(١٤)
الإنسان بالله في الله
فوق الظلام وفوق النور
له حجابه من الظلام بكونه وله حجابه من النور بحقه
حديث الجمعة
٢٦ ربيع الأول ١٣٨٦ هـ - ١٥ يوليو ١٩٦٦ م
اللهم إنا نعوذ بك أن نقول زورا، أو نغشى فجورا، أو أن نكون بعجبنا بـك مغمورين، في غرور أنفسنا، بماديها، وبقرنائها من قرناء السوء، يوحي بعضنا لبعض زخرف القول، مفتونين بنا، مشغولين عنك، بمشغوليتنا أنّا لا ننسانا ولا نتناسانا إليك، ولا نعتمد ولا نتوكل عليك.
اللهم بمن جعلته لنا قدوة، ورضيتنا لك يوم نرضاه لأنفسنا، ونتابعه إلى مرادك بك لنا، لمرادنا لنا بك… اللهم به فاهدنا، وبه فتولَنـا، وعليه فاجمعنا، وبه فاجْتَمِعنا، حقائق لك، نراك لا شريك لـك، يوم نرانا أنا أسماء ووجوها لمن لا شريك له، مسحاء وجودك، وظاهر موجودك، ووجوه طلعتك، ويد فعلك، وقدم سعيك، وقائم أمرك، يوم ندخل بك حصن لا إله إلا الله، شعارا لك، وقياما بك، جعلته لقيامنا وشهودنا محمدا رسول الله، هو الحق منك، والوجه لك، واليد لنجدتك، والقدم لقربك وسعيك. حققت به خلقك، وأوجدت به حقك، عروة وثقى بين الحق والخلق، لا انفصام لها، عن الحق لك، أو عن الخلق منك.
جعلته آدم الليل، كما جعلته آدم النهار، ومزجت فيه ليله بنهاره، ونهاره بليله، يوما من أيامك، لجمعك وحصادك، لما به زرعت وفيـه خلقت وأبدعت، في آدم الروح له، لإنسان الحق لك، لقائم الحق بك، عَلم الوجود لوجودك، ووجه الشهود لشهودك، وجلال الجلال لجلالك، وقائم العزة لعزتك، كتاب علمك، وجماع كتبك، قلم قدرتك، وأقلام ديوانك.
جعلته اسمك الجامع، وجعلته اسمك الأعظم اللامع، وجعلته جمـاع جمعك لأسماء صفاتك، والحقيقة الجامعة لباطن آياتك، وحقيقة كلماتك، وحق أوادمك، وعلم إنسانية رشادك.
جعلته المعلم… جعلته الرسول… جعلته الرب… جعلته العبد… جعلت به العبد حقا… والرب حقا. مزجت به الرب والعبد، في حق واحد، لحقيقة واحدة، لأحد من آحاد وجودك.
جعلته لأحديتك عنوانا، وجعلته لآحادك مثالا وإنسانا، به علَّمتنا، وبنا منه عَلِمنا. كنا[١]من قبله خلقا، فلما صار هو المبعوث بالحق، المبعوث بالحق فينا، عرفناه جاءنا بالأمر المطاع فأطعنا فبعثنا به حقـا.
جاء به الحق إلى عالمنا… وجاء حقه في عوالمنا حقا في أنفسنا بـه اقتدينا، وبه أمِنَّا، وبالحق معه بالله آمنا، فمن الشيطان يجري منا مجرى الدم، تخلصنا وسَلِمنا، به أُعنا على شياطين أنفسنا، فأسلمت فعلا، لمن أسلمت له عقولنا إدراكا وإقبالا، وخشعت له قلوبنا حبا وإجلالا، وتركت به نفوسنا اشتعالا فانطلقت فيه أرواحنا عتقا، وتطورت به هياكلنا أكوانا وألوانا. وأشرقت به عقولنا أنوارا، وحييت به قلوبنا أرواحا، وتكاثرت به قوالبنا أشباحا، فقمنا به وجودا وعوالما.
به كان الله لنا وجودا يوم كنا له أسماء، وكان لنا حياة يوم كنا له وجها، فكنا عليه عَلَما، يوم كنا فيه رجلا وإنسانا، بلغ في الحق رشدا، وأصبح في الوصف رشيدا، وأصبح لله راشدا، وعن الله مُعرِّفا ومُعلما ومرشدا. كان الله لمن تابعه معلما، وعنده عَلما، بلا إله إلا الله، وبمحمد رسول الله.
