(٥)
القيامة
ويوم القيامة
في قيامات وأيام الحياة
حديث الجمعة
١٧ جمادى الأولى ١٣٨٦ هـ - ٢ سبتمبر ١٩٦٦ م
اللهم يا من هو بنا قائم… وعلينا قائم… ومعنا قائم… قيوم قائمنا، وقيوم بنا، على قائمه منا، لا إله غيره، ولا معبود سواه.
اللهم يا من هو لنا، ومنا وعلينا، لمعيتنا الإله والغيب، وفينا لنا وبنا وعلينا الراعي والرب، وقائمنا لقيومنا الحق والعبد، لا شريك له… لا شريك له منا، ولا شريك له مما بنا، ولا شريك له ممن هو معنا، ولا شريك له ممن هو علينا… كيف وهو لا إله إلا هو لا شريك له!
اللهم يا من كنت لنا واحديتنا، بواحدية أشتاتنا، كما كنت لنا أحديتنا، في جماع شَتَاتنا.
اللهم يا من كنت لنا ما كنا، وما عنك عَلِمنا، وما عنا نكون، وما عنا نعلم.
اللهم يا من كنت لنا معلومَنا، وعَلَمنا، وأَعلاَمَنا، جامع شتاتنا، بأحدية أشتاتنا، إنسانية وجودك، وإنسان موجودك. لا إله غيرك، ولا معبود سواك.
اللهم يا من جعلت قيامَتك في قيامنا، وقيامنا في قيامك، تواجدتنا لنفسك، لوصف خلقك، وبَعثتَنا بحقك، لوصف أمرِك، وعَلَّمتنا فأعلمتنا فعَلِمْنا، كتاب وجودك لوجودنا لوجود رحمتك، في رحمة جودك، في رضوانك لنا، ورضواننا لك، جعلتنا فيك، موصوف العبد لك، ووصف الرب منك، وأزواجا خلقتنا، وعبادا وأربابا مزجتنا، وإليك وجهتنا، قديما لا بدء لك، وباقيا لا انقضاء لك، وشاملا لا شريك لك، يوم أدخلتنا حصن لا إله إلا الله، وبعثتنا فيها، لشهادتنا لنا محمدا رسول الله.
لا زال الناس على ما كانوا، وسيبقى كثيرهم على ما هم، يجادلون في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير… يؤمهم جهلاؤهم، ويحكمهم طغاتهم وسفهاؤهم ويزل بهم أئمتهم في عثرات التعديد، وفي أوحال التوحيد، لا يعرفون قديما، ولا يجعلون من قديمٍ جديدا.
يغمضون أعينهم عما يرون… ويغلقون آذانهم عما يسمعون… يتخبطون في سيرهم، ويدورون حول أنفسِهم في مدارهم، فلا أرضًا يقطعون، ولا ظهرا يُبقون، ولا بابا أمامَهم يطرقون، ولا سبيلا لهم تُفتح يَسلكون، ولكنهم دوما وفي دوام أنفسهم يعمهون.
إلى الله لا ينسبون، وربَهم فيها لا يشهدون، ومعيته منه معهم لا يتابعون، وله يتجاهلون، أو عنه يجهلون، وهو داعيهم بأئمتهم يوم يدعون، ومقيمهم بأئمتهم يوم يبعثون، ظلالًا للحق بهم يقومون، ووجوها للحق يقومون، وللحق في أنفسهم يَشْهَدون إذا هم إليه فيهم يرجعون، فيروهم بكشف أغطيتهم وجوها ناضرة، لربها، مذكورًا في النفس، ناظرة، لا ترهقها قترة، ولا تشوبها غبرة، أو يروهم ظلالا وجندا للشيطان يجري منهم مجرى الدم، به على مكانتهم يمسخون، يقدمهم فيوردهم النار، بئس الورد المورود، وجوه عليها غبرة ترهقها قترة.
يجادلون في القيامة… ويجادلون في يوم القيامة، ولا يعرفون ما القيامة… ومن الذي يقوم… ومن هو المقيم… يخلطون بين القيامة ويوم القيامة… لا يفرقون، بين يوم القيامة، فيه يتقلبون، وبقائمه بهم ينامون ويستيقظون، بين ليل ونهار، فيه يتواجدون، وبهم يتواجد بالناس نيام، لمعاني دنياهم، في تعدد دناهم. والناس، قيام، في انتباهٍ بسلام، يذكرون من كان لهم السلام، ومن كان لهم القيام، ومن لم يفارقهم في نيام، أو في يقظة بخصام، لنصب بمراد لتمام، في سعي مرضي لغاية بسلام.
