(١٥)

الإنسان بحقيقته
هو الروح والعالم
حِل بالبلد ووالد وما ولد مزوية له الأرض

حديث الجمعة

١٨ ربيع الآخر ١٣٨٦ هـ - ٥ أغسطس ١٩٦٦ م

في العام الثاني بعد السبعين، لخمس قرون خلت، من مولد كلمة لله، بعيسى بن مريم، رزق آدم وليدا، ظهر جديدا، وجعل الله منه كلمته وروحا، أوحاها إلى آدم، بشرية الأرض بقائمه، وروح الأرض بقيومه، وجماع كلمات الله، لوحدة نواته لذاته بحقيقته… أظهرها على الدين كله، وأظهر بها الدين كله، عنون بها رسالته الخالدة.

فكان حقا في عمائه، لا يعرف لنفسه مولدا، ولا يقدر لها موتا، ولكنه بظاهره لباطنه، يقوم في حيرة من أمره عن نفسه، أُخرِج من حيرته يوم أُخرِج من نفسه، فمكن من إدراكه لنفسه بنفسه في قيامـه بعقله لحسه، يوم عرف دائم أمره، ودائم قيامه، ودائم قيامته، ودائم بعثه، ودائم لمحاته، بساعاته وغفلاته، ودائم تجاربه باستقاماته وانحرافاته في أبعاضه لأبعاضه بأبعاضه.

عرف دوام أمره بحقه، مُقوِّما جديده لموصوف خلقه، وأنه بذاته وروحه، وظلامه ونوره الإنسان وناموس الإنسان يوم يعرف الإنسان إنسانه… يوم يعرف الإنسان مكانته… يوم يعرف الإنسان إنسانيته. ولا يعـرف الإنسان مكانته ولا إنسانيته، وهو سجين نفسه، وهو خامل حسه، وهو مظلم عقله، وهو موات قلبه، وهو موهوم شبحه. إن أول معرفته يوم يعرف حقيته لخلقيته، ويعرفها يوم يعرف قائمه لقيومه بلا قبل، وقيومه بقائمه على قائمه لبعده بلا بعد، في قيامه بلا إله إلا الله، عَلم قيامها به له عليه ومنه، بشهادته لنفسه محمدا رسول الله.

لا يعرف الإنسان إنسانه ومكانته بإنسانه، إلا يوم يجتمع على سابق لعنوانه، ويعمل للاحق، لعنوان قديمه، من خلاله يتواجد، في قادمه، لكسب قائمه.

فإنه {ليس للإنسان إلا ما سعى}[١]، وما يعمل من مثقال ذرة من خير يره، ومن شر كذلك، ومنه يتراءى وله يُرى، (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[٢]، إنما هي كتبكم تأخذونها بأيمانكم، وتكتبونها بأيديكم على صحائف من فعلكم ومن صنعكم في كرات الحياة، إنكم أعمالكم، إنكم عملكم، إنكم صنعكم، إنكم صنع أنفسكم، وإدراك عقولكم، وإنشاء إرادتكـم، إنكم تخلقون وجودكم، بأمانة موجودكم لوجود بارئكم، فطرة الله في وجوده، وصبغة الله بجوده.

أنتم بحقيقتكم من تذكرون لاسم الله، للفظ الله، لكلمة الله، أنتم أعلام الله، يوم تعرفون الله، فترونه أقرب إليكم من حبل الوريد، ومعكم أينما كنتم، ومن ورائكم بإحاطته، بكم يظهر، أنتم له وجوه، وأنتم عليه أعلام، وأنتم باسمه له أسماء، أسماء لمن تسمون، ولا اسم له، أسماء لمعروفكم بالحياة وبالوجود، ولا إحاطة به… وأنتم بجلودكم موقوت الشيء، ولباس الروح، وكوثر لباسه، لتجليه بعديد معانيه، إذا عرفتم الله بكم، فقد جاءكم الله وقد ذهبتم إلى الله.

