(١)
نطق صدقا، فكان نطقه التنزيل
وأتى فعلا، فكان فعله التخطيط والترتيل
وانتصب هديا، فكان حوضا للورود، ووجها للشهود
حديث الجمعة
٢ شوال ١٣٨٦ هـ - ١٣ يناير ١٩٦٧ م
جاء الحق، ونطق الصدق، وظهر الإرادة.
فكان النبــــــــــــوة…
والإمــــــــــــــامة…
والســــــــــــــيادة…
قاد الناس، إلى رب الناس، في أنفسهم، وأعاذ الناس، من الوسواس، خانسا بين صدورهم، بدأ لأعينهم أمامهم بنفسه لاقتدائه، فبدأ فقيرا مفتقرا فأجابه قديمه إلى افتقاره لحسه، فرُدَّ إليه كماله، حقا قديما، وذكرا قائما.
كان قديمه في إجابة مُحدِثه، لا غريبا عليه، ولا بعيدا منه، أحدية واحدية، قوسين أو أدنى، تشتيتا عن أحدية في قديم، لموجود واحدية في قائم، وموعود أمر لاجتماع لواحدية في أحدية، في قادم، كشفا للناموس الدائم من الفتق والرتق للخلق والحق في الشهادة والغيب القائم ليكون بما كان به، رسولا لمن داناه، عرفه مولاه من مولاه، قائم قيامهما، وحق وجودهما، عَلم الحضرتين، مؤمنا ظهر بالمؤمن والمؤمن، اسما للمعلوم، وواجب الوجود للقائم المفهوم، كتاب نفسه، ومعرفة حسه، وبيان علمه، وسنة إرادته، باستقامة فعله وأمره.
من سلالة من طين، عرف قديم قديمه خلقا، فتقا ورتقا، إلى قيام، لنوع قيامه، بشرا، على مثالهم لمثاله آدما وعروة وثقى، ثم من سلالة، من ماء مهين، من نكاح صحيح، من ظهر آدم، من ظهور الأخيار، وفي بطون الأحرار، إلى أن قام حقه بعبد الله، باطن ظهوره، إلى بطنه، لباطنه بآمنة، لأم كتابه، ودائم حجابه، لسكينة أمنه وسلامه، انشقت عنها ذاته، محتفظة من أبيها وهب بصفاته، وانشقت بذاتها عن ذاته وصفاته مفطومة من خديج، ليستقيم الهدي والحجيج.
فكان مظهره لمخبره من سلالة من ماء مهين من آدم إلى عبد الله ليكون الرسول الأمين، والقول المتين، وهو عند ذي العرش في المقام المكين.
نطق صدقا، فكان نطقه التنزيل. وأتى فعلا، فكان فعله التخطيط والترتيل، وقام جمعا، قلبا واسعا، طوى القلوب، لا تتسع له، ويتسع لها، وخفض جناح الذل رحمة، فواءم بين قلبه الواسع، والقلوب الصغيرة تأتلف فيه، وتتألف له، حمل نفسه على أن يلتئم معها، ويتحد بها، وهي لم تتهيأ بعد لصلاحية الالتئام به، والاتحاد معه، ولكنه بما أودع الله فيه من رحمته، مُكن ففعل، فكان قدوة أبيه إبراهيم، يوم كان هو له أبوه في سابق بقديم، فكان به إبراهيم أمة قانتا لله حنيفا تجددت به أمة، قانتا لله حنيفا، منه وإليه، بقانون (منك وإليك يا رسول الله)[١]… (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)[٢].
قدَّم الحسنة قبل السيئة، وتألف القلوب بما تهوى، والعقول بما ترضى والنفوس بما يصلحها مما تحب. (هل توافقوني على مقالة، لو قلتموها معي، لكان لكم ملك العرب والعجم والروم)[٣]… وعَد، ونفّذ ما وعد، وقدم لمن أوعد هدية ما وعد، يتألف بها القلوب ويسترضي بها النفوس، ويشبع بها فاقة العقول، فقدّم لهم الدنيا، ليتألف قلوبهم للآخرة، وليرضي عقولهم بالفطرة، وليسكت نفوسهم بالنعمة، وما للدنيا علّمهم وأعدهم ولا على الآخرة قصرهم وفيها حبسهم، ولو كانت الدنيا تساوي عنده جناح بعوضة، ما قدمها لقاليه، وما تألف بها معانديه، ولكنه خاطب الناس على قدر عقولهم، بمنحهم الدنيا ولم يستعملها فتنة لهم، ولكن مزرعة لآخرتهم، ووعدهم للآخرة بالكثير مما هو خير وأبقى. وما كانت الدنيا قيامته، ولا عنها رسالته، ولكنها كانت مقدمة، لما جاء به من الحق لطالبيه، ومن الجمال لعاشقيه، ومن الخير لمفتقريه، ومن العلم لمتعطشيه.
