(٢)
الإنسان الخالد
في الحق الخالد وفي الروح الخالد وفي البشر الخالد
كوثر صفاته وأحد أحديته لذاته
كافة للناس رضيه لهم الله، ما ارتضاه لأنفسهم الناس
حديث الجمعة
٢٣ شوال ١٣٨٦ هـ - ٣ فبراير ١٩٦٧ م
{أفإن مات أو قُتل، انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه، فلن يضر الله شيئا}[١]، {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها}[٢].
ما قامت دعوة الإسلام إلا إلى الله، وما جمعت عليه إلا في النفس {واذكر ربك في نفسك}[٣]، وقل إن {ربي الله}[٤]، واعلم أن الله معك، (أقرب إليك من حبل الوريد)[٥]، (أينما كنت)[٦]. بذلك رضي الله الإسلام دينا، وجعل به محمدا كافة للناس، آدما وابنا لآدم، ذاتا وروحا، خلد فيهم بخلودهم، وخلدوا به في خلوده.
{وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد}[٧]، فبَشَّر الرسول وهدى، (الخير فيّ وفي أمتي، إلى يوم القيامة)[٨]… (حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم)[٩]، فأنا الخير لكم، وأنا الرحمة المهداة، ممن خلقكم، {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}[١٠]. وعمل متابعوه على بصيرته بعمله، فقالوا لمن اجتمع عليهم، اجتماعا عليه في نفسه، (ها أنت وربك)[١١].
{وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}[١٢] {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}[١٣] هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[١٤]… {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}[١٥]… و{النور الذي أنزل معه}[١٦]… {نهدي به من نشاء}[١٧]، جعل الله له بنوره المكث فيهم، يتلو كتابه بينهم على مكث فيهم.
{وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}[١٨]، وهم يطلبون المغفرة من الله ورسوله. يجيئون الرسول، فيستغفر لهم الرسول، فيجدون الله توابا رحيما.
إن رسالة الفطرة مع محمد، علم رسله، وقيوم رسالته، وقائم رسالاته، قديمة بقدم الفطرة، قائمة بقيامها بسلطانها عليها باقية ببقائها لها. رسالة ماؤها جارٍ متجدد، بتجدد الخلق في عوالمهم، بأطوارهم. رسالة لا يأسن ماؤها، ولا يتوقف انتشارها، تفيض في مواسمها أنهارها، ثابتة على الأرض أوتادها وجبالها، ما بين قديم لها وجديد فيها، تتجدد بتجدد الناس، وتظلم وتشرق، بإظلام العقول وإشراق العقول، وتنتشر وتتوقف، مع صفاء النفوس ورقة القلوب. فإن صفت القلوب ورقت النفوس، بها فرجت الكروب، وغفرت الذنوب، وسترت العيوب، وتحقق لكل طالب المطلوب.
قام المسلم بها، نصبا لله، وعَلَمًا مشهرا بلا إله إلا الله، ولسانا ناطقا بالله أكبر، وبالله أكبر، وبالله أكبر، فماذا عرفنا من رسالة الإسلام؟ وبماذا عملنا من رسالة الإسلام؟ وهي رسالة الإنسان لنفسه، بهديه، وتوجيهه، لتحقيق حاجاته، واجتياز مفازاته، والتخلص من عقباته، بسير الرفيق في طريقه، في مصاحبة رفيقه، إلى الأعلى لمعبوده، والقائم لمشهوده، بالوجود لوجوده، {فأينما تولوا فثم وجه الله}[١٩].
فكيف يُقام الدليل على المشهود؟ وكيف يوصف بالغيب من هو موجود؟ {إن الإنسان لربه لكنود}[٢٠]، إن الذي يتحدد به أمر الإنسان عند الإنسان، إنما هو المثال الذي يرتضيه من جنسه، إنما الحال المشهود الذي يقبله لنفسه، إنما هو المثل الأعلى عنده، لإكباره في شهوده، ورؤيته في عالم وجوده.
فبالمحبة له، وبالمحبة منه، يعرفه في نفسه، ويقومه في حسه، ويشهده في مرآة وجوده، وفي قائم موجوده. هذا هو إنسان الله، هذا هو عبد الله، في دورته لسفوره ببدء متصل إلى انتهاء، إفساحا وتخليفا لجديد بدء، أمرا دائبا في الله، برسالة مئوية وألفية ويومية في يوم الله بأيام الله، دين الوحدانية، ورسالة التوحيد، التوحيد مع من؟ والوحدانية لمن؟ إنما يكون ذلك في إدراك الوحدانية، لقائم البشرية، بتعدد الآدمية، لآدم البداية، إلى آدم النهاية، في آدم ما بينهما، بهذه الآدمية، عروة وثقى لآدمية ما قبلها إلى لا بدء وآدمية ما بعدها إلى لا انقضاء، كمالا للإنسان إلى حقي أحديته، وبداية للإنسان لأبدي خلقيته.
