(١٠)
القلوب والقوالب
على الحق تتحاب وعلى الدنيا تتحارب
ولو صلح القلب لصلح القالب
حديث الجمعة
١٣ صفر ١٣٨٦ هـ - ٣ يونيو ١٩٦٦ م
قل جاء الحق، وزهق الباطل.
بالحق أنزلناه، وبالحق نزل.
يقوم ويتقلب في الساجدين.
من الليل يتهجد به، نافلة له، متكاثرا بحقه، قائما بربه، ساريا بأمـره.
أتى أمر الله فلا تستعجلوه.
وهل كان أمر الله شيئا غير رسول الله.
وهل كان اسم الله شيئا غير رسول الله.
وهل كان وجه الله شيئا غير رسول الله.
وهل كان الحق من الله شيئا غير رسول الله.
وهل كان رسول الله غير نور الله، وروح الله، وسر الحياة لعوالم اللـه.
هل ينقضي الحق! هل يختفي الحق! هل يزهق الحق! هل يموت الحق! هل يُغلب الحق! هل يُبطش بالحق! هل يقبر الحق! هل يفنى الحق!
وهل كان رسول الله، غير الحق… في بيوت أذن الله أن توضع أو أن ترفع يذكر فيها اسمه، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، متكاثرا بمعناه، متعددا متجددا بمبناه، متحدا متوحدا بحقه في الأعلى لمعنى ربه، ولمعنى الله في الأعلى، لمعنى معبوده ومشهوده، في المطلق، لمعنى وقائم وجوده!
فماذا نعتقد في الله؟ وماذا نعتقد في رسول الله؟ وهل تميز الاعتقاد في الله، عن الاعتقاد في رسول الله؟ وهل نعزل الاعتقاد في رسول الله، عن الاعتقاد في الله؟ وهل خرج المؤمن بالله ورسوله عن الله ورسوله لقائمه في قديمه وقادمه؟
براءة من الله ورسوله، لمن آمن بالله ورسوله، فقام بالله ورسوله، فكان وجها لله ورسوله، وحقا من الله ورسوله، فلم يفرط في أمره من الله ورسوله، فجعل الله ورسوله له نورا، يمشي به في الناس، يقوم ويتقلب في الساجدين، فيعلم عِلمَ الرسول، عن نفسه، في نفسه، لربه، ولحقه.
عِلمٌ احتفظت به لنفسي، إلا على من قبلني له نفسا، فكان نفسـي، فعرف لنفسه، ما عرفت لنفسي، واحتفظ بعلمه لنفسه على ما احتفظت به لنفسي. فعلّمه وأفاضه، لا بلفظ نطقه، ولا بفعل أتاه، ولكن بروحـه، يوحيها لمن يرتضيها، فيقوم بها في معانيها مبنى من مبانيها، على ما هـو في نفسي وعلى ما لنفسه أنا فيها هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[١]… صلِ لربك وانحر، وقد جعلنا لك نورنا تمشي به في الناس.
فما كان الرسول إلا وحيا يوحى، وما كان متابعه على بصيرة إلا وحيا يوحى، علَّمه شديد القوى… إن العزة لله ولرسوله… وللمؤمنين، فأصبح مع شديد القوى قاب قوسين أو أدنى، فكان هو شديد القوى… كان عزة الله… كان مجد الإنسان… كان شرف العنوان… كان الحق لله… كان الرحمن وعبد الرحمن.
أَسجَدَ الشيطان فأسلم، وعبَّد الشيطان فآمن، وحقق الشيطان فعرف، به أصبح الشيطان إنسانا… وبه أصبح الطاغي رحمانا… وبه أصبح الضد عنوانا… به يَصلُح من يصلح الله… وبمجانبته، تقوم حجة الله، على من لم يرضَ الله لنفسه، لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم… أليس الله بكاف عبده.
رضي الله ما خلق لنفسه… ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. (خلقتك لنفسي ولتصنع على عيني)[٢]… (ما صحبناك لتكون أنت أنت وأنا أنا، ولكن صحبناك لتكون أنت أنا وأنا أنت)[٣]… {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[٤]، إن الله من جانبه لا يمنـع إحسانا، ولا يرفض إنسانا… ولا يقصي - عنه - جانًا، وهو في الوقت نفسه لا يقبل بهتانا، لا شريك له.
لا ينظر إلى صوركم وأقوالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فاسألوا أنتم ضمائركم وحاسبوا أنتم أنفسكم، أعطاكم العقل أفلا تعقلون! ومنحكم الحس أفلا تحسون!