إن الناس، تقطعهم أيام القيامة، بأيامهم، ويقطعون أيام القيامة بأمرهم، بحقهم، بيقظة قلوبهم، بقطعهم لأحوال النبوة بعقولهم ونفوسهم، (نحن معاشر الأنبياء، تنام عيوننا، وقلوبنا لا تنام)[١]، ما أُعطيناه، فهو للناس… (علماء أُمتي كأنبياء بني إسرائيل)[٢]… (وما أُعطيته فلأُمتي)[٣]… (أنا رحمة مهداة)[٤]. إن الله لا تأخذه سنة ولا نوم، والناس ليسوا كذلك، ولا يكونون كذلك إلا يوم يكونوا أسماءً لله، لا يرتابون في إيمانهم بالله ورسوله لهم.
اشهدوكم محمدا رسول الله، فيه تُقيمون، وبه تقومون، يوم أنكم به حقا من الله إليكم تؤمنون، ونور الله معه في قلوبكم تستقبلون، كوثرا لا يغيب، بظلال لا تحتجب، لحق كان قبل أنه بينكم يكون، كلما كان وكلما يكون، أولية عابدين متجددة، بأوليتها متعددة، قائمة في قائمها لكم، لقائمها بكم، كوثر وجودها، لكوثر تواجدكم…
إنسان الله وبحار الحياة، أنهار الرحمة، سحب النجدة… عيون الفطرة، قائم الحق بقائم الإنسان، لقيام إنسانكم، قيوم الرحمة عليكم. حي في قبره بقلوبكم، يوم تُودعوه، تنشق عنه قلوبكم يوم تبعثوه، (تنشق عني الأرض)[٥]… وأي أرض هي التي عنه تنشق؟ إنما هي أرض القلوب يوم تحيا، فتشهدها محمدًا رسولَ الله، في قائم هيكلها لعالم وجودها، بلا إله إلا الله، رجل سلم لرجل، خلقناكم أزواجا… صل لربك وانحر… رجل لله بقلب، في رجل لله بهيكل… رجل سلم لرجل، في ذي المعارج، ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات… {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[٦].
إلى ذات إنسانه… إلى مسيح مطلقه… إلى قدس أقداسه، الكل إليه، والكل به يبعث، يوم يتواجد منه، متجددا له، يتجدد فيه… رجل لرجل، رجل سلم لرجل… ابن لأب، وأب لابن… الأب في بنيه، والابن في آبائه لأبيه، بفطرة الآباء لأبنائهم، والأبناء لآبائهم، لا بداية للآباء، ولا انقضاء للأبناء، في دورة الحياة، في حلقات الحياة، حلقاتٍ مفرغة، لا أول ولا آخر لها.
فما تكون القيامة؟ إن أول القيامة، هي قيامة النفس بأولية مبعوثة بالنفس اللوامة {لا أقسم بيوم القيامة، ولا أقسم بالنفس اللوامة}[٧].
أما يوم القيامة، فهو الإنسان كعصر، يوم يبدأ بأن تبعث النفس لوامة، وينتهي ببعثها بالحق، قائمة بالله قوَّامة، عالمةً ما قدمت، وعالمة ما أخرت، وعالمة ما قامت، فأيقظت بما علمت عن قديم، وحذرت ما فاتها، في قائم، وبشرت بما أخرت لقادم، مما تنتظر بسعي في قائم بعثًا بكمالٍ عرفته في قديم عنه تخلفت في قائم، وله أمّلت وعملت أن يقوم في قادم، مُبشِرة منذرة، أمرا وسطًا في قائم، بين يدي رحمته بقديم وقادم، معلمةً هادية، مُقَوّمة للخير ساعية. {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين}[٨].