إن الحقيقة، ما وراء ألفاظ الدلالة عليها، أو كائنات الأعلام عنها، إن الحقيقة لا اسم لها، أنتم الذين تسمونها. {قل ادعو الله أو ادعـو الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}[٣]. إن الحقيقة لا اسم لها، حتى بلفظ الحقيقة… إن الحقيقة لا غيبة لها، لا ظهور لها، لا قرب لها، لا بعد لها، لا تغاير معها، لا ضد لها، لا محبة معها، لا اجتماع عليها.

إن الذي يحار في الحقيقة، ثم يعرفها، أو يطلبها، فيواصل معرفتها والمعرفة عنها، وطلبها والسعي إليها، أو الذي يضل بها، ويضل عليها، ويضل عنها، إنما هو الإنسان… إن الإنسان هو الذي يتحدث عن الحقيقة، وهو الذي يطلب الحقيقة، وهو الذي تتكشف له الحقيقة… إن الإنسان هو الذي يجتمع على الحقيقة، ويذهب إلى الحقيقـة، وتأتي إليه الحقيقة، ويوم يهتدي إليها، يهتدي إليها بكشف الغطاء عنها فيه، بكشف الغطاء عنها له، بكشف الغطاء الذي بكشفه تُرى له، إنها هو، وإنه هي.

ومتى وأين وكيف يكون له ذلك؟ هذا هو الدين والعلم والفقه والطريق، والإصلاح والسياسة.

يجيبنا الإسلام… يوم يقوم الناس في الله مثنى وفرادى، ويكون قيامهم مثنى وفرادى في شهودهم لقائم مشهوده، من الشهادة أو من الغيب. فالإنسان القدوة هو مفتاح المؤمن ليتفكر، هو بابه ليدخل، هو كتابه ليقرأ، يوم يتعارف الإنسان إلى الإنسان، يوم يتآخى الإنسان مع الإنسان، يوم يتلاقى الإنسان بالإنسان بمشهود غاب أو بغائب يشهد متواصيا معه بالحق، متواصيا معه بالصبر.

فيرى الإنسان مع الإنسان، أنهما سويا وجها للرحمن، لا فرق بينهما، من التفريق لهما، وأنهما في الرحمن وجوه إحسانه، وعباد عنوانه، لا تفاضل بينهما، ولكن الفضل منه عليهما، ولا تفضل منه عليهما، لقائم عينه بهما، فيقومان كريما لكريم، يتكلمان عن كرم معروفهما، وهدية وجودهما بهما، من موجودهما في قائم قيامهما له هو لهما.

كافة للناس هما، يمثلان دور العبد والرب دولة بينهما بقائم الرب لأحدهما، على قائم العبد لأخيه، كلاهما حق، وكلاهما لله أمر، وكلاهما جهر وسر أمران لله في أمر كل منهما لأحدية أمره في قائم الإنسـان.

يقوم اسم الله، وكلمة الله، وروح القدس لله، وحق الله، وعبد الله، بظاهريه - بالبشرية والآدم - لمعنى الإنسان جمعا لفرده، وفردا بجمعه، لعين قيومه في باطنه لقائمه بظاهره، الروح والعالم. بذلك كان عالـم الروح، عالم الروحية، عالم النورانية، عالم النور، لعالم الإنسان لظاهره بالبشرية، هو لآدم وعالمه، ولولد آدم باطن باطنه. وكان آدم وولده ظاهر الإنسان وولد الإنسان، فكان الإنسان بحقه كلمة متوفاة لكلمتي الله له فيه به لظاهر الإنسان، ولباطن الإنسان.

قامت في الإنسان كلمة الله الذاتية بآدم وبنيه، وكلمة الله الروحية بروح القدس ومتابعيه، كلمتان اجتمعتا على العنوان لهما، ومعنى الحق القائم بهما، فتعارفتا، وتوحدتا، فأصبح أحدهما عين الآخر، كلاهما لعينه كل منهما مرآة أخيه، رأى كل منهما نفسه في أخيه، وصف كل منهما أخاه بما قام به واتصف به من الله لمعناه فيـه.