فتح لهم أبواب الدنيا، ليفتح لهم بها أبواب الآخرة، بنشر دعوته، جعل الدنيا مزرعة للآخرة، وجعل الدنيا والآخرة، مزرعة للدين، وجعل الدين طريقا للعلم، وجعل العلم طريقا لليقين، وجعل اليقين طريقا للحق، وقدم الحق لطالبيه، وغفر الذنب لمتابعيه، وفرج الكرب عن مستعينيه.
دانى الناس، باسم العبد لربه، ليكونوا في متابعته عبادا لربه، وهو بينهم الرب، لمن يرعى، ليكونوا في اقتدائه أربابا لمن يرعون، {كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب، وبما كنتم تدرسون}[٤]. ألم يقل لكم من آمنتم به غيبا، ممن آمنتم به شهادة ورسولا له، وحقا منه، (عبدي أطعني أجعلك ربانيا، تقول للشيء كن فيكون)[٥]… (كلكم راع وكلكم مسـئول عن رعيته)[٦]… (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)[٧].
فماذا وعينا عنه، وماذا أخذنا منه؟ (فوالله ما الفقر أخشى عليكم)[٨]… (فأقلكم مالا أقلكم حسابا)[٩]. (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه)[١٠]… (ولكن أخشى أن تفتح لكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها الذين من قبلكم)[١١]… {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل}[١٢]… (أن تنافسوها كما تنافسها الذين من قبلكم، فتأكلكم كما أكلتهم)[١٣]، لا تجعلوا من دنياكم آخرة، ولا تجعلوا من آخرتكم دنيا.
إنكم ستترددون بين السماء والأرض، لمعنى الدنيا والآخرة، وستترددون على الأرض، بقيام وقيام وقيام، لمعنى الدنيا والآخرة، وستتواجدون في السماء المرة بعد المرة، لمعنى الدنيا والآخرة، إن الحق، إن الله، إن الأحد، إن الصمد، لا يعرف شيئا عن الدنيا، ولا عن الآخرة، فكلاهما دنيا، وكلاهما آخرة، إنها دار واحدة عرضها السماوات والأرض، أعدت للمتقين اختبارا لهم في أمر محبتهم.
إن الله لا يعرف إلا عمن كان له، متحررا من سجن الدنيا، متخلصا من فتنة الآخرة، أو متحررا من سجن الآخرة، متخلصا من فتنة الدنيا، فسواء كانت السماء أو كانت الأرض دارا للإنسان فهي سجن لطالب الحق، وما عرف الحق سجينا، وما خاطب الحق قعيدا، وما عرف الحق من كان في يديه أو في قدميه قيد من الطبيعة {كلاّ لا وزر}[١٤].
إن الحق من الله، معكم ما كنتم معه، هو قيامكم ما قمتم به، وأنتم في عزوف منكم عنكم أوزارا ودارا، حرصتم عليه، وما عزفتم عن معيته لكم بمن أوجدكم لنفسه أبوة لكم، معية الحق في أنفسكم، موجودا لوجود فيه، أوجده أعلى لنفسه، موجود وجود به، ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات، في الله ذي المعارج، لقائم ذواتكم منه به إليه.
إن الإسلام، خص المطلق والمنطلق، قياما فيه، أو قياما به بلفظ (الله)، وما خص من المطلق بمن انطلق بهذا اللفظ إلا إنسان الانطلاق فيه، فإنسان الانطلاق فيه، هو المسمى بالروح وبالحياة، لقائم الوجود به من المطلق، في قائمه يُقدَّر حاضرا به، فهو لا يغيب عنه، ولا يغيب به، وهذا ما قدمته الفطرة بدينها على ما أبان إنسان الله في كتابه، بقائم رسوله له، {أقرب إليه من حبل الوريد}[١٥]… {قاب قوسين أو أدنى}[١٦]… {قائم على كل نفس بما كسبت}[١٧].
