(١٦)
نجتمع فنتوحد، ونفترق فنتعدد، ونصطرع فنتجدد
نتواجد فنوجَد فنوجِد
بالحق الأبدي الخالق للحق الأزلي المتجلي في الحق الموجود السرمد
نقوم اسم الله الرحمن الرحيم
حديث الجمعة
١١ رمضان ١٣٨٦ هـ - ٢٣ ديسمبر ١٩٦٦ م
بسم إنسان الله… باسم إنسان هدي الله… باسم إنسان الإيمان بالله… باسم إنسانية الرشاد في الله.
بسم الله… بسم الرحمن… بسم الرحيم… باسم الله الرحمن الرحيم.
باسم إنسان وجوده… باسم إنسان شهوده… باسم إنسان رحمته وجوده… باسم الأب… باسم الآب… باسم الروح القدس… باسم الله الرحمن الرحيم.
بسم الله الرحمن الرحيم… بها نستعين… وبها نهتدي، وبها نعوذ، وبها نعمل، وبها نقوم، وبها نقيم، وبها نَشهَد، وبها نُشهَد.
بها ندخل حصن لا إله إلا الله… بها ندخل حصن الله… بها ندخل بيوت الله… بها ندخل في قلوبنا… بها نقبع في نفوسنا… بها نتواجَد، وبها نوجَد، وبها نوجِد، خلقا من بعد خلق. بها نجتمع فنتوحد، وعليها نفترق فنتعدد، وفيها نصطرع فنتجدد. بالأزلي الخالق، للأبدي المتجلي، للموجود السرمد، به نقوم، وله في أنفسنا نشهد، بلا إله إلا الله، شعار حياتنا، وشعار وجودنا، وشعار عملنا، وشعار أمرنا، وشعار رجائنا.
هي كل شعارنا وشعائرنا، وكل وجودنا وتواجداتنا، وكل أملنا لنا من مأمولنا بنا، وكل أمل فينا لآمل بنا، من القائم بنا، قائما علينا.
كان الرسول وأمته بها هو قائم وقيوم الوجود، ظاهرا بكل شاهد، مشهودا في كل مشهود، قائما بالشاهد والمشهود، للموجِد والوجود، في إنسان قيامه، لإنسان إعلامه، بإنسان دوامه، لمن لا إله غيره، ولا معبود سواه.
نقول إننا أمة التوحيد، وإننا لا نعرف لله التعديد، ولكنا نجهل التوحيد، ونزعمه في قائمنا بالتعديد، فما يكون التوحيد لعلمنا؟ وما يكون التوحيد لعملنا؟ وما يكون التوحيد لرجائنا؟ وما يكون التوحيد لقيامنا ويقيننا؟
إذا قلنا إننا أمة التوحيد، فإننا أمة كل شيء. وهل خرج من التوحيد شيء! إن شهادة لا إله إلا الله، ونحن نردد أنها الركن الأول لدين الفطرة، الركن الأول لدين الإسلام… يجب أن يدور حولها فقه المسلم، وفقه الإسلام.
يجب أن نعرفها، لا لفظا يردده اللسان، خاليا عند العقول من البيان، وخاليا عند النفوس من الحس والعيان، وبعيدا عند القلوب من الوجود، ومستقلا عن العقول في الشهود.
لا… لا يليق بنا، إذا حرصنا على شرف الانتساب لدين الفطرة ولدين الإسلام، ولشعاره لا إله إلا الله، لا يليق بنا أن يكون هذا حالنا، وهذا ما أصبح فعلا مآلنا في حالنا.
فإذا أردنا أن نفيق من حالنا، ونرجع بنا إلى بدئنا، وأن نوقظ الضمير فينا، وأن نرجع إلى أصولنا، في لا إله إلا الله، وأن نتعظ بأصولِنا، خرجت من لا إله إلا الله، فنحِنّ إلى أصولنا، دخلت في لا إله إلا الله ولم تخرج منا فهذا لنا إذا أدركنا، أن لا إله إلا الله إنما هي الإنسان… إذا أصبح إنسانا، إنما هي الإنسان… إذا أصبح للإنسان عنوانا…
إذا عرفنا أن لا إله إلا الله قلب وقالب وما بينهما، أن لا إله إلا الله، قلوبنا، وأن لا إله إلا الله، نفوسنا، وقوالبنا، وأن لا إله إلا الله، هي العروة الوثقى بين قلوبنا، وهياكلنا لنفوسنا قائمة بنور الله لعقولنا، أن العروة الوثقى لنا فينا، إنما هي عقولنا، وعلينا أن نفتح آذاننا، لنفوسنا، وآذاننا لقلوبنا، لنداء عقولنا (العقل أصل ديني)[١].