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، يا لقسوة القلوب، قلوب كالحجارة أو هي أشد قسوة، يعبثون بأنفسهم، ويتوهمون أنهم يعملون بكلام الله، ويمكرون بأنفسهم على أنفسهم وهو ماكر بهم، في قائم مكرهم.
يخادعون الله وهو خادعهم، وله المكر جميعا. لهم مكر السوء، وله مكر الخيـر. يمكر بهم لخيرهم، ويمكرون بهم لضرهم بوهم المكر به بالمكر بمؤمنيه ولا يدركون لقائم جهلهم، وهو من جانبه الغافر لهم قبل أن يستغفروا، والساعي إليهم قبل أن ينفروا، والباخع نفسه على آثارهم، وإن عنه أدبروا، وله غفلوا، ووهم أنفسهم ذكروا، والحق بينهم وأقرب إليهم من حبل الوريد له أغفلوا وفيه لأنفسهم فرطـوا.
الله لهم قريب، وأقرب إليهم من حبل الوريد، قائما على أنفسهم، بما كسبوا، هاديهم النجدين، آخذا بنواصيهم إلى القمتين، قمة المادة ومكانة الشيطان، وقمة الروح ومكانة الرحمن. ولا يكون الإنسان إنسانا، وحقا حقا، إلا إذا تجاوز القمتين… إلا إذا طوى العالمين… إلا إذا قام أمرا لله في الوجودين… إلا إذا استكملت دائرته من النور، ودائرته من الظلام، التفافها حول نقطة ذاته ذاتا للحق، بروحه سارية في ساحتها وعوالمها من النور والنار والتراب، أحدا من آحاد الله، وعبـدا لـه.
حتى إذا ما رأوهم في قمة المادة ومكانة الشيطان، وأنهم المبلسون، تذكروا أمر الله، ورحمة الله، وحق الله، ووجه الله، كان في صحبتهم، فذكروه، منه يائسين، وله مكبرين، وله فاقدين، فإذا هو يفاجئهم بنجدتهم منظرين، وبالخير مبشرين، من هو رحمة للعالمين، ممن يبدل سيئاتهم حسنات، ويغير ما بهم، وقد غيروا ما بأنفسهم في كرة خاسرة قطعوها، إلى كرة بالخير مرجوة، يبعثوها ليحيوها.
جعل الله، حقه، ورسوله وعبده، رحمة للعالمين، لا ينقضي عمله، ولا ينقطع أثره، ولا يفوت على طالب مدده، نور الله الممتد المنتشر، كوثر الله الذاكر المدكر، أوادم الله، لمعاني الناس، لحقيقة الخلق، في حقيقة الخالق، {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما، إلا بالحـق}[٥]، فما في السماوات ولا في الأرض، ولا فيما بينهما إلا حـق. فهل تأمل الخلق، حقية الخلق، في حقيقة الخالق؟
إن الذي هو قائم على كل نفس كما عرفوا عنهم برسول منهم، قائـم على كل نفس، عرفت النفس أو لم تعرف. إن الذي هو من وراء الكل بإحاطته وجوها له هو من وراء الكل وجوها له عرفوا أو لم يعرفوا، وهو في نفس الوقت من وراء كل فرد بإحاطته وجها لـه… هو من وراء كل فرد بإحاطته، أدرك الفرد أو لم يدرك، عرف أو لم يعرف، كسب معنى الوجه له أو لم يكسب، نضر الوجه له، أو غبر… لا فرق في هذا بين مؤمن وغير مؤمن، لا شرف لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وكل مولود يولد على الفطرة، والإسلام دين الفطـرة.
إن العذاب… إن الحرمان… إن الخطر… إن جهنم… إن الضياع، إنما هو في فقدان ما هو قائم من أمر الحياة، إنه قائم أمر لم يخسر ولم يكسب، إنه الحق للخلق بالحياة لم يحتجب ولم يحجب، إنه الله واجب وجـود بعد لم يجحد في جلابيب من تراب لم تحيا… إنه أنت… إنه الناس… إنه الكون… إنه الوجود… إنه الحياة، في لباس المادة لتظهر وتتراءى لأبعاضها، بالتعارف والتناكر، والتواضع والاستعلاء، والتراحم والاستغناء {أيكم أحسن عملا}[٦]. إنما هو كل شيء، الله لا إله إلا هو الحي القيوم، أينما تولوا فثم وجه الله، وستفارق هذا القيام إلى قيام آخر وعالم آخر ونظام آخر، وستواصل التواجد فيه بقيام تتغير فيه نسبة الحياة إلى العدم في اتجاه لكسب الحياة أو لفقدانها.