علَّمه شديد القوى، كيف يكون شديد القوى، فلا ينضح إناء إلا بما هو فيه. وهو بالأفق الأعلى، ليعود إلى أهله من الأفق الأعلى، فلا يتلاقـى إنسان، ليكون مرآة للإنسان، إلا إذا كان معه في نفس المكانة والعنوان.

الأعلى بالحق نزل إلى أرضكم، وأخوه عليها بالحق كان وبه وبقي، متقلبا من ظهور الأخيار إلى بطون الأحرار، فدنا الرفيق من الرفاق الأعلى، من أخيه رفيقا معكم منه لكم أدنى، قاب قوسين معه أو أدنى، عروة وثقى وأمرا وسطا بين الأزل والأبد للإنسان، ليكشف له عن دور الرب فيه ومعنى العبد له، وقائم الحق به بهما، لكليهما في أمرهما لأمره، على ما كان من قديم أمره، فما كان في أمره ما هو جديد عليه، ولكنه غاب أمره عنه بغيبته عن عالمه به فحار في نفسه… حار في أمره، بما أودع الله فيه من سر أمـره.

فطلب أمره بفطرته، طلب حقه، طلب وجوده طلب العلم، لفَظَ الجهل، كره الجاهلية بغريزته، طلب سر العلمية، طلب الفضيلة، فارق الرذيلة، توسل إلى الله، غيب وجوده، وحق موجوده، بصالح الآباء، عرفهم في الأعلى أبناء، بوعيه، بمنطق عقله، وإدراك حكمته، بقائم فطرته.

رفض وسيلة الأوثان، وعرف وسيلة الإنسان بذوقه بصفائه، عكف على نفسه… مات قبل أن يموت، دخل في قبره، اتخذ لانعكاسه فيه غارا، نفسا حيراء تختلي في غار حراء، فاشتعلت في نفسه أريحته، وتحركت في أعماقه بذور الحياة، غرست في قلبه بميراثه من الآباء إبراهيم وإسماعيل.

رق له قديم وجوده وقد دخل بهمته في شهوده، فحنا على قائم موجوده رق قديم الذكر لله، لجديد الذكر لله، جديد نفسه، فدنا فتدلى لحسه، أوحى إلى موصوف عبده، لمنشوده، أوحى له ما عرف بينه وبينه، إذ عرف أنه عينه لعينه، ظهر له في الناس، واختار لنفسه للقائه، من اصطفى من بيته ومن الناس، تجسد له في صور الناس، وعبر له عن نفسه متحررا من قيود الصور للناس، ومن مقيدات الصور من الكائنات، وامتزج به إلى لا تعدد لهما، وانفصل عنه ولا فرق بينهما، ثم جمعه على الأعلى لهما، ليكون منه على ما هو معه منه، في ما رأى لنفسه به.

فقال لنـا: قال لي ربي (لا فرق بيني وبينك)[٤]. قال لنا، (إني أبيت عند ربي، يطعمني ويسقيني)[٥]… قال لنا، إليه فاتبعوني، ولا تجعلوا من نفوسكم حيلولة دوني، فإن فعلتم فلست في حيلولة من النفس دونـه، ما أعطيته فهو لكم، وأنا إنما هو أنتم، وأنا وإياكم فيه، لو علمنا وعملنا بما علمنا، عرفنا أنّا لا أنا ولا أنتم، ولكنه من يعنينا بمعني من يستهوينا بنعمائه ومعانيه.

إنها منه من يطلب لسيادة أرضه وسمائه باسمه، وجوها له، وأسماء لـه، وعبادا هم أعلامه، وهم كتبه وأقلامه… عباد هم صحوه وأحلامه، ما أوجدهم إلا ليتواجدهم، وما خلقهم إلا ليتخلقهم، وما أعدمهم إلا ليجددهم، وما جددهم إلا ليتواجدهم. علّمهم وعرّفهم كيف يكونوه محاكين، ليكونهم متحققين.