فالإنسان للإنسان هو حوض الحياة… وشمس الخلاص والنجاة. ونفسه بمعناها لأحدها، بشتات، هي القيامة ببدايتها، لقيامتها قوامة، من قديمها لوامة، وهو ما بين الزمنين للحالين، يوم القيامة. فيومُ القيامة يومُ الإنسان من خلقيته إلى حقيته، والقيامة… الإنسان لها القائم والعنوان.
يتحدثون عن يوم القيامة… ويهرفون، بما لا يعرفون عن يوم القيامة، ولا يشهدون لقائمهم قيامة. تردد صحائفهم، أنهم ينتظرون القيامة، أو أن يوم القيامة تحدد في السادس والعشرين بعد الألفين من مولد عيسى، فيرجفون، ويهزلون، ومن قبل فعلوا، وها هم يفعلون، وعلى فعلهم يَبْقُون، ما داموا في الجاهلين، عن السِلم والسلام راغبين، ولكل حق يُبعَث بينهم يخاصمون، ولصوت الله، لا آذانهم، ولا آذان قلوبهم، ولا آذان عقولهم يفتحون.
{إن يوم الفصل كان ميقاتا، للطاغين مآبا، لابثين فيه أحقابا}[٩]… {إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون}[١٠]… {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون}[١١]… {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة}[١٢] مما تعدون.
{قل إن كان للرحمن ولد، فأنا، أول العابدين}[١٣]… (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر)[١٤]. لقد كان محمد أولية ليوم من أيام الدين، {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم}[١٥]… {اصبر وما صبرك إلا بالله}[١٦]… {إن يوم الفصل كان ميقاتا، للطاغين مآبا، لابثين فيه أحقابا}[١٧]. إن يوم القيامة، إن أيام القيامة، إن أيام الله، تبدأ ببعث النفس لوامة، وتُغْلَق، ببعثها بقيام بكرامة قوامة.
{فَانتظروا إنا معكم منتظرون}[١٨]، نحن في يوم القيامة، نقطعه ويقطعنا، ويُغَلَّق، كيوم للدين، يوم تعرفون لمن عقبى الدار، يوم تعرفون من يرث هذه الدار، من عباد الله، أهي للصالحين أم هي للطالحين؟ وما مدى صلاحية رسول الله عندكم وعند ربه؟
إنها للطالحين يجري منهم الشيطان مجرى الدم، دار اختبار وابتلاء، يوما من أيام الله، كانوا عليها زينة لها، ما واصل الرحمن بينهم وجوده في حجاب، على النفوس وفي سفور للقلوب، فإذا كان يوم القيامة، يومُ الحساب، يومُ العقاب، يوم الأعمالِ وَردِّها، يوم كشف الأقوال وبهتانها، يوم كشف النفوس وانحرافِها، يوم كشف الطغاة في ذِلتهم، يوم كشف الجهلاء، في محنتهم، يوم سفور المستضعفين في عظمتهم، يوم سفور الأتقياء في أغطيتهم، يوم سفور الحق بالإنسان للإنسان للنفوس والقلوب يوما من أيام الله بكلمة منه برسالة، إنه لعلم للساعة.
قليل من عباد الله الشكور، وكثير منهم أهل الفجور، هم من يهدمون دور الله، في قلوبهم ودور الله في قلوب الناس، بفتنة عارمة، وجَهَالة صارمة، وإلى أن يُفْصَل في ذلك لهم برد أعمالهم إليهم، وإلى أن يفصل لجمعهم في أمر إمامتهم فيمن كان يوم القيامة، بقائمه، مبعوث لائمه، بدء دائمه بينهم لهم… وهو ما أسفر به الرسول رحمة بهم، نفسا لوامة. (ها أنا رسول الله بينكم ولا أدري ما يفعل بي غدا)[١٩]… (أنا أقربكم إلى الله وأخوفكم منه)[٢٠].
(خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)[٢١]، (ما أعطيته فلأمتي)[٢٢]، (أنا رحمة مهداة)[٢٣]، عسى ربي، أن يرحمكم وأن يرحمني وأنا باخع نفسي على آثاركم، أسفا، وحزنا، أطمع أن يخرجني من حزني، وأن يجبرني في أسفي، فيرتضيكم لنفسه، على ما رضيني لنفسه، فأسعد في سعادتكم، وأهنأ في هناوتكم، وأسكن في سكينتكم، وأُرحَم في رحمتكم. {ولسوف يعطيك ربك فترضى}[٢٤]… حمدا له وشكرا له… (لا أرضى وأحد من أمتي في النـار)[٢٥].
