(١٧)
الحق الواحد الأحد
بالعبد وربه
في الله ذي المعارج
حديث الجمعة
٢٥ رمضان ١٣٨٦ هـ - ٦ يناير ١٩٦٧ م
بسم الله نقوم، وبرب الناس نعوذ، فالحق لله بنا نشهد، وعلى الرسول فينا نجتمع، ومعه نتحد، وإليه ندعو، وأعلاما له نقوم، وأعلاما عنه نبين، وبالحكمة نتحدث، فمع معروفنا به نتواجد، ومع طالبيه حقا نتوحد، وله في مطلقه لمطلقه نوحد، لا نجد له غيرا فنجحد.
به على أنفسنا ننتصر، وبرحمته ندَّكر، وإلى أحضان حنانه نأوي ونُآوي ونتآوى[١]. نشهده لمطلقه لا شريك له، ونعلمه بمطلقنا لا غير فيه، أينما نولي فوجهه، وكيفما نقوم فأمره.
إن إلينا في أنفسنا اتجهنا ففي القلوب نلاقيه. وإن نظرنا في الكون من حولنا، فجمال وجهه نرتئيه… هو لنا، نحن فيه، ونحن له، لا شريك له منا، ولا سلطان لغيره علينا. هو كل كلنا وجوها له، ولسنا كل كله قياما به، ولكن حقائقه وعبادا له، وبنا له لا غير له.
بالأرض تقلنا بيده، وبالسماء تظلنا يمينه، وفي القلوب يتواجدنا أمينه، لا نعرف في الوجود غيره، ولا نرى في وجودنا ما يغايره، لا إله غيره بوجوده، هو العابد والمعبود، هو الرب والمربوب، هو الظاهر والباطن، هو الناظر والمنظور هو الموجد والموجود، هو الخالق والمخلوق.
عَلَّمنا مُعلمنا، على ما عَلِم، فعلمناه من نَعلَم، ولاقيناه من نطلب، وتوحدنا معه من نوحد. كان لنا ما كان لعاليه له، يوم كنا له فيه، فكاننا، وكناه، وكنا به إخوانَنَا، وكاننا بحقه إخوانُنا، فلا تآخي بيننا، ولكنها الوحدانية لنا، في الوحدانية له، بالوحدانية مع من توحد به، من كان له الحق منه للحق عليه.
به شهدنا لا إله إلا الله فأعلناها، فقامها من رضي بنا، أن يكون معنا، لا إله إلا الله، فعرفَ رسولَ الله، وإمام الوجود قائمَها.
وإننا ما كنا لا إله إلا الله، إلا به قائم لا إله إلا الله. وما عرفنا الله، إلا يوم أشهد وأعلن، يا لا إله إلا الله، يا أمة لا إله إلا الله، يا قائمَ لا إله إلا الله، يا فطرة لا إله إلا الله، يا صبغة لا إله إلا الله، لن تكونوا عبادا لله، ما لم تشهدوا الله أكبر، ارفعوا شعار الله أكبر، يستقم شعاركم لا إله إلا الله.
فبلا إله إلا الله، تكونون عبادا لله أكبر. فبلا إله إلا الله والله أكبر، تقومون في الله ذي المعارج، تعرج إليه الملائكة لأنوار عقولكم، والروح لسر وجودكم، في أطوار الحياة لحي معانيكم، بعيدة عن أوزاركم بمبانيكم، متحررين من أحمالكم بواسعكم، إلى واسع وجوده، لتستقبلوا عطاءكم من جوده، لا يجذ ولا يتعطل.
أنتم عقولكم، ولستم أنفسَكم بأبدانكم… أنتم روحكم، ولستم هياكلَكم بترابكم… أنتم لابسو الجلباب ولستم الجلباب، جلابيبكم بكوثرها لكم أمتُه وعبده، وحقُكم لمعانيكم بكم وجهُه وحقه. أنتم بجماعكم وجودُه وأمره… أنتم سره وجهره… أنتم الممتطِي وظهره.
