(١٥)

بسيادة الجهلاء يفرض العماء
وبنجابة الأولياء يرفع البلاء
يوم يكشف للنفس أمرها وحريتها في ساعة القضاء وقيامة الجزاء

حديث الجمعة

٤ رمضان ١٣٨٦ هـ - ١٦ ديسمبر ١٩٦٦ م

نَصَر عبده… وأَعز جنده… وهزم الأحزاب وحده.

الله أكبر… الله أكبر… الله أكبر.

بالغ أمره.

هكذا كان الأمر، مع من عرفناه عبدَ الله، في جَمْعِه من جنود الله، يوم أحاطت قريش، بمدينته، بيتًا لله، وحصنا لكلمة الله، إحاطة السوار بالمعصم.

وما كان هذا جديدا في أمره، ولا في أمر بيته وأهله، فقد أحاط أبرهة من قبل بجحافله، باسم المسيحية الشوهاء، حول مكة، مدينة مهده، وبيت مولده، فوقف أبوه، من قبله، على باب بيته، وأمسك بحلقات بابه، متوجها به إلى ربه، اللهم رب هذا البيت، آمناه بيتك، وطفنا حوله نُصبك، وعكفنا فيه ساحتَك، واستقبلناه للصلاة صِلتك، قَدَّرت خلقك، أن يحموا دورهم، فاحمِ دارك، ولا تعرض للهوان شعارك، وللفتنة من جعلت في جوارك. إنه بيت إنسانك لعين عنوانك، تنجده عبدك، وتقومه رحمتك وإحسانك.

صدق الله العظيم… {فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه، ومن في الأرض جميعا}[١] {فإن الله غني عن العالمين}[٢]، فقامت المعركة بين السماء والأرض… بين المنظور وغير المنظور… بين المعقول ومن هو فوق العقول، ومن هو فوق كل معقول، ومن هو عين العقول {فلله المكر جميعا}[٣].

قامت المعركة بين المادة منفصلة عن تدبير الروح، والروح في جلبابها من المادة. وهي معركة مشبوبة دائما، لم يضع طرفاها أوزار الحرب، ولم يرفعوا راية السلام، فالبشرية بموجودها المادي لم تدخل في السِلم مع الله… إنها معركة الحياة والعدم… إنها معركة الجهل والعلم… إنها معركة الفوق والتحت… إنها معركة النور والظلام… إنها معركة الإيمان والكفر… إنها معركة المادة والمعنى… إنها معركة الغيب والشهادة… إنها معركة التوقيت والديمومة… إنها معركة الإنسان وربه… إنها معركة الإنسان في نفسه.

{إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى}[٤]!؟ ولِمَ هذا الكنود والطغيان!؟ {إن إلى ربك الرجعى}[٥]… {وإذا أنعمنا على الإنسان، أعرض ونأى بجانبه}[٦]. أنعمنا عليه، وقد قام مفتقرا، فلجأ مُدكِّرا. مسته البأساء والضراء، فلجأ، وإلى الروح التجأ، ففتحت الروح ساحتها، بإبراز أبوابها لساحات رحماتها.

فآوت ونصرت، وأعزت ويسرت، وللصغير أكبرت وكبرت، وبالعز أظهرت، وبآياتها ظهرت، وللإساءة غفرت، وللحسن قَبِلت، وللنصرة يسرت.

ولكن الإنسان بأسفله هو الإنسان، في جحوده… في كنوده… في غفلته… في فتنته… في ريائه… في نفاقه… في دجله… في عجلته، عودا إلى حجابه في قطيعته بجهالته، ونفورا من رحمته في وصلته، وإنكارا على حقيقته، لموهوم عزته، في غفلته… الإنسان هو الإنسان، لربه كنود، وللمنعم عليه جحود، يسوده لا يسود، وينعم عليه فيجحَد لعليه السجود، وينكر لعقله الوجود، وكم تواجد مع ربه شاهدا ومشهودا.

تألف قلبه فلم يأتلف، وأظهر أمرَه فلم يعترف… أنعم عليه فلم يشكر، وللمنعم جافى ولم يذكر… إنه الإنسان، في خُلقه بنفسه، يكز على نفسه بظلامها، ويعطي ظهره لخالقه، وهو مظاهره لنصرته، وليشهده لجمال طلعته في شهادته، فإذا هو الجاحد لحضرته، والناعق بنعرته، لمعنى وموهوم عبوديته، وهو النائي بجلدته، عن الأحواض لرسالته… يمنع الماعون، ويقاوم القانون… والله غالب على أمره.