فيومُ الفصل، يومٌ معلوم، بميقاتٍ معلوم، لنصرة معروف معلوم بناصر معروف معلوم، لمنصور معروف معلوم، أنكره، ظلمًا لأنفسهم، بظلام عقولهم، الظالمون، وتركه المستهترون، وحرص عليه اليقظون، الناس فيه يبتلون، وكيف يتركون ولا يبتلون، حتى يتميز الخبيث من الطيب بما يعملون، وبما يستقيمون، وبما يستجيبون وبما في أنفسهم لأنفسهم بأنفسهم يُغَيرِّون، الشيطان يجري منهم مجرى الدم منه يُحَذَّرون، والرحمن معهم أقربُ إليهم من حبل الوريد إليه يوجهون له يشهدون، يوم تكشف عنهم أغطيتهم فينظرون، فبربهم في أنفسهم يؤمنون، وبه يعتقدون، يوم أنهم لوجهه بينهم بالرسول ينظرون، ووجوها له بالحق به يُبْعَثون، فبه عند الناس يُنْظَرون ورسالته يجددون ويقومون وينشرون…
دوام رسالة الإسلام بالمسلم لو أنهم يسلمون، وبالله لهم يؤمنون، فلا إله إلا الله وحصنها يدخلون، ومحمدٌ رسولُ الله، سفنَه يركبون. تعالى الله عما يصفون.
يا أيها الذين آمنوا ألا تتقون، ولله تُقدِّرون، فبالرسول حقا تؤمنون، وبينه وبين الله لا تفرقون، وربه في نفسه ربا لكم في أنفسكم، به تُبْعَثون وله تتواجدون، يوم أنكم ما في أنفسكم تُغيرون، فظلام أنفسكم تمحون، ونور الله مع رسول الله تستقبلون، فبقلوبكم تُشرقون، ومشكاة صدوركم تضيئون، وسراج أنفسكم تشعلون، وحول النارِ المقدسة تطوفون، وفيها تدخلون، أن بورك من في النار ومن حولها، لو تعلمون.
الله لكم، نورُ السماوات والأرض وأنتم بسر السماوات والأرض تقومون، وإلى أرض وسماواتها تتطورون، أرض وسماوات لقدس قيامكم للأقدس، فيها تشرقون، شموس الحياة، لو تعلمون. {والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى}[٢٦] {جعلنا الشمس عليه دليلا}[٢٧]، ويوم تشهدونه لأنفسكم، تكون الشمس عليكم دليلا، ويوم تقومون في دوركم من السماوات والأرض، إنسان وجوده، وحقيقة موجوده، وأيدي جوده، لمن عليه تجودون، وبموجودكم به تتواجدون، إيجادًا له، بما تقومون، أعلامًا على المطلق تكونون، ووجوها لله تشهدون لو أنكم معكم عقولا تصدقون، ومع أنفسكم لا تراؤون، وبأمر الله بكم لا تستهترون.
تقولون إنكم على دين!! أي دين!! إن الإسلام جاء بكل دين، جاء بدين للعارفين، حقُهم فيه ما يعرفون، وعبدهُم ما يقومون، وربهم ما عليه بين جوانحهم يحرصون، وإلهُهم قيوم معانيهم لقائمهم الذي تشهدون.
هذا دين المعرفة عند العارفين، في رسالة المعرفة، فيها المعرفون بالله، وجوها له يشهدون، وحقا به يبعثون، في قلوب المؤمنين به بالله معيتهم يؤمنون، وللقائمين بهم رسلا لهم يتابعون، بالله قائمين (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)[٢٨].
(نزلت البسـملة على كل نبي من قبلي ورفعت معه إلا أنا فقد أعطيتها لي ولأمتي)[٢٩]، فما زال اسم الله الرحمن الرحيم، قائما بيننا لم يغب، ونورا لم يحتجب بعد أديم آدم بفرد رسول الله، بعد محمد الله بجلدته يتجدد، بعد حق الله ينتشر وبالوجوه يتعدد، بعد عبد الله بظلاله يتكاثر ويتناثر، بعد وجه الله يتسع للناس كوثر معناه، لقائم معناهم، فكيف يحتجب من كان كوثرا بمعناه، لقائم الناس بمعناهم له!
(الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٣٠]، (بعثت والسـاعة كهاتين)[٣١]، موجُودُه البعث ليوم القيامة، وقيامَتُه الحق، في ساعة الأمان والسلامة {إما العذاب وإما الساعة}[٣٢] قانون دائب من قوانين الفطرة لفعل الصبغة في كافة الناس ولكافة الناس. (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)[٣٣]{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ}[٣٤].
إن الناس يظنون بالله الظنون، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا، قد يُقْبَل الظن الحسن، من الجاهلين، ولكنه لا يقبل من العالمين، قد يقبل القول الفطير[٣٥]من الجاهلين، ولكنه لا يقبل من العاقلين، فإذا كان دين العارفين معرفتهم، فدين العلماء عِلمهم.
وعلم العلماء، في عِلمهم عن أهل المعرفة بينهم. وهذا دين العلماء، في رسالة الفطرة، أن يكون لهم من الله أولياء، في قائم الشهادة، {من يهدي الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا}[٣٦]… فمن لا ولي له وليه الشيطان، وهذا دين أهل العلم في رسالة الفطرة… ورسالة الإسلام.
أما دين العامة، فهو الاستماع لأهل العلم، والمتابعة لهم في متابعتهم لأوليائهم فيما يُرشِدُونهم، ويثقفونهم به، إنه دين الإمامة واعتقادها، قبل أن يكون دين المناسك وإتيانها، بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام رمضان، ومعاملة الناس، بما يحبون أن يعاملوا به منهم.
عليهم أن يستفتوا قلوبهم، وأن يعملوا بما تَرضى به ضمائرهم، وبما تستجيب له عقولهُم، مخاصمين لشهوات أنفسهم، مجاهدين في الله، ومجاهدين بالله، ومجاهدين لأنفسهم، مدركين مقدِّرين أن الأمور كلها، إنما تسير في قدر، مرسوم لها، وفي أمر مقدر بها، لاجئين إلى الله، مؤمنين به بالغيب… فإن صدقوا في تقواهم علمهم مولاهم، وهداهم السبيل إلى من بالله يتولاهم.
فدين الإسلام، في حقيقة أمره، وهو دين الفطرة، في واقع أمره، إنما هو ثلاث أديان رئيسية منها تتفرع أديان كثيرة، فدين العامة، ومثَّلته جماعة موسى وصحفه لأهل النفوس وما زالت رسالته قائمة بعامة الناس، ودين الخاصة، ومثَّله جماعة عيسى وحواريوه، لأهل العقول وما زالت رسالته قائمة بأهل الرجاء، ودين القيمة لأهل القلوب ومثَّله إنسان آدم وبنوه، ويمثله أهل المعرفة وما زالت رسالته قائمة بهم، وهو دين الطريق، ودين الفطرة، ودين البدء، ودين السلوك، ودين النهاية، ودين الربوبية، ودين الألوهية، ودين العبودية، ودين الحقيقة، ومثَّله وجدده وأشهره العروة الوثقى والأمر الوسط والحق المشاهد رسول الله، أُعطيت له جوامع الكلم، روح قدس الله… (ما عرفني غير ربي)[٣٧]، (من رآني فقد رآني حقا) [٣٨]… (أُمة مذنبة ورب غفور)[٣٩].
فإذا كان لنا شرف القيام والانتساب إلى دين الفطرة، دين الإسلام، دين الطريق، دين الرسالة، دين الحقية، دين الخلقية، دين العبودية، دين الربوبية، دين الألوهية، دين الإطلاق، دين لا إله إلا الله والله أكبر، دين محمد، آدم أبنائه، وابن أوادمه، والعروة الوثقى، بين أوادم البدء لا بدء لها، وأوادم التجدد للبقاء للجنس لا انقضاء لها.
