(١٤)
الحق الرسول، للحق المرسِل
هو الظاهر والباطن، هو القديم والقادم
في موجود الحق، وحقيقة الخلق
حديث الجمعة
٢٦ شعبان ١٣٨٦ هـ - ٩ ديسمبر ١٩٦٦ م
آمنت بالله… وآمنت برسول الله… وآمنت بالمؤمنين بالله ورسوله… وآمنت بكلمات الله، وبكلمات رسول الله.
آمنت بوحدانية الله، لا شريك له من وجود، ولا شريك له مما تواجد في الوجود، أوجد بالوجود، في أعلام موجوده، على ما كان في أزلي وجوده، وأبدى تواجده.
آمنت بما أُرسل به رسوله من النور لمعنى الكتاب. وآمنت بما علَّم وهَدى الرسول لمعنى الرحمة في حجاب الآيات، وبما قَدَّم مما وعى فأوعى، إحاطة الخطاب، وبما فيه مُكِّن من أمره بالروح فسَرى وأوحى، فكان وحيا يوحى، وروحا مُوحي، ونورا بُعث، وحياة امتدت إلى الجماد فأحيته، وإلى العدم فأوجدته، وإلى الوجود فأبقته، وإلى البقاء فخلدته، وإلى الخلود فجددته، وإلى القديم فجديدا أظهرته.
فكان الإنسان مبعوثا به عنوانا على الوجود ونواة لوجود، لموجود مُوجِده، وعنوانا على موجوده بما أوجد في وجوده.
كان الإنسان به قائم الحق، كلما تجدد بالحق جديده رسولا، وكان قديم الحق كلما تكنز خلف جديده مرسِلا، وظاهر الحق كلما ظهر كلمة لله، وباطن الحق كلما تكنز بكلماته فبطن، ففي مطلقه عنا احتجب، ومن كنزيته بجديد تجلى وتجدد واقترب {اقتربت الساعة وانشق القمر}[١].
تجلى حقا خالقا، وظهر حقا مخلوقا، وتكنز في القلوب حقا مُنَزَّها. فكان الإنسان به حقيقة الوجود، وروح التواجد، وسر الحياة، به تواجد الموجود، وظهر الخالق بما خلق، ظهور البديع بما أبدع، ظهور الكامل، بما في ظاهرٍ تكامل، فكمل… كان الإنسان به هو الظاهر والباطن، هو القديم والقادم، في موجود الحق، وحقيقة الخلق.
قدم شعار الوحدانية لله، رفع هذا الشعار للناس متعاليا فيه، كاملًا به، ومكملا فيه، وموفيا لمستوفيه، محمدُ الله بلا إله إلا الله، رافع الرتب لمن والاه، خافضا إلى هاويته كل من عاداه.
محمد الله… حق الله… عبد الله… رسول الله… وجه الله… إنسان الله… إنسان الله في جماع صوره… إنسان الله القديم… إنسان الله القادم… إنسان الله القائم… إنسان الله الخالق… إنسان الله المخلوق… إنسان الله الظاهر… لإنسان الله الباطن… إنسان الله المداني، لإنسان الله المتعالي… إنسان الله وكفى، والرسول الذي اصطفى، وعبد الله الذي وفى، وحق الله الذي استوفى.
شرف الإنسانية، وحقيقة الإنسانية، وأمل الإنسانية، وسلام الإنسانية، كوثرا بنفسه، من فعل نفسه، كوثرا بحقه، من فعل حقيقته.
كان في وجوده بموجوده، على ما كان، وعلى ما هو كائن، وعلى ما سوف يكون. كان الرجل الثاني دائما… للأول له… فيمن لا أول ولا آخر له، متواجدا به، الرجل الثاني دائما، لا يتخلى عن مقامه، مدركا أن الرجل الثاني لسبق مهما تعدد فهو عنده متوحد حاضر الأزل، هو له عنده الأول وربه دائما. وهو منه رسوله وعبده إلى من جدد أو من خلاله بالله ورسوله مؤمنا تجدد. هو لحقائق الأول، لمشروع الخلق الأبدي حامل البشرى لتجلي الآخر بمعارج القديم. هو لهما بينهما الثاني منهما يتجدد لهما بكوثره دائما، بَعدا وقَبلا، فهو لا يُعرِّف عنه كأول - وإن كان أولا لنا - بل هو الثاني للباقي مبشرا به، كما هو الثاني للقديم معرفا عنه.