فهل تريد أن تكون في الله شيئا أيها الشيء؟ أم تريد أن تفقد شيئيتك، وتظلم إرادتك، وتبعد عنك روحيتك، وتبقى خاملا هامدا بماديتك، وقد فقدت الروح والحياة؟ فإذا أنت الظلام والعدم، إلى حال ولسان الندم لك ولأنانيتك يوم تفرط في أمرك أمرا لله، أنت له وهو لك الحي القيوم.
جاء محمد بيننا، مرسَلا إليه، قدوة لنا، بُعث بمن أرسل إليه أمرا وحقا لنا، لمتابعته على أمره، لنبعث به رسولا إلينا، على ما بعث هو بالرسول إليه، وخاطبناه (أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع)[٧]، وفي هذا تمام وصدق اقتدائنا على تتابع في هذا الأمر، انتهى من قبله إليه، وبدأ من بعده منه، في سفور به (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)[٨]… (خلفت الله عليكم)[٩]، خلفت الناموس، خلفت الفطرة، كشفت لكم عن قائم الحق بكم يبدأ من نقطة من أنفسكم انتهى إليها القديم ويبدأ منها القادم… متجددة تكاثرا للرسول، منتشرة تكاثرا لها في اقتدائه وقيام قائم أمره، لدوام رحمة الله به.
فكان ببعثه بالروح أوحيت إليه رسولا إلينا جاء بنور للإيمان قدَّمه كتابا، ولم يجعله عنه حجابا، فكان بالحق له هو الروح والوحي يوحي إلينا، جعل له النور أنزل معه كتابا وسرا وحاجبا لا حجابا فكان هو النور يقذف، والعلم والإيمان يعرف، وكان الروح من أمر الله تقوم وتتقلب في ساجد لله، سجودا لحقه، في عابد لله، عابدا لأمره، في طالب لله، طالب للحياة، حريص على أمره منها، مدركا أن الطالب، عين المطلوب، لا شريك له، دخولا في حصن الله بلا إله إلا الله، قياما بحق الله بمحمد رسول الله.
جاء رسول الله، ليعلمنا عنا، ليكون منا، ليظهر لنا أنا لا شريك لنا من أنفسنا، يوم نراه حقا ممن لا شريك له، قائم أمرنا، لا شريك لنا أو له قائم وقيوم الحق لله، يوم نرى الله لا شريك له، منا أو منه، فنعلم أن الذي لا شريك له، هو نحن يوم نكون به لا شريك لنا، فناء فيمن لا شريك له، بقاء بمن لا ضد له، يوم ندخل في حصنه لا إله إلا الله، بقائمنا بها محمدا رسول الله.
نزلت البسملة على كل نبي من قبله، ورفعت معه، إلا هو، فقد أعطيت له ولأمته، فهي لمن طلبها وجاهد لها حتى وجدها، وهي لمن عشقها حتى عشقته فقامها، هي لمن وحد الله فوجد الله، وما وحد موحـد الله، نشأة توحيد لله، أو نشأة وحدانية له مع الله، فوحدانية اللـه ليست مخلوقة، وما خلقت ولا تخلق… وحدانية الله قائمة، وأنوار الله عارمة، وحقيقة الله عادلة ما كانت ظالمة، ورحمة الله قريبـة مقاربة ما كانت مباعدة، أو معاندة، ولكن التوحيد إنما هو مع رسول الله، روح لروح، ونور لنور، وأمر لله لأمر لله.
التوحيد إنما هو توحيد القلوب مع القلوب في أمة رسول الله من المؤمنين بالله ورسوله، وارتباط القوالب مع القوالب في أمة رسول الله من المسلمين لله ورسوله… وامتزاج العقول مع العقول في أمة رسول الله من الداعين على بصيرة في متابعته. إن التوحيد إنما هو توحيد الناس لأنفسهم، تتآلف قلوبهم على حب الله ورسوله مع قائم زمانهـم فيؤلفها على أمره، فيبعثها بحقه، ذاتا له تمشي على الأرض، (المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد)[١٠]، ويطول بنا إسناد عنعنة، عن أقـدس فأقدس حتى إلى ذات قدسه… فما كان باطن الإنسانية بعيـدا أو منفصلا عن ظاهرها… والإنسانية بوحدتها بظاهر لباطن هي اللـه بظاهره وباطنه.