ويوم يكونهم، يذكرونه ولا يذكرونهم، فذكره ذكرهم، ووجوده وجودهم، إنهم لا يمحونه ليتواجدوا باسمه، ولكنهم يمحونهم ليتواجدهم باسمه وعلمه ووجهه، كلهم مسيحه، وهو ليس مسيحهم… كلهم له، وهو ليس لهم… كلهم لوجوده وليس كل وجوده لموجودهم. هو كل كلهم، وليسوا هم كل كله.

ما كفر الذين قالوا إن عيسى هو المسيح، وإنه أي المسيح هو كلمة الله، وروح منه، هو وجه الله، هو اسم الله، ولكن كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، فما كان الله، عيسى، ولا محمد، ولا آدم، ولا نوح، ولا إبراهيم، ولا آباءهم، ولكن هؤلاء جميعا ما كانوا غيره، كان لهم كل كلهم، على ما كان لهم، ولم يكونوا أو أحدهم كل كله.

هذا ما جاء به ابن آدم، وكلمة الله وروح منه، جديدا لآدم في قديمه وقد توفاه الله لقدمه به، ومقامه فيه، وقديما لآدم في جديده به يتوفى لذاته، لعين قدمه ومقامه في الله، من عرفناه رسول الله، من عرفناه محمدا، من كان لفظ محمد وذاته، دلالة عليه، ولم نكنه، من كان لفظ رسول الله دلالة عليه ولم نعرفه.

إنه الأمر الوسط، بين أمرين، لم يتغاير معهما، ولم يتغايرا معه، لم يتعـدد معهما، ولم يتعددا معه. إنه الإنسان، لعلمنا، لمعلوم الإنسان له، مجهولا علينا… إنه الإنسان للإنسان… إنه الإنسان لنا، إنـه معروف الإنسان عندنا، لمنشود الإنسان لوجودنا، يوم نتابعه، في مسـراه، إماما لنا، ويوم نسمعه، في مجلاه، حديث الله إلينا، ويوم نؤمنه، لقيامنا، بعثا به بالحق في الله لمنشودنا، مبعوثا بالحق فينا، مشاهديه في شهودنا لنا، بشهادتنا له، شهادة لأنفسنا، (محمدا رسول اللـه).

يقوم ويتقلب فينا، بالسجود للأعلى، ويقوم ويتقلب منا بما قام بـه من نور الله، أنزل معه وبقي به، بقاء لنا، فما استرد الله هديته به منا، وما قطع رحمته به عنا.

فهل أدركنا رسول الله لقيامنا، ولقيوم قائمه بنا، ولقيوم قيومنا به، حتى يمكننا أن نصلح من أمر أنفسنا، فنستطيع أن نصلح من أمر دنيانا، بقائم ديننا، بمستقيم طريقنا، فنصلح دارنا لنا، ولأبنائنا من بعدنا، بل ولآبائنا من قبلنا؟ فكلهم يحن للعودة إلينا، والاتصال بنا والتحدث إلينا، وتبادل الحديث معنا، ونحن نحول بين ذلك وبين تحقيق هذه الرغبة لهم بجهلنا وظلام أنفسنا. وهو ما تحققه لنا ولهم الرسالة الروحية في عصرنا.

إن الجنة التي عرضها السماوات والأرض لم تخرج منها الأرض، ولا تعدو هذه الجنة أن تكون وجودا من مثاله الكثير، في القيام للمطلق. والمتحررون من سجن أنفسهم سبحا في السماوات والأرض، ولم يخرجوا إلى ساحة التحرر من المكانية والزمانية بعد يرغبون في التحدث إلى أهل كل الأرض، ويعرفون لهم وجودا، وقد أصبح وجودهم لهم للحق شهودا، فهم ينشدون خليفة الله بأهل كل أرض، رفيقا أعلى أو رفيقا أدنى، رفيقا أعلى متعلمين، أو رفيقا أدنى معلميـن.

وأرضكم من هذه الأراضين، التي يحن للعمل فيها الرحامين، من روح الله، من حقائق الله… من الإنسانية الرشيدة في الله… من عباد اللـه… من مصابيح الله… من نجوم الوجود… من شموس العوالم… من إنسانية الحق، متعاونين مع المستخلفين من الله عليها لرحمتها… من المغلوبين على أمرهم من أهلها، بظلام أهلها.