يعرف عنه الرجل الثاني للرجل الأول، هو الأمر الوسط… هو الحق الوسط… هو الإنسان الوسط… هو الآدم الوسط… هو الأمة الوسط… هو الكوثر الوسط… هو ما بين الأول والآخر… دائما وأبدا الأمر الوسط، والرجل الثاني. يرى في الآخر عين الأول، فهو المبشر بالآخر، لعين الأول، فهو الرجل الثاني مع الآخر، كما هو الرجل الثاني مع الأول.
يعرف الله، على ما يليق بالله… ويعرف نفسه، على ما يليق بنفسه، فيُعرِّف عمن عَرَفَ… يُعرِّف عن الله، لا أول ولا آخر له، في قديم وقادم، ولا موجود معه ولا شريك له، في باطن وقائم.
إنه بما عَرَف، وبما يُعرِّف، هو رسول الله. وهو بما شَرُف، هو عبد الله. وهو بما أنعم به الله عليه، وهو بما ينعم به على من ينعم عليه، نعمة الله، عطاء الله، ورحمة الله، هو لها قاسم، والله به هو لها المعطي. فهو اسم الله المعطي، واسم الله القاسم. وهو بكوثره ابن القاسم، وهو أبو القاسم، وهو القاسم، ومن حضر القسمة فليقتسم، ومن اقتسم فليبتسم، ومن غاب عن القسمة والقاسم فليندم… لأنه بعيدا عن القاسم، وما يقسم، لا يَسلَم، ولا يَعلم، ولا يُرى ولا يُكلم.
طلب أن يحيا مسكينا مع الأول، وأن يبقى مسكينا في الأول، وأن يحشر مع المساكين للأول. لا يتخلى عن وصف العبد لنفسه، ولا ينفك عن الأعلى لوصف الرب عليه، إيمانا ومعرفة باللانهائي، وجودا وتواجدا… حقا وخلقا… تجليا وتكنزا، كيف لا وقد أظهره الأعلى على الدين كله، واختاره لنفسه، وأظهره لأمره.
أظهره ربه على الدين كله، وقال له لا فرق بيني وبينك، اذكرني في نفسك، فعيني قائم عينك، وسبيلي عين سبيلك، ووجودي عين وجودك، أنا بموجودي لمن أوجدني، عين وجودِك، لمن أوجدك، وقد أوجدني لك وأوجدك لي، أوجدك لي لأظهر، وأوجدني لك لتُعلَم.
فإني وإياك، تواجدنا أزواجا، وتحققنا أزواجا، وجددنا أنفسنا أزواجا، فيمن لا شريك له… فيمن لا مثال له… فيمن لا تعدد له، تعددنا نحن فيه، لواحديته لمعانيه، في أحده لوجوده، لا شريك له. لا شريك له مني، ولا شريك له منك، في موجوده لنفسه، ولا غيبة له عني، ولا غيبة له عنك، فأنا وإياك، خليل لخليل، وحبيب لحبيب، تخاللنا حتى لا تعدد لنا، وتحاببنا حتى لا واحدا كنا، وأحدا صرنا.
فأنا المتواجد فيمن تتواجد أنت فيه، وأنت الموجود فيمن أتواجد أنا به، لا شِرك بيننا، ولكن قائم الحق نقوم، قياما للحق يقوم، وقائم الحق نظهر، ظهورا للحق بنا يظهر… عبد ورب وما تعددنا. فإن قلت إنّا كنا عبدا وعبدا لأعلى، فقد صدقت. وإن قلت إنّا رب ورب لإله لنا فما أبهمت. إنّا في حق يجمعنا، وإله يقومنا، بما فيه كنا عرفنا عنا، كيف فيه أنّا.
