(٦)

كل مريد بقائمه في اقتدائه رائد
وكل رائد في حقيقته لقيومه مريد
فالإنسان في استقامته أمر وسط رائد ومريد
بين أزلية الريادة وأبدية الإرادة

حديث الجمعة

٢٤ جمادى الأولى ١٣٨٦ هـ - ٩ سبتمبر ١٩٦٦ م

(خير الناس أنفعهم للناس)[١]… (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)[٢]… ولا خير، فيمن لا خير فيه لنفسه.

(ابدأ بنفسـك ثم بمن تعول)[٣]، لقيام أمرك، فإن صلح في الله أمرك، فــ (لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها)[٤]. (ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم)[٥].

كلكم يطلب دار السلام، وكلكم يحمل في هيكله دار السلام، يوم يصبح قلبه دارا للسلام، بيتا خاليا من الخصام، بيتا يعرف الفعل قبل الكلام.

(ذرة من عمل القلوب خير من أمثال الجبال من عمل الجوارح)[٦]. ما صدر من القلب وصل إلى القلب، وما صدر عن اللسان، لا يتجاوز الآذان. {إن هو إلا وحي يوحى}[٧]، وإن هو إلا روح من أمره يلقى… إن هو إلا قلب للقلوب… إن هو إلا نور للظلام… إن هو إلا حياة للكائنات… إن هو إلا بعث بالحق، لطالبي الحق، لعاشقي الحق، لشاهدي الحق، لمؤمني الحق في أنفسهم ومن حولهم، لمشاهدي ولمشهدي عَلم لا إله إلا الله، على أنفسهم، ومن حولهم.

يدخلونها بفطرتهم لقائم قيامهم، فهي لا تُعلَّم ولا تُعلم بالرواية والنقل… ولكنها تقوم بالتجربة والفعل في الروح والعقل، لتُشهر بهم على القلوب والعقول، تاج الرؤوس، وقدرة السواعد، وقدم السعي في الطريق إلى الله أو إلى الناس لمن يرافق في الله… لمن يجتمع في الله… لمن يلتئم في الله… لمن يتحد في الله… لمن يتوحد في الله… لمن يوحد الله… لمن يشكر الله على نعمته، بإيجاده لنفسه واجب وجوده، تواجده بجوده.

لمن يعلم في شعوره بنفسه أن وزره ذنبه، وأن وجوده خطيئته، وأنه بقائمه وقيومه عليه، وقائمه وقيومه به، إنما هو من الله وإلى الله…

لمن يؤمن أن الله لا شريك له من نفسه… لا شريك له من معناه… لا شريك له من قائمه… لا شريك له من قادمه… لا شريك له من قديمه، إنه لا إله إلا الله، يقوم بها الوجود، وتقوم بها الكائنات، يوم تستيقظ من منامها، وتفيق من غفلتها.

مَن عَرف الله، ميسرة له معرفته، لا إعجام عنده في الله. الله على ما عرَّفه، رسول فطرته، ويد نجدته، ووجه طلعته، وقَدم سعيه، وجودا مطلقا، لا حد له، لا إحاطة به، لا مُشاركة له.

الإنسان متواجد فيه أزواجا، من قائم وقيوم، قائمه عين قيومه والأعلى، وقيومه عين من قام عليه والأدنى.

الإنسان فيه، عَلم وجوده، وكتاب عِلمه، لشاهده ومشهوده. هو لكل مفردات جنسه، شرف بشريته، وبشرى جوده، لكل موجوده.

جعل الله خلافته، على الأرض لمعنى الذات لهيكله منها عبادا له، وجعل الناس بأمره بالحياة لهم منه خلائفه عليها، وأربابا لها بملكية أنفسهم منها، فجعل في الأرض خلافته باتحاد القلوب على ذكره، وأقام فيها شريعته بناموس فطرتها لأمره، وعَلَّم بدءا منها حقيقته لكونه، وتجلى بها لها فيها منها عليها، بإنسان جماعها لطلعته، وأول العابدين في معراج الإنسان منه إليه، لعين ذاته، بدءا بذواته، وقياما من ذاته، للقائم على كل نفس في ذاتها، عارجا بها، ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات.

جاءنا الرسول بذاته، روحا تمثل لنا بشرا، سويا، مع أزلي إنسانيته، وبداية لأبدي بشريته، كان شرف البشر والبشرية… كان شرف الإنسان والإنسانية… كان شرف الحق والحقيقة، والحقائق الربانية.

كان مجد الإنسان وسعادته في العبودية، ومشقة الإنسان ومجاهدته، بالربوبية… وغيبية الإنسان في سكينته بالألوهية… وشهادة الإنسان وتعاليه في وجوده في التواجد بالوجودية… ورحمة الوجود بالإنسان في الكونية.

كان بمبناه لمبانيه، ومعناه لمعانيه، كائن كائنه، وكينونة عالمه، حِل بالبلد، ووالد وما ولد… كان حياة الأشياء، وحياة الكائنات، وحياة النبات، وحياة الحيوان، وحياة الإنسان في بشريته وإنسانيته وحقيته.

كان معارج الحياة، للمادة، بدءا من ترابها، إلى كائنها، بيتا أو مدينة، شجرة عالية، أو زرعا نَجَم من الأرض، قريبا من الأرض، حب الأرض، غابات الأرض، متارب الأرض، جنان الأرض، مزارع الأرض، حيوان الأرض، إنسانية الأرض.

(لولا شيوخ ركع وأطفال رضع، وبهائم رتع، لصُب عليكم العذاب صبا)[٨]. لا يؤاخذ الله الناس بظلمهم، {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة}[٩]، فمن يكون الشيوخ الركع، والأطفال الرضع، والبهائم الرتع؟ ولِمَ خص الرسول، الشيوخ الركع، والأطفال الرضع؟ لأن الأطفال الرضع، متخلقون، من روح الله، من الأبوين لمعنى الإنسان، قائم الحضرتين خلقا من بعد خلق، ظاهر الإنسان في أحسن تقويم…

ولأنهم سيمرون في أطوار الحياة، وفي معارج الحياة بنموهم من تراب الأرض، وسينزلون بنمو ظلامهم أسفل سافلين، ثم يتخلصون من ظلامهم، فيرجعون إلى بدئهم بأحسن تقويم بجرمهم في أسفل سافلين، فيصيرون شيوخا ركعا، والله لهم غافر، قائمهم، ما بين أطفال رضع، وشيوخ ركع.

حتى إذا بلغ الأربعين، قال ربي تبت إليك، فهو ما زال في طفولته إلى الأربعين، فإن رجع إلى الله قَبلها قَبِله دون مساءلة، فهو الشاب التائب، وهو بدء الشيخ، المفيق الراكع.

إنه الآدم… إنه الإنسان… إنه البيت. وهو إلى غاية الله به، وحكمته من إيجاده، متجه، وقد أوجده في سلالة من طين، بدأها كلما بدأها في كراتها من ماء مهين، كلما نضجت له جلدة، بدّله غيرها، وكلما قطع كرة، جدد له مثالها، حتى يتوفاه، بيقظة تعقب الموت لأناه في عزلته، فيرى ما كان منه يحيد من أحدية وواحدية مولاه في وصلته. يراه في أمره الجديد… يراه في حقه السعيد… يراه في سكينته بالحق جاءه، يبدأ به أمره، بحق وليد، وشيء جديد. ابن الإنسان وكلمة الرحمن.

فالله، عند المؤمنين، بالله ورسوله لقائمهم يرونهم فيه كلمات لله ورسوله، وهو للناس عندهم أمر بسيط ميسر، فالإنسان لهم فيه، غايتهم منه، وهو أمر، في وجودهم موجود، وفي قائمهم متواجد، وفي قديمهم وجد. الإنسان فيه، هو حقهم، وهو حقيقتهم، هو خلقهم، وخليقتهم، هو صانعهم، وهو صنعهم.

الإنسان فيه، عرف لهم، برسالته إليهم، أبناء آبائهم، وظلال حقائقهم، وجديد قديمهم، وقديم جِدتهم، يوم يتعلمون كيف يجددون جلودهم، ويجددون أمرهم، ويجددون نفوسهم، ويجددون معانيهم، ويشغلون يومهم بأيامهم، أقلام قدرة الله، وصحائف كتب الله، {ن، والقلم وما يسطرون}[١٠].

أظهر الوجود إنسانا على الأرض في دوام، وقدّم في كل زمان لأيام الله عنوانا في سلام. ما غاب عن الأرض في حاضرها عنوان لقديم لها، وما انقطع عن الأرض في قائمها عنوان لقادم إليها… خلقنا الأرض كفاتا، أحياءً وأمواتا، فليسيروا في الأرض، ولينظروا كيف بدأنا الخلق، ولينظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبلهم.

إن هذه البشرية على الأرض، وفي دوام، يتواجد لها، ويتواجد بها، آدم في جنته، وآدم في محنته، وآدم في وصلته، وآدم في قطيعته، وآدم في حقيته، وآدم في خلقيته، وآدم في ظلامه، وآدم في سلامه، وآدم في علمه، وآدم في جهله، وآدم في نشأته، وآدم في نهايته، وآدم في بدايته، وآدم محقق لغايته، وآدم متخلف عن حقيته، وآدم في مفرداته، وآدم في جماعاته، وآدم في فرده، وآدم في بيته، وآدم في أمته، وآدم في بشريته، وآدم في إنسانيته، وآدم في ملائكته، وآدم مع شيطانه، وآدم مع إنسانه، وآدم مع عنوانه، وآدم بعنوانه، وآدم بإحسانه، وآدم، وآدم، وآدم، إلى ما شاء الله. إنها الإنسان في أي صورة ما شاء ركبه.

هذه الأرض ببشريتها، قرآن جامع، وأم كتاب لجامع صحائفها كتابا له، لمن كان لصحائفها جامع، لمن طلب العلم من المهد إلى اللحد، لمن ينشد الحكمة، لمن كانت المعرفة ضالته، والإنسانية عقيدته، والحقيقة معرفته، والله مشاهدته، لمن كان الله قيامه، وذكره، وهمّه وسلامه.