كشف الغطاء، لمن افتقر إلى العطاء، وجعل الدية لقتلى عشقه، أنانية وجوده بحقه، يتوفى الأنفس بكمالها له، في موتها عنها، وفي منامها معه، لقائم ودائم وجهه لوحدانية بها.
يبعثها بالحق، يوم ينبعث منها، بأسمائه وصفاته، ويحقق لها ذلك يوم تتآلف القلوب على حبه، مع قلب أحبه، فكان للقلوب بيته وقبلته، وللأقدام طريقه ووجهته، وللأيدي فعله وإرادته، وللعيون وجهه وطلعته، قبلة لا إله إلا إله، وقائم محمد رسول الله.
حقق الرسول لقومه ما وعد، وأنذرهم ما أوعد، ففرحوا بتحقيق ما وعد، ونسوا أن يتقوا ما أوعد، وهو معهم، معية الحق لهم… ولكن معية رحمته، معية شفاعته، معية وسيلته ولم يكن لهم معية غضبه ونقمته، كان لهم الصلاة الوسطى، ولم يكن القطيعة، كان لهم الأمر الوسط ولم يكن الفجيعة.
ولكنه وقد صبر معهم، متجاوزا، كل حدود الكرم، واستنفذوا كل حدود الصبر، ولكنه وإن كان حضرة رحمته، هل تضيق بهم رحمته؟ هل ضاق بالضالين، وبالمارقين، وبالنافرين؟ هل ينفذ صبره مع المتكبرين، مع المستهترين، مع الظالمين، مع الطاغين؟ لا بد لهم من قارعة رحمة بهم، (وا عجبي من أناس يجرون إلى الجنة بالسـلاسـل)[١٨]. إنها مكة تستعصي على صاحبها، إنها الأرض، إنها البقعة المظلمة في الكون، إنها المادية تنفر من الروحية.
(إن الله ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر، [ينتقم به ثم ينتقم منه])[١٩].{وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها}[٢٠]… {ولا يخاف عقباها}[٢١]… (أقربكم مني منازل يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون)[٢٢]… (أول من تنشـق عنه الأرض أنا)[٢٣]… {الأرض يرثها عبادي الصالحون}[٢٤].
أمر أن يسكن مزرعة الجنة من الأرض، هو ومن زاوجه ورضيه لنفسه، وألا يقرب الشجرة، شجرة الجنس البشري عليها، إلا بيد رحمة الله، تمتد إلى ثمارها من المؤمنين، أولى بهم من أنفسهم لخلاصهم، وإيوائهم إلى الحق، أمر أن يصبر نفسه، مع طالبي وجهه لأنفسهم، وجها لربه، فصبر، وتولى، وذكّر.
عَلِم وعَلَّم أن الله في دائمه ناصره، وأن الساعة كما كانت لأوله فيما سلف، فستكون لآخره مع من تخلّف، فصفح الصفح الجميل، مدركا منه قربها، ومدركا به أمرها.
{إن الساعة آتية، أكاد أخفيها}[٢٥]، وعليك ما أخفيتها فأنت عِلمها وعَلمها، وبك أقمتها، فاصفح الصفح الجميل.
ولكن الرسول، والساعة منه قاب قوسين أو أدنى في قائم دهره لأبده، ما أراد أن يتخلى عن البشرية، وقد شرّفها، يوم شرّفها الله به، وقد أمره في أزل، {قل إنما أنا بشر مثلكم}[٢٦]، وجعله وحيا منه يوحى لوحي إليه أوحى، جعل له نورا يمشي به في الناس، قائم الأعلى، لقائم عباده له، في قيام به إلى أزل، لقائم حقائقه برسوله أربابا إلى أبد، {فبشّر عباد}[٢٧]، {عباد مكرمون}[٢٨]، {ضُرب ابن مريم مثلا}[٢٩] لهم، (قوم أناجيلهم صدورهم)[٣٠].