نؤمن بالغيب مشهودا في شهودنا لأنفسنا ما عُرفنا، وبالوجود مشهودا وبنا موجودا فيمن نتواجد فيه بوجودنا لله له كشفنا.
أظهره الناموس على الدين كله، وأظهر به الدين كله، فلم يأبه للكم من موصوف الخلق، وحرص على إيجاد الكيف، فيمن يتساءل، كيف أنا؟ كيف خُلِقت؟ كيف وجدت؟ كيف أكون؟ كيف أعمل؟ كيف أعلم؟ كيف أخشى؟ كيف أحب؟ كيف أوحد؟ كيف أتحد؟ كيف أتوحد؟ كيف وكيف وكيف؟؟؟ ذلك دين القيمة.
فقال لك، معلما هاديا، لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من الدنيا وما فيها. يهدي بك! إنك لا تهدي من أحببت! ولكن الله يهدي بك، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، يهدي بك من يشاء.
إن الحب بالنسبة لمطلق الله ليس من وصفه، وإن اتصف به لذواته بالإنسان، إنما هو من وصف الرجل للرجل فيه… إن الحب هو الذي يجمع الرجال بالأمر الوسط بوصف الأول له والآخر به، إلى لا أول، وإلى لا آخر.
ولذلك عَرَف عنه الأمر الوسط وقال وأشهر وعَلَّم… إنه الرجل الثاني دائما… إنه الرجل الابن… للرجل الأول، للرجل الأب، ثم نزه الأعلى إلى معنى الرفيق، عندما تواجد منه الابن، ووجد له الخليل والصديق فقال في جلباب بنوته، وقد وعد بجديد لكماله إلى أبوته.
إن الله محبة، وأنا بينكم عنوان المحبة… أنا فيمن أحببت، ومن أحببت بحبه لي كان فيّ فأنا فيه وهو فيّ، على ما أنا في الأعلى وعلى ما هو فيّ، وأنتم بالمحبة، تكونون فيّ، وبالمحبة، أكون فيكم فتكونون مني وأكون منكم.
لا دينونة على من دخل في قلبي، فأنا الدينونة، ويومها دائما… سعيد من دخلني… شقي من لم يدخلني… {يا أيتها النفس المطمئنة… ادخلي في عبادي وادخلي جنتي}[٢].
مسخ على مكانته، من كان بعيدا عني، ولم يشأ أن يرى فيَّ مثلا أعلى يتمثل به ويقتديه وينشده لنفسه من الأعلى، فكان بمشيئته شيطانا… أنا منه البريء، أما من دخلني، فقد دخل فيمن أنا داخل فيه، فكان له ممن أنا فيه، ما أنا فيه على ما يراني، لعين معناه، لقادمه بقائمه يرضاني (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)[٣]… (ومن كان عليّ مولاه، فالله قد والاه وتولاه)… (خلفت الله عليكم)[٤]… (أصحابك قد خولطوا… نعم فقد خالطهم أمر جلل)[٥].
فإن كنت الرجل الأول لله على ما أظهر في يوم الدينونة، لإدانة من يدينه أبي بخطيئة البعد عني {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى}[٦]، {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا}[٧]، فإني يوم أجدد نفسي بمؤمن أتواجده في أبي يومئذ يكون أخي فلا دينونة عليه يومئذ أقول وإياه مصلين أبانا أو الرفيق الأعلى سواء في الأرض عرفناه أو في السماء شهدناه فنحن عترته… نحن جلدته… نحن ظلاله… نحن وجوهه.