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، يوم جعلناه نورا، نهدي به من نشاء، وقد أوحينا إليك روحا من أمرنا، لتكون معيتك منا، قاب قوسين أو أدنى منك لنـا.
إن الأعلى أوحى إلى عبده ورسوله وآدمه، روحا من أمره، سقطت بـه بينهما الاثنينية، وقامت به فيهما لهما الوحدانية، فأصبح الروح الموحِي عند الموحَى إليه، نفسا وعقلا وروحا، لا اثنينية بينهما.
ولما كان هذا هو أمر الموحي مع الروح الموحَى، فبذلك قامت الوحدانية مع الموحي، بقائمها مع الروح الموحَى، فكان المرسِل، والروح المرسَل، والوجود المرسَل إليه، في قائم من الوحدانية.
ويوم كان الأمر كذلك، عرف الرجل الآدم… عرف الإنسان الرشيد، الإيمان نورا، سرى في كيانه… وعرف الكتاب نورا، نطق في بيانه، {إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين}[٢]، لا تفرقوا بين الله ورسله، لا تفرقوا بين الله ورسوله، لا تفرقوا في حقائق الله بين الأعلى والأدنى، بين الكبير والأكبر، بين العظيم والأعظم، إنه الله وكفى، ما ظهر إلا في عباد قد اصطفى، {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض}[٣]، {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم}[٤].
فما قام على الأرض ولا يقوم عليها إلا أحدية إنسان، كانت البشرية بجماعها ظلاله، إنسان هذا حاله، كان فردا من أفراد، فصار هذا مآله، إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، إن ابن آدم عند الله، ولدا لآدم، لا يختلف في الله عن أبيه آدم، كلاهما أوجد الله من تراب، في معاني جلبابه، وكلاهما نفخ الله فيه من روحه، فسواه، يوم أراده لمعناه. خلقه لنفسه، فكل ابن لآدم آدم حكما، وكل آدم هو ابن لآدم حكمـا.
فلن يصلح للبشرية أمرها أو يتحقق لها سلامها إلا يوم يسمع الناس، لرسالة الله منصتين، ولنداء الله ملبين، ولهدي الله مستقبلين، ولإرادة اللـه لبعث إرادتهم بها قابلين، وبقضاء الله راضين، ومن ابتلاء الله عارفين، وعن رحمة الله متحدثين، وفي رحمة الله قائمين، وبرسول الله مؤمنين، ولرسالته مجددين، وبهدي قائمه بينهم عاملين، وفي مثالية رسول الله كوثرا، حقا وعبدا طامعيـن.
يرونه العبد به يقتدون، ويرونه الرب لمثاليته ينشدون، وفي الله به أنفسهم يجاهدون، يوم هم لأنفسهم يتجاهلون، وعليها وجودا حقا ينكرون، فلها ينسون، وعنها يتناسون، يومئذ بالله يقومون، وفي نفوسهم بالحق مبعوثين، فربهم بين جوانحهم بملكوته يذكرون، وله يشهـدون.
فإلي بيته مقدسا، لقائم قلوبهم بقوالبهم، إليه ينقلبون، وحوله يطوفون، وفيه يدخلون، وبالحق لهم به يتلاقون، فيه يعكفون، وقد حصحص الحـق، فهم في أنفسهم يبصرون، وقد أرجعوا البصر بالكرة مرتين، إلى قديم لهم، وقادم لآمالهم، فارتدت الأبصار إليهم، فعرفوا الحـق قيوم قائمهم، وقائم قيومهم، بما جعل لهم من نوره في متابعة رسوله، نورا به في الناس يمشون، وبه في الكون يعملون، وبه في فراغ الوجود ينتشرون، فيملأون الفراغ لفراغ النفوس بالحيـاة، بها يحيون، وميت القلوب بنور الله يبعثون، يوم هـم فيها يحلون، وبالنور يدخلون، عندما يأذن لهم، صاحب الدار معه يتلاقون، وهو في جمع بهم لجمعه به جمعا مع جمع يتواصون.