أأرباب مع الله؟ بل عباد مكرمون يقولون ربنا الله، عليه في أنفسهم يجتمعون، عبادا للرحمن على الأرض هونا يمشون هاماتهم فوق السماوات، في حقيقة أمرهم لا مستكبرين، ولا مستعلين، فالعلياء عندهم أن يكونوا للناس مدانين، مقاربين، بهم موصولين، لهم مذكرين، بعضهم على بعض جامعين، لقلوبهم مؤلفين، إنهم الرحامين.
إن آدم في أطواره، وإن الإنسان في أحواله وأسفاره، وإن الحق بمثاله، إنما هو الإنسان بمآله، من قائمه بنكاله[٣١].
إن الإنسان أسفل سافلين، وإن الإنسان في أعلى عليين، وإن الإنسان فيما بينهما، إنما هو الإنسان، هو حقائق الحق، ومعارج الخلق، واجتماع الأشتات، وقيام الذات بالصفات، للا إله إلا الله.
فإذا كانت لا إله إلا الله لصفات الإنسان، فالله أكبر لذات الإنسان، يوم يتجمع الإنسان من شتاته، ويتلاقى بصفاته في ذاته باجتماع الإنسان على الإنسان، {وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم}[٣٢]… (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)[٣٣]… و(المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد)[٣٤]… {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه… رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}[٣٥].
فهل فهمنا التوحيد؟ وهل خرجنا حقا من التعديد؟ وهل عرفنا واعتقدنا التفريد؟ إن التعديد والتوحيد والتفريد، إنما هي من أفعال الإنسان بالله وأموره فيه، يوم يتجمع الناس على ذكره، هم به لأنفسهم، متواصين بالحق فيهم، متواصين بالصبر على مرادهم فيه، صبرا منهم مع حقه بهم، إيمانا بالناموس، وطاعة لله، هو الحياة، وهو نواميس الحياة، وهو قوانين الوجود.
إن دورة الدم فيك، بكرات الدم البيضاء والحمراء، في مسالكها بهيكلك، من جنتها بالنخاع الشوكي إلى دور عملها بالجسد وإلى الحطمة في الكبد والمصحة فيه كما يوجهها المنظم بالقلب، إنما تقوم في ظل ناموس لا يخطئ لا سلطان لك معه، إنها مملكة الله وسلطانه، إن الطاقة العاقلة بك المدبرة المريدة بإراديّها ولا إراديّها تأتي إرادتها، وتوجه في أمرها، في ظل قانون لا يختل، وناموس لا يعتل. إن جسدك من المادة لا طاقة فيه، ولا إدراك له، ولكن الطاقة المحركة له، إنما هي روحك، والإرادة المخططة لك، إنما هي عقلك. فما تكون ذاتك؟ إنها عالم وجودهما ولا حركة له إلا بهما، وعلى مثال من ذاتك ذات الكون من حولك.
إن طاقة العقل فيك، وطاقة النفس لك، هي ما اصطلحت عليه، من القول بالرب والعبد، لمعانيك في الله، وإن دارهما بماديك لهيكلك، هي ما اصطلحت على تسميته بالوجود.
فأنت بوجودك، فرع عن هذا الوجود من حولك في طريقه لاستكمال نموه إلى قائم أصله، يوم يبلغ سن الرشد، وأنت بطاقة نفسك، شرارة مقدسة، من نار الله الموقدة، بوركت بها، أنت يا من في النار تأقلمت، يوم أحييت نفسك، فاجتمع عليك غيرك، ليصطلوا نارك، ويقبلوا نيرك، يوم يكونون في جوارك، فيبارك من في النار ومن حولها، نار من نار، لمعنى القدرة والطاقة، والحياة، فيشعل الناس مصابيح صدورهم، من مجمرتك[٣٦]، ليضيئوا مشكاة صدورهم. إن النار تأكل من ليس منها، إن النار تأكل الحطب، فكن نارا، ولا تكن حطبا، {فقال لأهله أمكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى}[٣٧] {أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها، أم نحن المنشئون}[٣٨]، رجع منها بقبس، ووجد عندها هُدىً.
