(١٨)
إنسان الله وآدم الناس
يتحدث من منبر التوحد مرة أخرى
حق يقوم من وراء حجاب التشتيت والتعديد
صلاة العيد
١ شوال ١٣٨٦ هـ - ١٢ يناير ١٩٦٧ م
يا أكرم من سُئل، وأسرع من لبى.
عيد غريبًا، فعاد قريبًا، وظهر مجيبًا، أبــًا سريعًا، ومجدًا رفيعا.
حصنا منيعًا، ومنعمًا بديعا، يجيب من ناداه، ويلبي من دعاه، مولى من مولاه لمن كان مولى في حِماه، مولى ومولى دعاه، ومولى ومولى بشره وأدناه.
فكان المولى لمن والاه، والولي لمن هواه. رعى من رعى عهده، وحفظ من حفظ وده.
عِيد في كل عيد، وعاد مع كل جديد، ظهر بكل والد، وقام بكل وليد، قلبا للوالد والولد، وحياة للعالم والبلد، حِلٌ بالبلد، وحل بوالد وما ولد جنة الشهادة وحقيقة الغيب والسيادة.
عاشه من دخل المدينة، فقام وتأقلم ذاته ووعيه ودينه، فدخل في السلام، وعوفي من المــَلام، دخل لا بالكلام، ولكن بالفعل والقيام، دخل الله أكبر، والله أكبر، والله أكبر، في ذي المعارج، للا إله إلا الله، اسمًا لله قائما وقيوما لرسول الله، لا شريك لله ورسوله من نفسه، في واحدية وأحدية الحق من الله.
نطق منه، من لا شريك له من قوله… وقام به، من لا شريك له من فعله… قام عليه، من لا شريك له من قيومه… أراد به، فكان نافذ الإرادة… فعل به، فكان قادر الفعل… ظهر به، فكان مستقيم الخليقة… فاض به، فكان صبغة الحقيقة.
لا إنسان، إلا بإنسانه… ولا إيمان، إلا بشهوده ووجدانه… ولا شقاء ولا تعاسة، إلا بإنكاره وفقدانه، إنسان الله، عبد الله، اسم الله، حق الله، وجه الله، نُصب الله، بيت الله.
لا ذكر إلا بذكره، ولا طاعة إلا لأمره، ولا معرفة إلا لنوره، ولا سكينة إلا في ليل جلبابه، ولا حياة، إلا تحت شمس حجابه، من قَدَّره حق قدره، عَرَفَ له في نفسه ربَه، ومن عُرِف له ربه، غفر ذنبه، ومن غفر ذنبه، بدأت هناءته، وطابت سعادته، وقامت قيامته، واجتاز ساعته، وركب سفينته.
فمخر بحار الحياة لا يُضِل ولا يضَل، ولا يُضَل، بعث بالأمل، وقام بالعمل… أليس هو الإنسان؟ إنه ابن الإنسان، لأبيه الإنسان، إنه أب الإنسان، لولده الإنسان.
ألم يلتحق بركب الإنسان، في دورة الإنسان، في كتاب البيان، في بيان الإحسان، في إحسان الإيمان، في إيمان العرفان، في عرفان الوجدان، في وجدان الكيان، في كيان المعنى، ومعنى الكيان؟
كُشِف عنه غطاؤه، وأزلف إليه عطاؤه، وأُبعد عنه جزاؤه، وأُعفى من بلائه، وتحقق من صدق رجائه… أليس هو عبد الله؟ أليس هو حق الله؟ أليس هو اسم الله؟ أليس هو إلى الأعلى نُسِب؟ أليس هو إلى المطلق انتسب؟ أليس هو لمقيد وموقوت وجوده جب؟ أليس هو للأعلى طَلب؟ أليس هو للمطلق عَبَد وأوجب؟
واجب وجودٍ لوجوده لم يجحد، فلِمَا تواجد به منه شَهِد، ولعظمة الله سَجد، وللأعلى على ما عَلَّمه عَبَد، فنفسه للأعلى عبَّد، ليكون بما للأعلى، في أعلى، عنه علم وفيه تواجد، وبه وُجِد وشهد، وعنه رسولا منه، بإذنه أَعلَم يوم عَلِم، فبه أوجد يوم هو به تواجد فوُجد.
ها نحن نخرج من شهر الأمة، برمضان، وندخل شهر الآل بشوال، فنحمد إلى الله ما آل إليه أمرُنا، وقد سقطت عنا أسوارنا، فقام به، من أمره، سِرُّنا وجَهرنا، بما لبسنا من جديد في حالنا، وقد عاد إلينا حبيبُنا، وانكشف لنا رفيقُنا، ووَصَلنا أعلانا ومولانا، ما تناسانا، وهو الذي لا ينسى، ولكن لجاحد له يتناسى.