جسدا واحدا يقوم المؤمنون، وبيتا واحدا يرفعه الموقنون… رجالا ربهم في أنفسهم يذكرون… هي النفوس الطيبة… هي النفوس الزكيـة… هي النفوس المطمئنة، رجل سَلم لرجل، في قلوبهم يتلاقون، روضة يرون، فيها يدخلون، فجنة الله، دانية، إليها يزحزحون، من نار مبرزة لهم في دنيا الفرقة لها يشهدون.
بذلك جاء كتاب الدين. فهل قرأ الكتاب قارئون؟ هل طلب الله طالبون؟ هل علم عن الله مفتقرون؟ هل غنى بنور الله معوزون؟ هل لجأ إلى الله لاجئون، أم أنهم بعضهم بعضا أربابا يتخذون من دون الله؟ هم جميعا به قائمون، برزوا لله جميعا يوم يوحدون، ويوم يعرفون، ويوم أنهم لعَلم لا إله إلا الله، على أنفسهم وعلى مجتمعهم وأرضهم يرفعون، فتخلوا بيئتهم من المستكبرين، وتخمد نار الطاغين، ويستيقظ اللاهون، ويتهيأ العمل للعاملين، والجد للجادين، والنور للمبصرين. {أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسـد}[٥].
ها نحن جمع من الحاسدين… وها نحن جماعة من المفرقين، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، نحن في الحق مفرطين، وعن الله في أنفسنا وفي قيامنا غافلين، وعن طلبه لاهين، وعن ندائه في ضمائرنا صامين، وأعيننا عن النظر إليه مغمضين، فلا نراه في قائميـن، ولا نعرفه في قديمين، ولا نرجوه في قادمين، ولا نتقيه في أنفسنا، قائم اليقين.
فهل نحن في دين، أم كلنا بالدين ظنين، يعبد الله على حرف كما فعل المنحرفون، ولا يحاول كشف الغطاء عن نفسه مع الأئمة الفاتحين؟ (إن للـه كنوزا مفاتيحها الرجال)[٦]… بحديث الرسول تتصايحون، أليس فيكم من رجل رشيد تشهدون؟ فهل نحن إلى رشيد من بيننا ساعين، أم أننا في يأس قابعين، وفي سعي إلى الطاغين، وفي خوف وخشية من كل من هو مهين؟
فلا نحن بالله معتزين، ولا نحن برسوله متوسلين، ولا نحن لظلاله بيننا متابعين، ثم نحن مع ذلك كله المسلمون!؟
ما جعلنا للمؤمنين ذِلة مع الكافرين، فما جعلنا للكافرين على المؤمنين سبيلا، في دنيا أو دين، ولكن الكافرين لهم اليوم يذلون[٧]، وعليهم يعلون، وفيهم يتحكمون، وهذا هو حالنا، فأين هو إيماننا؟ هل تواصينا بيننا بالحق، ولم يكن الله في نصرتنا؟ هل تجاهلنا أنفسنا بالباطل، ولم يبعثها الله بالحق، لنكون به من المؤمنين، ونعمل به من الموقنين؟
إن الذي أوحى الروح إلى رسوله، فجعله روحا، أوحاه روحا إلى المؤمنين، ما كان لبشر أن يكلمه الله، إلا وحيا، أو من وراء حجاب، كما تشهدون في هذا العصر، من أمر الوسطاء بالأرواح المرشدة يبعثـون، أو يرسل رسولا، كما عرفتم، في الآباء والأجداد الأولين، من الإنسان في أحسن تقويم، يجعله حقا، ويقيمه حقيقة، وينشره روحا، فيوحي بإذنه ما يشاء (ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الـذات)[٨].
إن الإنسان في الله فوق الظلام وفوق النور… إن الإنسان بالله لـه حجاب من النور، وله حجاب من الظلام، هو الكون وما فيه، أفمن جعلنا له نورا، ملكه، به تحجب، ومن ورائه اختفى، وبه ظهر لحجاب ظلامه، فكان نور السماوات والأرض، بظاهره، باطنه الإنسان اسما لله، وعَلما عليه، لا يدرك ولا يعرف، إلا لمن كانه، فكان عينه وعنوانه، كان ظلا لأناه، وقائما لقيوم لمعناه.