إن الإنسان، للإنسان هو النار والنور وهو النار والحطب، وهو حمالة الحطب، {تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب}[٣٩]، {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة}[٤٠]… {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا}[٤١]، سبحان الله، إنه أبو لهب، إنه آدم النار، إنه رجل العزة والكبرياء، إنه من عشيرة من جُعل رحمة للعالمين، إنه من الرسول خير الناس لأهله، إنه قطعة من الرسول، لحمته منه وإن نتنت، والعرق منه وإن مال، وإن الرسول، راحما منعما، مَلّكه النار لأمر نفسه مُشعلة من مولاه، يوم قلاه، وقال خذها يا أبا لهب، خذها ونحن الآسفون، أننا لا نستطيع أن نعطيك أكثر من ذلك، إنا تخلقًا بأخلاق الله، نعطي بغير علّة، فلا تظن أننا نعطيك من عندنا، إنما نعطيك من أمر ربنا، فلا تظن أننا نشينك أو نهينك، ولكن هذا نصيبك، والله هو المعطي وأنا القاسم، وكم كنت أطمع أن يكون قسمك خيرا من هذا.
وعدهم الدنيا، نارا يصطلونها، وما أراد هلاكهم، ولكنه أراد مودتَهم، أليس أبو لهب، من بين من عرض عليهم، من عشيرته الأقربين، الدنيا والدين، يوم يتابعونه، ووعدهم الله لأنفسهم وجوها له، يوم يصدقون؟
ليس هذا غريبا فلا تستغربوه… تأملوا كتاب الله، وهو يقول لكم، رحمة بالذين آمنوا {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن، لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون}[٤٢]، والرسول متخلق بأخلاق ربه، وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا، وهؤلاء أقوام عجلت لهم خيراتهم في الحياة الدنيا، وما متاع الحياة الدنيا إلا قليل، وما الحياة الدنيا في الآخرة، إلا كتاب ودليل، وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع أهلها، وما الحياة الدنيا لأهل الدنيا، إلا متاع الغرور، إلا فتنة لمن زين لهم حب الشهوات من النساء والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث.
إن الحياة الدنيا، في الحياة الآخرة، مملوكة ملك اليمين عند من قام بالحق لدنياه وأخراه في الآن الواحد، {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون، وخلقنا لهم من مثله ما يركبون}[٤٣].
إن الرسول، إن عبد الله، إن رسول الله، ما كان للناس، وللوجود، وللكائنات، في أزل بحقيقته إنسان الله، إلا حقَ وجودها من الله، وما كان لها في أبد إلا بشرى كسبها من الله لإنسانية الله، في متابعة إنسانه، كلما بدأ بجولة ببداية بآدم في سفور وملاحقة لها به منه إليه.
ولكن أدعياء الانتساب إلى آدم الأنبياء والنبوة، يريدون أن يطفئوا نور الله به، وإن الله له، وإن الله به، وإن الله بمن كان له، ومن كان به لن يمكنهم من ذلك، إنه متم نوره للناس بهم في متابعته بمتابعيه ولو كره الكافرون.
إن الله، جاعل له دورة دائبة، لميراث الأرض ومن عليها، بالصالحين لحياة الطريق إلى الله به، قياما عليها بقيومه وتخليا عنها لقائمه، هديا واختبارا لمن هدى، لكشف وجزاء من اهتدى.
ويوم يرثها الصالحون ومن عليها، قياما بالدين، يظهرون رسلًا غير ذي عوج يُتَّبعون، أئمة صادقين، ومصابيح نور الله مشرقين، ورواسي الأرض للاجئين، وبيوت الذكر للطالبين، وأحواض الحياة للراوين، وكتب العلم للمتفقهين، واستقامة الطريق للسالكين، وأبواب الحضرة للطارقين، وقبلة اللقاء للآوين، ووجه الله للمصلين، للذين هم، عن صلاتهم غير ساهين، وفي حكمة الصلاة صلة، بين الأعلى والأدنى بالعروة الوثقى وفي دائم الصلاة الوسطى قائمين، وهم عنها في دائم لا يتخلون، حياة الطريق، وقبلة المصلين، في الناس وبين الناس مغمورين. صمام القلوب، عليهم يجتمع الأحياء وطالبو الحياة من المصلين ومن الواصلين.