إن هذه الآدمية، البشرية، بدأت من وحدانية، وتنتهي إلى وحدانية، وهي فيما بينهما، بقائمها بذاتها وصفاتها وحدانية، وحدانية للصفات المرضية لقائميها بالحكمة الأزلية، مع سرمدها في أحسن تقويم. ووحدانية بالصفات المجفوة مع رجيمها وموقوتها لمعدومها من المادية للتخلص من الخلقية، إلى الساري بها من الحقية.
إنها عالم الكسب للوحدانية الإنسانية بموالد الفطرة من الفرقة الوقتية، إلى الوحدة الأبدية، مظهرا للوحدة الأزلية، في قائم الوحدانية، بإنسان الأحدية، بين آحاد الإنسانية، للحضرة الربانية، من الحضرة الإلهية، للوجود اللانهائي المطلق.
هذه هي الرسالة الإسلامية، أو الرسالة الفطرية، تتجدد أمورها على رأس كل قرن، بمبعوث بالحق، من الأحدية الأزلية، لبناء يقوم بأحدية، أبدية، بالحق، قائمة مقيمة في قائم الخلقية، إنها الرحمة، إنها الرحمة الإلهية، بالحضرة المحمدية، ياقوتة أحدية ذاته الصمدية، وعين مظهر صفاته الأزلية، تتجدد في أبد، على ما برزت في أزل كل عشر من القرون لسفور الآدم للآدمية في دورة رسالية لقيامة حق ظاهرية، تعريفا عن قيوم القائم، بالأزلية والأبدية، القائم فوق الأزل والأبد للإنسانية.
منه برزت الحضرات الربانية، لموصوف العبودية، لقائم الحق بالعبدية، عين قائم الحق بالربية… بالفطرة المحمدية، اتحدت فيه به له الربوبية مع العبودية، وعلت به معه له العبودية إلى مقام الربوبية، وتواضعت فيه الربوبية إلى فعل ووصف العبودية، ودنت الألوهية فكانت العبدية والربية، فأسفر الغيب للشهادة في الظاهرية. وجوه لوجوه قدسية، أشرقت بنور الغيب لوصف الألوهية.
فكانت النورانية هي القدسية للبشرية عند البشرية، فَعلَا القدس وتنزه لمصدر النورانية، عن النوال للإنسانية الرشيدة، وبمعرفته علت وسمت الإنسانية، عن موصوف الغيرية، لشرف العينية، بالعبودية وجوها، ظاهرة بالقدسية، قدسية النورانية. فكان الإنسان، وهو نور الله، بالحقية، كان نور السماوات والأرض، للحياة الأبدية، عَلَمَا على الحياة الأزلية، واسما لله بالحقية.
فهل مات محمد؟ هل فني محمد؟ هل هلك محمد؟ هل رجع إلى التراب محمد؟ هل غاب في السماء محمد؟ كيف يهلك إنسان الألوهية! كيف يغيب إنسان الربوبية! كيف يدفن في الأرض إنسان القدسية!
جاء وهو الحق، وكان معنا قبل أن يجيء، وما فارقنا بعد أن جاء، ولكن الناس هم الناس، لا يؤمن بالله أكثرهم إلا وهم مشركون. عز على منالهم التوحيد، لأنهم كزوا على أنفسهم بالتعديد، فما ألقوا السَلْمَ مؤمنين، وما قاموا في السلام مدركين، وما شهدوا الوحدانية عارفين، فأشهدوها منبئين، نبوة لا تغيب، نبوة لا تحتجب، نبوة لا تنقطع، (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)[٢١].
قام بيننا حقا، وواصل بيننا حقا، فما عرفناه إلا خلقا لم يبعث بحق، فما رأينا الله في أمره، (خلفت الله عليكم)[٢٢]، وما رأينا الله في عترته، ولا رأينا الله في أنفسنا، ولا رأينا الله في الناس، ولا رأينا الله في الوجود، ثم نحن بعد ذلك أمة التوحيد.