إن الإنسان، في حقيقته لا يدرك إلا لحقيقته، ولا يعرف إلا لحقيقته، فالإنسان بحقه لا يدرك عند الإنسان بخلقه، إلا يوم يبعث به، فيخرج من خلقيته، إلى مبعوثه بحقيقته، (والذي بعثني بالحق)[٩]، (من رآني فقد رآني حقا)[١٠]، (ما عرفني غير ربي)[١١]، فإن الأشياء، إن الشيء، إن المادة، إن العالم المادي، معبر عن الحق بي لكم بحديث بلفظ منه دالا عليه، ولكن كوني بمادي شهودكم ليس معناي بالحق لقلوبكم، فإنه لا يستطيع أن يتمثل بي أو يمثل بي، وأنا الحق من الله لمعناه ربا لكم، إنه شيطاني أُعنت عليه فأسلم لمن أسلمت له، فلا شيطان لـي.
إن السمـاء والأرض، لموصوف الخلق، لا تتسع لموصوف حق، ولكن موصوف الحق يطويها ويحتويها، ويجددها بمعانيها، كلما أراد أن يجددها بناموس الفطرة، {السماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون}[١٢]، {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم}[١٣]، {كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا إنا كنا فاعلين}[١٤].
{وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض}[١٥]، {تبارك الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير}[١٦]، تبارك إنسان الله… تبارك إنسان الحق… تبارك الله… تبارك اسم الله… تبارك وجه الله… تبارك حق الله… تبارك عبد الله… تبارك الوجود لله.
تبارك… من تبارك!! وما باركه مبارك… تبارك الإنسان، أوجد نفسه بنفسه… أوجد حقه بحقه… أوجد وجوده بوجوده، تواجد بأمره، وبارح خفاءه بسره، يوم أوجد منه آدم ابتلائه، وآدم جزائـه، وآدم ولائه، وآدم بنائه، وآدم ارتضائه، وآدم رضائه، فتواجد الإنسان مجددا لنفسه، في أي صورة ما شاء ركب من كان عليـه العنوان، فرفع شعار لا إله إلا الله، وقامت رسالة الله أكبر، بمحمد الله، بعبد الله، بمن قام بيننا، مرسَلا إليه، وقام فينا رسولا منه، وقام علينا مرسِلا لنا، فكان المرسِل والرسول والمرسَل إليه.
وكنا به ما كان، على ما من قبل كان، وعلى ما من بعد يكون، وعلى ما هو في قائم كائن، فآمنا بالله ورسوله، يوم آمنا بأنفسنا، لله ورسوله، قائم قيامها، وقيوم قائمها.
هذا هو الذي تقدمه لكم الروح، برسالتها، في عصركم، على جماع مما سبق أن قدمت برسالتها في عصور آبائكم، وعلى ما يعدكـم الله بها، أن يكون في أمر أبنائكم، على ما رضي للصالحين من آبائكم، من خلال قائمكم، بجمعكم، لقديم جمعكم، وبجمعكم لقادم اجتماعكم في وحدتكم، يدعو في حاضر، كما دعا في قديم، وكما يبشر في قادم، {ندعوا كل أناس بإمامهم}[١٧]، {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه}[١٨]، {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}[١٩].
تأملوا هدي الروح لكم وهي تقول: قليل من عالمكم من يدخل إلى عالمنا، وهو منسوب إلى أسرة، فالعمل في عالمنا يقوم على أساس جماعي، ولا يقوم على أساس فردي، نحن نعمل جماعات جماعات، في أسر، تتجمع لمعنى أسرة أكبر، على مثالها تتجمع، لمعنى أسرة أكبر، إلى سدرة منتهى.
أنتم على أرضكم، أشجار، في بستان، يقوم بمفرداتكم ومجتمعاتكم، يوم تتجمع قلوبكم على قلب حي منكم، يتكون لكم بكم منكم سدرة منتهى، ألّف بين قلوبكم، كما ألف بين قلوب آبائكم، وكما يؤلف بين قلوب أبنائكم، ليتواجد من القلوب مؤتلفة مؤلفة، سدرة منتهى، وشجرة حياة، وكلمة طيبة لله، هي شجرة طيبة، أصلها ثابت، وفرعها في السماء. أما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. (أنا حي في قبري)[٢٠]، (تعرض عليّ أعمالكم، فإن وجدت خيرا حمدت الله عليه، وإن وجدت شـرا اسـتغفرت الله لكم)[٢١]. عهد الله إلى النبيين أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، لأنهم أحياء في قبورهم كما هو الرسول، وما قبره وقبورهم إلا قلوب الناس من هذه البشريـة.