وها أنتم في هذا العصر، وفي هذا الزمان، تشهدون صدق نبيكم… تشهدون صدق الله… تشهدون صدق ربكم… تشهدون صدق النبوءات، بين أيديكم، {ومن آياته خلق السماوات والأرض، وما بث فيهما من دابة، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير}[٦].

ها هو عيانا بيانا يجمعهم، وها هو عيانا بيانا الكل يستطيع أن يسمعهم، إنها الحياة تبرز آياتها، وتكشف عن حقائقها… إنها الحياة تؤتي ثمارها، تقدم أكلها، تغرس أشجارها، تقلم من أشجارها موات أطرافها، تنفث خبثها، تبرز طيبها، تكشف للناس أعلامها، إنها الأرض، لم تحرم حياتها، يوحي لها، تبرز شرفها، تهيئ وتصلح أمرها بيت أبنائها ودار عملها.

ظن أبناؤها أنهم قادرون عليها، وأنها لترضى أن يكونوا قادرين عليها وأربابا لها، ولكن باستقامتهم مع ربهم وربها، لا بظلام أنفسهم، لا بطغيانهم، لا بفجورهم. إنها تخفض لهم جناح الذل من الرحمة في متابعة من فعل ذلك من أبنائها.

إنها تنشد من الأعلى، أن تلد ربها، وأن يكون ربها وليدها، منها وإليها، فيقدرها، وهي على رأسها ترفعه، وهي بإمكانياتها تنفعه، وهو بحقه لا يطغى عليها، ولا يفجر بها، ولا يعتدي على أخوته منها. إنه وليدها، إنه ابنها، إنه رحمتها ورحمانها.

(أنا ابن الأرض)… (تنشق عني الأرض)… (أنا ابن الإنسان)، (أنا رفيـق الرفيق الأعلى، أنا الإنسان)[٧]، أنا العنوان، أنا الإحسان، {أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنـون}[٨].

كونوا معي، تكونوا لمن كان معي، كونوا لي، تكونوا لمن كان لي، وكنت له، (لا دينونة الآن على من دخل في قلب يسوع)[٩]… (أجعلُ لك كل صلاتي يا رسول الله؟ قال: إذا تُكفى همك، ويُغفر ذنبك [يا عمر])[١٠]… (أُعطيت جوامع الكلم)[١١]… (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم)[١٢] … (لا مهدي إلا عيسى)[١٣]… (المهدي ولدي)[١٤].

إن عيسى ومحمد أمران في الله، وكلمتان لله، وروحان من روح الله، وقدسان من أقداس الله، كانا للناس على ما كان آدم وجديده، وآدم ووليده، وآدم وقديمه، وآدم بقديمه لقديمه، وآدم بجديده لجديده، وعلى ما كان محمد وعليّ، كانا للناس على ما كان محمد وجبريل، كانا للناس على ما كان كل نبي وأخيه من الروح أو البشرية… وعلى ما كان كل نبي وبنيه… وعلى ما كان كل آدم وما تواجد فيه، من بنيه وأوادمه لمعانيه.

كانا وكانوا، الفطرة والناموس، الصبغة والقدس، الكتاب والهدي، الوجوه للغيب، الأعلام له في الشهادة، القيام له بين الناس، أوتاد الأرض، ومصابيح الأرض، نجوم السماء، شموس العوالم، {كلا لا وزر}[١٥] {وجمع الشمس والقمر}[١٦] على الأمر الوسط، على خليفة الأرض، على الأرض، على ربك، على إنسان وجودك، إليه المستقر، كلكم منه، وكلكم إليه.

خَلق الإنسان، في أحسن تقويم، وهو به بالغ أمره إلى أحسن تقويم، فهو في قديمه بأحسن تقويم موصوف المخلوق، وليس بموصوف الخالق، وهو في قادمه إلى أحسن تقويم، يحمل وصف المخلوق، ولم يحمل بعد وصف الخالق.