أي توحيد هذا الذي أنتم له أمة!؟ نعم أنتم أمة التوحيد، أنتم أمة الوحدانية مع الشيطان! أنتم أمة الوحدانية مع أبي سفيان! أنتم أمة الوحدانية مع الطغيان والبهتان! أنتم أمة الوحدانية مع الكفران والنسيان! أين بينكم عمد الدين؟ أين بينكم أناجيل هذا الرسول الأمين؟ أين بينكم الرواسي الثقال؟ أين بينكم الأعلام للمثال؟ أين بينكم الغرف للاعتكاف؟ أين بينكم النُصب لأهل الكرامة والطواف؟
يجادلون في الله بغير علم، ويتبعون كل شيطان مريد! من هو عندكم المعلم، بتعاليمه تلتزمون؟ من هو عندكم الحق، للحق به في أنفسكم تذكرون وتطلبون؟ من هو عندكم الله، إن كنتم لله عابدين؟ من هو عندكم عَلَم الله، إن كنتم خلف الأعلام تسيرون؟ ما هي غايتكم في الله، إن كنتم إلى غاية في الله تهدفون، وإليها تقصدون؟
هل جاء محمد بدين من الخيال والأوهام، أم جاءكم بدين هو بيان لقائم الواقع، به يستقيم الواقع، ويختل في الانحراف عن طريقه واقعكم، في الواقع مستقيما عليه بطبيعته عند غيركم؟ إن انحرافكم، بعيدا عن هذا الدين، وما يقع بسبب هذا الانحراف، إنما هو جزاؤكم في المخالفة، ورد أفعالكم إليكم بالكفران.
إن في استقامتكم مع هذا الدين، وما تنتج الاستقامة به، والاستقامة عليه، من العزة فيه، والعزة في الله، والعزة بالله، والعزة لله، إنما هو جزاؤكم من الإحسان.
هذا دين لا يُغيِّب الحساب، ولا يغيّب العقاب، ولا يغيّب الثواب، ولا يُبْقَى لكم بمعزل عمن هو وراء الحجاب، إن ما وراء الحجاب، هو ما أمامكم دون حجاب، وأنتم في الحجاب، إن الظاهر مرآة الباطن، إن الظَاهر، هو مآلكم عنكم ظاهر، وإن الباطن، هو ما فيكم عنكم باطن.
ملكوت الله بين جوانحكم، إن تنصروا الله فيكم ينصركم ويثبت أقدامكم، كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت، وفرعها في السماء. ما ينفع الناس يمكث في الأرض.
أنتم بظاهركم عوالم الله. وأنتم فيكم بباطنكم ملكوت الله، فأنتم الظاهر والباطن، أنتم الخلق والخالق، أنتم العبد والرب، أنتم الوجود والموجِد، أنتم المعلوم والمجهول، أنتم الغيب والشهادة.
فهلا امتدت أيديكم إلى أوزاركم، فكشفت عن حجبكم لكم، فارتدت أبصاركم إلى بصائركم، فكشف عنكم غطاؤكم، فرأيتم من ليس كمثله شيء، فما كان غيركم.
من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، ومن كفر، فما كفر إلا بمعيته، ومن كشف له فما كشف إلا شهادته. {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة، يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد الله عنده}[٢٣]… {وجاءت سكرة الموت بالحق، ذلك ما كنت منه تحيد}[٢٤].
إن الكفر والإيمان، مملوك الزمام بأيديكم، {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}[٢٥]… (كن كيف شئت، فإني كيفما تكون أكون)[٢٦]… {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}[٢٧]، ومن ذاك الذي هداه السبيل، شاكرا أو كفورا؟ إنما هو الله، وأي الله هذا؟ إنما هو أنتم، من اهتدى ومن ضل، فكلاهما فيه، وكلاهما لم يخرج عن إرادته، وكلاهما لم يخرج عن مشيئته، وكلاهما كانت إرادة الله في إرادته، ومشيئة الله في مشيئته، ولله الحجة البالغة، ولكن الإنسان كان أكثر شيء جدلا.
إن الله لا يُعرف، ولا يُعلم، ولا يُوصف، بلغة المغايرة معه، والتعديد له في وجوده، والإنكار على كرمه وجوده. إن الإنسان لربه لكنود، وكان الإنسان أكثر شيء جدلا، مع من؟ مع من له الحجة البالغة، مع ضميره الذي لا يكذبه ولا يخطئه. من شاء فليرجع إليه في نفسه روحا حيا خالدا، ومن شاء فليبقَ مع نفسه جسدا له خوار لا يلبث أن يفنى ويزول عن الوجود بعيدا عن معيته له من الروح والخلود.
بذلك كان رسول الله، بما جاء به حتمية المادية، مع قائم الحياة للروح في المادية، وحتمية روحية، مع قائم الحياة الروحية بعيدا عن المادة، وحتمية اتحاد الروحية بالمادية، لبعث وقيام الإنسانية، بإنسان الحقية، لإنسان الخلقية.