يجب أن تتفتح منا العيون، ليقع النظر، على وجه الله، أينما نولي… فينا ومن حولنا، وإذا كان وجه الله ظاهرا في كل شيء، وأينما نولي، فظاهره بالإنسان الإنسان في الإنسان أقوى تعبيرا، وأجلى مظهرا.
هو القائم على كل نفس، بما كسبت، ومن وراء كل نفس، محيطا. إنه جوهر كل شيء، وما قام شيء، إلا عَلما وإعلاما عمن هو كل شيء، عمن هو قلب الأشياء روحا، وقالب الأشياء ذاتا، وفوق الذوات والأرواح قدسا وإطلاقا.
فذات الوجود، ذات من ذواته، ووجود كل موجود، إنما يقوم بوجود ذاته، بالوجود.
كان الإنسان، فيه له، ذاتا، العابد والمعبود. وكان الإنسان، فيه له روحا، الموجِد والموجود.
فكان الإنسان، عليه عَلما، العابد والمعبود، الشاهد والمشهود، العالم والمعلوم، بشعاره لفطرته بلا إله إلا الله.
فما حالنا مع لا إله إلا الله تتمتم بها الشفاه، ولا تعنو لها الجباه، سجودا لله، مشهودا، في قبلته، في أهل القلوب للقلوب، لأحياء القلوب تسجد القلوب له في محرابه بها بيوتا ونُصبا له. تعنو له الجباه بالسجود بلقاء في قلب الساجد، في بيت العابد أمام بيت المعبود، في قلب الإنسان، لقائم الإنسان، تغييرا لما في نفسه من قائم الظلام إلى قيام بالنور والسِلم والسلام.
{فلنولينك قبلة ترضاها}[٢]، وهل يرضى قبلة يمكن أن تحتجب عنه؟ هل يرضى قبلة قد يستحيل عليه دخولها؟ هل يرضى قبلة قد ينعدم عنده وجودها؟ {قبلة ترضاها}، لتَشهَد بها من تحب، وتجتمع فيها على من تهوى، لا تنفصل عنك، ولا تستحيل عليك، لتجتمع على من هو معك، على من يتحدث منك إليك، وهو عين من يُسمعك ليسمعك، لتجتمع على من يرى بعينيك ليشهدك. وهو عين الرائي فيك لقائم المرئي منك، على ما تَراك فيمن ترى، وفيما ترى.
إنك لا ترى، في مرآة، تستقبلها، إلا ما تراك، في مرآة خلقه، جعلهم المرايا للرائي يوم تتفتح عين بصيرته فيرى، ليرى ما في نفسه، وليشهد ما يشهد عليه، من ألد الخصام، أو ما يفتقد من معدوم الوداد والوئام.
الله، لمفرداتهم، هو… هم بجمعهم، والله، لهم بجمعهم، هو فردهم وإنسانهم لآدمهم… كلكم لآدم وآدم عبد لرب هو الإنسان له.
إن القلب الذي تألف القلوب فجمعها لربه والتأم عليها فواءمها لمعبوده، كان محمد، وحد الله، لوجوده، فتوحد الله، في مشهوده، فرأى الله في الناس، مرآة نفسه، لا يعرفها ولا يحيط بها ما عرفها غير ربه. رأى وجه المحيط به والمحيط منه لقائم وجهه له، في وجهه في الناس، هو من ورائهم جميعا بإحاطته مزوية له الأرض، وهو في ظهورهم جميعا لشهادته قامت معرفته بنفسه، بألوان قدرته، في جنان صنعه، ببديع زرعه، بجمال تجليه، في دانيه، قائما بعاليه.
رآه في جنة وجوده بنفسه، البشر على أرضهم لأول معارجهم في مزرعته، أشجار باسقة، وأشجار صغيرة متلاصقة ومتلاحقة، يحف بها زرع، مختلف ألوانه، ومختلفة ثماره، وإنها جنته من جنان، هي مزرعته من مزارع، هي بستانه من بساتين، هي فدكه[٣]، هي حائطه، هي ساحة مسورة له، تقوم بلا إله إلا الله وقد جعلت له مسجدا وطهورا من مساجد ودور.