أنتم الحيوان وراعيه، أنتم البستان ومالكيه، أنتم الجنة وساكنُوها، أنتم النار ومُشعلوها. أنتم الشمس وما تُشرق عليه، أنتم الكواكب ومن يقومُ عليها، أنتم السماوات وما يعرج بها، أنتم الآيات، وما يكمن من الحكمة فيها، أنتم كتابُ الوجود وصحفه… أنتم أقلام الحكيم وألواحه… أنتم عين الحكيم وما أحكم… أنتم عين الموجود وما أوجد.
كل هذا تأتيكم به لا إله إلا الله، والله أكبر، يوم تعرفونها لرسول الله، فيجعلها لكم برحمة الله به، حقا ورسولا بالحق إليكم.
جعله إلهُ الوجود، إله الشهود، إله السر، إله الجهر، إله قلوبكم، إله عقولكم، إله قوالبكم… جعله رحمة لكم، جعله رحمة للعالمين، جعله رحمة للصغير والكبير، جعله رحمة لكل تقييد وإماما لكل انطلاق.
يحرره من قيده، ويُطلقه في معارج سعده، يوم يتواجده لنفسه في معراجه، شعارَ الإرادة والحرية، في شعار القدرة والوحدانية، شعارَ الإطلاق، جواز السفر والانطلاق، بطاقة التموين والعطاء وحسن الجزاء، سبيل الوصول، طريقَ كل رسول.
هو الرسول لكل مرسَل، وهو الدليل لكل دال، وهو المحرر لكل سجين، وهو الضامن والضمين، لكل مسيء، ولكل عليل، هو لكل مُذنِب، ولكل مخطئ بالعفو والمغفرة كفيل. رحمةً للعالمين حقا.
هو الشهيد على الشهداء، هو للمؤمنين عليهم ولهم وبهم شهيد… هو الحكيم للآباء والأب للحكماء، وهو جديدهم بالوليد، هو الإنسان لكل إنسان، والآدم لكل آدم، عبدا للأزل وربا للأبد، لا يحيا من لا يحياه، ولا يحكم من لا يقوم في حكمته، ولا يشهد ربه من لم يشهده لنفسه. به يُشاهد فنفسَه لله يَشْهَد، يوم يكون يتيما يأويه، فيعرفه يتيما، ويعرف من يأويه. إلى الله عبدا ينتسب، وهو في الله حقا وربا، عنه الله لا يحتجب، وهو للمؤمنين عنهم اللهَ لا يحُجب، ولكن الناس بتربيب أنفسهم على معانيهم بمجانبته، عن ربهم نفوسهم تُحجب، وعن ربها لها معها تنحجب.
هو اللطيف، لمن طلب اللطيف، وهو الذات الكثيف، من الروح اللطيف، لمن طلب ذاتَه بعد انطلاق، ولمن تحرر من كثافته في ثوب الخدعة والنفاق، ثم رجع لوجوده برسالته، آبا وروحًا تجسد، وبشرا تمَثَّل.
أنتم بالذات والروح، أنتم أشباح لأرواح، أنتم في ليل ينتظر إصباح، أنتم في منام ينتظركم[٢] صحو وقيام، فلا تضيعوا أنفسكم يوم الزحام، يوم ينكشف الأمر في عالمكم لسائر الأنام، يوم يُسفر صاحب الدار، فيعرف الجاحدون لمن عقبى الدار.
إنه الجواز للسير والمثول، إنه نور القلوب والعقول، إنه النور المجرد باسم الرسول، إنه اسم الله المفرد باسمه لقائم الحق المنفرد، بالحق سماه فسَمَا وتسامَى، سماء لا تُنال، ومآلا ليس له في الوجود مثال، إلا بما أوجد لنفسه، وجدّد في أمره، بيتًا وآل، كتبا لقائم الآباء، وأناجيل للأنجال من الأبناء، هي له الطابع والخاتم والمثيل، بعترة من أبناء، بَعْثَ الآباء، ودوامَ الرحمة، ويدَ العطاء، وجنة الجزاء.