إن كان كذلك، وقام بذلك، فما يكون عمله؟ وما يكون قوله؟ كان عمله عمل قلبه… وقوله، إرادة ربه، إرادة الوجود، إرادة الله، قدرة الله. فما التأمت في الله قلوب، إلا كانت إرادته وأمره للوجود، وحقه وعينه للشهود، وقبلته ونصبه للسجود، وماءه وحوضه للورود، وحبله المتصل الممدود، لمن يريد أن يتمسك بحبل الله للحياة وللوجود.

لا تظنوا أنكم هنا متعطلون، إنكم هنا الموحدون الذين يعملون. أنتم في هذه الحياة للبشرية وحدكم من لها يعملون… أنتم هنا بقلوبكم حية، تحيون القلوب، وبعقولكم مشرقة توقظون العقول، وبنفوسكم متألقة تزكون وتشعلون النفوس، في مسجدكم من الأرض مزوية لكم، على ما زويت لأولكم، وعلى ما يسفر به وبأمره عليها آخركم.

أنتم في أمره - رسولا إليكم – قيام، أنتم به الأمة الوسط، بين قديم الإنسان، أمة في أحسن تقويم، وقادم الإنسان، أمة في أحسن تقويم.

لا تستهينوا بإمكانياتكم، وإن قل عددكم… ولا تَرهبوا عديدكم، ما ضل بهم سعيهم، فما كانوا غيركم، فكم من فئة قليلة، طوت في أحضانها، أو احتوت في أحشائها، أو قومت بسلطانها فئة كثيرة… فما النصر إلا انتصار القلوب على القلوب… وانتصار النفوس على النفوس… وانتصار العقول على العقول… وانتصار الكينونة على الكينونة، في سَتر من الأمر، وفي حق من القائم بالقيام.

لا تقدروا رسول الله وجمعه مهزوما، ولكنه في دوام ما كان إلا قائما منتصرا معلوما، يلهم ويوحي، ويقود ويوجه… يعرفه، من يعرف نفسه، يدركه ويقدره، من يقدر نفسه فيه، ونفسه منه، فيُكشف له غطاؤه عنه، وإلى أن يكشف له غطاؤه عنه، ما خرج عن قائمه به، ولا عن مراده له.

إن المسلم الفطري، أيا ما كان لسانه، وأيا ما كان قومه ووطنه، وأيا ما تابع مثالا له، يرتضيه، وكيفما قدر أمره فيه، يجاهده، ويلتقيه، فإنه في الله ورسوله، وبالله ورسوله… في الله ورسوله لا يخرج عنهما، وبالله ورسوله، لا يتخلص منهما.

كونوا للخير، ولتكن منكم أمة، تدعو إلى الخير، تأمر بالمعروف لها، وهو الله ورسوله في قيامها لقائمها… وتنهى عن المنكر، من الشرك بهما، والخروج عن أمرهما وهديهما، وتؤمن بالله، قائم وقيوم وجودها، بالله ورسوله.

إن قمتم أمة وسطا، على ذلك، على ما قامها الرسول وصحبه بذلك، وتجدد بها من تجدد به، في أحوالهم لأحواله، من آيات الله بينكم، بهم حييت القرون، وبعثت الأوادم، وجاء في قائم ما هو قادم، وتجدد في قائم ما قام، مما لا زال في قيام قائم.

بكم تدور الحياة، على ما هي دائرة… وبكم يتجدد للناس الخلاص والنجاة، على ما هي سفن النجدة، في بحار الوجود ماخرة، بالحياة وبالحق سافرة.

سفن بيت إنسانه، وقائم حقه وعنوانه، في مدينة بيوته توضع وترفع، لبيته، أصلا لكل بيت يرفع أو يوضع، في أحد وجوده، لأحد ربه… لأحد إلهه. في مطلق الله اللانهائي بموجوده، فيه عديد مثال من وجوده، وقائم موجوده، آحاد ومدن وبيوت وأرباب، وآلهة وعباد، وحقائق وخلائق، لا عد ولا حد ولا حصر لها.

بذلك جاءكم دين الإسلام، لتكونوا مسلمين… وجاءكم دين الإيمان، لتكونوا مؤمنين… وجاءكم دين المعرفة، لتكونوا عارفين… وجاءكم دين الحياة، لتكونوا من الأحياء… وجاءكم دين الكتاب، لتكونوا أهل كتب، أناجيلكم صدوركم، وقرآنكم وجودكم، ورسولكم شهودكم… ومعراجكم تواجدكم… جنتكم فيكم، وناركم بكم، وحقكم، في بيته، من هياكلكم، ونصبكم، قائمكم لمن يحيط بكم، دائرة وجودكم ونقطة مركزكم.

أنتم الألف والهاء، لمن يشير إلى وجوده موجودكم… أنتم (الآه) في آلامكم، من عبئكم… وأنتم الهاء في سعادتكم بإحاطتكم، لاستقامة ألفكم لتآلفكم، ألف ألفكم، وأليف موجودكم، ظهور معيتكم، ومعية معانيكم، لا إله إلا الله قيامكم، والله أكبر شعاركم، ومحمد رسول الله بشراكم، وبشرى منكم، لمن يستبشر به إليكم، ليشهده فيكم، ويكسبه لنفسه منكم.

أنتم البلد… أنتم الوالد والولد… وأنتم ما حل بالبلد، وما حل في والد وما ولد… أنتم رسول الله… وأنتم ما حل في رسول الله من الله، يوم أنكم لله ورسوله، وبالله ورسوله، بهما تقومون، ولهما في كل شيء تشهدون، ومنهما، لكل شيء بهما، بما هو بكم منهما تقيمون وتشهدون.

تخلقون وتوجدون فبما عملتم تتخلقون وتتواجدون، نور الله تسيرون، ونور الله تقومون، وبنور الله تؤمنون، وظلام النفوس تقتلون، ومشاعل الحرب تطفئون، ومشاعل السلام ترفعون. نار الله توقدون، ونار الخصام فيكم تطفئون، وفي الناس تخمدون.

أعلام الحب، تقومون، وتُشهِدون، وأعلام الحب، تَشهَدون، آباءكم تستقبلون، وأبناءكم تجددون، وآباءكم منكم ومن خلالكم في أبنائكم تبعثون… تقيمون القواعد من البيت كما فعل آباؤكم الأولون إبراهيم وإسماعيل ومن يتابعون. تتهيؤون في دورة الناموس، لترجعوا إلى الأرض بعد الخروج منها غير هيابين. فمحمدا أو عَليًّا تقومون[١١]، ومحمدا وعليًّا تبعثون، وبيوتا لله تتكاثرون، وأمة على ما وعدوا وحققوا توعدون وتحققون وتتواجدون.

فما كانت أمة إبراهيم، إلا أمة محمد، مِلة أبيكم إبراهيم. هو سماكم المسلمين، وما كان إبراهيم أمة، إلا محمدا يقوم ويتقلب في الساجدين… (أنا دعوة أبي إبراهيم)[١٢]، (ما أعطيته فلأمتي)[١٣]، (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[١٤].

سعدت البشرية، بإنسانها، يوم انشقت الأرض عن ربها زويت له مسجدا وطهورا، وقد أوحى إليه روحا من أمره، كشف له عن نور الله فيه أنزل معه، يقومه، ويقيم به، فأشرقت به بشرية الأرض بنور ربها، فانقطع الإنباء عن الله، إلى الاجتماع عليه، والقيام به، والعرفان له، بشعار لا إله إلا الله، يرفع على أرجائها، تقوم به سماواتها، وبه يقوم جديدها منها، وقائمها لها، فتواجدت على الأرض خلافة المطلق، إذ تواجد على الأرض إنسانها، جعل له الخلد بشرا عليها ومن أنفسهم، فتواجد للسماوات على الأرض عنوانها، وأوحى في كل سماء أمرها، وجمعت على الأرض أمورها، فجعلت النبوة لعلمائها… والحقيقة والمثل الأعلى لعباد الله عليها.

إذا جاءكم نبي، مصدق لما معكم، لتؤمنن به، ولتنصرنه. قالوا قبلنا وتعهدنا، قال لهم، قدموا على ذلك إصركم، فقدموا إصرهم، فأخذ منهم إصرهم وعهدهم، وقال اشهدوا وأنا معكم من الشاهدين، فجاء به أمرها وإنسانها ومعه ربه لنفسه وأمته، مزوية له الأرض بمعناها، لا شرف لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، فبلّغ وهدى، وعمل وسعى، وجاهد وجمع وانتهى، وخلف وائتمن إلى ترك علم محفوظ بكتابه وحديثه وحديث ربه، فبقي بذلك في عمل دائب موجد خلاق بعترته وأهل بيته، ومجال لا ينقضي لنشاطه بأمته.

ودعا إلى أعلى ليتمكن من الأدنى، (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم)[١٥]، (فليبلغ الحاضر منكم الغائب، ورُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)[١٦]… (اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد)[١٧].

نعم شهد له من شهده محمدا رسول الله وكان الله من الشاهدين، فشهد، وتعهد، أنه مبين، لما كلفه به، وائتمنه عليه، وأمره أن يتلوه في الناس على مكث له فيهم، وأن يبين لهم، لا يشق عليهم، لا يكلفهم إلا وسعهم، ففعل بذاته وظلالها ممن آمن بالله ورسوله لنفسه على ما آمن بهما محمد لنفسه، فعرف الرسولَ آدم وجوده ومحمد شهوده لصلته بالله.

إذا قرأناه فاتبع قرآنه، فاتبع كتابا أنزلناه إليك لتبين لهم، فبين. ثم إنا علينا بيانه، إنا علينا جمعه وقرآنه، إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، وها هو على ما بينه الرسول يبينه لكم، وسيبقى، يبينه لكم حتى يبين. وسيتلوه بينكم على مكث حتى تعوه وتدركوه… إن الله بالغ أمره على ما علمكم وأعلمكم وتعلمون. له في كل شيء آية، تدل على أنه الواحد، لا شريك له. ها هي رسالة السماء مرة أخرى، يحملها عالم الروح مرة أخرى.