إن يوم الفصل كان ميقاتا، في حياة الناس لفردهم وجمعهم، للطاغين مآبا، لابثين فيه أحقابا، تُرجعهم السماء، وتنبتهم الأرض. فهم ما بين السماء والأرض، حيارى، سكارى. عن ربهم في أنفسهم يعمهون، ولله في غنائه عنهم يجحدون.

وهو مالك زمامهم… ومالك أيامهم… ومالك أرضهم وسمائهم… ومالك داخلهم وخارجهم، هو محيطهم وقائمهم، له الملك وله الأمر، فكيف يحكمون!؟ وكيف هم بنعمة الله يجحدون، وإطفاء نور الله يحاولون، وفرض الجهالة على الناس يلزمون ويكتبون ويخططون ويرسمون؟!

منابر العلم يهدمون، وبيوت الحق يغلقون، وصوت الحقيقة يسكتون، وبآيات الله يجحدون. فهل ينتصرون؟ والله غالب على أمره لو يعملون!

تعالى الله عما يصفون، وتعالى الله عما يذكرون… وتعالى الله عما يعرفون… وتعالى الله عما يعاملون، لا إله إلا الله لو يعلمون، ولا وجود لغيره لو يستيقظون، يمكر بهم إذ هم به يمكرون، يقوم بأعلامه بين الغافلين، مذكرا موقظا للطالبين، عبادا للرحمن على الأرض هونا يمشون، يسألون الناس، وهم من يجب أن يسألوا فيعطون.

أغنياءٌ بالله، لو طلب الناس غناه، ولكن الناس، عنه بدنياهم في غِناء، ودنياهم، كما يعلمون إلى فناء، وما دنياهم، إلا قيامهم في الابتلاء، يحيون فيها بالرجاء، ويسعدون به فيها بالعطاء، ويشقون معه بالجزاء، له الولاء، وله البقاء، وكل ما سواه إلى فناء.

إن رسالة الإسلام… إن رسالة الفطرة… إن رسالة رسول الله، لرسل الله، من رسل الله، في قائم الله لا شريك له، له المثل الأعلى في السماوات والأرض… في أمس الحاجة، لمن يجددها، ونحن في أمس الحاجة، أن نجتمع على من يتواجدها.

نحن في ظلام دامس… نحن في يأس قاتل… نحن في ضيق خانق… نحن في فاقة لا تطاق.

اختلط الحابل بالنابل… واختلط الحق بالباطل… واختلط الصادق بالداجل… واختلط الهادم بالعامل… واختلط العليّ بالسافل… واختلط الأمر علينا… واختفت أعلام السبيل عنا، وتوارى عنا عباد الرحمن منا.

فهل إلى مخرج من سبيل؟ هل إلى الحق من دليل؟ هل للدين من كفيل؟ هل للأمر من وكيل؟ هل للجهل من حكيم رشيد[٧] بالسبيل؟ سبحان الله… سبحان الله… سبحان الله.

العنيد والرشيد يتلاقيان، وعلى أرضكم يجتمعان، عَلَمُ الشيطان وعلم الرحمن، لظهور الإحسان، وهزيمة البُطلان، ولقيام الله في الوجدان، يجحده الإنسان، ويقومه الإنسان.

فسبحان الله… هل يستوي الإحسان بالبطلان؟ هل يستوي الإيمان بالكفران؟ هل يستوي العرفان بالنكران؟ هل يستوي الظِل والحرور؟ أم هل تستوي الظلمات والنور؟

ولكنها الحياة، يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويجعل من الإيمان سكينة الليل، ومن المعرفة معاش النهار. زرع وحصاد… جهاد ووداد… عِناد ورشاد، على أرضكم وفي مجتمعاتكم… لا… وفي أنفسكم، يجتمعان، ويتلاقيان، ويتصارعان.