نتواجد فيه، ونتواجد به، ونتجدد فيه مع كل جديد له، ونُولَد فيه من كل وليد وُلِد منه، أبناء محبته، وعباد حقيقته، وعوالم وجوده، جنانًا بكرمه وجوده، ونارًا في حميته، يصطليها أهل غفلته، وما اصطلوها إلا من رحمته، للخير نعمل، وبالخير دائما نعمل، ولغير الخير لا نعرف، ولا نعمل، هو الخير.
كمال إنسانه، للأكمل، وللمتكامل. كُمَّلٌ لكُمَّل، يتواصون بالكمال، ويلتفون حول المثال، يعرفون المثَّال، قام بينهم، وترك فيهم مخلفا عليهم حقائق الآل، لعين الحال، ولدائم الجمال، بيوتَ السلام، ومنابر الكلام، عوالمَ البيان، وأحواضَ الإحسان، وشموس العرفان، عُرِف لمن عرف الخير فيه، ولكل من به اتصف، فله دينا وعلما وبيانا وصف فإليه انتسب ولنفسه أنصف.
ما عليه في كوثره أنكر، ولا من مثاله لحاضره يأس، وله في مرتقاه عنه تخلف فله لَحِق، ولكن لإمامه تابع والتحق. وكلما تحقق منه بحق، عَرَفَ له في الحقيقة أكبر، وكلما قام منه بظاهر، آمن له من ظاهره أظهر. ما عليه تكبر، ولا بكبره عليه كبـر.
فما عليه في معاليه احتجب، وما عنه لمراقيه حجب، فقام في أمته، وعَمِل بسنته، فما استكبر على من دونه، ولا كبــر ولا تكبر على من يتبعونه وما تخلف عمن يعلونه، فشهده محمدا رسول الله، وطلبه محمدا رسول الله، سيرًا إلى رسول الله، قياما بالله في الله إلى الله. إلى الله افتقر، وعرفه للرسول، يوم عرف الرسول في الأعلى فذكر.
فأقام الصلاة الوسطى، ما لها جهل، ولا عنها غفل، وأعمل الوسيلة، ما عليها استكبر، وبها ما انقطع عن التوسل.
عرف الإنسان في الله، فعرفه رسول الله، يوم عَرفَه نفسه، وعرف ما أمر به أن اذكر ربك في نفسك، يقوم ويتقلب في الساجدين. فبالإنسان من الإنسان وصف، وإنسانا للإنسان اتصف، عبدًا من عباد، وإنسانًا من إنسانية رشاد. طلّق العناد، وكسب الحب والوداد، وتحدث بالمعرفة والرشاد، ففارق الجاهلية، وخلع ثوب الجهل والعنجهية. ودخل في كتاب العلم والوجودية، وسكن مدينة العرفان وحضرة الربانية، وقام بين أعلامها علمًا للأزلية والأبدية.
فقام بين الأعلام علما على العلام، عليم غيوبه، وعالِــم شهادته، يقوم باسم الله، مُسلِما للأعلى، لقائم وقيوم ربه.
مؤمنا بواجب الوجود، مستمعًا له، في استماعه لنفسه، قارئا عنه، في قراءته لكتابه، يعرف كتابـَه وجودَه، ويعرف شهوده موجودَه، موجودَ عبده، وجود الأعلى لقائمه، لقيوم ربه، يعرفه النبي، ويشهده في كل ولي، ويقومه الحق، بقائم العبد، لا يستكبر على الله ورسوله، ولا يستكبر على الناس.
هل خرجنا من رمضان، وقد صمنا عن شهوات أنفسنا به، لندخل شوال، شعار الآل، وقائِمَ الحال، وبشرى المآل؟
هل صدق وعده، عندنا؟ هل نصر عبده، في كياننا؟ هل هزم الأحزاب وحده، لمرذول صفاتنا؟ هل إليه أُلْنا؟ هل جوارحنا في طاعته جمعنا؟ هل بنظره نظرنا؟ هل بيده ليدنا فعلنا؟ هل بقدمه لسعينا سعينا؟ هل بأذنه لسمعنا سمعنا؟ هل معه بألسنتنا تكلمنا وبه كلمنا، فله أسمعنا، وبه سمعنا؟
هل مع الأعلى تفاعلنا، وقد أمر من الأعلى له ولنا {أبصر به وأسمع}[١]، فهل فعل فأبصرنا؟ أو نفذّ ما وعد فأسمعنا؟ فلا إله إلا الله قمنا! ولأنفسنا فيها شهدنا! فمع الأعلى لنا بنا تلاقينا، فنفوسنا له عبّدنا! يوم عبدنا وفي مناسكنا قمنا! فعبادا بعثنا، وحقًا تواجدنا!