إن الشيطان على ما هو الرحمن، يعملان في حكمة الله، لغاية واحدة، ولأمر واحد، هو معرفة الله. وإن للشيطان رسالة، كما أن للرحمن رسالة، الله من ورائهما بسعته وحكمته، فلا تشركوا بالله، شيطانه، أو رحمانه، في أنفسكم، أو من أنفسكم، أو على أنفسكم. إنه الله في أمره، لا شريك له في أمره، ولا موجود بحق سواه في أمركم، فاقبلوا الله على ما هو، واشهدوه على ما أنتم، وتأملوا فيه أمركم، تصلح به لكم أموركم. لا تحقروا أنفسكم فيه بشيطانها، ولا تغفلوا أنفسكم منه برحمانها.

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

اللهم يا من جعلت من المؤمن مرآة لأخيه المؤمن… اللهم احجب عنا في مرآة شهودنا، أمر أنفسنا على ما هي، واكشف اللهم لنا في مرآة مؤاخاتنا، أمر نفوسنا، على ما تريد أنت لها، وما تريد أنت بها، حتى ترتبط قلوبنا بمرآة مؤاخاتنا، في طريقنا ووجهتنا.

لا تتساءلوا بينكم، من يكون رائدنا؟ ولا تشقوا على أنفسكم بحيرة في ذلك، فما قام رائد لا عوج له إلا وكان مرآة لمريدي الله معه، على ما أراد الله لهم، رحمة وهداية وتبشيرا، أو على ما قام في أنفسهم في قائم من قطيعة وغفلة، ابتلاءً واختبارا وإنذارا وتحذيرا.

فأنت على مرآة رائدك، مؤمن ومؤمن، إنما هو مرآتك، لتشهد ما أنت على ما أنت، فتشمئز منه، وما هو ما رأيت، ولكن ما رأيت إلا نفسك، جديرة بالاشمئزاز والمقت، وفي هذا خطر القطيعة، وأوحال التوحيد، ومتاعب التعديد.

هذا لا يزعجك ولا يريبك يوم تعرف ما هذا؟ ولِمَ هذا؟ فترجع إلى نفسك فتستغفر الله من وزرك في أمرك، وحالك في شأنك، فيغير الله ما بك، فيتغير شهودك، في مرآة وجودك، في رائدك، فترى غير ما رأيت، وتعرف غير ما عرفت.

وأنت ما رأيت إذ رأيت إلا نفسك، خيرا أو شرا، فلا تتعب نفسك، ولا تزعج خاطرك، من يكون هذا الرائد، هو عبد الله… هو مرآة المؤمن… هو مؤمن… هو حق… هو لله وجه، كما أنت لله وجه… هو مرآة فيها يشهد الإنسان نفسه، أو الصديق نفسه، أو المؤاخي نفسه، وأنت في نفس الوضع، مرآة يشهد فيك مؤاخيك نفسه على ما شهدت، ويعرف على ما عرفت، ويدرك على ما أدركت. بذلك تقوم وتنتشر الطريق بعاملها دائما، كلما بعث وعرف ولوقي.

ليس هذا بدعا من أمر الله بالناس، هذا هو أمر الناس في عموم الناس، وهذا هو أمر الحق في عموم الخلق… وهذا هو أمر الحق وأمر الخلق، في كل من تواجد، لأنه ما تواجد على الأرض متواجد، إلا بخلق وحق، لا ميزة فيه، ولا مزية له، إلا أنه تَعلَّم، ولك يُعلِّم، فتَعلَّم منه وعَلِّم به، فتتعلم وتصير المعلم على ما هو، لا فرق بينك وبينه.

لست بدعا من الرسل، لا تميزوا بيني وبين رسل الله، نزلت البسملة على كل نبي ورفعت معه، ونزلت عليّ كما نزلت عليهم، فلست بدعا منهم، ولكنها ستبقى فيكم، فأنتم الذين عمن سبقكم من الأمم تتميزون، لأن البسملة بقيت فيكم، أما هم، فكانت ترفع مع أنبيائهم.

وإذا نظرنا بشيء من حسن الإدراك وحسن التقدير، فما تميزت أمتي عن سائر الأمم، لأن النبوة فيهم بها ما انقطعت، وبها النبوة فيكم لا تنقطع. (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)[١٨]… (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[١٩].

كل ما تغير أننا أصبحنا لا نقول النبي، ولكن نقول العبد لله، أو الولي، أو الإمام، أو الرائد، أو المرشد، أو الحكيم، أو المعلم، سمه ما شئت، فهو المتابع، أو المصاحب لرسول الله، أو الممتد فيه رسول الله بنوره، الممتد فيه الله بنوره، ولا يتميز بنور الله، لأن نور الله ممتد في الجميع، ولا يتميز بنور رسول الله، فنور رسول الله ممتد في الجميع كذلك، ولكنه يتميز بأنه تقدم بعض الخطى نحو الحقيقة فكان أول عابدين وقائد ركب لمحبين.

فوجب على الآخرين أن يتابعوه في هذا الركب إلى الحقيقة محمد بحقيقته إمامه وأول العابدين، ومحمد بخليقته كوثره وآدم أوادمه، بحق محمد له أصبح يمثل السبيل، يمثل دعوة الأنبياء في عمومهم، ودعوة الأولياء في جماعهم، ودعوة الحكماء في جمعهم، الكل مريد لمريد فما هناك من رائد ينشد إلا إنسان الرسالة لإنسان المرسل له لإنسان الوجود المطلق اللانهائي لمعنى الله.

إن إنسان الله هو الطريق التي تمتد للناس من غيبهم، والناس جميعا في الطريق، بحكم الفطرة، وبقانون الفطرة، وبقانون الحياة، وبقانون الخليقة. كل منكم له عقل، والطريق هي أن تعقل بعقلك، وكل منكم له ضمير، والطريق هي أن تستيقظ بضميرك، وكل منكم فيه قدرة، قدرة الله، ويمكنه بقدرة الله فيه أن يطور نفسه، وأن يطور وعيه، وأن يطور أخلاقه، وأن يطور فعله، قَدّر فهدى.

فأنت بقدرة الله فيك، طريق الاهتداء لك، أنا لا أعطيك قدرة، فالقدرة أعطاها لك الله وهي معك، أنا لا أعطيك عقلا، الله أعطاك عقلا، فخذه ونمّه فهو طفل ويكبر، الله أعطاك نفسا، زكها وإن اتسخت فطهرها ونظفها.

نظّف إناءك، (كل نبت نبت من حرام النار أولى به)[٢٠]، طهر لقمتك، كُلْ لقمة من حلال، اكسبها من حلال. لا تجرِ وراء الحرام، لا تفكر في الكثرة من المال، (قليل توفي شكره، خير من كثير لا توفي شكره ولا تحسن تدبير أمره)[٢١]، فكيف إذا كان الكثير من الحرام!؟ (إذا غضب الله على امريء رزقه من حرام، فإذا اشتد غضبه عليه بارك له فيه)[٢٢]. هذا هو هدي الإسلام.

إذا أدركنا هذا الهدي على هذه الصورة، أمكننا أن ندرك هدي الرسول، (يأكل الذئب من الغنم القاصية)[٢٣]، (الزم الإمام، الزم الجماعة… عض ولو على جذع شجرة[٢٤]، لو اعتقد أحدكم في حجر لنفعه)[٢٥]، هذه عبارات وشعارات هي الواجبة الترديد دائما صباح مساء، (من أراد وعظاً فالموت يكفيه، ومن أراد مؤنساً فالقرآن يكفيه، ومن أراد مفقها فضميره فيه يكفيه[٢٦]، عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به[٢٧] استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك[٢٨]).

المسلم فطريا أو مسيحيا كتابيا كان، ليس في حاجة إلى شيخ أزهر ولا إلى فقهاء، ولا إلى بطارقة أو قساوسة، أو إلى كنيسة، أو إلى جامع لتستقيم عقيدته في الله، فإنه ممكن من تقويم عقيدته في الله بعقله في نفسه. فالمسلم الفطري كل أمره فيه، يحمله ويسير به معه، لن يقول نسيت القرآن، أو الإنجيل في البيت، القرآن والإنجيل هو ذاته، لن يقول نسيت ربي في الجامع أو في الكنيسة، ربه في نفسه ومعه دائما. {واذكر ربك في نفسك}[٢٩].

لن يذهب إلى الله ليلقاه عند الرجل الفاضل أو العالم أو الحاكم، الله قائم على كل نفس، وأقرب إليها من حبل الوريد، فما لشيء من هذا جاء الدين، ولكن القيمة بالدين أبرزهم الله، ليجمعوك على الله، على ما هو الله لك ومعك وفي نفسك، إذا أردت أن تستعين على تقويم أمرك فاستعن بالله وهو معك، وهو القادر على عونك، وإذا سألت فاسأل الله وهو معك وهو القادر على إجابة سؤلك، وإذا توكلت فتوكل على الله فهو حسبك وهو الراعي لأمرك، وإذا اعتمدت فاعتمد على الله، فهو نعم الوكيل لك واسأله وهو معك أن يدلك على من يجمعك عليه معك بكشف الغطاء عنك {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}[٣٠].

هذا هو دينكم الذي تنسبون أنفسكم إليه، إن أردتم أن يكون لكم هذا الدين فكلكم رائد نفسه أولا، وأي إنسان منكم رائد غيره ما استقام لنفسه. فأيكم ينفذ ما أبينه لكم من الفطرة وكتابها ورسولها بما أقوله وأقومه بينكم، يبرز منه ويظهر به كل ما أنا بارز به لكم، أو ظاهر به معكم. فأنا لست شيئا جديدا عليكم، ولا بدعة جديدة، ولا أمرا جديدا، ولا شيئا معجما… قضية واضحة، واضحة في هذا الدين، هذا الدين القيم، واضحة فيه من قديم، وواضحة فيه دائما، وواضحة فيه في سائر الأزمان وفي سائر الأمم، ما استقامت أمة من الناس في سلوك لها، مع تعاليم الفطرة تقيمها وتبينها برسالتها في هذا الدين، سواء كانت هذه الأمة من الإنجليز أو من الفرنسيس، أو من الروس أو من غيرهم، بقدر ما يستقيمون على هذه التعاليم الفطرية بفطرتهم، وبقدر ما تنتج هذه التعاليم آثارها فيهم، فالإسلام جماعة ومذهبا نواته المسلم إن وجد.