يدان مبسوطتان، بالعطاء والجزاء، بالرضاء والابتلاء، بالحرمان والوفاء، يدا الله، كلتا يديه يمين، يدا إنسان الله، لا شريك له، ولا شريك لله به، ظاهرا لباطن، وباطنا لظاهر.
هل آمن الناس برسول الله قياما في الله، لله في أنفسهم؟ هل عرف الناسُ رسولَ الله لهم، في كل وقت وحين؟ هل رضي الناس رحمة الله؟ هل مدَّ الناس أيديهم ليد الله؟ كم امتدت إليهم من السماء، وكم امتدت بهم لهم من أنفسهم، فامتدت إلى قلوبهم نورا، جعلته علما وحكمة، وامتدت إلى نفوسهم نارا مقدسة، جُعلت شعلة وقوة، برزت بها الفتوة، لأبناء الأبوة.
إنه رسول الله دائما وأبدا، إنه محمد، محمد دائما وأبدا، محمد قديما وأزلا. إنه رسول الله. ما كان محمدٌ إلا رسولَ الله، وما كان رسول الله إلا محمدا. ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وطابع كل نبي، هم له ظلال ودثر بحال. كان اسما لكل نبي قام برسالة من قبله أو من بعده باسمه رسول الله، وكان قلبَ كل نبي قام محمدًا، من قبله به بَشَّر، وعنه أنبأ النبأ العظيم، ومن بعده عنه عرف. وإليه تعرف، مالك يوم الدين، له عقبى الدار، الرحمة لمن كان منه في الجوار. والنقمة، والفتنة، والعدم، والهلاك لمن لم يطعم من مائدة المسكين، ولمن كذَّب أو دع هذا اليتيم، أحدا بكوثره، أمرٌ يتكشف في يوم الدين لمخبره.
وما يوم الدين إلا يومَ يأتي الناس رسولا من أنفسهم باليقين، أمرا سافرا لكل عين، يوم تتفجر عيون الأرض بماء الحياة من قلوب الموحدين أحواضا يعلم كل أناس مشربهم، وتشرق بهم مصابيح السماء بنور الله إرشادا، وتشاد صروح بيوت الله من لبنات النفوس متراصة رواسي الأرض، إقامة واستقامة ورشادا.
إنه الإنسان لكل إنسان، إنه الناس لكل الناس، إنه الآدم لكل آدم، إنه الآدم لجماع الأوادم، إنه الوجود لكل وجود، إنه التواجد لكل متواجد، إنه الواسع لكل متسع، إنه القريب لكل مقارب، إنه البعيد عن كل مباعد، إنه الحق من الله لكل مفتقر إلى الله، إنه الهدي والرسالة. إنه الحياة ونبعُ الحياة، وينابيع الحياة، وميازيب الحياة، وأرض الحياة، ونور الحياة، وسكينة الحياة، ونعمة الحياة. وهو لمجانبه لنفسه حسرة الحياة. فما تحسر على الحياة مفقودة إلا مُجانبه، وما فقدها إلا مغالبه، وما كسبها إلا صاحبه وطالبه.
إنكم في هذا العصر في يوم من أيام الله به، وإنكم في ساعة من ساعات الله لساعته، السماوات تُرهِص، ونُفوسكم تُرهَص، ومجتمعُكم يضطرب ويرهَص، والحق عنكم يحتجب، والنور من بينكم بأهله يغيب، لأمركم يضطرب.
أنتم في يوم لا بيع فيه ولا خلال… أنتم في يوم من أيام أمره عنكم يحتجب ومن بينكم يرفع. أتى أمر الله فلا تستعجلوه، ولكن بالحق والصبر تواصوه، ولكنكم تعجلتموه، وفي السير في طريق الحق استبطأتموه، وأحواضه بينكم كلما ظهرت إليها ما سارعتم، وبآياته كلما أسفرت كفرتم، ولكلمات الله كلما اعتلت منبرا أنزلتم، وكلما نطقت حكمة حرفتم، وكلما كتبت لكم ألواحا محوتم، وأقلامها قصفتم، وألواحها مزقتم.