يشهدها فرده، ويقومها بالفرد جمعه، حق وظلاله، إنسان والذين معه، آدم وبنوه، حق ومؤمنوه، وجود وما تواجد فيه، رب ومجاله، أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأحنى على ظلاله، من حنو الأب على بنيه، من حنو حواء على جنينها فيها، ترعاه، في رعاية نفسها، تخشى من المرض، لا عليها، ولكن على ما في بطنها، لا تأكل من الطعام إلا ما يصلحه، وتبتعد عما تشتهي، مما لا يصلح له.
حواء الناس من المؤمنين، وحواء الناس من المستضعفين، وحواء الناس من طالبي الوجود، للوجود عاشقين، وللتواجد عاملين، وعلى أنفسهم بالوجود ساهرين، ولوجيب[٤] قلوبهم بالذكر منصتين، ولهمس عقولهم بالوعي مستقبلين، في أمرهم متأملين، الله لهم، الله معهم، الله بهم، الله به هو هم، الله… هم، فبسمه اللهم، تضرعوا لـ اللــ هم، فجأروا اللهم كنا لنا بك فيك. اللهم ارعنا، اللهم كن لنا في جمعنا، وفي فردنا. اللهم كن فردنا في جمعك بنا.
اللهم بنا كن لآبائنا، اللهم بنا كن لأبنائنا، اللهم بآبائنا وأبنائنا كن لنا، نشهدك لا إله إلا الله، ونتواجدك لا إله إلا الله، ونتابعك إليك محمدا رسول الله، لقيامنا ولأبوتنا ولأمومتنا، ولمظاهرتنا، ولريادتنا، لشهودنا وقيامنا.
فما عرفنا ولن نعرف من مطلق الله، إلا إنسان الله، وما ذكرنا من إنسان الله، إلا آدمه لنا وما عرفنا له في آدميته بنا، إلا آدم شهودنا لوجودنا، محمدا رسول الله، أول العابدين عندنا، وعلما على العابدين عند معبودنا، وأول العابدين في قيامنا، نتابعه لنكون عبادا له، فنكون عبادا لمن كان له عبدا، فنكون عبادا لله، الذي هو له عبد، أبدية العبد وأبدية الإنسان، لأزلية العبد وأزلية الإنسان، فيمن ننزهه ونترفع بتقديره عن الآزال وعن الآباد وعن الإحاطة به بآحاده بحقائقه بالإنسان.
فما كانت الآزال إلا لإنسانية الرشاد رشدت فيه، وما كانت الآباد إلا لإنسانية الحقائق تواجدت واستقامت فيه، تواجدت وأوجدت به، تجلت به وتجلى بها لآبادها، وهو يوم يجددها مخلّفة، يضيفها إلى من استخلفها أزلا فيه.
هذا هو الأحسن والأقوم من القول، والأحسن والأقوم من الوعي، والأحسن والأقوم من المعرفة، الذي كان به دين الإسلام دينا، وكان به دين الإسلام للفطرة قياما ويقينا، وبه كانت الفطرة إسلاما وسلاما ودينا، قياما وعَلما، كتابا وكلاما، وكاتبا وبيانا، وصحفا وأقلاما، جمعا وفرقا، في أم الكتاب، في الله عديدها، وعندنا مديدها، وبنا وجودها، فرضي المطلق بذلك أن يكون الإسلام كافة للناس، عقيدة وفعلا، قياما وأملا.
فكان الكتاب هو الإنسان، وأم الكتاب هو الإنسان، والكتب هي الإنسان، وألواح الكتاب هي الإنسان، وأقلام الألواح هي الإنسان، كان الإنسان هو البيان والعنوان، للإنسان هو الحق والعيان.
كل هذا من لا إله إلا الله، كل هذا في لا إله إلا الله، كل هذا بلا إله إلا الله، يوم نشهد أنه لا إله إلا الله، ويوم نقوم بها فنشهدنا محمدا رسول الله، فنشهد للوجود أنه محمدا رسول الله.
منكرين على أنفسنا إلى نفسه، وعلى وجودنا إلى وجوده، وعلى إشهادنا إلى شهوده، نعمل به على إشهاده، ونعمل به في القلوب على إيجاده، محرومة منه، بحرمانها من الحياة، بحرمانها من النور، بحرمانها من الروح، بحرمانها من الله.