هو ربي، وهو اليوم في يومي… هو في السماء إله، كما هو في الأرض إله، لا يعرفه إلا من تبناه وإلى نفسه آواه، وسيأتي يوم، يتواجد بينكم على صورتكم ومن أنفسكم، ولا تعرفونه، كما أنكم لم تعرفوني، ولا تؤمنونه كما أنكم لم تؤمنوا بي، ولا تدركونه كما أنكم لم تدركوني، ولا تشهدونه كما أنكم لم تشهدوني… لأنه سيظهر بينكم بما هو لي من الله… سيظهر بينكم بما هو لي من الأعلى… سيظهر بينكم بما هو لي من أبي، وهو لي أبي… هو لي روحي… هو روح قدس الوجود… هو روح قدس الحياة، فإن كسبتم معرفته في صحبتي، وحل فيكم نوره نورا على نور، وسرت فيكم روحه روحا لروح كنتم أخوتي، كنتم معي في أبي، في روحي، في وجودي، في حياتي في روح قدسي، في إنسان الله لنشأتي ودائم حقيقتي.
هو روح قدس الوجود من الأعلى… في ذي المعارج، يحل فيكم فتأتون أفعالي، قومه أناجيلهم صدورهم… قومه إخوتي، فإذا عدت إليكم بيومي للدينونة مرة أخرى، ليدان من يدان، بسعادة أو بشقاء، وأنا في دوام يومها، دعوت الصادقين منكم بإخوتي، أو المارقين منكم، ممسوخين على مكانتهم، شياطين المادة، وأبالسة الروح فإني منهم بريء. يومئذ أعرفكم عنه جهلتموه، وأشهره بينكم أنكرتموه. فلن تشهدوا على أرضكم، إلا الأمر الوسط والرجل الثاني، وهو قدمه بي، وحقيقتكم من حقيقته بحقي لوجودكم ولشهودكم.
إن آدم، كان الرجل الأول، لوصف خلقه، وكان الرجل الثاني لموصوف حقه. ما قَدَّمت الأديان، في جميع ألوانها، وعلى ألسنة مؤسسيها آدم، إلا عبدا لأعلى، وما كان آدم عبدا، إلا وجه الأعلى، وظاهر المتكنز، وداني الغيب، وأمرا وسطا في الله بين عاليه لربه، وبين بنيه لأنبيائه عنه لدانيه، قياما وتعريفا عن مواليه ومعافيه. الله له وقبله، الله له وبعده، الله له ولأبنائه، الله لأبنائه وله… الله بعده وبعدهم، والله قبلهم وقبله.
إن الذي أثار هذا الحديث، وإن كنت دائما أثيره، ولكني إنما أثيره اليوم، بمناسبة زيارة رجل آدم من الهند، يمر في جولة في العالم، نشرت عنه صحفنا، وتلاقى معه بعضنا، السيد المعلم (مهاريشي ماهيشي)، أحد رجال التوحيد الهندي، (اليوجا)… الرجل الآدم… الإنسان الآدم، الذي يشير بموجوده، والذي يتواجد بوجوده، كلمة لله، الأمر الذي يظهر به دائما على الأرض، جديد الآدم لقديم الآدم، بما يكشف لنا عن الناموس القائم لدائم الخلق ببدايات، عما يقابله من دائم الحق بنهايات أمران لله على الأرض يجتمعان، وفي الناس يتلاقيان، وجها لوجه للآزال بحقائقها، وللآباء بخلائقها، الله من وراء وجوهه بإحاطته، والله على الكل بقيوميته، والله للكل بقائمه، ما حرصوا على أمرهم منه، ولم يفرطوا في أمر الله لهم به.
نحن في بيئة الإسلام، قد غم علينا الأمر، وحرفنا الكلِم عن مواضعه، وأنكرنا على الرسول في مضاجعه من القلوب، وفي قائمه من القوالب، وفي أحديته لواحديته بأمته، وفي حقه من النـور، وفي منتشره من الظهور، بأوادم الناس لا بدء ولا انقضاء لها.
فإن كان محمد بذاته آدما، إلا أنه كان بروحه، روح قدس لله، جماعا لأوادم، هو الروح المنفوخ منه به في أوادم الناس، والروح الذي يُلقى من أمر الله على أديم الناس. هو روح الحياة… هو نور المعرفة… هو سفن الرحلة.