بذلك كان رسول الله حتمية علمية، وحتمية معنوية، وحتمية وجودية، وحتمية منطقية، وحتمية خلقية، كما هو حتمية حقية. بذلك وجب أن تدور الثقافة الإنسانية، والتوعية القومية، والجامعة الإنسانية، حول نصب الإنسانية بإنسان الإنسانية، وعَلم الحقية، عَلما خفاقا لا ينزل عن ساريته بالبشرية، حقا عملاقا، لا يهزم من مخاصميه، وحقا مشرقا لا يخفى على عيون القلوب من طالبيه، يتكشف لها بنور الله له بلطيفه يلحقها بها لتشهده به.
أخفى الله الولي في الخلق، عمن عاداه، وعمن طلبه وأحبه فما أخفاه، وأوجده بين الناس، ما قطعه وما أفناه، وما منعه عن رحمة الناس، برحمة الله من رحمة الله.
هل طلبه الناس ولم يجدوه؟ هل جاهد الناس أنفسهم في الله ولم يلاقوه؟ ولكن الناس لا يريدون أن يتقدموا خطوة من جانبهم، بما فيهم من الحق به يسألون وبه يعملون ويجاهدون، ولا يريدون أن يخاصموا ما فيهم، من الباطل له يشهدون، وعلى مقامه فيهم لا ينكرون، حتى بمجرد إدراك له، له يجافون، إنهم يتواكلون، ولا يتوكلون، إنهم يجهلون، فلا يوكلون.
كل الناس هلكى إلا العالمون، والعالِمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم.
فهلا أفقنا من سباتنا، هلا عملنا، هلا تزحزحنا من سباتنا، هل استيقظنا من منامنا؟ هلا جاهدنا لصلاح حالنا، هلا اهتدينا فهدينا ولو رجلا واحدا، هلا آمنا، فدعونا إلى الإيمان، أهلا لنا، صديقا لنا، صدّيقا لنا، فارقنا معنا.
إن الإسلام يبدأ من مسلم، كلمة طيبة، أصلها ثابت، وفرعها في السماء متصاعد، إن الإسلام جاء لأهل الأرض، شرف أهلها، وحقيقة أهلها، وسعادة أهلها، وجنة أهلها، ونار أهلها، حسابا وعقابا وإيابا، إن السماء بالإسلام سجدت للأرض إيمانا بالأعلى لها، تشهده فيمن ترعى دونها، يوم وجدت فيها المسلم فأيدته وبما منحها الله من قوة نصرته.
إن ملائكة السماء سجدت لحق الأرض، يوم بُعث عليها إنسان آدم، نفخ فيه الأعلى من روحه، غيبا على أهل السماء، كما هو غيب على أهل الأرض، هو في السماء إله، كما هو في الأرض إله، لا ينكر عندهما ولا يحاط به منهما.
لا يُعرف لأهل السماء إلا فيهم فكلهم الإله الواحد الأحد، يوم يتلاقون في محبته[٢٨]. ولا يُعرف لأهل الأرض إلا فيهم، فكلهم الحق الواحد الأحد يوم تتآلف قلوبهم على إرادته. ولا يجتمع أهل الأرض بأهل السماء إلا فيه، ولا يداني أهل السماء أهل الأرض إلا به، ولا يكبر أهل الأرض أهل السماء إلا لوجهه، ولا يتعارف أهل السماء وأهل الأرض، أحدهما للآخر، بوصف الرفيق، إلا بالفناء عنهم إلى القيام به.
في إدراكٍ لهذا، يمكننا أن ندرك قوله تعالى {وخلقناكم أزواجا}[٢٩]، وقوله تعالى، {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}[٣٠]، فما كنا إلا حقائق الطبيعة، وما كنا معهن إلا حقائق الإنسان، قضايا الإنسان في لباس الطبيعة، والطبيعة بحقائقها في لباس الإنسان. {خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها}[٣١] سواء كانت النفس العذرية ذات الأولية رجلا أو امرأة.
الإنسان فوق الطبيعة، والإنسان لذات الطبيعة، والإنسان تحت الطبيعة، إنما هو في قائم اجتماعه في إنسان الله، بهذا وإدراكه هو القيام بشتات فيه على اجتماع به يكمل له معنى الإنسان الرشيد، الإنسان المدرك، الرجل في الله، {إن يدعون من دونه إلا إناثا}[٣٢].