إن رسالة الروح في دورتها، وقد قامت في عصركم، على ما أنبأ كتابها، (يقوم الروح لرب العالمين)[٥]، يقوم الروح، إنسانا، يظاهره[٦] روح أعظم وإنسانا، ويستقبله الروح العظيم وإنسانا، وينتشر في البشرية، روحا وإنسانا، رحمة وإحسانا، تبليغا وبيانا، كتابا وعنوانا، حقا وإنسانا، خلقا يتحقق، وإنسانا يتواجد، ونورا ينتشر، وإلها يظهر، وربا يرعى ويذكر، ويتسمى فينشر وينتشر.
فماذا استقبلنا؟ وماذا قبلنا؟ وهل سمعنا؟ وهل لما سمعنا كسبنا؟ وهل بما كسبنا أَبنّا؟ وهل بما بان تواصينا فتحدثنا؟ وعلى الحق لأنفسنا حرصنا؟ ولله ذكرنا، فلا إله إلا الله قلنا وشهدنا؟ شهدنا وعملنا؟ عملنا وقمنا؟ ولها بقيامها نشرنا، يوم أننا لمعلومها بنا ذكرنا وذكَّرنا؟ فعرفنا وذكرنا، فكنا أمة لا إله إلا الله، لعَلَمها رسول الله، لحقها، اللهم؟
باللهم لنا، باللهم بنا، باللهم لوجودنا، باللهم لعملنا، باللهم لغايتنا، باللهم لإيماننا، باللهم لتوكلنا ووكيلنا نقوم ونعمل، {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}[٧]، لا يتخذ جمعكم لسانا لجمعه، إلا مؤمنا بالله لنفسه يلقاه في الناس لجمعه، ولا يمثل، فردكم، جمعا، لا يرى فيه معاني الإيمان بالله لنفسه.
ليس هناك شيء من هذا لا قياما ولا كلاما لحالكم، على ما أنتم فيه من فرقة وغفلة، ولكن هذا شعاركم، يوم يكون لكم عمل وصلاح، ومحاولة لإصلاح. اذكروا الله في أنفسكم دائما، لفردكم وجمعكم، اذكروا الله، لعبدكم وربكم، اذكروا الله، لمحكومكم وحاكمكم، اذكروا الله، لآمركم ومأموركم وأميركم، اذكروا الله، لأصولكم وفروعكم ولأنفسكم، اذكروا الله لكم يذكركم له ويثبت أقدامكم.
فما كنتم برسول الله لكم غير العروة الوثقى، بين قديم وسابق أصولكم، وبين قادم ولاحق فروعكم، وما كان محمد عروة وثقى، إلا جمعكم واجتماعكم، رحمة الله بكم ولكم مزوية له الأرض تمهيدا لانزوائها لكم شرَّفها به خالقها، يوم أشرقت بنوره ربا وسيدا لها، وعبدا للأعلى عليه وعليها.
بعث ربا وحقا لما يتفرع منها ويصدر عنها، شجرة طيبة، أصلها ثابت، وفرعها في السماء متصاعد، جذورها في الأرض تغوص وتمتد وفي أعماق الأرض تنتشر، لتحققها بنور الله من أعماقها، فيصدر نباتها بحقها من حقه لها، وتغرس ثمار أشجارها من وحدتها لجنتها عوْدا إليها. {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء}[٨].
تتشكل سمواتها من نباتها، وثمارها سدرة منتهى بذاتها لذاتها، ويتجمع فروعها، رجوعا إليها، فيحيا مظلم جمعها، باستقبال مشرق فرعها، {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه}[٩]… {ثم اجتباه ربه إليه وهدى}[١٠].
خرج عنها أبناؤها، تصاعدا في سمواتها، وهروبا من ظلام الأرذال عليها، طلبا للحرية في الحق، ينشدونه ويتواصونه، وفي أنفسهم يلاقونه ويعرفونه، فإذا بهم ولهم السماء تنشق بدورها، وتظهر لها فيها حقائقها، على ما كان أهلها في أرضهم لربهم قائم أرضها، فعرفت السماء ربها لها، منها بينها، {إذا السماء انشقت، وأذنت لربها وحقت}[١١]، فرجعت السماء لكلها وكليلها، بعبدها وربها، بنظراتها، إلى أرض مطلقها لمعلوم بدئها ونشأتها لموصوف خلق أمرها. فمدت الأرض من نظرات أبنائها، لموصوف آبائها، {وإذا الأرض مدت}[١٢]، فتخلصت من أرذالها، وتطهر مسجدها، من أهل كنودها، {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر}[١٣].