كان الناس منه هم أقدام الراحل، وكان هو لها بعملها هو أيدي الفاعل، وهو فيها عين البصير… هو حياة القلوب… هو قلوب الحياة للقوالب… هو جنة النفوس… هو رحلة العقول… هو حقيقة الأرواح… هو حياة الأشباح… هو كل شيء، لمن أراد أن يكون في الله شيئا… هو كل أمر للمؤمن، يوم يكون المؤمن أمرا لله، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[٨].
إنه الحق الذي هو أولى بك من نفسك، يوم تكن من السعداء بإيمانك بنفسك قائمة بالله ورسوله… إنه الحق الذي يتكشف لك الحرمان منه لأمرك، يوم تكون من الأشقياء. فمن كان يتيما أمام نفسه، وجده من آواه لشهوده وحسه فهو لليتيم لا يقهر، ومن كان مؤمنا باليتامى وجده من يرعاه فهو للمؤمنين ليس عليهم بمسيطر، ولكنه كان لأمته كلما بدا لها أو ظهر بين ظهرانيها، ربا راعيا رحيما، يخفض جناح الذل من رحمته، ويبسط يد النجدة من عزته عبدا لأعلى في قدوته. يرفع من يرفع، ويخفض من يخفض بحكمته.
هو سلطان الله المـــُخلِّص، وهو لا يخلِّص، إلا من تعرض لرحمة الله وفتح صَدره لنور الله، إلا من طلب الإيمان… إلا من شعر بالافتقار، إنه لا يُكرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين… إنه لا يدخل القلوب إلا طارقا مستأذنا… إنه لا يحب الكبرياء ولا المتكبرين ولا بالكبر يظهر، فما علا علَيّ بعلم بعلمه تكبر، وعلى أدنى له أظهره لنفسه بين يديه بهديه أصغره. خفض جناح الذل من الرحمة، كلما ذكر، وكلما دبَّر. وتكبر على أهل الكبر، كلما تصدق وأحكم فقهر وبعد القهر أطلق وغفر.
دعا إلى الأعلى وما كان غَيره… عَلِم عن الأعلى وكان عينه، مُعلما حَكيمًا، غنيا بالله، مغنيا به، مفتقرا إلى الله مع وافر حظه من غنائه به، شاعرا بضعفه معه، مع صحبة عزته له مفتقرا، حتى إلى افتقاره إليه، {واصبر وما صبرك إلا بالله}[٩]، اصبر واعلم أن الذي علمك الصبر ومنحك إياه، ما كان إلا الله.
لا تنسب إلى نفسك أمرا، ولا تظهرها بما تأتي منك بمظهر، فعلا أو قولا. انسب أمرك إلى الله… انسب أمرك إلى الأعلى، فهذا أدنى لك إلى قلوبهم أن تُقبل، وإلى عقولهم أن تَقبل، وإلى نفوسهم أن تتفتح فتحيا وتفعل.
أحيهم بما فيك من الحياة، وخلصهم مما هم فيه من الموت، أَمِت فيهم الموت… وابعث فيهم الحياة، ألست روح قدس الله… ألست وجه ذات الله ذاتا لذات، حتى إلى الذات… ألست جماع كلمات الله، تترى كوثرا، وتَتلى خبرا، وتقوم نُصبا، وتنتشر أوادما، بين قائم وراكع وساجد! أنت في الكل العابد، وأنت بالكل القائم كلما تآلفت القلوب معك على المذكور بك.
فأنت بنا لك، لعينك بهم في كل ذلك، النُصب والقبلة… أنت البيت والذكرى… أنت الذكر المحدث للذكر القديم، حتى لعين المذكور… أنت الذكر والذاكر… أنت المذكور والذاكر… أنت الخلق والحق… أنت العبد والرب… أنت الظاهر والإله… أنت الشهادة والغيب… أنت الإنسان، على ما هو الإنسان، في قديم لا بدء له، وفي قادم لا انتهاء له، بقائم لا انقطاع له فيمن لا أول له ولا آخر له، ولا ظهور له ولا غيبة له، ولا شريك له.