قوم على الله، في معيتهم، لا ينكرون، وعلى رسول الله، كوثر قيامهم، لا يجحدون، وله في كوثرهم، يشهدون، وبه يؤمنون، وعليه لقلوبهم يحرصون، ولعقولهم، لمرتقى بعد مرتقى فيه يتواصون، أعلام لا إله إلا الله، ينتصبون، ونصب ذكر الله يقومون، وإلى قلوبهم لقلوب الناس، بيوتا لله، يشيرون، ساحات لله يدخلون، وكنوز قلوبهم لهم يفتحون، ذلك لمن لا يراؤون أنفسهم، ولا يراؤون الناس، ولا يراؤون الله بما يتحدثون.
هذا دين الإسلام، يوم تسلمون، وهذا دين الله، يوم تتقون، وهذا دين الحق، يوم أنكم بالحق تقومون، وهذا دين العلم، يوم أنكم بالله وبذكر الله وبالعلم عن الله إلى الناس تتحدثون، ومعهم بالحق تتواصون وعلى الحق تجتمعون، قيمة بينهم بهذا الدين تقومون، ونصبا للدين تعرفون.
فهلا جددتم إسلامكم أيها المسلمون، وهلا جددتم إيمانكم أيها المؤمنون، فأسلمتم بإسلام المسلمين، وآمنتم إيمان العارفين فعرفتم أنفسكم كتبا للقارئين، ولقراءتكم أجمعين، يقدمها لكم في عصركم الروح الأمين فسلكتم طريقكم مع أهل البصائر، وتخلصتم ممن يسجنونكم في نفوسهم وعقولهم في سجون الحظائر، من حظائر شهواتهم ونزواتهم لحظائر شهواتكم ونزواتكم.
(من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك ومن دلك على الله فقد نصحك)[٤٤]… (لا تُصاحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله)[٤٥]… (المؤمن مرآة المؤمن)[٤٦]، (المؤمن مرآة أخيه)[٤٧]، (المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[٤٨]
اللهم، بمن جعلته حوضا للورود، ووجها للشهود، أوردنا وأشهدنا.
اللهم بمن جعلته نُصبا للحق، وعَلَما على الحق، وبيتا للحق، فبنُصبه طوّفنا، وإلى بيته ألحقنا.
اللهم بمن جعلته قبلة للعارفين، وكتابا للقارئين، وحياة للسالكين، ومعراجا للعالين، ومآلا للصادقين… اللهم به فألحقنا، وله فتبّعنا.
اللهم بمن تواجدته كوثرا في كل وقت وحين، به تكاثرنا، وبه حققنا، وبه جددنا، وبه فابعثنا.
اللهم به فآمنا، في أوطاننا، وفيما كان منك لنا. اللهم به فادفع عنا، اللهم به فتولَنا، وبه ولِ بنا من به يتولانا، فيحيي فينا منك معنانا، ويجدد برحمتك منك مبنانا، نعرفه مولى لك ومولانا، فنقوم لا إله إلا الله، بمعناها لمعنانا، ونقدر الله حق قدره، بالأكبر لمرتقانا، عليا، لعلي، لا ينتهي علاه لعلانا، ولا تتوقف عن التواجد دناه لدنانا، حتى نكون به عبادا لك، يوم نكون عبادا له، لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
مصادر التوثيق والتحقيق
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
من صيغة التشهد في الصلاة المنسكية. ↩︎
إشارة إلى عبارة جاءت في كتب السيرة النبوية المختلفة، بتعبيرات متعددة، عن اليوم الذي دعا الرسول صلى الله عليه وسلم قومه للإسلام ومما قاله لهم:" يا بني عبد المطلب إن الله بعثني إلى الخلق كافة، وبعثني إليكم خاصة فقال عزوجل: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ. أنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب والعجم وتنقاد لكم بهما الأمم، وتدخلون بهما الجنة وتنجون بهما من النار: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله…"، تفسير الطبري، وشواهد التنزيل، وتفسير البغوي، وتفسير ابن كثير، والطبقات، وتاريخ دمشق، وتفسير الثعلبي. ↩︎
سورة آل عمران - ٧٩ ↩︎