فقام إمامها وانشق قمرها، عن هلال وليد لبدر جديد، فأذن مؤذنها، أَذن في الناس بالحج، ليأتوه رجالا وعلى كل ضامر من نفوس ضمرت، من تقوى ربها، وخشية إلهها، وآلام شوقها، وإرهاق حنينها، ضامرة تركض أو راجلة تسعى، على ظهور ضامرة أو راجلة من نفوسها بعقول فاقرة بعلمها وقلوب مدكرة بحقها، وضمائر حية مذكرة بتجاربها، تقصد بيت الله، تقصد قبلة الله، تقصد منبر الله، تقصد كتاب الله، تقصد نصب الله، تقصد اسم الله، تقصد وجه الله، تقصد فرد الناس لجماع الناس، تقصد آدمها، تقصد إنسانها وعنوانها، تشهد معه فيها إنسانه إنسانا لها عيانا وبيانا، جوهرا وإحسانا.
كل ذلك، في شهادة محمد رسول الله، قائم شهادته له، لا إله إلا الله، ومنبر رسالته به يا أيها الناس، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، إنما أنتم في لا إله إلا الله، وإنما أنتم في اسم الله، وإنما أنتم أسماء لله، لاسم أعظم لله هو اسم ذاته بحضرته بأسماء صفاته، بما كسبت أنفسكم، بما كسبتم في قديمكم يكشف لكم، أو بما تعلمون لتكسبوا بعملكم في قادمكم، على ما شهدتم لإنسان الله في حاضركم حقا رسولا بينكم.
{هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك}[١٤]، هل ينظرون إلا أن يأتيهم بعض آيات ربك؟ سيأتيهم ربك، وما غاب عنهم ربك أبدا ولكن سيأتيهم ربك عيانا بيانا، يوم يقوم الروح لرب العالمين فما كان إلا محمودك في قديمك ومحمودك في قادمك.
ولكنهم ينكرونه، ولكنهم يجحدونه، ولكنهم لا يعرفونه، فما تواصوا من قبل بحق فيه، ولا بصبر له على ما عاملوك وعلى ما جهلوك أو تجاهلوك، فيبرز لهم بعض آياته، تبرز لهم آياته، يبرز لهم شيئا من آياته مما يجهلون أو يتجاهلون.
{ومن آياته خلق السماوات والأرض، وما بث فيهما من دابة، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير}[١٥]، وها هو يجمعهم، وها هو جامعهم، وها هو ترهص آياته، لإشهاد جمعهم وبيان أمرهم، وسفور مكنتهم، وغلبة قدرتهم، وبأس فعلهم، انتظروا إنا معكم منتظرون.
سيأتي يوم، فيه تعرفون، ما تنكرون، وفيه تجابهون، ما تجحدون، تعرفون يومئذ، لمن عقبى الدار، {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له}[١٦]… {كأنهم إلى نصب يوفضون}[١٧]، يتبعون، ولا يعقلون، يتبعون ولا يكسبون، يومئذ لا بيع ولا خلال. إنه {يوم لا بيع فيه ولا خلال}[١٨]، فقد أبرز من قبل المثال، وتبودل بين القابلين الحال يومئذ {لا ينفع نفس إيمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا}[١٩].
إن آيات الله، في عصرنا هذا، تشير إلى أننا نخرج من ليل القبور وأننا دخلنا في فجر الظهور. إنه الفجر لليالي القدر، إنه البعث لأصحاب النور بالأمس. إنه القيام لأهل القبور بالسلام… إنه الحشر لأهل الذكر بالقول والفعل. إنه الحياة لأهل الحرص على الأمر والنجاة، إنه اليوم لمن كسبوا بعملهم من قبل، لنفوسهم من بعد، في قيام للوعد.
إن على أرضكم من الناس، من تختلف أعمارهم في الحياة، اختلافا، لا تدركه عقولكم، بحالها من تقييدها في أبدانكم. إن على أرضكم من بدأ الحياة، من آلاف السنين، وإن على أرضكم من بدأ الحياة، من وقت قصير، وإن على أرضكم من بدأ الحياة، في قائم هذه الكرة في يومه على أرضكم اليوم وبهذه المرة. وإن من بينكم من لم يبدأ الحياة بعد، لتأخذ طريقها إليه، فيعرف طريقه إليها، بأمانة الحياة عنده، فهو يفرط فيها، ولا يمسك بها، ولا يحرص عليها، مشغولا بجسده وعبادته.