ولكنه إذا تجاوز ما قبله إلى أزل، وتجاوز ما بعده إلى أبد، تواجد باسم الله، خالق الآزال والآباد، فخلق، بخالقه ما خلق، خلق له نفسا، من والد وولد، من إنسان وبلد، بإرادة الله، بإرادة الصمد، بإرادة الفرد الأحد، أوجد الإنسان لنفسه بما أوجد، فتواجد الإنسان على ما أراد، فتواجد بما أوجد، على ما يريد أن يتواجد في أي صورة، بأي اسم، في أي كون، بأي وجود، فالإنسان الموجِد كمال الإنسان المتواجد، والإنسان المتواجد حق الإنسان الموجِد… (الدنيا دار من لا دار لـه)[١٧]… (مالي والدنيا، أنا في الدنيا عابر سبيل، استظلَّ بظل شجرةٍ ثم مضى)[١٨].

فهل عرف الإنسان مجده في الله؟ هل عرف الإنسان أن غايته يجب أن تبدأ، ويجب أن تنحصر، في شأنه من الله؟ وليس من شأنه من الله، أن يعرف ما اسم الله الأعظم، ولكن شأنه من الله أن يكون هو اسم الله الأعظم.

فما أوجده الله بعارية وجوده بالحياة، إلا ليكونه، ولم يجعل له بحقيقته حائلا دونه، فهو أقرب إليه من حبل الوريد، ومعه أينما كان، قائما على نفسه، ومن ورائه بإحاطته وعونه.

إذا عرفنا ذلك وطلبناه، وقمنا فيه فتواجدناه، فهذه هي الجنة، تنشد… وهذه هي النار، عنها كل طالب لله يبعد.

بنا وإن قل عديدنا، ما كنا كذلك، تستقيم الدنيا وأهلها، وتستقيم السماوات لها وسكانها، وتتواجد الآخرة وعنوانها، وتبعث العوالم وأبدانها، وتتطور الهياكل وأعلامها، وتتحرر القلوب وأجسامها، فتنتشر سماوات وبروجها، وتستقيم الجوارح، ملائكة وقدراتها، وتتعدد الصورة وعنوانها.

فيعرف الله، بمعروفه، لعارفه، في معرفة كل عارف، وعلم كل عالم، ووجود كل متواجد، فنعرف شعار الله وشعارنا، شعارا له وشعارا لنا، على السماوات والأرض، بلا إله إلا الله، وتستوي رحمات الله، ووجوه الله، على عروش سلطانه، وكراسي إحسانه، بقائمنا وبعثنا في شهادتنا لنا (محمد رسول الله).

بهذا جاء الإسلام… فهل أسلمنا؟ وبهذا جاء الإعلام فهل علمنا؟ وجدد الله بيننا أمرنا، على رؤوس القرون، ففعلنا ما فعل آباؤنا، وجحدنا على ما جحد أولنا، وما نحن في هذا العصر لا ندري ما سيكون من أمرنا مع رسالة الروح، هل نتزحزح عن قديمنا؟ هل سنتنبه من نومنا؟ هل ستستيقظ ضمائرنا من غفلتنا؟ هل نستجيب لنداء الله إلينا؟

(لا مهدي إلا عيسى)[١٩]… (هلموا إليّ يا ثقيلي الأحمال)[٢٠]… ها هي بيوت الله… ها هي هياكل الله… يقدمها لكم في كل بلد، وفي كل أمة، وفي كل لغة… ها هي السماء تداني الأرض بأهلها من كلمات الله… ها هي السماء تتحدث إلى الأرض… ها هم أهل السماء يظهرون لأهل الأرض من أنفسهم بعناوين وأعلام منهم ومن بينهم، رسلا من أنفسهم، عـروة وثقى بين حاضرهم وقديمهم، بين ماديهم وروحيهم، بيـن موقوتهم وأبديهم، بين موصوف الخلق لهم، وموعود الحق إليهم، بوسطاء لعوالم الروح من بينهم، ولكن الناس ما زالوا ينتظرون عيسى والمهدي، ورب عيسى ورب المهدي في مواجهتهم، {فأينما تولوا فثم وجه الله}[٢١] يحيون في عصر الدجال ولا يشهدونه في أنفسهم. ويحيون في عصر المسيح أو المهدي وفي أنفسهم باستقامة لا يكشفونه، وهما أمران لا يغيبان ولا يحدثان. ولكنهما ينكشفان ويحتجبان، ويسفر أو يختفي في دوام لهما منهما العنـوان.