فمن العدم خرجنا، وجلباب الحياة عُدنا، ففي العيد عيَّدنا؟ والتهاني بيننا لنا، بجلباب الحق تبادلنا وهنأنا؟ أم أننا في يومنا، على ما في أمسنا كنا، قطعنا الزمان وما قطعنا، وكرة خاسرة لسابقها كررنا!
فإن كنا كذلك، فهل هناك جديد يُرجى في غدنا؟ ما أشبه الليلة بالبارحة… فلن يخرج الغد عن اليوم، ولن يخرج اليوم عن الأمس، ما دمنا لا نغير ما بأنفسنا، إلى نفحات الله في دهرنا، بعباد للرحمن بيننا. أيام تتواصل، وحياة تتصل، نعمل ونُبعث على مكانتنا.
فإن مع أمسنا تبادلنا يومنا، بما علمنا، بعثنا في غدنا بما جددنا وكنا. إننا أطوار الحياة، وإننا معارج الحياة، ومزالق الحياة، إن انزلقنا، فإلى الله ما كسبناه، وإن تعالينا، فإلى الله، ما علوناه، وإن في قائم تجددنا، فبالله ما أنكرناه، ولا محوناه، ولكن محونانا إلى معناه، له البقاء، والبقاء لنا به كسبناه.
فالآزال عرفناه، مبعوثة في الآباء قمناه. لا يجز عنا عطاؤه، ولا يغيب عنا ولا يفقد منا ولاؤه. عباد الرحمن يشرفنا أن نكون العباد، ويرضينا أن نكون عبادا للعباد في قادم أو قائم أو في قديم، حقًا أدركناه، ويُدركه من يرضاه، الحقيقة إنما هي عباد لعباد، إنما هو إنسان لإنسان، في موجود الإحسان.
إنها الحياة، والحياة، في قادمها إلى أحسن تقويم. لا تختلف عنها في قديمها في أحسن تقويم. عبادٌ لعباد، وإنسان لإنسان، رجل سلم لرجل، قاما في الله مثنى، وبعثا به فرادى، فعرفوهم مع الأعلى فردًا، ومع الأدنى مبعوثَ الأعلى، فكانوا مع الأعلى ومع الأدنى، على ما هم، مع من قام فيهم في جوارحهم ومعانيهم.
فتكاملت وكملت أبعاضهم، لكلي معناهم، في كلي مولاهم، لكلي من أبداهم، عرفوهم ما قدروا عاليهم حقَ قدره، في إحاطته بهم، وبما يحيطون به، فما أنكروا سافلهم لدانيهم عن عاليهم، قاموا أمرا وسطا في الله، يرددون ذكره، ويقومون اسمه، ويظهرون ويشهدون وجهه، ويعملون عمله.
أولئك هم المسلمون حقا، أولئك هم المؤمنون صدقًا أولئك هم العارفون قيامًا، أولئك هم المستقيمون كلاما، أولئك هم القادرون حسامًا، أولئك هم الكرام الكاتبون أقلامًا، أولئك هم عروش الرحمن قياما، وكراسي فعله، أمرا وسلطانا، أولئك هم المسلمون حقا وعيانا والروحيون بيانًا وصولًا وعرفانا… فأين هم المسلمون… أيها المسلمون؟
ألا تنَبّه الناس، لفساد أمرهم، واضطراب سرّهم، وظلام جهرهم، وانحراف كلامِهم، وضال فعلِهم، فجددوا للأعلى إسلامَهم، وبالمعبود عرفانَهم، وعلى مادي قائمهم إنكارَهم، فقاموا فيما قام به الصالحون من آبائهم، وقاموا ليصلحوا في الحق للحق أبناءهم!
بذلك يستقيم في الحق إعلامهم، وترفع على الأرض أعلامهم، ويقوم بالله بينهم سلاُمهم، ويعم في المعمورة إسلامهم، تزوى لهم أرضهم، مسلمين، لرب العالمين، لا عربا، ولا أعجمين، إنما هم، كان لهم جميعا الإسلام دين.
فعرفوا الإنسان، عرفوه بالرحمن عين رحمته، وعرفوه بالديان، جزاء دينونته، بأيام الله، بعباد الله، بحقائق الله، بوجوه الله بينهم، عبادًا للرحمن، يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، أو عبادا للديان ينتقم بهم ثم ينتقم منهم.
عيد بينهم، محمد، غريبا على الناس، أبا سريعا، وروحا رفيعا، وحقا مدانيا، وراعيا مواليا، فيه تقومون، وبه تقومون، وعليه لا تنكرون، يوم يكون لكم من الله ما تطلبون، فبه تسعدون، يوم أنكم برسالة الروح يقوم لرب العالمين تؤمنون ولها تعرفون وعليها تقبلون.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الكهف - ٢٦ ↩︎