إن القيامة يوم تقوم، حتى على مفهومكم المتثاقل أو الموروث لعموم هؤلاء الخلق، فما زال قانون الله الفاعل، {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}[٢٠] قانونا قائما فاعلا. فإذا قام أمر الله في سفور فمنكم من ينظر ومنكم من ينتظر ومنكم من يعذر ومنكم من يعتذر ومنكم من يؤجر، ومنكم من يصبر، ومنكم من يغفل، ومنكم من يصطفى ليعمل.
إن قيامة الحق في الخلق بالخلق بتغيير ما في النفس لمن يقومها قياما بها، ويقيمها قائما فيها، فهي إنما تقوم على المؤمن بها لا على الجاحد لدوام قيام لها، بدوام قيام بها، ممن سبق أن قام في أمانة الحياة، ثم انقلب على عقبيه في كرة خاسرة فردّته السماء، بعد أن أقامت عليه حجة البقاء، خاسرا للبقاء وإن كنتم من قبله لمبلسون.
فهذا هو الذي يصبغ قديمه بالفناء وقائمه بالمسخ، لأنه كان غير متصف بخلق الحياة لطلب البقاء، فهو لم يستحِ من الله وهو معه، لم يستحِ من الله، نَطق منه، ونظر به، وسمع في سمعه، فبعثه أعمى، وحشره أصم، وأقامه هزيلا، ضعيفا، ومع إقامته كذلك بذلك، ما زال يجادل عن نفسه، {رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا}[٢١]، لو شاء الله لهدانا فلله الحجة البالغة، وللإنسان الجدل العقيم، {أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى}[٢٢].
ليس العمى، عمى المحاجر، ولكن العمى يلحق القلوب، فالعُمي إنما هم عُمي القلوب، والصم إنما هم صم القلوب، والغلف إنما هم غلف القلوب، والحمقى إنما هم حمقى القلوب، ظاهرهم قام بباطنهم، فمسخهم الله على مكانتهم، وما مسحهم على حقيقتهم، فما طلبوها وما عرفوها، وما أدركوها، وما قبلوها، وما قاموها وما ارتضوها.
{أتاها أمرنا}[٢٣]، وقد {أخذت الأرض زخرفها وازينت}[٢٤]… {وظن أهلها، أنهم قادرون عليها}[٢٥]، يومئذ نمسخهم على مكانتهم، {فإذا هم مبلسون}[٢٦]، فلا آدما صاروا، ولا أبناء لآدم يكونون، ولكنهم للشيطان نسبوا، فله قد انتسبوا، وللشيطان بُعثوا أبالسة، وصورا من أصلهم منه مبلسا، لقائم وجودهم منهم متخلصا من مبلس نفسه إليهم بهم، فلا يلبث أن يتبرأ منهم توبة عما فعل واستغفارا عما أتى على ما وعد.
إني بريء مما تشركون، إني بريء منكم، ما كان لي عليكم من سلطان، إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، إني أخاف الله رب العالمين… وعدتكم فأخلفتكم، والله وعدكم وعد الحق فأخلفتموه، فأنتم الملومون، وعن عملكم المسئولون.
هذا أمر يقوم في الحياة، وهو أمر قائم في دائم الحياة، بدوام قيام له، ولكنه يقوم في نطاق الفرد، فلا يعرفه إلا الفرد، ويقوم في نطاق الأسرة، فلا تعرفه إلا الأسرة، ويقوم في نطاق الجماعة، فلا يعرفه إلا الجماعة.
وهو يوم يقوم على نطاق البشرية، والأرض في يد الله مزوية، والسماوات بيمينه مطوية، إنما هو يوم يبرز فيه هذا الأمر، لعلم الناس، بجمع، لبيت وبيت لفرد، بمسيح آدم، رسولا لله، برسول الله، في رسول الله من رسول الله، كافة للناس.
فيقدم، عِلما، وفهما، وبيانا، وبلاغا، وكتابا، وأمرا، تدركه عقول الناس، وتقومه نفوس الناس، إنسانا، وابن إنسان، إنسانا، وأب إنسان، إنسانا، أحدا، لواحده، من إنسانية قامت بإنسان.
هو قائم المتناجين في الله، يعرفه الإنسان، ويقومه الإنسان، ويقيمه الإنسان في الإنسان، أمرا أزلا وأبدا وقياما، لأقانيم الوجدان، لحقائق القيام للعيان، إنسانا وابن إنسان لإنسان وابن إنسان.