ها هو الاتصال الروحي… ها هي الرسالة الروحية، تقوم في مشـارق الأرض ومغاربها، من رب المشارق والمغارب، ولكن لا يقبل عليها إلا القليل، {وقليل من عبادي الشكور}[٢٢]… {ثلة من الأولين وقليل من الآخريـن}[٢٣].

هل يتنبه الناس… هل يتنبه الكتابيون… هل يتنبه المسلمون، هل يتنبه الموحدون… هل يتنبه الإلهيون… هل يتنبه الفطريون… هل يتنبه الجاحدون… هل يستيقظ الغافلون… هل ينتفع اليقظون… هل يزداد العالمون… هل يتفقه بمزيد الفاقهون… هل يسعد بجديد المتحققون؟!!!

ما من كمال إلا وعند الله أكمل منه. هذا كمال عما سبق، وأكمل منه ما يلحق، يوم أنكم للكمال تطلبون، وفي الكامل تتكاملون، {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}[٢٤].

(لا يصلح أمر الإسلام إلا بما صلح به أوله)[٢٥]، فشعار لا إله إلا الله على أنفسهم يرفع المسلمون، وبه في الناس للناس لخيرهم يجاهدون يوم أنهم لرسول الله يقومون، ومحمدا لأنفسهم يطلبون، ومحمدا لله يبعثون، ومحمدا بالحق يبعثون، ومحمدا ينتشرون، ومحمدا ينشرون، وعلم لا إله إلا الله محمد رسول الله، خفاقا يرفعون، حيث يكونون، وفي مشارق الأرض ومغاربها به يتواجدون.

اللهم يا من جددت آدم في كل وقت وحين، وفي الجديد غفرت ذنبه، وبعثت حقه، وبجديده بحقه، قومت أمره، وأذنته فجدد خلقه، على ما بدأ بخلقه، وتقوم لأمره، على ما قومته في أمره بسره وجهره، دورة الزمان، ودورة العنوان، ودورة الإحسان، ودورة الخلق، ودورة الحياة، اللهم به أبناءً له فحققنا بنا برحمتك.

اللهم وقد جددت بمحمد آدم حقا، وأذنت له فجدد حقه خلقا، على ما كان في قديمه خلقا، بك متخلقا، وبأمره منك متحققا، فجعلت منه دورة لآدم، في دورة آدم… وجعلت منه آدم وآدم في دورته، فكانا بـك فيك رفيقين، وجعلتهما في الحق والخلق صنوين، وقد وصفته أول العابدين، وهـو لآدم ولده على ما وصفت، آدم أول العابدين، وهو أبده، فلما أوجدت بحقك منك، من تواجد منه، تكامل الاثنان، وكمل بهما العنوان، فظهر الله بالإنسان للإنسان، وقام الحق بالإحسان، للشهود وللعيان.

اللهم إنا قد آمنا بك لنا، ولآبائنا ولأبنائنا، وآمنا بآدم لنا حقا وخلقا، وآمنا برسول الله آدما، وآمنا بآدم رسولا، وآمنا بآدم يوما من أيام الله، وآمنا بالرسول بأوادمه يوما ويوما.

اللهم اجعلنا منهما الأبناء، واجعلنا بهما الآباء، واجعل بنا من الأبناء آباءً، واجعلنا من أبنائهم آباءً وأبناءً، حتى ندور في الحياة دورتها، وندور بالزمان دورته، وندور بالخلق دورة الخلق بالحق، فطرة الحياة، وصبغة اللـه.