حديث قدسي يرد في بعض كتب المتصوفة والشيعة، جاء في الأثر بلفظ “يقول الله عبدي أنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون، فأطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون”. ↩︎
من الحديث الشريف: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
حديث شريف. أخرجه الترمذي في صحيحه، والدارمي ↩︎
حديث شريف: “فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم.” صحيح البخاري. ↩︎
حديث شريف ذات صلة: " اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب." رواه أحمد. ↩︎
من حديث شريف: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه. (رواه الترمذي) ↩︎
حديث شريف: “فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم.” صحيح البخاري. ↩︎
سورة الروم - ٤٢ ↩︎
اُنظر الملحوظة قبل السابقة. ↩︎
سورة القيامة - ١١ ↩︎
سورة ق - ١٦ ↩︎
سورة النجم - ٩ ↩︎
سورة الرعد - ٣٣ ↩︎
حديث شريف: “عجِب اللَّه من قوم يدخلون الجنة في السلاسل.” صحيح البخاري. كما جاء بلفظ “عجبتُ لأقوامٍ يُقادونَ إلى الجنةِ في السلاسلِ وهم كارهونَ.” أخرجه ابن الأعرابي في معجمه، وأبو نعيم في حلية الأولياء. ↩︎
حديث شريف ذات صلة: “إن الله ليؤيد هذا الدِين بالرجل الفاجر.” أخرجه البخاري ومسلم… وعبارة “ينتقم به ثم ينتقم منه” للسيد رافع. ↩︎
سورة الاسراء - ٥٨ ↩︎
سورة الشمس - ١٥ ↩︎
حديث شريف: “إن أحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إليّ المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة”. أخرجه أحمد والطبراني وابن حبان. ↩︎
من الحديث الشريف: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ.” صحيح ابن ماجه. ↩︎
سورة الأنبياء - ١٠٥ ↩︎
سورة طه - ١٥ ↩︎
سورة فصلت - ٦ ↩︎
سورة الزمر - ١٧ ↩︎
سورة الأنبياء - ٢٦ ↩︎
سورة الزخرف - ٥٧ ↩︎
من حديث شريف: “صِفَتي أحمدُ المتوكِّلُ، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، يجزي بالحسنةِ الحسنةَ، ولا يكافئُ بالسيئةِ، مولدُه بمكةَ، ومُهاجرُه طَيبةُ، وأُمَّتُه الحمَّادون، يأتزِرون على أنصافِهم، ويوُضِّؤون أطرافَهم، أناجيلُهم في صدورِهم، يَصفّون للصلاةِ كما يصفُّون للقتالِ، قربانُهم الذي يتقرَّبون به إليَّ دعاؤُهم، رُهبانٌ باللَّيلِ لُيوثٌ بالنَّهارِ”. أخرجه الطبراني. ↩︎
كلمة “نكال” في اللغة العربية تعني عقوبة أو عبرة أو جزاء يردع عن فعل ما. وتأتي بمعنى العقاب الشديد الذي يكون بمثابة تحذير لغيره من ارتكاب نفس الفعل ↩︎
سورة الأنفال - ٦٣. ↩︎
حديث شريف: “المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بيْنَ أَصَابِعِهِ”. صحيح البخاري. ↩︎
حديث شريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” صحيح مسلم. ↩︎
سورة النور - ٣٦ و٣٧ ↩︎
المجمرة هي وعاء يُستخدم لوضع الجمر أو الفحم المشتعل فيه، سواء لأغراض الطهي، أو التدفئة، أو التبخير. ↩︎
سورة طه - ١٠ ↩︎
سورة الواقعة - ٧١-٧٢ ↩︎
سورة المسد - ١-٢ ↩︎
سورة الحشر - ٢٠ ↩︎
سورة القصص - ٧٧ ↩︎
سورة الزخرف - ٣٣ ↩︎
سورة يس – ٤١و٤٢ ↩︎
مقولة للشيخ ابن مشيش. ↩︎
من الحكم العطائية. ↩︎
حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎
حديث شريف: “المؤمِنُ مرآةُ أخيهِ، المؤمنُ أخو المؤمنِ يَكُفُّ عليهِ ضَيْعَتَه ويحوطُه مِن ورائِهِ.” أخرجه أبو داود والبخاري. ↩︎
حديث شريف: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