إنه علم للساعة، يعلمكم عن الساعة، يقيم لكم الساعة في أنفسكم، لشهودكم، {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا مشفقون منها، ويعلمون أنها الحق}[٢٧]، قائما على كل نفس بما كسبت.
تعرفه النفس لها يوم هي لأمرها عرفت، ولها به انكشفت، فعرفت نفس ما قدمت وأخرت، فللمذكور ذكرت، بالذاكر عرفت، ذكرا محدثا قامت، لذكر قديم شهدت، في القيام نظرت، وعليه اجتمعت، وله تابعت وبه التحقت وإليه انتسبت. إنسان والذين معه. إنه لعلم للساعة. رسول الله والذين معه بهم أشرقت أرض القلوب بنور ربها أمة رسول رحمته، فما عرفه أهل الأرض ولكن الأرض عرفته.
هذا الذي تعرف الأرض وطأته…والبيت يعرفه والحل والحــرم
ليس قولك من هذا بضــائره…العرب تعرف من أنكرت والعجم.[٢٨]
إن الأرض تعرف وطأة عباد الرحمن عليها بالحنان، فتقابلها بالشكر والعرفان.
هؤلاء الذين إذا فارقوها، بكت عليهم الأرض، ورحبت بهم السماء، هؤلاء الذين إذا فارقوا سماوتهم إلى الأرض، بكت عليهم السماوات، ورحبت وفرحت بهم الأرض، تعرف الأرض وطأتهم، وتشكر رحمتهم {ولا تمشِ في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا}[٢٩].
وقد ضجت الأرض إلى ربها، ممن تحمل، من الجاحدين للحق بها، بجحودهم للحق في أنفسهم، وهم منها، وهم أبناؤها وهي وقد عرفت الله لها، كانت تطمع أن يعرفه لهم أبناؤها، ولكنهم مشوا عليها، متكبرين، غافلين، غير يقظين، {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة}[٣٠]، ولكنه يؤخرهم إلى حين لطيف في قضائه، لطيف في جزائه، غافر لأهل ولائه، محقق لأهل رجائه.
ففي يوم قضائه وقد ضاقت بهم ذرعا، وقد أنكرتهم لها فرعا، وسألته فيهم، قضاء بها في أمرهم فأوحى لها، أن تزلزل زلزالها، وأن تخرج أثقالها، وأن تبرز أمرها، وأن تصلح حالها، وأن تتخلص مما كرهت، وأن تسعد بمن أبقت. يومئذ، ينتهي أمر الاختبار، وينتشر في بقيتها الادكار {ولا يخاف عقباها}[٣١]، فتصبح قبلة لسمواتها ومزارا، تصبح جنة، ولله دارا وسدرة منتهى لعوالمها من الأبرار، وبداية حق بوجود لمراقي الأحرار، بقائمها لمعلومها، وبمعلومها لعين قائمها، تصبح عالما روحيا، على أنقاض عالمها المادي.
هكذا، قال الكتاب… وهكذا بيّن لنا من رُفع عنه الحجاب، وهكذا حذرنا من أنذرنا بالحساب، ومن وعدنا بالجزاء، وأوعدنا بالعقاب، فلا إله إلا الله نشهد، ومحمدا رسول الله نقوم.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين
اللهم يا من كنت لنا، في آبائنا، أزلا في الأصول، اللهم يا من أنت لنا في أبنائنا، أبدا للوصول، اللهم يا من هو لنا، قيوم قائمنا، سرمدا للمثول، اللهم اكشف حجاب الغفلة عنا، وفي أنفسنا فآمنا، وأنزل سلامك على أرضنا، وسكينتك على قلوبنا، ونورك لعقولنا، وجذوة الحياة لنفوسنا، وأطوار الوجود لمتربتنا.
اللهم فاجعل منا، عبادا لك، بأوادمهم، وأبناء أوادمهم، حتى نقرأ في كتابنا، شرعتك، في ألواحنا علمك، وهديك، وحتى نشهد في أنفسنا رحمتك، وحتى نؤمن بوجودنا لوجودك فنلاقي فينا طلعتك، ونشهدك بإحاطتك فيما حولنا، وبمن حولنا، فنشهد أنه لا إله إلا أنت، بلا إله إلا أنّا، في لا إله إلا هو، فنؤمن بأحديتك، ونقوم في وحدانيتك، ونطمئن إلى وحدانيتنا لك، ونرجو وحدانيتك لنا.