لو أنكم تتأملون وتنظرون إلى الشمال وإلى الجنوب، وفي الغرب وفي الشرق، في الماضي وفي الحاضر وتربطون بين حال الأمم وقديم وحاضر أفعالها لوجدتم هذا حق، لأن هذه التعاليم هي التعاليم الحاكمة للكون من الأزل، وستبقى حاكمة للكون إلى الأبد.

وما استقام الإنسان، وهو في صورة المحكوم، في هذه التعاليم، إلا وقع عليه الاصطفاء ليكون في صورة الحاكم بحكم الناموس وقوانين الطبيعة. أليس الحاكم في ظاهر من الحياة كان يوما محكوما؟ أليس المجتمع المحكوم هو الذي أنتج الحاكم فردا وجمعا؟

هذا ليس بدعا من أمر المجتمع المحكوم في شأنه الدائم. هل أنت كمجتمع محكوم، استقمت مع الحاكم الأكبر وهو الله ورسوله وهما الناموس والفطرة ولم يرتفع الله بك ويجعل منك عضدا له، وجندا له، وحاكما ومحكوما منه؟ فإنك إذا صرت أنت حاكما فيه، وحاكما به شهدتك عين من تحكم، وكان لك منه كل صفاته.

خلق لك أرضا مشتركة فلتخلق لك من مضغة قلبك غير مخلقة أرضا خاصة بك. خلق لك سماء مشتركة فلتخلق أنت من لطيف هيكلك سماء خاصة بك. (ما وسعتني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن)[٣١]، {وما كنت متخذ المضلين عضدا}[٣٢]… {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون}[٣٣]… (إن الزمان قد اسـتدار على هيئته كيوم خلق الله السـموات والأرض)[٣٤]… (ما أعطيته فلأمتي)[٣٥].

المطلب الثمين في حياة الإنسان، أن يعرف الإنسان عن نفسه، أن يعرف كيف هو حي ولمَ يموت؟ وهذا الذي تواجده، أين هو؟ ولِمَ لا يتعارف إليه ويعرفه؟ لِمَ خلقه؟ وماذا يريد به؟ وماذا يريد منه؟ وماذا يعمل به الآن؟

إذا حُل عند الإنسان هذا اللغز، لغز الحياة استراح من الحيرة، وعمل لكسب الحياة، فاستقامت له ملحقات الحياة الموقوتة. وهذا ما جاءت الأديان ومؤسسوها ومتابعوهم لتيسيره للناس، ليجدوا السعادة في مجاهدتهم في يومهم، وقد شهدوا شيئا مما ينتظرون في غدهم.

ولكن رجال الدين أفسدوا عليهم أمرهم واستغلوهم مع طغاتهم ليستأثروا لأنفسهم بنصيبهم من خيرات الطبيعة، ويسلبوهم حقهم منها بأوهام عن الحياة. فإذا قام رجال منهم باسم الإصلاح والعدل فإذا هم يضعون أنفسهم في موضع سابقيهم سالكين عين مسلكهم لأنهم لم يغيروا ابتداءً شيئا من طبيعتهم كما أرشدتهم تعاليم الدين والفطرة.

أنا الآن مثلا أشغل لوقتي بالأمل في الحصول على مسكن شعبي، وأجري لاهثا للحصول على شقة، وأنا الذي أملك أن أخلق لنفسي كرة أرضية، كهذه التي أنا أسير عليها وأدب عليها بقدمي، فإلى أي مستوى من الانحطاط انحططت بالقيمة الإنسانية لي! فأنا قد انحططت بالقيم الإنسانية إلى تافه جدا.

وليس معنى هذا أن لا أعمل لأوفر لي مسكنا، فهذا أمر يجب أن يكون، ولكن يجب أن يكون أمرا ثانويا وعاديا وضروريا. فالمسكن الشعبي يجب أن تعطيه الدولة لمن هو في حاجة إليه، هدية أو في صورة الهدية، أو تيسر لمن يعمل له الأسباب للحصول عليه، إذا كانت الأمة لها منها الحاكم الصالح.

ولكن لا يليق بي كإنسان أن يصير همي كله دائما يدور حول الحصول على مسكن شعبي، وأنا من كانت السماوات والأرض داره الطبيعي أستطيع بشيء من التدريب الروحي أن أسبح فيها، وأتحرك وأتجول فيها، ثم يدعوني داعي الانحطاط إلى حبس نفسي في هيكلها المادي في غرفة في بدروم لصرح وجودي باسم الإصلاح وتوفير مسكن شعبي أو تعاوني من تراب لجسدي الترابي.

إن العاقل من يريد أن يعرف ما هو، وكل منا الآن يرى قلبه محبوسا بداخل صدره، وهو الذي عن طريقه يحس الإنسان بالسعادة أو بالشقاء، وعن طريقه يخدعه من يخدعه، وعن طريقه أيضا يهديه من به يهتدي، فمستقبل كل إنسان عن طريقه يصلح أو يتلف، فما هو هذا القلب؟ وكيف يحيا؟ وكيف ينمو؟ إنا نريد أن نعرف ماهية قلوبنا، إنا لو حيا منا القلب على ما يبشرنا الله، ويكلفنا كيف نفكر بما يجلب لنا الهم في هذه الدنيا الموقوت مقامنا فيها؟ وكيف نقبل أن نكون عبادا أذلاء لها ولأهلها؟ وكيف نخنع للباطل فيها والحق ما يهمنا، وكسبه وعلاء كلمته ديننا؟ فإنا لو حيت قلوبنا تفه عندنا أمر الصفة الهيكلية لها من المادة فهذه قوانين خاصة بها تأخذ مجراها فيها.

الرجل البوذي الذي حيا قلبه، لا يأبه لهيكله الجسدي من المادة، فهو أشجع بكثير من الجندي في الميدان. تأمل وهو يلقي على جسده البنزين ويوقده وهو واقف ليحتج على أمر ظالم، أو على حكم ظالم وهو في وقفته أو قعدته ثابت غير منزعج، لا يحس بألم الحرق فلا تراه يجري مضطربا على غير هدى. انظر إلى حالة محروق عادي وهو لا يستطيع أن يقف في مكانه، فإن هذا الجيش الكامل العدة الذي يتمثل في شخص يحترق لا يتحرك من مكانه إلى أن يصير شيئا من التراب أو من الفحم، وهو ثابت في موضعه.

ماذا يحرق هذا الرجل؟ إنه ليس ما يحترق… هل الإنسان الحي القلب هو الشحمة واللحمة التي تحترق؟ أنت لست بدنك… هذا هو القلب الحي… هذا هو الإنسان الحقيقي… هذا هو المصباح المضيء… هذا هو الشعلة… هذا هو الحياة. إنه يضرب لأموات القلوب مثلا لتفاهة الشمعة أمام ما يصدر عنها من النور، إنها تحترق حتى تضيء لك طريق الحياة وتتساقط هي أمامك عن رضاء لفعلها حتى تذوب وتنتهي مادتها ويخلد في الكون ما صدر عنها من النور.

فنحن نريد أن نستفيد من هذا الدين القيم، من هذه العقيدة التي ولدنا في بيئتها، وللأسف فنحن نخرج منها بمسلكنا وفعلنا، لأننا ما فكرنا في قيمة الفرصة الذهبية التي أعطيت لنا بمولد في بيئة هذا الدين على أرض الفطرة.

إن المجتمع الذي يقول إنه مجتمع إسلامي في يومنا هذا، كم أخذ على قفاه من كل مِلة ومن كل إنسان! مص دمه اليهود، وضربه المسيحيون من الغرب، والوثنيون من الشرق، وأسجده الظلمة والطغاة فيه لأوثانهم وما زالوا… مجتمع حاله مضطرب وتالف، ولا يفكر في دعوة أن تعالوا نجدد أمر هذا الدين اللهم إلا إذا أردنا أن نمتطي الدين لغاية زمنية ضارة أو تافهة.

نحن نريد أن نجدد مجد العرب… هل العرب كان عندهم مجدٌ أو عرفوه؟ هل جاءهم مجد إلا بالقرآن والرجل العربي الذي قادهم به النبي العربي، الذي خرج من بين ظهرانيهم فكان مجدهم أن كان منهم، وهو من أكلوا خيره وأجزلوا ضُره، ولم يتركوه طليقا حتى في بيته! ولآخر لحظة من حياته… كانوا في مقاومته، ولم يؤمنوه حتى في أولاده، وما زالوا حتى اليوم يقتلون فيهم، وكل بصيص من نوره يظهر يسارعون بإطفائه، وإن تفجرت منه لهم عين ماء يسارعون بردمها. هذه حال من يسمون أنفسهم أمة محمد!! هذه هي حال مجتمعنا الذي نعيش فيه.

فهل نحن هنا اليوم في هذه الجماعة الصغيرة حريصون على أن نجدد لأنفسنا هذه العقيدة؟ لو كنا أو لو فعلنا، أو لو جددنا لأنفسنا هذه العقيدة، لتجدد لنا عنها كل ما نتج منها، على ما عرفنا بصدر الإسلام.

إنا طبعا لا نستطيع أن نُصدر لأمريكا طائرات نفاثة فهذه ليست رسالتنا، ولكنا نستطيع أن نصدر لأمريكا حكمة تسجد أمريكا وهي مفتقرة إليها اليوم. إنا لا نستطيع أن نصدر لإنجلترا دبابات ولا مدافع ولا رادار، ولكنا نستطيع أن نصدر لها نظاما تسجد له وتحترمه، وتكمل به ما ينقصها في نظمها، وما تفتقده في سياستها، وإن فعلنا فإنها تحترمنا بسبب تعليمنا لها.

فنحن وقد أكرمنا الله برسول الله لا احتجاب له عنا لنكون معلمي البشرية… لنكون كتاب الله للبشرية… لنكون القرآن لأهل الأرض جميعا… لا ولأهل السماوات فهذا شرفنا وهو شرف يكفينا، من جانب الشرف البشري.