فإلى متى! وإلى متى! وإلامَ الأمر يكون! عادت السماء لسافر بظهور، وبأيدٍ من نور، تمتد إلى الأرض ولكن أهل الأرض ما زالوا في حالهم من الفجور.
إنها أيدي من السماء، إنها من أبرزت مصابيحَ الأرض بينكم من الأنبياء، إنها من أعلت أوتاد الأرض لكم من الحكماء، إنها من أنزلت السكينة على قلوبكم من العارفين والعلماء، إنها روح الله لكل آدم، إنها روح القدس لكل عليّ، بأقداسها لها في كل ولي.
إنها الحق وركب الحقائق، بأرواحها لها، لأرواحكم لكم، يوم تلبونها، ويوم تجُيبكم إذ تنادونها. تسارع إليكم يوم أنكم تسارعون إليها. جاءت لجمعكم، ولمفرداتكم، يوم تتلاقون على الله بذكره متواصين، للحق طالبين، وللنور لظلامكم مفتقرين، وللروح لماديكم متعطشين، وللحكمة لعقولكم ناشدين.
جاءتكم روح الله بالحكمة وجاءتكم باليقين، جاءتكم بالعلم وجاءتكم بالبيان المبين، جاءتكم بالمعرفة وبَعَثت بينكم العارفين، ممن تعلمون وممن لا تعلمون.
فما يكون بعد عندكم الدين؟ وما يكون يوم الدين؟ أفلا ترتضون الدين إلا من راجم به ظنين! إذا لم يُقبَل الدين من أهل اليقين، فممن يُعرف الدين! فأي دين تريدون، وأي دين تطلبون، وأنتم باسم الله، ألسنتكم تحركون، وباسمه تلوكون، ولا واقع له فيما تقومون، ولا فيما تشهدون!
{هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك. يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا}[٣]… {ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها}[٤]… {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}[٥].
إن الذي حدثكم من الأرض، رسولا من أنفسكم، ما كان إلا روحا تمثل بينكم لكم بشرا سويا، وظهر لكم بينكم، مثالا مرضيا، مقاربة الحق لعالمكم في بقعة الظلام، من إنسان وجوده، وعلم جوده.
إن دحية الأرض لإنسانها الكبير، محدث إنسان ربوبيته، مضغة قلبه المظلم الغير مخلقة بعد لرأسه بعقله المنير المشرق. فهلا أشرق هذا القلب بالحياة بنور ربه… هلا أشرقت الأرض بنور ربها.
هلا أشرقت قلوبكم أرضا لنفوسكم بنور ربها، وما كان ربها فيكم إلا عقولكم لكم. وما كانت الأرض بدحيتها، إلا صنوبرةَ قلبٍ مظلم، لكبير إنسانها، هي لمثالكم، وأنتم لمثالها.
قام عليها منشقا عنها إنسانها وجها لمن وجَّهه منه رسولا له هو الأعلى لكبير إنسانها. فعكف على ما في قلبه، نظرا إلى ما في نفسه، وقد استجاب لأمر الأعلى لقائم ربه، {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[٦] فَعَل، على ما في أزلٍ فعل، وعلى ما في أبد يفعل {رسول من أنفسكم}[٧].
فهل تابعتموه على ما فعل، ولم يفعل لكم ما فعل له، ولم يسوي الأعلى بينكم وبينه عـلى ما عرفتم من مكانته وفضله، وعلى ما بقائم البشرية شرفتم شرف قيامه منها بها فيها؟!
ظهر بشرا وكان عن الأعلى خبرا، وقام بينكم له ذكرا، وتواجد في قلوبكم إشراقا وفجرا. هل قَبله المظلمون في لياليهم، ولم يشرق فجره على قلوبهم لبعث معانيهم؟ هل مروا في التجربة؟ هل قبلوا التذكرة؟
خيركم من شاء فبالقلب ذكره، فكان به علمه وخبره. وليس ذلك الذي ذكره بلسانه، وأخرسه بجنانه… فهل ذكره من لم ينطق قلبه باسمه؟ ومن لم يخشع قلبه لذكره؟ ومن لم يضطرب قلبه بحبه؟ ومن لم يختلج عقله بأمره، ويحار وعيه في شأنه؟ هل اهتدى من لم يهده بالله قلبه، ومن لم يشرق بنور الله عقله؟ {من يهد الله، فهو المهتدِ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا}[٨].