كل منهما يطلب الوجدان، ويرى في نفسه الإحسان، ويريد أن يمحو صاحبه، إلى وجوده، وأن يقيمه في شهوده، حق يُشهر يراد به باطل، وباطل يحكم ويراد من ورائه حق {قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون}[٨]، فإني أعرف ما لا تعرفون، وأتواجد ما لا تتواجدون، وأطلب ما لا تطلبون، وأفتقر إلى من إليه أنتم لا تفتقرون، فإني على أمري ضنين، وبحقي في يقين، فما أنا إليكم يوما، بعابد ما تعبدون، وأنتم ما كنتم على ما أنتم، ولما في أنفسكم لا تغيرون، فلا إلى ما أنا به تصيرون على ما تشهدون، فإنكم في قادمكم لن تعبدوا ما أعبد، وستبقون على ما أنتم عاكفين، وله عابدين، وكلما تكشف لكم يقين، حننتم إلى باطلكم، فإليه عدتم إلى يوم الدين… أنتم ما بيقين آمنتم، وحجة الله على أنفسكم أقمتم، يوم هداكم السبيل فكفرتم، فكشف لكم كفركم، لتغيروا ما بأمركم، وتجافوا حالكم وأنفسكم على ما أنتم، فما لأمركم غيرتم، وإن الله بالغُ أمره، عرفتم أم أنكرتم، وإن الله ناصرٌ عبدَه، قبلتم أو خاصمتم، أدركتم أم جحدتم.

نعم… حَمَى بيتَه… نعم نَصر عبده… وأعز جنده… وهزم الأحزاب وحده… وسيفعل كلما أظهر عبده… حَمى بيته… ونصر عبده… وأعز جنده.

لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والله أكبر.

الله أكبر… على من طغى وتكبر… والله أَقدر، على من كفر وأجبَر.

اللهم يا من نصرتنا على أنفسنا… اللهم يا من أحييت قلوبنا بيوتا لك… اللهم يا من أعنتنا على تغيير ما في أنفسنا إلى ما في نفسك برسولك بيننا… اللهم يا من جعلت منا نُصبا لذكرِك، ووجوها لأمرك، وظلالا لرسولك، ومنابر لرسالتك، وحقائق لعبدك، وابن عبدك، من اصطَفيته لاسمك، ونشرته لأمرك، وجددته لذكرك، ووفيته لحقك، وأشهرته لرحمتك، ونصرته لعزتك… اللهم فأعل أمره، وانشر ذكره، وبلغ خبره، وأبقِ واحفظ فينا أثره، وجدد فينا وجهه وخبره، وابعث منا علمه، وحقق له فينا أمله.

اللهم به فارحمنا… اللهم به فانصرنا… اللهم به عندك فاذكرنا… اللهم به في الناس لك فانشرنا، حتى تعم في الناس رحمتك… حتى يشهد الناس طلعتك، وحتى يستمتع الناس نعمتك، وحتى تنقشع عن الناس ضلالتك بضلالة أنفسهم، إلى قائم أنفسهم بك.

عرفوك لفظا… وآمنوك وهما… وأنكروك عِلما… وخاصموك روحا… وأضلوك أشباحا… وسجنوك أرواحا… وأنكروهم ألواحا… وقصفوهم أقلاما… وما تجمعوهم كتابا… وما تواصوا حسابا… وما قاموا لك عَلما… وما استقبلوك معلوما وكلما.

ما لاموا أنفسهم، ولكن قدروك لهم ومنهم مَلوما، ما عرفوهم الإنسان، أسفل سافلين، حتى ينشدوهم الإنسان أعلى عليين، ويعرفون في أمرهم الطريق، ويعرفون لرحمتهم من يكون الصديق، فيعرفون السبيل، وينشدون بينهم الدليل، ويرفعون فوق رؤوسهم من كان لك المسكين الذليل، تاج هاماتهم، وسلطان ذواتهم لعروش أنفسهم وممالك هياكلهم، لأرض الجنان لقياماتهم.

بك حق قيامهم يخاصمون في ظلام أنفسهم الطاغوت، ويسبحون بين جوانحهم في الملكوت، ويستوفون حظهم من الرحموت، فيحيون منهم الناسوت، ليتواجدوا بك اللاهوت، فيدخلون في حصن لا إله إلا الله، فتحه عبده وعترته على مصراعيه، وقام وقاموا بيننا عَلما عليه.