إن تواجدي على الأرض لا يمنعني أن أكون بجوار الرفيق الأعلى، فليس للأعلى مكان، فمكانه قلوب الناس، مكانه قلب الإنسان، مكانـه قلب العنوان، مكانه قلوبكم، القلب بيت الرب، والرب وجه الله، إن {ربي الله}[٢٢]{واذكر ربك في نفسك…}[٢٣]. إن الذي في نفسك إنما هو ربك، وهو لك وجه الله، إن لم تفرق بينك وبين ربك في نفسك، فإن ربـك في نفسك، عن الله لا يفترق، وعنك لا يفترق، فيوم تعرف ربك، تعرف إلهك، ويوم تؤمن بإلهك، مجاهدا فيه، يجمعك على ربك قائما بك، في قيام لك به، أقرب إليك من حبل الوريد، رسولا من أنفسكم.
الله، بين قائم وقيوم، لا إله إلا هو، خلقكم أزواجا، في قائمكم، لمعنى الرب والعبد لكم، فأنتم بهياكلكم لمعاني عوالمكم، معنى العبد لمن هو في قلوبكم، لمن هو الحياة، بها تقومون، وبها تدركون، وبها تعون، وبها تفعلون لمعنى الرب {اتقوا الله وآمنوا برسوله}[٢٤].
وأنتم بمعانيكم للعبد، وبمعانيكم للرب، الله من ورائكم بإحاطته، إنه من وراء العبد لمعناكم بإحاطته، جعل منكم للرب وجوها له، ومن وراء الـرب في أنفسكم، بإحاطته، جعل منه لله وجها له، فأنتم بأمركم في الله، إن لم تفرطوا في أمر الله لكم، وجوه ناضرة لمعاني العبد، لربها ناظرة لمعاني الروح لكم من الله بنوره برسوله، وإن ذلك لكم مجتمع في أنفسكم، يوم تقومون مميزين بين مادي وجودكم ومعنوي قيامكم.
وهذا ما جاءتكم به رسالة الفطرة، مع إنسان الفطرة، وصبغة الفطرة، وعَلم الفطرة، ورسول الفطرة، من عرفناه بيننا، بأديمه لآدمه محمدا، وتابعناه منا معتقدا، وذكرناه لنا معلما، وناديناه إلينا رحمة، وتوسلنا به إلى الأعلى عليه، رغبا ورهبا.
آمنا بالله ورسوله، إيمانا به حقا جاءنا، فأمحينا بأنفسنا إلى نفسـه مع ظلاله، وتجاهلنا أحوالنا إلى شريف أحواله، وسلّمنا أمرنا إلى حقي أمره، وأنرنا عقولنا بنور كتابه، وتخلصنا من خوفنا، وشكنا، وقلقنا، إلى سكينة حجابه، فدخلنا في روضة نفسه، وأحسسنا بصادق حسه، يوم آمناه جماع نفوسنا لمعنى نفسه، وجماع عقولنا لمعنى عقله، وجماع أرواحنا لمعنى روحه، وجماع عوالمنا لمعنى عالمه، فدخلناه بألوانه، وقمناه في كل قيام بعنوانه.
فعرفناه الإنسان، في أي صورة ما شاء ركب، وإنه برضاء الله له ما عذب، وما ابتلى، وما أقصى، وما انقطع، إلا لنكون في اقتداء مظاهره لظاهره، ولكنه بالله قام، وفي الله يقوم، في قديم أمره، وفي قادم من أمره، من خلال قائم بأمره، فأدركنا لا إله إلا الله، وقمنا محمدا رسول اللـه.
اللهم ارزقنا السكينة في ليل أنفسنا، وارزقنا اليقين في نور عقولنا، واسلكنا الطريق في حرية أرواحنا، فأعتق أنانيتنا من سجين هياكلنا بأشباحنا إلى جنة وجودنا، في إنسان رشادنا، روضة قيامنا وحياتنـا.