دين آدم، كان الرسول بمعناه من دين آدم جديدا لدين آدم فكان من أظهره الله على الدين كله، فعلمه الأسماء َكلها، وجعله أول العابدين، بذاته، لجديد ذواته، وبذاته، من قديم ذواته فكان إنسان الله، لسابق لإنسان لله، وللاحق لإنسان لله، به عرف الله واسعا عليما، به عرف الله جوادا كريما، به عرف الله، قائما لا يغيب، وقيوما لا يفتر، به عرف الله، لانهائيا في وجوده، لانهائيا في كرمه وجوده.
الإسلام دين الفطرة، دين الله، دين القيمة، به تجدد قديم الأنبياء، لجديد قيامٍ باسم الأولياء، لقائم قيام باسم الحكماء، به كَشَفت الفطرة عن حقها، وبه تواجدت الصبغة في قيامها، بلا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، ذلك دين القيمة، أوغلوا فيه برفق، ولا تنافقوا فيه مع أنفسكم. هذا دين، له قائمه، وله حقه، وله أثره {الذين قالوا ربنا الله، ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة، ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة}[٤٠]، وهل كان الأنبياء فيما تميزوا به على أممهم إلا شيئا من ذلك؟ أصبح بدائم رسول الله حقا للكافة، يعملون له ويسعون إليه ويتحقق لهم.
{أيحسب الإنسان ألَّن نجمع عظامه، بلى قادرين على أن نسوى بنانه، بل يريد الإنسان ليفجر أمامه، يسأل أيان يوم القيامة}[٤١]، وهو قائم في يوم القيامة، مقداره الألف والخمسين ألف مما تعدون، إنكم في يوم القيامة في دوام تقومون، يوم تتبادلكم أيام الله، لقيامات الله، لرحمة الله، ولحساب الله، ولحشر الله، ولبعث الله، ولقيامة الله، من مات فقد قامت قيامته، ولكل منكم قيامة، لا أقسم بالنفس اللوامة، {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}[٤٢]، فبعثت لك النفس اللوامة، بدءا ليوم قيامة، ليومك بالقيامة… يبدل الجلود، ويجدد الشهود، ويمد في الوجود، ويُنظر ليوم السجود.
{وإنه لعلم للساعة}[٤٣]، إن للساعة رسالة علم بها، كان عيسى معناها، وكان محمد حقَها ومجلاها، إن الإنسان، من عمل نفسه، وإن الإنسان، هو المهلك لنفسه، وإن الإنسان هو المنتج لنفسه، وإن الإنسان هو المستهلك لنفسه. إن الإنسان بين إيجاده لنفسه، وبين استهلاكه لنفسه، يتواجد، لموجود حقه، لحقيقة نفسه. {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى}[٤٤]… {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[٤٥]، فليعمل الإنسان لأمر نفسه، ولا يفرط في أمر نفسه، فما كان أمر نفسه إلا أمر ربه، وما كان أمر ربه إلا أمر حقه، وما كان أمر حقه إلا أمر معناه، وما كان أمر معناه إلا أمر مولاه، وما كان مولاه إلا إياه، بلا إله إلا الله، بقائم محمد رسول الله.
إن الإنسان من صنعه، يتطور من خلقه لحقه، يتطور بخلقه، في قائمه من خلقه بخلقه، كما يتحقق خلقه، بقائم حقه بما فيه من حقه، بمن هو أقرب إليه من حبل الوريد، ومعه أينما كان، قائما على نفسه، ومن ورائه بإحاطته.
إن الإنسان في حقيقة أمرِه وجهُ ربه، وجه الله، هو عالم الوجود وعالم الحق، الإنسان في حقيقة أمره، عَلَمٌ على قديم إنسانه، وإعلام عن قادم عنوانه، بلا إله إلا الله، في متابعة محمد رسول الله.
لا تقولوا إنا على ما وجدنا عليه آباءنا، فما كان آباؤكم على شيء، إلا من رحمه الله، وقليل ما هم، ولكن جددوا أنفسكم بذكر الله، لتكونوا بدءا لذكر لله من عملكم، وإن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد، وإن جلاءها لذكر الله، فجددوها بذكره، مع من كان ذكرَه، ومع من قام بينكم ذكرا محدثا لذكر قديم، له تذكرون، وعليه تتعارفون، بمحمد رسول الله، في قائمكم لله، بقائم لا إله إلا الله.