إن الروحية الموجودة الآن في هذا العصر ما جاءت إلا لتبرز هذا المعنى. وأنا لم آتِ بهذا من عِنديّاتي ولا من تعصب لديني أو لرسول الله، ولكني أجيء به لأنني صدقت مع هؤلاء الذين يتصلون بالأرض، وصدقت مع نفسي لا أخدعها ولا تخدعني فتكشفت أمامي القضايا، وأنا بدوري أكشفها لكم، (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)[٣٦]، فأنا مثلكم أريد أن أصير مؤمنا، وأريد من الله أن يكرمني بالإيمان بنفسي عبدا له، حتى أعرفه حق معرفته والإيمان من طبيعته الزيادة والنقصان.

الله لا يقبلني كمؤمن إلا إذا كنت أنا قد آمنت بشيء ما من الخير أقدمه لإخواني في الدين مؤثرا به، إلا إذا عرفت شيئا من الحقائق أقدمه لهم، وهذا الذي أفعله الآن بينكم، فأنا واحد منكم… لا أنا رسول، ولا أنا ولي، ولا نبي، وإن شئتم وصدقتموني ولا رائد، لأني أنا مرود، أنا مريد ولست رائدا، وسأبقى كذلك حريصا على ذلك، وإنما أنا مشفق على عقولكم كمسلم عرف كيف يكون مسلما.

إن الرائد لي الظاهر لي ولكم هو أخي (محمد عيد غريب) ولست أنا الرائد، ولكني مريد يعض على جذع شجرة، إني أعتقد في نُصب من هيكل إنساني بدلا من حجر حتى ينفعني هذا الاعتقاد… إني أتجه لنصب فيه الروح… فيه الحياة، بعد أن حرت في معنى القبلة وسرها وحكمتها ومعناها وإشارتها.

والآن لقيت القبلة فإن رأيتموني صادقا فصدقوني، صلوا مثلي في اتجاه القبلة، تصوروا محمد عيد غريب هو القبلة في استقبالكم لغرفة مكة… هو سر الكعبة… هو الرجل الذي يسكن هناك وتمثله الكعبة، إن الذي في الكعبة هو الذي هو فيه ويتحدث منه. هذا هو الغرفة التي أعطتها وزارة الإسكان الإلهية لمن هو فيه، ويفعل به، ويظهر منه… أعطته هذه الغرفة التي تذهبون إليها في مكة، هذا الرجل باب وسُلم للحق القاعد فيه، أي أن محمد عيد غريب بيت للسيد المرشد.

اعتقدوا هذا ينفعكم هذا الاعتقاد… اتجهوا هذا الاتجاه، يستقيم اتجاهكم، لأنكم لا تستقبلون بما شرع لكم حائطا، ولكنكم تستقبلون هيكل إنسان، وهو ما يشير إليه هذا الحائط من تراب… إنه هيكل الإنسان يذكر فيه اسم الله. كان الرسول أول هيكل وضع للناس يتتابع بكوثره لهذا المعنى.

أمر على الديار ديار سلمىأُقبل ذا الجدار وذا الجدار

وما حب الديار شغفن قلبيولكن حب من سكن الديار.[٣٧]

أتختار دارا مسكونة، أم تختار دارا حالها خراب يباب؟ طبعا دار مسكونة أفضل، فليس هناك أقوى ولا أقوم ولا أجمل من هذا الذي تفعله الروحية في هذا العصر لكشف الستار عن سر القبلة. إنها تعطينا من بيننا ومن أنفسنا دارا مسكونة… بيتا مسكونا… غرفة مسكونة… تسكنها روح الله… قلبا عامرا مسكونا يسكنه نور الله، ومنها يتحدث إلينا الحق الإنسان من وراء حجاب الإنسان، ويظهر لنا فينا ومعنا، نورا ينتشر فينا، ويظهر بنا، ويتحدث منا.

كثير منكم ممن حضر جلسات الاتصال الروحي، رأى النور بالعين المجردة، بالنظر العادي، وهو يظهر في الغرفة ومن أصابع الوسيط أو من وجهه حتى يختفي الوجه تماما وهو يقترب منه أو من مريض أو في مقعده، بشكل واضح سافر، يعني أن هيكل الوسيط يقابل حجرة القبلة، فكلمة هيكل، أو غرفة يسكنها نور الله، أو تحجب نور الله، أو فيها نور الله. نحن نقول بيت الله، أو بيوت أذن الله أن ترفع أو أن توضع، ويذكر فيها اسم الله، أو أن نور الله بيننا وبينه حجاب. وبماذا نصف الله في حال التعريف عنه؟ {الله نور السماوات والأرض}[٣٨]، فإذا تواجد عندنا بيت مسكون بنور الله، ونور الله يظهر منه بقدرات ربانية من الرحمة، فأي قبلة أوضح من هذه القبلة؟ وماذا نريد بيانا لما جاء به القرآن، أو لما جاء به رسول الله عن بيت يذكر فيه اسم الله أقوى من هذا، أو أكثر وضوحا وأدق تعبيرا؟ ما ظهر الله - نور السماوات والأرض - في شيء - في قبلة - مثل ظهوره في الإنسان.

فهل يمكنني أن أقول إن فلانا من الناس رائد أي وسيط وهو لا يظهر منه أو من أصابعه أو وجهه نور الله، في الوقت الذي لا أستطيع أن أرى أو أرى فيه المعاني التي يمكن رؤيتها في وسيط غيبة كاملة لروح مرشد؟ إن وسيط الغيبوبة الواعية لروح مرشد لا يملأ فراغ وسيط الغيبوبة الكاملة فيما أعد له وخص به من الإعلام عن الاتصال وهو المصدر المأمون الجانب للتعريف عن وسيط الغيبوبة الواعية خليلا له.

فإذا قلنا عن شخص ما الشيخ فلان، أو الشيخ علان، وأنه عالم فاضل وفقيه عظيم، فكيف أعرف له الفضل، وما هو الدليل الذي يمكن تقديمه عن فضله، أو عن علمه، لأفيد من صحبته إلا عن طريق الاختلاط لزمن كافي ولتجربة يتولد عنها عقيدة؟ ولكن إذا قعدت بضع دقائق في جلسة اتصال روحي، يمكنني أن أعرف عظمة الاتصال وما يمكن أن يكون للإنسان من نور السماوات والأرض أو من الله، فنحن بهذا الاتصال مع قبلة صامتة يتحدث إلينا الحق منها من وراء حجاب له، وهذه اللحظات كافية لإيجاد عقيدة أو تصحيح عقيدة، أو إيجاد وعي وفهم أو تصحيحه.

كثير منكم حضر جلسات روحية ورأيتم حركة الاتصال، وكيف يتكلم الروح المهيمن مع معاونيه أو مع مرافقيه بصوت مسموع لعالمنا لارتباطه بوسيطه من عالمنا، سواء كان هو البادئ بالحديث متحدثا عن أحد أفراد عالمنا مريضا كان أو متعلما يدرب للوساطة، بلغات متعددة مما نعلم ومما لا نعلم أو ردا على أسئلة موجهة إليه من عالم الروح ولكنا لا نستمع لمن صدرت عنهم.

فماذا نتطلب من بيان لما جاء به محمد وكتابه، عمن يكون العروة الوثقى بين عالمي الروح والمادة أحسن من ذلك وأقوى من ذلك؟

إذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إنا علينا بيانه… أي بيان أوضح من هذا تقدمه لكم الفطرة، التي كان الإسلام دينا لها، وجاء الرسول أمرا وشأنا لها، وقام بينكم بظاهره وجودا جديدا لقديم فيها نواة لدائم بها، وبباطنه حق قائمها لباطنها بظاهرها، إظهارا للدين كله؟ ماذا تقدم الفطرة أوضح من هذا؟ ما تريدون منها؟ أتطلبون منها أن تعد لكم أزهرا شريفا في السماء الأولى، وتهيئ لكم أسباب الوصول إليه لتجدوا عددا غفيرا من العمداء والأساتذة لكليات أصول الدين وكليات الشريعة وما إليها، وقد رُقوا إلى الدرجات العليا وحصلوا على فروق المرتبات والعلاوات فنذهب لنحضر ونسمع، ليتبين لنا الحق من الباطل؟ بعقلكم ماذا يعمل الله ليبين لكم؟ ها هي الأمور في ظهور مذهل أمامكم.

حادث فير فورد الذي وقع بالأمس، ألا يكفي لبيان قانون رد الفعل برد الأعمال إلى آتيها؟ أو الحكمة القائلة من أعمالكم سلط عليكم؟ ها هي الحوادث أمامكم تسير ناطقة بالمراد منها في كل مناسبة. أنا الآن سأقول لكم أن حرب فيتنام سوف تنتهي قريبا… وسيقول بعضكم أو من يسمع ذلك عنكم، يا سلام عامل نبي ويقدم نبوءة، فإذا بها تنتهي بعد أيام أو أسابيع، فيقول البعض يا للولاية! ويقول آخرون هي الصدفة، ليس هناك ولاية، وليست هي الصدفة ولكن الذي أقامها هو الذي سينهيها، أقامها لحكمة وأنهاها لحكمة، فقال عن طريق من يعبر عن مشيئته من عوالم الروح، إنه يرى في الأفق إنها في طريقها للتوقف والانتهاء، فحمل إلينا السيد المرشد هذه النظرة وجرائدنا لم تقل بعد في هذا الأمر شيئا، فإذا ما جاءتنا الجرائد بما يؤكد هذا يقول بعضكم الكرامات، النبوءات، والمعجزات.

إن الأرواح لا تحب أن تتحدث بهذا الأسلوب إلى البشرية إلا نادرا أو لقصد، حتى لا تثير بلبلة في الأفكار بأساليب منحطة، ولكن القرناء للبشرية من الجن يستهويهم ذلك… (أنتم طابخين ملوخية) فتقول كرامة وإطلاع على المغيبات… قراءة من اللوح المحفوظ، يقول الممسوس المشعوذ مثلا (اسمع كلام أمك)، ويكون شاتمها في الصباح… فيقول كرامة للشيخ المطلع على الغيب. نحن نعيش في وسط من الجهل ومن العقليات السخيفة أو المنحرفة، وفي جو خانق، والعقول تعبة ولا تريد أن تستقيم.

