحن في غرفة الله لساحة الله وحرم الله… إننا في محمد، إنما نحن في قبلة الله، نقوم قبلة الله للناس، ونصبا للناس بقبلتنا في أنفسنا، بقبلتنا في قلوبنا نعبد ما لا يعبد الناس، ونُعبِّد أنفسنا لمن لا يعرفه الناس.
إن قلوبنا بنور محمد، هي غرف الله، {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا}[١٥]… إن هياكلنا بمحمد، إنما هي عوالم الله، هو لها بالله بنا، رب العالمين، هو فينا الحق من الله لعوالمنا بهياكلنا. لقاؤنا معه إنما هو في قبلتنا، بقلوبنا، هي غرفته فينا، مخصصة له منا، حقا لنا، لا شريك له فيها، {واذكر ربك في نفسك}[١٦]، لنا ديننا والناس في ديننا ما كانوا منا، ومن كان في ديننا كنا منه.
فما كان النبي بالحق لنا في أنفسنا، إلا رب وجودنا، ومنعم موجودنا، من أعلى له، كان هو به، أعلى علينا، لا نشهده إلا فينا، ولا نعرفه إلا يوم نقومه لمعانينا، بمعناه لنا، معنى معانينا، ومدينة بيوتنا لمبانينا، ورب عوالمنا قائم الله لقائمنا فينا.
هو اسم المطلق ومسيحه من الله لنا، لأسمائه به مقيدة بنا أسماءً له في دانينا، لأسماء للأعلى بعالينا. المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن مرآة أخيه بيننا فينا، ومنا علينا لمراقينا، {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}[١٧]… (إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه)[١٨].
فهل قمنا به مؤمنين، فلم نشهده في مرايا قلوبنا؟ هل تجمعنا عليه مؤمنين، قلوبا متحابة، متآلفة، على أشباحها منكرة، وعلى أرواحها مجتمعة، فلم نشهده لنا، رب العالمين لعوالمنا، ولم نشهده فيه، لنا فينا، عوالم وجوده، من موجده، لشرف وجودنا، كرما وجودا؟
نأخذه لا عنوة، ونقومه لا كرها عنه ولا كرها عنا، (أنا رحمة مهداة)[١٩]، فمن منكم قَبِل الهدية؟ إنها هدية الله لنا، إنه هدية الله إلينا، لا عن منسك، أو عمل أو جُهد، ولكن عن وعي وعن حب، إن الله لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، لا يمنعه عنا، سيئة، أو زَلة، {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}[٢٠]. وهل عرفوا الله، أو يعرفونه، وهو ليس فيهم؟ هو {الذي يراك}[٢١] ولا يرى غيرك، حين (تقوم وتقلبك في الساجدين)[٢٢]، {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}[٢٣].
ها هي الدنيا والآخرة لها تناديك، فَلبِّ نداءها ولا تخيب رجاءها، يا من جعلك الله رحمة للعالمين، ويا من جعلك شفيعا للمذنبين، ويا من جعلك المغفرة للمستغفرين، ويا من جعلك الصلاة الوسطى للمصلين، ويا من جعلك الحياة وأحواضها للواردين، ويا من جعلك الطريق ونورها ونارها وظلها وماءها للسالكين، ويا من جعلك النعمة والغناء للمفتقرين، ويا من جعلك المأوى، لمن كانوا لأبواب الله لحجراتك[٢٤] لقائم حضراتك طارقين، ولطريق الله طريقا لك سالكين، وفي معارج الله خافك عن أنفسهم، بماديها مترفعين، ولها بالحياة مجددين، ولروحهم بأرواحهم متعالين، ولك في أنفسهم طالبين، ولمعية الله لهم، قائمة دائمة، متقين وخاشعين.
إن رجلا مشى على الماء، يا رسول الله، لو مشى على الهواء، لكان أجدر به، ولو اتقى الله أكثر لمشى على الهواء، إن السبح على الماء بقانون السبح على الماء، هو السبح في الهواء وعلى الهواء، بقانون السبح في الهواء على الهواء، وهو عين قانون السبح في دائرة الحياة والرجاء، بناموس الله لفطرة الله في وجود الله لصبغة الله.
أعلمه الله، الدين كله، وأقامه الحق كله، فما ترك خيرا إلا هداه، وما ترك شرا إلا كشفه وحذره، لمن تابعه ووالاه، وما ترك إلى الحق طريقا إلا سلكه وأبداه.
نسأل الله برسول الله، أن يزيدنا من هداه، وأن لا يمنعنا معناه، في مبتداه، وفي مرتقاه، وفي منتهاه، وإن كان لا منتهى لمنتهاه، ولا توقف لمرتقاه ولا تعطل لمبتداه، ولا لكسب حقه ومعناه.
هذا ما يليق بنا فهما في الله، وما يليق بنا فهما في رسول الله، فنسأل الله أن يزيدنا فهما في الله، بزيادة فهمنا في رسول الله، وأن يزيدنا فهما في رسول الله، بزيادة فهمنا في الله، حتى نشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وحتى نبدأ لنا وجودا، بسم الله الرحمن الرحيم، فنحمد الله رب العالمين، ونعرفه لنا وفي أنفسنا قائم الرحمن الرحيم.
اللهم برسولك منا لنا رحمة منك بنا، ولِ أمورنا خيارنا برحمتك، ولا تولِ أمورنا شرارنا بعدلك، ولا تجعل في الحكم فتنتنا، ولا في البعد عنه ضياعنا.
اللهم أصلحنا حكاما ومحكومين، اللهم يسر لنا سبيل الهُدى روادا ومرودين، اللهم قوم فيك أمرنا غافلين ويقظين، وخذ بنواصينا إلى الخير أجمعين، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، واجعلها في مرضاته، وخير أيامنا يوم لقائك، واجعلها في مرضاتنا.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎
هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع. ↩︎
من شعر أبو الحسين النوري. شاعر من العصر العباسي. ↩︎
سورة يس -٨١ ↩︎
سورة فصلت - ١١ ↩︎
سورة النجم -٣٩ ↩︎
سورة الكهف - ٤٩ ↩︎
يرد في بعض كتب المتصوفة والشيعة كحديث قدسي، وتقول كتب الأحاديث الشريفة السنية بأنه ليس حديثا قدسيا، ولكنه جاء في الأثر بلفظ “يقول الله عبدي أنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون، فأطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون”. ↩︎
سورة آل عمران - ٥٩ ↩︎
سورة آل عمران - ٥٥ ↩︎
سورة الزخرف - ٨١ ↩︎
سورة النساء - ٦٥ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎
سورة آل عمران - ١٤٤ ↩︎
سورة الفرقان - ٧٥ ↩︎
سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎
سورة النحل - ١٢٨ ↩︎
حديث شريف ذكره الشعراني في “لطائف المنن” مشيرًا إلى أن الحكيم الترمذي رواه في نوادر الأصول، ٥٦٦، وقد عرج عليه في الفتوحات في الباب الثالث في مضمار حديثه عن تنزيه الحق عن التشبيه والتجسيم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا، ونصه فيه: " إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم". ↩︎
حديث شريف: “إنما أنا رحمة مهداة.” أخرجه ابن سعد والحكيم والحاكم. ↩︎
سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎
سورة الشعراء -٢١٨ ↩︎
استلهاما من {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين} سورة الشعراء - ٢١٩ ↩︎
سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎
هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