{ورضيت لكم الإسلام دينا}[١٠]، ما رضي من رضي لنا الإسلام دينا، إلا على أساس من هذا العرض، وعلى حقائق هذا الفرض، وعلى حضرة الحق على هذه الأرض، ملأ لملأ، أدنى لأعلى، وأعلى لأدنى، طبق فوق طبق ترفعون، وطبقا بعد طبق ترجعون، وطبقًا في أثر طبق من المادي تتخلصون، وفي فضاء الوجود تنتشرون، فتخلقون الحياة على ما تشاءون، وعلى ما تريدون، وعلى ما تعلمون، وطبقا بعد طبق تتخلفون، وتهوون وتهلكون. وتعالى الله عما تصفون.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله
اللهم بمن جعلته قدوة كافة للناس، اجعلنا به من الناس.
اللهم بمن جعلته حقا في لباسه بشرا، وبالحق بعثته، وبالحق منه نشرته، اللهم بشرا فحققنا، وحقه فينا فأقمنا، وحقه منا فانشرنا، وحقا لك تواجدنا.
اللهم حقا بك فأوجدنا، وأوجدنا، وأوجدنا… وكوثرا لك فتواجدنا، وروحا بك فجسدنا، وأجسادا منك فرَّوحنا، لطيفًا لك فكثفنا، وكثيفا بك فلطفنا، وظلامَنا فامحُ عنا، ونورك فينا فتواجدنا.
اللهم بنا لك جددنا، وكثرنا وحققنا وألهمنا وعلمنا، ووجودا منك فتواجدنا، وللوجود كتابا أقرئنا، وإنسان بيان بَيِّن لنا وأبنَّا، وإحسانا منك فاقبلنا، وعن حظيرتك لا تقطعنا، وعن التواجد فيك عبادا لك لا تمنعنا.
اللهم أربابا لا تخدعنا، وآلهة لا تفتنا، واجعل الربوبية فينا لتُعلمنا، والألوهية لنا لتُشهدنا، وفي دوام بالعبودية فجددنا، وعبادا لعبادٍ فتجددنا، وعن وضعنا منك في المقام الأسمى للرجل الثاني والأمر الوسط لا تقطعنا.
ولبيوتنا الأبوة الأولى لا تحرمنا ولا تمنعنا، وأبوة من أبوتنا فتواجدنا، حتى نعود بك للمقام الثاني على ما رَشُدنا.
اللهم عن دين الفطرة لا تبعدنا، وعن محمد لا تقطعنا، وفي متابعته إليك لا تمنعنا، ورفيقا أعلى لنا فعلمنا ووفقنا، لرفيق أعلى له تواجدنا، به آمنا، وله طلبنا.
لا إله إلا الله بك شهدنا، والله أكبر لك عرفنا، ومحمدا رسول الله به حقا منك قمنا، فلأنفسنا به شهدنا، أنه لا إله إلا الله، وأنه محمدا رسول الله.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة القمر - ١ ↩︎
سورة الفجر – ٢٧،٣٠. ↩︎
حديث شريف، يوم غدير خم، بعد حجة الوداع، حيث أخذ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بيدِ عليٍّ رضي الله عنه، فقال ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسِهم قالوا بلى قال ألستُ أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه قالوا بلى قال فهذا وليُّ من أنا مولاه اللَّهمَّ والِ من والاهُ اللهمَّ عادِ من عاداهُ. صحيح ابن ماجه، أخرجه ابن ماجه وأحمد. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
من كتاب نهج البلاغة، في وصف الإمام علي للمتقين: " نظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض. ويقول قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم. لا يرضون من أعمالهم القليل. ولا يستكثرون الكثير. فهم لأنفسهم متهمون. ومن أعمالهم مشفقون." ↩︎
سورة الشورى - ٢٣ ↩︎
سورة الشورى - ٢٣ ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة النحل - ١٢٧ ↩︎
سورة المائدة - ٣ ↩︎