الإنسان ذو الإرادة، الإنسان ذو الرأي السديد النفوس له فيه تسكن إليه، حالها حال امرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبي، والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأخلاؤه من الرحماء أمهاتهم لأمومة الطبيعة وقائم روح القدس (أعطيت جوامع الكلم)[٣٣]، رؤوسا للقرون يبعثون بالحق، لقائمه رجل الله لمعرفتهم حتى تنشق الأرض عنه مرة أخرى للدورة الخالدة لآدم، فالطريق قبل محمد كان يرعاها ويعمل فيها آدم واحد، وبعد محمد أصبح فيها آدمان وينتظر أن يعززهما ثالث في قادم.
الإنسان المتوحد في فردوس ذاته، في فردوس نفسه، في فردوس وجوده، في فردوس موجوده، {كانت لهم جنات الفردوس نزلا}[٣٤]، {لا يبغون عنها حولا}[٣٥]، ملكوت الله بين جوانحكم، هو أحد من آحاد الله في واسعه ومطلقه.
هذا ما جاءكم به دين الإسلام ورسول الإسلام، هذا ما جاءكم به دين الفطرة ورسول الفطرة، هذا ما جاءكم به رجل الله وحق الله، من ذكرناه محمدا وما عرفناه، من ذكرناه حقا وما جددناه، من ذكرناه عبدا وما تواجدناه، من ذكرناه رسولا وما سمعناه، من ذكرناه إماما وما تابعناه، من ذكرناه حيا وما حييناه.
لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
اللهم بمن جعلته رحمة مهداة، لا تقطعنا عن رحمتك، ولا تمنع عنا هديتك، اللهم به لا تعاملنا بما نحن له أهل، وعاملنا بما أنت له أهل وبما هو له أهل.
اللهم به فادفع عنا البلاء، ولا تمنع عنا العطاء، والطف بنا فيما قضيت من جزاء، وولِ اللهم أمورنا خيارنا، رحمة منك، وشفاعة له، ولا تولِ أمورنا شرارنا، قضاء بنا، وردا لأعمالنا.
اللهم أصلح فيك أحوالنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، وخذ بنواصينا إلى الخير، يقظين وغافلين، وألف به اللهم بين قلوبنا، وأنر به عقولنا، وأحيِ به أعمالنا، وقوم به جوارحنا، وحرر به أرواحنا، واجعلنا له، واجعله لنا، واجعلنا منه، واجعله منا، ويسر به فيك أمرنا، وخذ بنواصينا إلى الخير، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها في مرضاته، وخير أيامنا يوم لقائك به لنا بذاته وصفاته.
لا إله غيرك ولا معبود سواك
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة آل عمران - ١٤٤ ↩︎
سورة الإسراء - ١٥ ↩︎
سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎
سورة غافر - ٢٨ ↩︎
استلهاما من {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} سورة ق - ١٦ ↩︎
استلهاما من {وهو معكم أينما كنتم} سورة الحديد - ٤ ↩︎
سورة الأنبياء - ٣٤ ↩︎
تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
من حديث شريف: “حياتي خيرٌ لكم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم فما رأَيْتُ من خيرٍ حمِدْتُ اللهَ عليه، وما رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم”. أخرجه النسائي والطبراني ↩︎
سورة الكهف - ٢٩ ↩︎
من مقولة لابن عطاء الله السكندري: “شيخك هو الذي ما زال يجلو مرآة قلبك، حتى تَجَلَّتْ فيها أنوار ربك، أنهضك إلى الله فنهضت إليه، وسار بك حتى وصلت إليه، وما زال محاذياً لك حتى ألقاك بين يديه، فزجَّ بك في نور الحضرة وقال: ها أنت وربك.” ↩︎
سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎
سورة الرعد - ١١ ↩︎
سورة الشعراء – ٢١٨-٢١٩ ↩︎
سورة الأنعام - ١٢٢. ↩︎
سورة الأعراف - ١٥٧ ↩︎
سورة الشورى - ٥٦ ↩︎
سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎
سورة البقرة - ١١٥ ↩︎
سورة العاديات - ٦ ↩︎
حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة النور - ٣٩ ↩︎
سورة ق ١٩ ↩︎
سورة الكهف - ٢٩ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الإنسان - ٣ ↩︎
هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎
سورة النبأ - ٨ ↩︎
سورة البقرة - ١٨٧ ↩︎
سورة النساء - ١ ↩︎
سورة النساء - ١١٧ ↩︎
من حديث شريف: "فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِىَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً، وخُتِمَ بي النبيُّونَ). سنن الترمذي، ومسلم باختلاف يسير. كما أخرج البخاري بعضا منه في أحاديث أخرى. ↩︎
سورة الكهف - ١٠٧ ↩︎
سورة الكهف - ١٠٨ ↩︎