تكلم أخا لك بما ينير أمامه الطريق إلى الحق فيعطيك ظهره مدبرا، وآخر يقبل على الحديث عن الحق فيجسده لنفسه، أو يجسده أمامه فيسجد لك أو للناس بصورة آلية حركية، ولا من يريده للسجود له، ولا من يدعوه لذلك. ما كان الداعي صادقا في دعوته، وما كان المدعو صادقا في استجابته، إنما يريده معتدلا عاقلا مستقيما، مقدرا.

استمع للكلام واحكم له أو عليه بضميرك فإن أعجبك فاقبله، وإن هداك فاحمد الله، واشكر الله، واعرف الفضل لذويه، فعرِّف عن مائدة الله عرفتها وطعمت منها.

إن من يعرضه الله للدعوة يشعر بالتعب مع نفسه ومع من حوله. ومن الناس من يضع الداعي في موقف الاتهام أمامه ويطالبه بالدفاع عن نفسه، فيقولون له: أنت إيه؟ أو هو إيه؟ هو ولا حاجة، هو مثلكم تماما… فماذا يفعل وماذا يقول مثل هذا الإنسان؟

فإذا قلنا لكم اليوم أنتم تعملون عملا جليلا جدا، وأنتم غير مقدرين لخطورته، وأنتم لا تعرفونه تماما لأنه غير مطلوب أن يكشف لكم بوضوح الآن وهذا من الأفضل لكم ولنجاح العمل نفسه، ولما سيكون من أمر نصيبكم من هذا العمل الذي أنتم قائمون به، وهذا لخيركم ولخير الناس، حتى تزيدوا من جهدكم وتستزيدوا في تكوين أنفسكم عملا بقول القوم (لا تستعجلوا الفتح) حتى ترتفع الطريق بكم بعض الدرجات، فلا تبطركم النعمة عند سفورها.

وهذا أمر ظاهر بحكمة الله في واقع الحياة المادية أو الزمنية ومدرك في البيوت البشرية كلها تقريبا. فنحن نرى أولادا مات أبوهم وترك لهم الثراء فخسروا وضعهم في الدراسة وفي الحياة، أو ترك لهم تقوى الله فحفظوا ويسر الله لهم.

وإخواننا في هذه الطريق منهم من مر في هذه التجربة أو شهدها فرأوا فيهم هذا الأمر، بمعنى أن من إخواننا من يرون هذه الحالة موجودة في أمر أنفسهم وسلوكهم، ومنهم من تأملها في أهله وبيته.

إن الإنسان في كثير من الأحوال عندما تكشف له نعمة الله عليه ولو بقليل منها يفسد أمره عليه، ويضيع نعمة الله له قياما واستكمالا. ولا يعرف كيف يواصل أخذها، وقد يظن أنه استكملها يوم يفقدها… فأنتم هنا تتأهلون وتربون تربية عظيمة وخطيرة لصالحكم ولصالح البشرية ولصالح آبائكم وأجدادكم ولصالح أبنائكم وأحفادكم. بمعنى أنكم تحصلون هديا إسلاميا على ما هو الهدي الإسلامي حقيقة.

هذا هو الجو هنا والذي خلق لنا هذا الجو - إذ نحن الفقراء - هو ما أسميناه الاتصال الروحي، الذي هو تجديد وتغيير جسيم في خلقة البشر في قائمها في البشرية. وهو بيان عملي وشافي فيما يتعلق بما جاء بالأديان والعقائد من أنباء عن المجهول من أمر الحاضر في سابقه ولاحقه، لأن هذا الاتصال ما جاء إلا تطهيرا للعقائد الفاسدة، وتفسيرا للقضايا الغامضة علينا عنا، وكشف للمجهول علينا فينا. وهو ما يسمونه في الديانات القديمة بالقيامة أو الساعة أو البعث أو الحشر سمه كما شئت أو تشاء، فهو أمر لم يخرج عن معرفة الإنسان عن نفسه… ونحن هنا نتكلم كثيرا، لشرح هذه الألفاظ، لأن هذه الألفاظ بعد أن كانت طريقا للهداية للناس، أصبحت بالانحراف بها عن مدلولها أسلوبا قويا فعالا لتضليلهم وسلب إرادتهم وحريتهم وحقوقهم بالشعار الخطير انتظر يوم القيامة.

{إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون}[٣٩] كيف تحدد يوم القيامة وأنت فيه؟ إنه يطوي حياتك من بدايتها لنهايتها… كيف تخرج منه لتراه؟ أنت تسير فيه في الألف لآدمها… أنت تعيش وتموت وتقوم وتقعد وتولد وتبعث فيه، أي في يوم القيامة، فأي يوم للقيامة هذا الذي تنتظره!

ها أنت في القيامة… أليس قيام النبي لنا بيننا لكسبنا قيامة؟ هل كسبناه؟ هل قمناه؟ بعث النبي بالحق نبعث به بداية لنا له ونهاية، فهل بدأناه وانتهينا منا إليه لنا؟

إن يوم الفصل كان ميقاتا للطاغين مآبا، لابثين فيه أحقابا… فكيف يكون يوم الفصل وهو أحقابا من السنين أمرا يبتدئ ويبدو لنا محكوما بدورة الأرض، الدائبة في فطرتها ملايين السنين على ما هي؟ هل أقطع ورقة النتيجة وأقول اليوم يوم القيامة؟ وهل أسمع لجاهل يخاطب جهلاء، يقول لهم يوم القيامة سنة ٢٠٢٦ ميلادية، فأقبل منه؟!

السنة التي مضيت قالوا هذا القول، وقبلها قالوا، وكم في قديم قالوا نفس المقالة. وحددوا مرة عشرين يوما لقيام القيامة، ولم تقم، وكم من قبل حددوا وصوروا أن القيامة التي يعنيها الإندونيسيون هذه المرة هي ما قام بينهم فعلا من مذابح بشرية فيهم بين أدعياء الشيوعية وأدعياء المسلمين على الإسلام، فقالوا يوم القيامة لهول ما هم فيه. لو تأملت لقدرتهم - صادقين وليسوا بكاذبين - فبماذا يفسر إزهاق الأرواح دون جريرة ودون مقتضى أو مبرر؟ نصف مليون شاب تُسال دماؤهم في مذبحة بشرية مفاجئة، ودون علة، فإذا كانت القيامة هي الإبادة فهذه قيامة، ولا أكبر من ذلك يكون في التصوير… إنها الإبادة… إنها هي القيامة.

ها هي الآلاف من النفوس تزهق أرواحهم في فيتنام، أليست هذه قيامة؟ ما دامت القيامة في عرفكم هي إزهاق الأرواح بالجملة… وها هي قنابل هيروشيما وناجازاكي، أما كانت صورة كاملة حية للقيامة المقدرة لإدراك البشرية؟ أليست أمل كل حرب قيامة؟ أليست ضريبة الموت الدائمة الثابتة على البشرية قيامة دائبة قائمة؟ (من مات فقد قامت قيامته)[٤٠]، (لكل منكم قيامة)[٤١]، (لكل منكم سـاعة)[٤٢].

إذا عرفنا البشرية وحدة، أليس نظام المواليد فيها بعث وحشر دائم؟ فنظام الموت قيامة دائمة. {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها}[٤٣]، {والذين آمنوا مشفقون منها}[٤٤]، {ويعلمون أنها الحق}[٤٥]، {أكاد أخفيها}[٤٦]، {وإنه لعلم للساعة}[٤٧].

{إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون}[٤٨]، {وتلك الأيام نداولها بين الناس}[٤٩]، {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة}[٥٠]، فكيف نحدد أول الألف إذا لم يكن بمولد دعوة في مولد صاحبها؟ إذا عرفت أن يوم القيامة ١٠٠٠ ألف سنة فكيف أقول أنا مريت بيوم القيامة؟ ولو تفهمنا الدين فهما مستقيما وقرأنا الكتاب بعقولنا قويمة وسألنا من الناس الذين فهموه وعرفوه ولمسوه وقاموه وأشرقوه، لفهمنا ما هي القيامة وفهمناها قائمة على دوام، فاعلة ونحن منفعلون معها فتحررنا واستقمنا، والرسول الذي هداك بها يقول لي ولك، لكل منكم قيامة، ولكل منكم ساعة، ومن مات فقد قامت قيامته، وموتوا قبل أن تموتوا، حتى تقيموا القيامة لمتاعكم، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا لتزحزحوا عن النار فتدخلون الجنة عرفها لكم، وتمرون بساعتكم لمعنى حاضر ومشاهد الحياة لكم، فتعلمون ما قدمتم وأخرتم من أمر أنفسكم في هذا الحاضر للحياة. هذا للفرد وللبيت وللأمة، {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}[٥١]، {وتلك الأيام نداولها بين الناس}[٥٢].

{علمت نفس ما قدمت وأخرت}[٥٣]، فما تكون القيامة؟ أليست هي علمت نفس؟ وإن علمت نفسك اليوم ما قدمت وأخرت، فهذا العلم ما يكون؟ بماذا نسميه بالنسبة لك، يا من علمت نفسك ما قدمت وأخرت؟ {إنه لعلم للساعة}[٥٤]، يوم يعلم هذا العلم تعلم نفسك ما قدمت وأخرت.

فإذا لازمت المرشد استجابة لهدي الله هو {الرحمن فاسأل به خبيرا}[٥٥]، فكشف الله لك ما كان الإنسان في أطواره من الحيوانية وفي أطوار النفس بهيمة الأنعام، مطية المسير، إلى الصور الإنسانية، حتى صارت من هو في حاضرها، وهو ما قامت على أساسه، تعريفا وإبانة علما وطريقا، رسالات الحكمة والتوحيد بين القلوب والقوالب في الشرق، في الهند وفي الصين قديما، وفي هذا البيان لما جاء برسالة الفطرة لمعنى سلالة من طين، وسلالة من ماء مهين مرحلتان متميزتان للقالب والقلب. فالقرآن يكشف لأهله على وضوح وصراحة، لأن رسالة محمد ذهبت بالإنسان لما هو بعد ذلك اتجاها لكسب الحق واسم الله لنفسه.