جدد بعترته نفسه بيننا، كوثر رحمتك، ودوام نعمتك، وقائم سبيلك، ومتجدد دليلك، أنبياء كتابك، ومفازة حجابك، وشمس معرفتك، قليل منا من عرفه، وقليل الشكور، وقليل منا من شكره، وقليل الذكور.

اللهم به فتولنا في الصغير والكبير من شأننا… اللهم به فادفع عنا ما نعلم وما لا نعلم، من البلاء هو منا، ردا لأعمالنا، وجزاء أفعالنا.

اللهم به فعاملنا برحمتك… اللهم به فعاملنا بمغفرتك… اللهم به فعاملنا بواسع مغفرتك، وواسع رحمتك… اللهم به لا تكلنا إلى أنفسنا، ولا لغيرك طرفة عين ولا أدنى من ذلك.

اللهم به كن لنا، ولحكامنا، ولمجتمعنا، على ما يليق بك، لا على[٩] ما يليق بنا… اللهم افضحنا لنا ولا تسترنا علينا حتى يتميز الخبيث من الطيب فينا لنظرنا… اللهم اكشف حجاب الغفلة عنا، لنشهدنا لك، أو لنشهدنا في مخاصمتك.

اللهم فافضح الغافلين والمغفلين منا لهم عندهم… اللهم فرق جمعهم، وفرط أمرَهم ليشهدوا ضعفهم، واكشف لهم أنفسهم على ضلالتها ليشهدوا أمرهم، حتى تكون لهم كرة إلى هدايتها، وقد أفلتت منهم هذه المرة بتعاستها، فيدخلون برحمتك في إنظارك، يوم تنظرهم الى ما علموا من اليوم المعلوم لهم، فيدخلون في إنظارك يوم تحفظهم من أنفسهم، علمت نفوسهم ما قدمت وأخرت، فتحفظهم كافرين، بواسع رحمتك، وتنظرهم موعودين، بشامل وجودك، وواسع جودك.

اللهم انزع من قلوبنا كل غل، ولا تجعل فينا غلا لأحد من الناس، لا مؤمنين ولا كافرين، واجعل محبتك عندنا لك، للناس أجمعين.

نستكبر على المتكبرين، رحمة منك، ونهش للمساكين، معرفة بك، ونأوي اليتامى، تخلقا بخلقك، ونؤثر على أنفسنا على ما فعلت لنا، في أحسن تقويم مخلفا، وعلى ما وعدتنا به، من قادم لأحسن تقويم مستخلفا، خلفاء الأرض، وكتب الدين، وأعلام الحق، وبيوت اليقين.

هذا كله كان لنا، في هذا الدين، مع هذا النبي، بهذا الكتاب الأمين.

اللهم وقد وعدت بحفظه فاحفظه لمعانينا في مبانينا.

اللهم وقد وعدت ببيانه فبينه لنا فينا.

اللهم وقد وعدت بنشره، فانشره في ألفة قلوبنا، وسامي معانينا، لعليّ مراقينا.

اللهم وقد وعدت بتجديده، فجدده بنا لنا في بنينا، بعث آبائنا في معانينا.

اللهم اجعل منا ألواحا جديدة، وأقلاما عديدة، وساعات وليدة، وأياما مديدة.

اللهم أعلِ كلمة الحق في يومنا… في عصرنا… في جَمعنا… في أُمتنا… في أرضنا… في دنيانا… في حاضرنا… في قائمنا، ولا تجعلها فتنة منك بإظهارها هزيلة، مهيضة، عليلة، وهي المتحكمة، فاتنة أو معلمة، أمام باطل تعليه، وتعزه بمخدوعيه باسم متابعيه.

اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شأننا، واجعل اللهم خير أيامنا يوم لقائك بكشف الغطاء عنا، وخير أعمالنا خواتيمها في مرضاة رسولك وحقك علينا.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة المائدة – ١٧ ↩︎

  2. سورة آل عمران - ٩٧ ↩︎

  3. سورة الرعد - ٤٢ ↩︎

  4. سورة العلق- ٦، ٧ ↩︎

  5. سورة العلق - ٨ ↩︎

  6. سورة فصلت - ٥١ ↩︎

  7. هذه الكلمة تمت إضافتها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎

  8. سورة الكافرون - ١-٢ ↩︎

  9. هذه الكلمة تم تصويبها من “لأعلى” إلا “لا على” وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