اللهم به فارحمنا… اللهم به فاقبلنا… اللهم به فتولَنا… اللهم به فقوم أمورنا… اللهم به لا تجعل لنا سلطانا إلا على ما ارتضيت، ولا عزة إلا على ما قبلت، ولا طريقا إلا على ما قومت.
اللهم لا تجعل من أنانيتنا لأوانينا عنك حجابا… اللهم لا تتجاوز بها أن تكون لنا جلبابا… اللهم انفخ في أسوارنا بها من روحك… اللهم أنر قلوبنا من نور مصباحك برسولك، مصابيحا له، بفجر قيامك، لشمس أعلامك، وشموس عرفانك.
اللهم حرر عقولنا من سجون مدركاتها نقلا، ومن قائمها بعيدا عن نورك غفلا.
اللهم أشعل جذوة النفوس في نفوسنا، لهياكلنا، وأنزل ماء الحياة رذاذا على أرض قلوبنا، حتى تهتز وتربو، بنباتها، روضة وسدرة، وجنة، وحدائق غلبا، وفاكهة وأبّا.
اللهم حقق لنا ما لأجله خلقتنا، من ظهور أمرك، وسفور سرك، لعوالم وجودنا، عوالم وجودك، وعوالم جودك، في لا إله إلا الله، بمحمد رسول الله.
اللهم به فولِ أمورنا خيارنا برحمتك، ولا تولِ أمورنا شرارنا بعدلك.
اللهم به فعاملنا بعفوك ومغفرتك، وقنا به شرور أنفسنا، وشر غضبتك… اللهم أدخلنا في حصن لا إله إلا الله، حتى لا نحضر موقف جزائك، ولا ساعة ابتلائك، ولا لمحة بلائك، ببطشتك الكبرى، يوم تبطش، بقلوب عليها أقفالها، ونفوس، كان فيك ذلك مآلها، اختارت العدم لوجودها، وتخلت عن الحياة لوجودك، من كرمك وجودك.
اللهم به فكن لنا في الصغير والكبير من شأننا… اللهم به فاجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك… اللهم به كن لنا حكاما ومحكومين، يقظين وغافلين، طائعين وعاصين، شاردين ومجاهدين.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
تم تصويب هذه الكلمة وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. كذلك تشكيل بعض الكلمات. ↩︎
سورة التكوير - ١٩:٢٠ ↩︎
سورة الروم - ٢٧ ↩︎
سورة الرعد - ١٥ ↩︎
سورة الفلق - ١-٥ ↩︎
حكمة تتناغم مع الحديث الشريف: “إنَّ من الناس مَفاتيح للخير مَغاليق للشَّرِّ، فطُوبَى لِمَن جعَل الله مَفاتيح الخير على يدَيْه، ووَيْلٌ لِمَن جعَل الله مفاتيح الشَّرِّ على يدَيْه.” أخرجه ابن ماجه في سننه، وهكذا صححه ابن حبان. ↩︎
تم تصويب هذه الكلمة وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎
مقولة للشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية: فإن نظرت إلى الآلات طال بنا *** إسناد عنعنة حتى إلى الذات. ↩︎
قسم يبدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أحاديثه. ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
حديث ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ↩︎
سورة الذاريات - ٤٧ ↩︎
سورة يس -٨١ ↩︎
سورة الأنبياء - ١٠٤ ↩︎
سورة الزخرف - ٨٥ ↩︎
سورة الملك - ١ ↩︎
سورة الإسراء - ٧١ ↩︎
سورة النور - ٣٦ ↩︎
سورة فاطر-١٠ ↩︎
حديث شريف يتردد في أدبيات التصوف، يتوافق مع الحديث الشريف: “الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ”. أخرجه أبو يعلي والبزار. ↩︎
حديث شريف: “تعرض عليّ أعمالكم، فما رأيت خيرا حمدت الله عليه، وما رأيت من شـر اسـتغفرت الله لكم.” أخرجه النسائي والطبراني. ↩︎
سورة غافر - ٢٨ ↩︎
سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎
سورة الحديد - ٢٨ ↩︎