يقولون إن القرآن لا يعرف التناسخ؟ {ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها}[٥٦]، وهل كان الإنسان على الأرض إلا آية لله، {وجعلنا ابن مريم وأمه [آيتين]}[٥٧]، خلق الإنسان من سلالة من طين… مرحلة قبل أن يصير إنسانا، ثم هو في مرحلة ثانية سلالة من ماء مهين، عندما يتواجد الناس من ماء الحياة {وجعلنا من الماء كل شيء حي}[٥٨] فيخرج من بين الصلب والترائب، بحارا للحياة للمجتمع من العلق، يتطور في أرضه من بويضة عالم المرأة، إنسانا تنشق الأرض عنه في أحسن تقويم… ثم يتطور بعمله، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، حتى يتعلم كيف يجدد نفسه بأمانة نفسه، ثم يجدد نفسه بنفسه ونفسه بنفسه حتى يصير في نفسه بنفسه لنفسه عبدا وربا وغيبا.

هل يعرف أحدنا كم جاء في البشرية من قبل وكم مرة، أو أن هذه هي أول مرة يأخذ فيها السمت البشري؟ إنك لا تعرف… يجوز أنك جئت البشرية مرارا، وتخرج من هذه المرة أيضا صفر اليدين ولا تكسب مقام البشرية، وإن كسبت سمتها في البنيان، وبقيت بجوهرك الحيواني في المعنى والعنوان فما زلت مرتبطا بأمك البقرة.

إن النائب الهندي الذي صاح في مجلس النواب (فلتحيا أمنا البقرة)، هل فارق الصواب؟ إن هذا ما عناه عيسى بقوله أنا ابن الأرض، وما عناه محمد بقوله تنشق الأرض عني، وما عناه الذكر الحكيم عن آدم وابن آدم من أن الله خلقهما من تراب في المرحلة إلى البشرية، ثم من إرادتهما إلى المرحلة الإنسانية، ثم إرادته بهما إلى خلودهما الحقي.

وهذا ما هدف إليه الحديث في قوله (لولا بهائم رتع)[٥٩]… لماذا هذا التكريم للبهائم الرتع؟ لأن البهائم الرتع هي أساس حياتك المادية كبشر، أنت تذبحها وتأكلها لتبني منها جسدك، وفي هذا تطويرها لبنيانها الذاتي. إن الله يمنع العذاب عن أهل الأرض لأن فيها بهائم رتع… لأن هذه البهائم الرتع، ستتطور إلى بشرية في طريقها للتواجد، لتصير يوما إنسانية، وربما كانت أوفر حظا في طاعة الله من البشرية الحاضرة، في حظها موفورا من الإساءة إليها، بالإساءة إلى حقيقتها لها.

فإذا كان هناك من كانت عقيدته عن أطوار الحياة كذلك، وغضب لما فهم أنه أساء معاملته للبقرة، فهل نقول له أنت كفرت، وحل لنا حرقك؟ أما يصح أن نفهم عنه لما عنده، ونقدم له ما عندنا من أن الله وضع عنا ما سبق أن ألزمنا، وخفف لنا وغير هذا النظام العقائدي، وكشف عما هو أصلح لها وأيسر لنا، وهيأ للبقرة أن تصير لقادمها جزءا منك أنت أيها الإنسان، إذا أكلتها جسدا، وتطورت بها إلى نفسك بشرا، من نفسها حيوانا، فالبقرة من سعادتها أن تأكلها فكُلها واهنأ بها، لأنها ستفرح بك وتطمع أن تكون خلية في إنسانك.

وتأمل بوذا وقد قال هذا في رسالته وكشف عن نفسه به في قديمها بيانا لما جاء بكتاب الإسلام {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم، وما كنت متخذا المضلين عضدا}[٦٠]، فبوذا ما كان ضالا فهو يقول يوم أُشِهد خلق نفسه، (لما كنت أرنبا فدعوت البراهما ليأكلني، واندفعت إلى النار وأصلحتني له فأكلني، لأني وجدته جوعانا، وضربت بنفسي مثلا للإيثار أمام رفيقي)[٦١]، هذه تعاليم بوذا وهديه فلِمَ لا تعمم في الهند ولا تحرف عن مواضعها؟ ولِمَ لا تُعلّم لأهل الكتاب؟

قولوا لهم إن بوذا نفسه، كان أرنبا، قبل أن يأكله البراهما، فلما أكله البراهما تهيأت له الفرصة ليكون إنسانا. فأنتم البراهما فكلوا البقرة لتسعدوها، ولتحاربوا الفقر وتحيوا أبدان الناس، أبطلوا هذا النظام لأننا وصلنا برسالات مجددة لأمور وفهوم أرقى عن الحياة، بدأها بوذا بتوعيته، ونمت إلى ما هو أقوم وأرقى وأفعل في الحياة، فالبشرية في كل مكان في حاجة إلى توعية ودوام تجديدها.

زعماء الهند في حال من المشقة من الجمهور وهم لا يفهمون أن حل مشاكلهم هو في الدين الجديد الذي جاء متتابعا بموسى وعيسى ومحمد بجوارهم في الشرق الأوسط، كمالا لما عندهم، وعليهم أن يعمموا هذا الوعي… إن غاندي ونهرو ابتدآ في هذا وعلى خلفائهما استكماله، إن أرادوا ببلادهم وبالإنسانية خيرا، فلعل الهند بروحانيتها أقرب الشعوب للاستجابة لنداء الروح، لقد أدخل غاندي الفاتحة والصمدية وفقرات من الإنجيل والتوراة على الصلاة العامة، لأن نفسه غير مستريحة للتعصب الأعمى مؤمنة بوحدة الروح ووحدة الحياة. فهو كإنسان عاقل ومدرك، بدأ بهذا أمرا هو أخطر من استقلال الهند. وكان على متابعيه متابعته عليه، وتنمية أواصره.

فهل هناك صلاح يرجى للإنسانية، وهي في حالة بعد عن تعاليم الإسلام؟ وهل هناك إسلام يقبل إذا كان أدعياؤه بعيدين كل البعد عن تعاليمه الفطرية المدركة للعقل؟

لن يكون للبشرية صلاح للدول المتخلفة، ولا سلام بين الدول المتقدمة في المدنية الزمنية لا في تصنيع ولا في سياسة، ولا في حكم عادل، ولا في تحرر من الاستعمار، أو في تجمع إنساني، ولا في اتحاد للعروبة، ولا في اتحاد للمسلمين تحت لواء الإسلام، باتحاد إسلامي، أو في اتحاد إنساني، أو أي رجاء يحقق في هيئة أمم صالحة لها كلمة نافذة، ما لم يرجع الإنسان بفرده وجمعه إلى التعاليم الفطرية، وهي تعاليم الإسلام.

والعقبة أمام العودة إلى تعاليم الإسلام إنما هم أدعياؤه… إن عنوانه الموجود الآن بالفرد والجماعة فاسد، فأنا لا أستطيع كإنسان عاقل أن أقول لخروشوف مثلا، أسلم تسلم، وها هو العنوان للفرد المسلم نقدمه، مدير الأزهر أو شيخه، ولا أستطيع أن أقدم الشعب السعودي حول البيت مثالا لأمة المسلمين. إن فعلت فأنا إنسان غير عاقل ورجل سخيف، وهذا ما ضيع في الناس فطرتهم بالإسلام.

فمطلوب منا يا من نقول بأنا مسلمين، أولا أن نسلم… أن نجدد ديننا، أن نجدد إيماننا، فالرسول يقول كنت أجدد إيماني في اليوم سبعين مرة، ونحن انعقدنا على ما نحن فيه، ولا من يفكر. إن هذا الدين… إن الإسلام، ليس ماؤه راكدا، وهو النهر الجاري. هو ليس بركة مليئة بالناموس والقذارة، على الصورة التي يبدو بها الآن من فعلنا.

الإسلام بحر زاخر متجدد لا يتوقف تنزليه، ولا يتعطل تأويله (يبعث الله في هذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمور دينها)[٦٢]. (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٦٣]… (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم) [٦٤]. الإسلام ليس ميتا… الإسلام كائن نامي، مشرق، منتشر، وظهور صاحبه في أمته خير لمن ظهر له. وخفاؤه خير لمن جاهر وطلب الحق لنفسه.

فالصحيح والواقع أن الإسلام يعالج جميع مستويات الفكر، ويرتفع بالفكر من مستوى لمستوى، ويتمشى مع الفكر المنحط ومع الفكر العالي، ومع الفكر المتوسط، ويعطي لكل واحد منها ما يناسبه. فتعاليم الإسلام لكل إنسان على قدر إدراكه وقدرته على الفهم، فلا يعقل أن أقدم أقل مستويات الإسلام لأفرضها على كل العالم الكتابي. لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بما لديكم مما هو أحسن مما عندهم. كيف أطلب هذا وهناك من غير المسلمين علماء في القمة في مجال الحقيقة والعلم عنها هم في الفطرة بسلامتها… والإسلام دين الفطرة، والعقل أصل فيه، فنحن المسلمين سبة الإسلام.

فإذا كنا نريد أن تكون لنا قيمة فعلا فيجب علينا أن نجدد إيماننا وإسلامنا، وندخل في الإسلام من جديد حتى يمكنا أن نظهر به الصورة الكريمة في مستويات الإسلام المختلفة، وننسق بين هذه المستويات التنسيق الذي رتبه لنا الرسول والذي رتبه القرآن، والذي هدانا إليه الله، وأمرتنا به كلماته إلينا بأئمتنا، وهذا ما جاءت الرسالة الروحية في هذا العصر لتهيئ أسبابه وتجدده لنا.

