(٢)

مقدمة منتخبة من أحاديث الجمعة للسيد/ علي رافع محمد رافع

٢٥ رجب ١٣٩٦ هـ - ٢٣ يوليو ١٩٧٦ م

علاقة الإنسان بربه، هي الدين في كل مكان، وفي كل زمان، وما أُمر به الإنسان في عبوديته من الإنسان في ربوبيته… إن الرب يبحث عن عبده كما يبحث العبد عن ربه، في قيامهما معا، في آمر ومأمور… في مُرسِل ومرسَل إليه… في رسول هو مُرسِل بقيامه في حضرة المرسِل، وهو مرسَل إليه بقيامه في حضرة المرسَل إليهم، فمنه وإليه… واعتصموا بحبل الله جميعا، وما حبل الله إلا رسوله المؤلف للقلوب… النور الساري في الهياكل… سر الحياة القائم، نور الحياة وكنزها… أمل كل مُتابِع، ورجاء كل طالب، ومثالية كل مقتد.

إن ما يربطنا بما أوجد الله فينا من حياة، هو معنى رسول الله… واعلموا أن فيكم رسول الله… فهل لهذا المعنى ذكرنا، وفي ذِكرنا له أكبرنا؟ رسول الله طلبنا… إذا دعانا أجبنا… وإذا أذن فينا لبينا، قِبلة لها استقبلنا، وبيتا حوله طفنا؟

إن الإنسان في هذه الأرض، يدرب أن يكون من المسلمين، المـُسَلِمين الذين هم لأمورهم مفوضين، الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما… يدرب أن يستوي عنده، تبر الأرض وترابها، لا ينحاز بنفسه إلى تبرها، ولا بيأسه إلى ترابها… يستوي عنده لأنه يعلم أن هناك من هو أحكم، وأن هناك من هو أعلم، وأنه ما خُلق لتبر أو تراب، وإنما خُلق للحق، فيطلب الحق كثيرا، ويذكر الله بكرة وأصيلا، منشغلا بذكره عن مسألته.

إن الدين، هو سلوك إنسان حيا، وإنسان تحقق، فكان أهلا للفيض، وكان أهلا للإرشاد، فأخبره أعلاه، وحقه، طريق الحياة ما يكون، والارتقاء فيها، كيف يكون، فسلوكه هو الحياة.

إن الاتباع والاقتداء، هو أمل ورجاء، أن يكون الإنسان قائما حقا، فيما يأتيه من فعل، وفيما يقوله من قول تماما كمن سبقه في هذا، أمله ورجاؤه أن يكون في عبادته، وهو قائم فيها كما أُمِر، قيام من سبقه فيها، يعلم أنه ليس كذلك الآن، ويعلم أن الطريق طويل، لأن ما يطلبه ثمين، لا يجعله هذا يضعف أو يتكاسل أو يتخاذل، أو يأبى أن يتبع حقا، لأن طريق الحياة لا نهاية له، ولا حد له، فيسأل ويطلب دوما أن يكون مُرشَدا، مَهديا إلى الطريق القويم، فهو في اتباعه يكبر معنى الاتباع أن يكون في تقليد أعمى دون وعي أو فهم، ويطلب أن يكون اتباعه حقا، حتى يكسب معنى أعلاه، ويظل دوما له طالبا في ارتقاء، ويظل إليه متوجها، وبجاهه متوسلا، وفي سفينته راكبا، قائدا له مسلما، ولأمره له مفوضا، في حب وإيمان ويقين، إن هذا هو طريق الحياة، ليكون حقا إنسانا.

كثيرون يتساءلون… ما الروحية؟ وما الطريق؟؟؟ {إن الذين قالوا ربنا الله، ثم استقاموا، تتنـزل عليهم الملائكة، ألا تخافوا ولا تحزنوا…}[١]… (إن للـه في أيام دهركم لنفحات فتعرضوا لها)[٢].

صِلة الإنسان بربه، وصِلة الإنسان بحقه، صِلة الإنسان بمن سبق، ليعرفه ويرشده فيما هو فيه قائم، ويخبره إلى ما هو إليه سائر، هذه الصِلة، الصِلة النابعة من قلب صادق، ومن قيام طاهر، ومن عقل متفتح، بما وراء الماديات، وبما وراء الكلمات، هي الروحية والطريق.

أذّن المــُؤذن بالحق، فأجاب السامع بالحق، دعا الحق الأعلى الحق الأدنى، فأجاب الحق الحق، واستجابت الحياة للحياة.

إن المستجيب حقا، لا يعلل استجابته، لأنه إذا أراد أن يعلل، فسيعلل بظاهر العقل له، وظاهر العقل له لا يستطيع أن يعلل ما استجاب له هو بمعاني الحق فيه، فليكن في استجابته معليا لها أن يعللها ويفسرها، وليجعل التفسير لأفعاله المادية بمعاني الحق فيه.

هل عرفنا أن العارف بنا لا يعرفه إلا ربه، وأن معرفتنا لمعنى الرب لنا، هي في معرفتنا لانعكاس معناه بنا، في قائم حياتنا؟ هل عرفنا، فازددنا طلبا للمعرفة، أم أننا نتخيل أننا نعرف، ونزداد تكبرا عن المعرفة؟ إن من عرف حقا ما تكبر أن يعرف من أي إنسان وفي أي مكان.

إن معنى الحق في الإنسان يدرك ما دونه، فهو المحيط بكل ما داناه، وهو مُحاط بكل ما عَلاه، وهو كقيام فاصل بين أعلى وأدنى، معنى الأمر الوسط، المدرك من أعلاه، والدارك لأدناه، حلقة الوصل، بين سبق كسبه في ماضٍ، وبين قيام يكسبه في لاحق، فإذا تأمل الإنسان حقا، فهو لا يتأمل إلا فيما داناه، أما هو بقيامه المتأمل، فلا يعرفه إلا ربه، فيقوم مدركا، ما عرفني غير ربي.

إن الإنسان لو جعل من وجوده أرضا طيبة تستقبل ربها، لظهر فيها الحق بمولده… ظهر بقيام جديد فيها يطهرها ويزكيها، فقد ولد الحق، وولد الهدى، وولد الضياء، وسينمو ويكبر، ويحل محل وجوده المظلم، فيفنى هو بما كان، ويبقى هو بما ولد، من معاني الحق، فيدرك أن لا إله إلا الله، ويقوم محمدا رسول الله، ويعرف أن لا وجود ولا حياة إلا لرسول الله، به يبقى، وبدونه لا يكون. اصطفاه ربه، ونفخ فيه من روحه، وعَلّمه الأسماء كلها، وجعل منه الحياة، فملَّكه كما امتلكه، وخَلَّفه على معاني دُناه، ليكون وجها له بين من عليهم ولاه، وليكون هو لهم، كما كان له أعلاه.

دورات في الحياة، ببدايات، لا أول لها، ونهايات، لا آخر لها، تسفر بعباد لله، أعلاما على حقائق الحياة، وأبوابا لمن طلب النجاة، رحمة من الله، وهدية منه، فتتدانى الرحمة، وبتواجدها تجذب حولها وفيها من كان فضل الله عليه عظيما، ونعمته عليه كبيرة، فيدخل بيت الرحمة، وبيت الحياة، فيخرج من الظلمات إلى النور، رحمة من الله وفضل.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة فصلت - ٣٠ ↩︎

  2. إشارة إلى الحديث الشريف: “إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها”، رواه الطبراني في “الكبير” وذكره الغزالي في الإحياء. ↩︎