لا إله غيرك ولا معبود سواك.
اللهم كن لنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين، عاملين وساهين، برحمتك، بمن جعلته رحمة منك للعالمين يا أرحم الراحمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
عن علي ابن أبي طالب _ رضي الله عنه ـ قال: سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سنته فقال: المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة. ذكره الغزالي في الإحياء، والقاضي عياض في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ومعظم المتصوفة. ↩︎
سورة البقرة - ١٤٤ ↩︎
الفدك هو الأرض الخصبة والمثمرة. ↩︎
الوجيب: صوت خفقان القلب باضطراب ورجفة ↩︎
استلهاما من {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} سورة المطففين - ٦ ↩︎
هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎
سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎
سورة الزمر - ٧٤ ↩︎
سورة البقرة - ٣٧ ↩︎
سورة طه - ١٢٢ ↩︎
سورة الانشقاق - ١-٢ ↩︎
سورة الإنشقاق - ٣ ↩︎
سورة القمر - ١١ ↩︎
سورة الأنعام - ١٥٨ ↩︎
سورة الشورى - ٢٩ ↩︎
سورة طه - ١٠٨ ↩︎
سورة المعارج - ٤٣ ↩︎
سورة إبراهيم - ٣١ ↩︎
سورة الأنعام - ١٥٨ ↩︎
سورة البقرة - ٢٨٦ ↩︎
سورة طه - ١٢٥ ↩︎
سورة طه -١٢٦ ↩︎
سورة يونس - ٢٤ ↩︎
سورة يونس - ٢٤ ↩︎
سورة يونس - ٢٤ ↩︎
سورة الأنعام - ٤٤ ↩︎
سورة الشورى - ١٨ ↩︎
من قصيدة طويلة للشاعر الأموي همَّام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، أبو فراس، الشهير بالفرزدق. شاعر، من النبلاء، من أهل البصرة، عظيم الأثر في اللغة:هَذا الَّذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطأَتَهُ - وَالبَيتُ يَعرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ. هَذا اِبنُ خَيرِ عِبادِ اللَهِ كُلِّهِمُ - هَذا التَقِيُّ النَقِيُّ الطاهِرُ العَلَمُ. هَذا اِبنُ فاطِمَةٍ إِن كُنتَ جاهِلَهُ - بِجَدِّهِ أَنبِياءُ اللَهِ قَد خُتِموا. وَلَيسَ قَولُكَ مَن هَذا بِضائِرِهِ - العُربُ تَعرِفُ مَن أَنكَرتَ وَالعَجَمُ. كِلتا يَدَيهِ غِياثٌ عَمَّ نَفعُهُما - يُستَوكَفانِ وَلا يَعروهُما عَدَمُ. سَهلُ الخَليقَةِ لا تُخشى بَوادِرُهُ -يَزينُهُ اِثنانِ حُسنُ الخَلقِ وَالشِيَمُ. حَمّالُ أَثقالِ أَقوامٍ إِذا اِفتُدِحوا - حُلوُ الشَمائِلِ تَحلو عِندَهُ نَعَمُ. ما قالَ لا قَطُّ إِلّا في تَشَهُّدِهِ - لَولا التَشَهُّدُ كانَت لاءَهُ نَعَمُ. عَمَّ البَرِيَّةَ بِالإِحسانِ فَاِنقَشَعَت - عَنها الغَياهِبُ وَالإِملاقُ وَالعَدَمُ. إِذا رَأَتهُ قُرَيشٌ قالَ قائِلُها - إِلى مَكارِمِ هَذا يَنتَهي الكَرَمُ. يُغضي حَياءً وَيُغضى مِن مَهابَتِهِ -فَما يُكَلَّمُ إِلّا حينَ يَبتَسِمُ. بِكَفِّهِ خَيزُرانٌ ريحُهُ عَبِقٌ - مِن كَفِّ أَروَعَ في عِرنينِهِ شَمَمُ. يَكادُ يُمسِكُهُ عِرفانُ راحَتِهِ - رُكنُ الحَطيمِ إِذا ما جاءَ يَستَلِمُ. اللَهُ شَرَّفَهُ قِدماً وَعَظَّمَهُ -جَرى بِذاكَ لَهُ في لَوحِهِ القَلَمُ. ↩︎
سورة الإسراء - ٣٧ ↩︎
سورة النحل -٦١ ↩︎
سورة الشمس - ١٥ ↩︎