من يهدى اسم الله فهو المهتدي، من يهدى ذكر الله فهو المهتدي، من يهدى حق الله، فهو المهتدي، من يهدى رسول الله فهو المهتدي، ومن لم يهدى هادي الله، فما له من هاد.
{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[٩]… {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة}[١٠]، لا على حصيرة أو من تغبيرة[١١]، أدعو إلى الله بقلب سليم… أدعو إلى الله بقلب مشرق… أدعو إلى الله بقلب منير… أدعو إلى الله على بصيرة، أنا ومن اتبعني. نعم {إن شانئك هو الأبتر}[١٢]، فقد {أعطيناك الكوثر}[١٣]. تقوم وتتقلب في الساجدين، ظلال موجودك حقا لنا.
إنكم في هذا العصر، وفي قائم هذا الأمر، من رسالة الروح، رسولا إليكم، يقوم الروح برسالته إجلالا وجلالا لرب العالمين، مالك يوم الدين، فيعرفكم من كان رسول الله بينكم بخلقه لخلقكم وبحقه لحقكم، ويعرفكم من يكون رسول الله لكم ومن يكون رسول الله عليكم، ويكشف لكم عمن بقي ويبقى منكم في جلال قيامه بحقه وخلقه، بروحه ونوره لقائم الله بكم، رسولا من أنفسكم، لدائمه في حقي أمره، ويكشف لكم عن وجه ربه وربكم، وقائم وقيوم أمره لكم وعليكم، {فلله الحجة البالغة}[١٤].
إن رسول الله وهو بينكم، وكلما قام من قبله ومن بعده، رحمة مهداة لكم، عرَّفكم عن ربه وربكم، وإلهه وإلهكم، وعن خلقه وخلقكم، وعن حقه وحقكم. عرفكم عن الله، وقامت رسالته للتعريف عن الله. ولكن رسالة الروح وهو الحق من الله تقوم الآن، لا لتعرفكم عما عرَّف عنه رسول الله، ولكن لتعرفكم عما كانه رسول الله، من قائم الله، وعلى ما أنتم من حق الله على ما عَّرفكم هو عن قائم الله، وعلى ما بشركم به له ولكم، به وبكم.
هل قام رسول الله بينكم بغير الله؟ وهل كان رسول الله إليكم، غير اسم الله، قام لشهودكم ذكرا محدثا، لقائمه به ذكرا قديما، قياما وبعثا لقيومه، لقديم قديمه وجديد جديده، ذكرا لا ينال ولا ينقطع منه المثال؟
كان ظاهرُه له مثال المثال، ها هو الروح يقوم لرب العالمين، فيكشف عن الذكر والمذكور، لقائم الذكر، ويجدد بينكم ما قام به رسول الله، من القيام والتعريف عن القائم للقيوم في موجود الله.
إن الله، عند الروح، على ما هو عند الرسول، على ما هو عند آدم على ما علم في حال اصطفائه واجتبائه، وعلى ما هو عند كلمات الله إليه، ومن أبنائه، يوم يحققون لأنفسهم شرف البنوة له، حاملين إليه جديد معرفتهم، بعد انطلاقهم بالمولد منه في داره من السماوات والأرض لهم، خروجا من الكنود، وقياما في السجود لإنسان وجوده بوجودهم، إن الله عندهم جميعا هو قلب كل شيء، والظاهر بكل شيء، والباطن في كل شيء.
ظهر بالأشياء، وتكنز فيها، فاختفى عليها عنها، به معها، فما عرفته، فلما انعكست الأشياء إلى نفسها، ظهرته، فعرفته، وفيها لقيته، وبه فيها بالقلوب تآلفته، واجتمعته، وعرفته.