ونسأل الله أن يتولانا جميعا برحمته وهدايته، وأن ينير قلوبنا جميعا بنور رسالته برسوله الجامع لجوامع كلماته، وأن يصلح شأننا برحمته.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. من حديث شريف جاء في أكثر من صيغة: (المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس) رواه الطبراني)، وفي رواية أخرى (أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله عز وجل، سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة، أحبُّ إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد، يعني مسجد المدينة). رواه الطبراني. ↩︎

  2. حديث شريف. أخرجه الترمذي في صحيحه، والدارمي ↩︎

  3. حديث شريف ذات صلة: “خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. وابدأ بمن تعول.” صحيح البخاري وصحيح النسائي. أيضا: “ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها فإن فضلَ شيءٌ فلأهلكَ، فإن فضل من أهلك شيءٌ، فلذي قرابتِك فإن فضَل من ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا، وهكذا.” أخرجه مسلم والنسائي. ↩︎

  4. استلهاما من حديث شريف يخاطب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم الإمام علي بن أبي طالب: " فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لكَ حُمْرُ النعم" أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  5. حديث شريف: “من أصبح وهَمُّه الدنيا، فليس من اللهِ في شيءٍ، ومَن لم يَهْتَمَّ بأمرِ المسلمينَ فليس منهم، ومَن أَعْطَى الذِّلَّةَ من نفسِه طائعًا غيرَ مُكْرَهٍ، فليس منا.” أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)). ↩︎

  6. مقولة صوفية توضح أن الذكر بالقلب له قوة وأثر لا يستهان به. ↩︎

  7. سورة النجم - ٤ ↩︎

  8. من حديث شريف: “مهلا عن الله مهلا، لولا شباب خشع، وشيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا.” رواه البيهقي في السنن. كما رواه البزار، والطبراني في الأوسط باختلاف يسير. ↩︎

  9. سورة النحل -٦١ ↩︎

  10. سورة القلم - ١:٢ ↩︎

  11. هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع. ↩︎

  12. من حديث شريف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “… وسأخبرُكم بأوَّلِ أمري: دَعوةُ إبراهيمَ، وبِشارةُ عيسَى، ورؤيا أمِّي الَّتي رأَت - حين وضعَتني - وقد خرج لها نورٌ أضاءَت لها منه قصورُ الشَّامِ.” أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) واللفظ له، وأخرجه أحمد وابن حبان باختلاف يسير. ↩︎

  13. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  14. تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎

  15. من حديث شريف: “حياتي خيرٌ لكم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم فما رأَيْتُ من خيرٍ حمِدْتُ اللهَ عليه، وما رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم”. أخرجه النسائي والطبراني. ↩︎

  16. حديث شريف: “نضَّرَ اللَّهُ امرأً سمِعَ مقالتي، فبلَّغَها، فرُبَّ حاملِ فِقهٍ، غيرُ فَقيهٍ، وربَّ حاملِ فِقهٍ إلى من هوَ أفقَهُ منهُ.” المحدث: الألباني. المصدر: صحيح الجامع. كذلك جاء في الصَّحيحَيْنِ مِن حَديثِ أبي بَكرةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: “فلْيُبلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعى مِن سامع” ↩︎

  17. عبارة جاءت في أحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم، منها كل وصية أوصى بها في خطبة الوداع. ومنها في حديث طويل أخرجه البخاري ومسلم: “… فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.” ↩︎

  18. حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎

  19. تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎

  20. حديث شريف: “كل جسد نبتَ من سُحتٍ فالنار أولى به.” أخرجه أحمد والترمذي وابن حبان والطبري بصياغات متقاربة. ↩︎

  21. من قصة طويلة جاءت في الأثر عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، قال: “ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير لك من كثير لا تطيقه”، ودعا الرسول له فرزقه الله بمال وفير… ثم شغله المال فترك الجمعة والجماعات، ونزلت الآيات: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ . فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}. (التوبة: ٧٥- ٧٧). جاءت القصة في المعجم الكبير للطبراني، والدر المنثور لجلال الدين السيوطي. وكذلك تفسير ابن كثير. ↩︎

  22. قول مأثور: “إذا غضب الله على عبد رزقه من حرام، وإذا اشتد غضبه عليه بارك له فيه”، يشاع بأنه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن تصفه معظم كتب الأحاديث بأنه لا أصل له. ↩︎

  23. حديث شريف: “ما من ثلاثةٍ في قرية، ولا بَدْو لا تُقَام فيهِم الصلاةُ إلا قد استحوذَ عليهم الشيطانُ، عليكَ بالجماعةِ فإنّما يأكلُ الذئبُ من الغنمَ القاصيةَ”. أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد باختلاف يسير. ↩︎

  24. من الحديث الشريف: “تكونُ دعاةٌ على أبوابِ جهنمَ، مَنْ أجابَهم إليها قذفوه فيها، هم قومٌ مِنْ جِلْدَتِنا، يَتَكَلَّمُونَ بألسنتِنا، فالزمَ جماعَةَ المسلمينَ وإمامَهم، فإِنْ لم تَكُنْ جماعَةٌ ولَا إمامٌ فاعتزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّها، ولَو أنْ تَعَضَّ بأصلِ شجَرَةٍ حتى يُدْرِكَكَ الموتُ وأنتَ كذلِكَ” المحدث: الألباني. المصدر: صحيح الجامع. أخرجه البخاري بصياغة متقاربة. ↩︎

  25. حديث مشهور على الألسنة بصيغة: “لو حسن أحدكم ظنه في حجر لنفعه.” يوصف بأنه موضوع ولا أصل له. ↩︎

  26. استلهاما من عبارات حكيمة يقول البعض إنها للإمام علي كرم الله وجهه، ويقول البعض إنها حديث شريف، ويقول البعض إنها حكمة مأثورة. (من أراد واعظا فالموت يكفيه، ومن أراد مؤنسا فالقرآن يكفيه، ومن أراد مفقها فضميره فيه يكفيه)، (من أراد جليساً فالله يكفيه، ومن أراد أنيساً فالقرآن يكفيه، ومن أراد الغنى فالقناعة تكفيه، ومن أراد وعظاً فالموت يكفيه، ومن لا يكفيه هذا ولا هذا فالنار تكفيه) ↩︎

  27. حكمة دارجة، توافق مقولة الإمام علي كرم الله وجهه: " قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: “اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً بَيْنَكَ وبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لَهُ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ واكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، ولَا تَظْلِمْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ لَا تُظْلَمَ”. ↩︎

  28. من الحديث الشريف “استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك.” أخرجه أحمد بن حنبل والدارمي. ↩︎

  29. سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎

  30. سورة البقرة -١٨٦ ↩︎

  31. حديث قدسي: “لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن.” ذكره الغزالي في “إحياء علوم الدين”، وفي أدبيات المتصوفة. ↩︎

  32. سورة الكهف -٥١ ↩︎

  33. سورة الذاريات – ٤٧ ↩︎

  34. حديث شريف: “إن الزمان قد اسـتدار كهيئته يوم خلق الله السـموات والأرض.” أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود. ↩︎

  35. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  36. حديث شريف. صحيح البخاري. جاء أيضا: " والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ من الخيرِ." أخرجه النسائي ومسلم. ↩︎

  37. من أشعار قيس بن الملوح. شاعر من العصر الأموي. ↩︎

  38. سورة النور- ٣٥ ↩︎

  39. سورة الحج-٤٧ ↩︎

  40. حديث شريف: “إذا مات أحدُكم؛ فقد قامتْ قيامتُه؛ فاعبدوا اللهَ كأنكم ترَوْنَه، واستغفِروه كُلَّ ساعةٍ”. أخرجه الديلمي في الفردوس، ورواه العسكري في الأمثال، وأبو نعيم في (حلية الأولياء)، وغيرهم. ↩︎

  41. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  42. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  43. سورة الشورى - ١٨ ↩︎

  44. سورة الشورى - ١٨ ↩︎

  45. سورة الشورى -١٨ ↩︎

  46. سورة طه -١٥ ↩︎

  47. سورة الزخرف - ٦١ ↩︎

  48. سورة الحج-٤٧ ↩︎

  49. سورة آل عمران - ١٤٠ ↩︎

  50. سورة الجمعة - ٩ ↩︎

  51. سورة الأعراف -٣٤ ↩︎

  52. سورة آل عمران - ١٤٠ ↩︎

  53. سورة الانفطار - ٥ ↩︎

  54. سورة الزخرف - ٦١ ↩︎

  55. سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎

  56. سورة البقرة - ١٠٦ ↩︎

  57. سورة المؤمنون - ٥٠ ↩︎

  58. سورة الأنبياء -٣٠ ↩︎

  59. من حديث شريف: “مهلا عن الله مهلا، لولا شباب خشع، وشيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا.” رواه البيهقي في السنن. كما رواه البزار، والطبراني في الأوسط باختلاف يسير. ↩︎

  60. سورة الكهف - ٥١ ↩︎

  61. القائل هو الأرنب في إحدى قصص جيتاكا، وهي مجموعة من الحكايات الأخلاقية الهندية المرتبطة بالديانة البوذية. في هذه القصة، يرمز الأرنب إلى الإيثار والتضحية بالنفس. القصة تسرد كيف أن الأرنب، في تجسيد سابق لبوذا، ضحى بنفسه ليطعم شخصًا جائعًا، وألقى بنفسه في النار ليقدم وجبة، في مثال عظيم للإيثار ونكران الذات. (جيتاكا) (Jātaka) هي كلمة سنسكريتية تعني “قصص الميلاد” أو “قصص التجسد”. تشير إلى مجموعة من الحكايات التي تروي عن الحيوات السابقة لبوذا قبل أن يصل إلى التنوير. هذه القصص تعد جزءًا من الأدب البوذي، وتوجد بشكل رئيسي في نصوص البالي كانونيكال (Pāli Canon)، وهي النصوص المقدسة للديانة البوذية. ↩︎

  62. إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داود والحاكم. ↩︎

  63. تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎

  64. من حديث شريف: “حياتي خيرٌ لكم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم فما رأَيْتُ من خيرٍ حمِدْتُ اللهَ عليه، وما رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم”. أخرجه النسائي والطبراني ↩︎