نسأل الله بلا إله إلا الله، ونسأل رسول الله برسول الله، ونسأل الله بالله، ونسأل الله برسول الله، أن يجعل لنا من رسول الله رحمة لنا، في قربه، وأن لا يرد أعمالنا علينا في حسابه، وأن يجعلنا منه، في قائمه بغيبه وشهادته، وأن يجعلنا برسول الله معنى حقه، لقائم أمره، بغيبه، لغيبه ولشهادته بشهادته، حتى نقوم أعلام لا إله إلا الله، وعَلَم رسول الله، لغيبنا وشهادتنا.
اللهم بالله ورسوله، ولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، وكن لنا برحمتك حكاما ومحكومين، أئمة ومتابعين، مجاهدين وغافلين، جاهلين وعالمين، عاملين وخاملين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم بالله ورسوله أنزل سكينتك على قلوبنا، والسِلم والسلام على أرضنا، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك، في أنفسنا، بأمرك لنا.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
حديث شريف: “إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا.” أخرجه البخاري. ↩︎
حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث شريف: “إنما أنا رحمة مهداة”. أخرجه ابن سعد والحكيم والحاكم. ↩︎
وفقا لما جاء في الحديث الشريف: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ.” صحيح ابن ماجه. ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة القيامة - ١-٢ ↩︎
سورة فصلت - ٣٣ ↩︎
سورة النبأ - ١٧ و ٢٢ و ٢٣ ↩︎
سورة الحج - ٤٧ ↩︎
سورة السجدة - ٥ ↩︎
سورة المعارج - ٤ ↩︎
سورة الزخرف - ٨١ ↩︎
من حديث شريف: “عن جابر بن عبد الله قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله: أول شيء خلق الله تعالى ما هو؟ فقال: نور نبيك يا جابر، خلقه الله ثم خلق منه كل خير.” رياض الجنان: مخطوط. بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎
سورة هود - ١١٠ ↩︎
سورة النحل - ١٢٧ ↩︎
سورة النبأ - ١٧ و ٢٢ و ٢٣ ↩︎
سورة يونس -١٠٢ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “واللَّهِ ما أدرِي - وأَنا رسول اللَّه - ما يفعل بي ولا بكم.” صحيح البخاري. ↩︎
إشارة إلى أكثر من حديث شريف منها: “إنَّ أتْقَاكُمْ وأَعْلَمَكُمْ باللَّهِ أنَا.” صحيح البخاري. أيضا “… ما بَالُ أقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أصْنَعُهُ؟! فَوَاللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُهُمْ باللَّهِ، وأَشَدُّهُمْ له خَشْيَةً.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
حديث شريف. أخرجه الترمذي في صحيحه، والدارمي ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎
حديث شريف: “إنما أنا رحمة مهداة.” أخرجه ابن سعد والحكيم والحاكم. ↩︎
سورة الضحى - ٥ ↩︎
من حديث شريف جاء في تفسير القرطبي أنه حين نزلت الآية {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال النبي صلى الله عليه وسلم “إذا والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار.” وجاء في صحيح مسلم في حديث طويل منه: “اللهم أمتي أمتي وبكى. فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأل فأخبره. فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك.” ↩︎
سورة النجم - ١:٢ ↩︎
سورة الفرقان - ٤٥ ↩︎
حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
حديث شريف: " بعثت أنا والساعة كهاتين"، (وفرق بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام) صحيح البخاري، ورواه أحمد ومسلم والترمذي. ↩︎
سورة مريم - ٧٥ ↩︎
حديث شريف: “مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ.” صحيح البخاري، وصحيح ابن حبان. كما أخرجه مسلم ↩︎
سورة البقرة - ١٨٦ ↩︎
كل ما أُعجل به قبل نضجه. ↩︎
سورة الكهف - ١٧ ↩︎
حديث ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ولم نستدل على سند له في كتب الأحاديث الشريفة. ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في (تاريخه) عن أنس ابن مالك. المحدث الألباني. المصدر: ضعيف الجامع. ↩︎
سورة فصلت - ٣٠ و٣١ ↩︎
سورة القيامة – ٣-٦ ↩︎
سورة ق - ١٩ ↩︎
سورة الزخرف - ٦١ ↩︎
سورة النجم - ٣٩ و٤٠ ↩︎
سورة الزلزلة - ٧-٨ ↩︎