فهلا أحييتم أشياءكم بإحياء قلوبكم… وهلا اتجهتم إلى مصدر الحياة بالاتجاه إلى أعماقكم… وهلا سكنتم إلى الله، في معيتكم في بيته بقلوبكم فاستغنيتم به معروفا ملاقىً عن كل ما سواه، {أليس الله بكاف عبده}[١٥]. أما يكفي عبد الله أن يكون اسما لله، ربانيا يقول للشيء كن فيكون؟ لا إله إلا الله، لا قوة إلا بالله.
اللهم يا من بمحمد عربيا، شرَّفت العروبة، اللهم يا من بمحمد كتابا، شرفت أهل الكتاب، اللهم يا من بمحمد قرآنا أقرأتنا، فكشفنا ظلام الحجاب، اللهم يا من بمحمد، حجاب رحمة منك، فيه أدخلتنا، فبالرحمة وفي الرحمة شهدتنا فأحييتنا، وبها أشهدتنا فأبقيتنا.
اللهم يا من بمحمد عالما، علمتنا، اللهم يا من بمحمد عليك عَلَمًا، أعلمتنا، اللهم يا من بمحمد قلبا، أشرقت في قلوبنا، اللهم يا من بمحمد عقلا، أنرت عقولنا، اللهم يا من بمحمد حكيما، أحكمت أمرنا، ويسرت سبيلنا.
اللهم يا من بمحمد حقا، حققت قلوبنا، وطورت قوالبنا، وبعثت معانينا في قائم مبانينا، فأخذنا كتبنا بأيماننا وبأيدينا، وقدمناها إعلاما عنه لمعانينا، وشرفا منه لمبانينا، ونورا منه لمن يرتضينا، فكنا البيوت والمدينة، وكنا الجهاد والسكينة.
كنا الحياة لناشديها، وكنا النجاة لطالبيها، وكنا الطريق لسالكيها، وكنا النفس العذرية، لمن لنفسه يرتضيها، فيقوم بها مسيحا فيها.
كنا الكلمات وجماعها، كنا الآيات واجتماعها، كنا الرحمة وبحارها، كنا الحكمة وكتبها وأقلامها، كنا الأشياء وأحياءها، كنا الحياة وأشياءها، ألسنا لمحمد، ولمن ارتضاه، ولمن جعله معنى في معناه، ولمن حقا للهداة هداه؟
اللهم به فانشر حياة القلوب منا، وحياة القلوب لنا، وحياة القوالب به لعوالمنا، واجعل منه نور وجودنا ونور عالمنا، واجعلنا فيه، لا نخرج منه، ولا ننزلق في الطريق خلفه في أوحال التوحيد، لأُمِنا هاوية، بنفوسنا عاوية.
اللهم به منها فأمنا، ومن ظلمها فأعذنا، ومن فتنتها فاحفظنا، ومن الظالمين فخلصنا، ومن المضلين فأنقذنا، اللهم اجعلنا له في دنيانا وفي أخرانا، وفي مبنانا وفي معنانا، وفي كل ما أنانا.
اللهم به فأشهدنا لا إله إلا الله، وبك فأشهدنا محمدا رسول الله، اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا بما كسبنا، اللهم به فادفع عنا، اللهم به فحررنا وأقمنا، اللهم به فوفقنا واحفظنا.
لا إله إلا الله محمد رسول الله.
مصادر التوثيق والتحقيق
تم تشكيل بعض الكلمات، وعلامات الترقيم، وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع. ↩︎
هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎
سورة الأنعام - ١٥٨ ↩︎
سورة البقرة - ١٠٦ ↩︎
سورة الإسراء - ٧٩ ↩︎
سورة الذاريات - ٢١ ↩︎
سورة التوبة - ١٢٨ ↩︎
سورة الكهف - ١٧ ↩︎
سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎
سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎
هذه الكلمة ليست واضحة تماما في كل النسخ. ↩︎
سورة الكوثر- ٣ ↩︎
سورة الكوثر- ١ ↩︎
سورة الأنعام - ١٤٩ ↩︎
سورة الزمر - ٣٦ ↩︎