اللهم اجعلنا بهذا الدين سعداء، ولا تجعلنا بمخالفته الأشقياء… اللهم قوم به أمرنا، وقوم به سبيلنا، وأنر به طريقنا، وأعلمنا به مناسكنا، وخذ به بنواصينا إلى الخير، وبأقدامنا إلى السير، وبأيدينا إلى العمل، وبعيوننا إلى النظر، وبآذاننا إلى السمع، وبعقولنا إلى الوعي والجمع.

لا إله إلا أنت، كنت لنا، وأنت لنا، ولن تتركنا لنا، اللهم بمحمد فكنا لك، اللهم امحُ أسماءنا إلى اسمه، ومعالمنا إلى رسمه وكسمه.

اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا بكسبنا… اللهم به كن لنا حكاما ومحكومين، يقظين وغافلين، مهتدين وضالين، مجتهدين ومتابعين، نائمين ويقظين.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة النجم -٣٩ ↩︎

  2. من حديث قدسي: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” الراوي: أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. ↩︎

  3. سورة الإسراء - ١١٠ ↩︎

  4. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  5. من الحديث الشريف: “إيَّاكم والوصالَ إيَّاكم والوصالَ قالوا: فإنَّكَ تواصِلُ يا رسولَ اللَّهِ قالَ: إنِّي لستُ كَهَيئتِكُم إنِّي أبيتُ يُطعمُني ربِّي ويَسقيني”. أخرجه مالك، والبخاري ومسلم باختلاف يسير. ↩︎

  6. سورة الشورى - ٢٩ ↩︎

  7. مجموعة عبارات للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها وترابطها من السياق. ↩︎

  8. سورة النمل - ٨٢ ↩︎

  9. “إِذًا لَا شَيْءَ مِنَ ٱلدَّيْنُونَةِ ٱلْآنَ عَلَى ٱلَّذِينَ هُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلسَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ ٱلرُّوحِ. لِأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَٱلْمَوْتِ”. رُومِيَةَ ٨:‏١-‏٢ ↩︎

  10. حديث شريف عن الصحابي أبي ابن كعب: “أجعلُ لك صلاتي كلها يا رسول الله؟ قال: إذا تُكفى همك، ويُغفر لك ذنبك.” رواه الترمذي وأحمد. (عبارة “يا عمر” يذكرها السيد رافع مع هذا الحديث الشريف في النسخة الأصلية)، ولكن نذكر هنا الحديث الشريف الموثق. ↩︎

  11. جزء من حديث شريف: "فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِىَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً، وخُتِمَ بي النبيُّونَ‏). سنن الترمذي، ومسلم باختلاف يسير. كما أخرج البخاري بعضا منه في أحاديث أخرى. ↩︎

  12. من حديث شريف: " أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، في الأُولَى وَالآخِرَةِ قالوا: كيفَ؟ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: الأنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِن عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فليسَ بيْنَنَا نَبِيٌّ." صحيح مسلم. ↩︎

  13. حديث شريف رواه ابن ماجه. ↩︎

  14. حديث شريف: “المهدِيُّ رجلٌ مِنْ ولَدِي، وجْهُهُ كالكوْكَبِ الدُّرِّيِّ”. أخرجه الطبراني. ↩︎

  15. سورة القيامة - ١١ ↩︎

  16. سورة القيامة - ٩ ↩︎

  17. حديث شريف: " الدُّنيا دارُ مَنْ لا دارَ لهُ ولها يَجمعُ مَنْ لا عقلَ لهُ ومالُ مَنْ لا مالَ لهُ." أخرجه أحمد والبيهقي. ↩︎

  18. إشارة إلى الحديث الشريف: “مالي وللدنيا إنما مثلي ومثلُ الدُّنيا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ ثم راحَ وتركها.” أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد. ↩︎

  19. حديث شريف رواه ابن ماجه. ↩︎

  20. “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.”. مت ١١: ٢٨ ↩︎

  21. سورة البقرة - ١١٥ ↩︎

  22. سورة سبأ - ١٣ ↩︎

  23. سورة الواقعة - ١٣ و ١٤ ↩︎

  24. سورة فصلت - ٥٣ ↩︎

  25. إشارة لمقولة الإمام مالك: “لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”. ↩︎