إن الذي هو من ورائك محيط، ما تكون أنت فيه، وما تكون أنت به، وما تكون أنت له، ألست وجهه؟ ولكنك وجه عليه غبرة، ترهقه قترة، موصوف الكفرة الفجرة. ولكن هذا الوجه الكافر… هذا الوجه الفاجر… هذا الوجه الغابر… لم يفقد شرارة الحياة، بها يحيا، ولكنه لربه كنود، ولأمره جحود، ولرسوله عنيد، ولإمام عصره ظلام قديم في قميص وليد، لا يرضى النور، ولا يرضى الجديد، ولكن الله في انتظاره {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}[١١]… {إن الله يغفر الذنوب جميعا}[١٢]، والرسول برحمته في دوام بجواره، باخع نفسه على آثارهم، أمره بيده {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}[١٣].
(أقبلت الفتن يأخذ بعضها برقاب بعض، أولاها خير من أخراها)[١٤]، لقـد رأى من كان حديد البصر عبر الزمان وعبر المكان وعبر نفسه… لقد رأى من كان الشمس والأرض والقمر بكبير إنسانه، وأكبر من ذلك بالحـق لعنوانه… لقد رأى من كشف عنه الغطاء، فرأى ما هو قادم على قومه من الظلام والبلاء برد أعمالهم إليهم، ولِمَ وهو لهم من الله الرب الغفور (أُمة مذنبة ورب غفور)[١٥]؟ لأنهم رأوه جسدا قبلوه كأجسادهم، فما عرفوه غيب وجودهم، ولا حياة تواجدهم، ولا روح نشأتهم، ولا حقيقة غايتهم، ولا إنسان ربوبيتهم، ولا يد رحمتهم، ولا قـدم الحق ساعية إليهم، ولا أحواض الحياة عيونا نابعة بينهم، وسماء متدفقة فوق رؤوسهم، وحقائق متفجرة من عيون قلوبهم، لم يروا فيه حقا، ولم يروا فيه مثلا أعلى، ولا أحسن تقويم يرجى، ولا أحسن تقويم ينظر، ولا أحسن تقويم يسعى إليه وينشد.
إنهم بعد الألف ونصفها، ما زالت مثلهم التي يعجبون بها، عمـر، أبو بكر… معاوية، وما كان عمر، أو أبو بكر، ومعاوية، إلا بداية الانحدار، بُعدا عن الدار، وعن رب الدار، وعن أهل الدار… مثالية أبرزت مغفورة، مأجورة لكشف قانون التكامل والتناقص في الفطـرة.
ما زالوا يقولون شيعة علي… ولا يقولون شيعة معاوية أو السفياني، يعكسون الأوضاع. ما كان لعلي شيعة، ولكن كانت شيعته المؤمنون… كانت شيعته المسلمون… كانت شيعته من آمنوا بالله ورسوله، وقاموا حول البيت طائفين، من دخله منهم أقاموا فيه عاكفين، ومن بعُد منهم عن مبناه، لم يبتعد عن معناه قاموا إليه مصلين، وله مستقبلين حيثما كانوا، وفي أي مكان هم به مذكرين وعنه معرفين على ما شرع لهم، وعلى ما عرف عندهم. فكان البيت منسكا لهم، ورمزا أدركوا علته، وعرفوا حكمته.
هؤلاء كانوا المسلمين… أما شيعة السفياني، أو أبو سفيان وامتداده فكانوا للبيت مباعدين وإن هم بأجسادهم طافوه، ولأهله قالين وإن أسماء بألسنتهم ذكروهم… فإذا كانوا ما قبل معاوية، محتجبين، فقد كانوا من بعده بالأبلسة مسفرين، وكان معاوية بينهما عروة وثقى، بين المحتجبين المخدوعين، وبين الهاوين المسفرين، في بيان للعالمين.
(ماذا فعلت بغريمك يا عليّ، أفلت يا رسول الله، لو قُتل هذا الرجل ما اختلف في أمتي اثنان)[١٦]… أما رسول الله فيختلف عن عليّ في هذا الشأن، وهذا هو الفرق بينهما… (كان لي شيطان ولكن الله أعانني عليه فأسلم فهو لا يأمرني إلا بخير)[١٧].
إذا قلنا شيعة، فإنما هي شيعة من مرق من دين الفطرة مروق السهم من الرمية… كل مولود يولد على الفطرة، على ما هدى الرسول الأمين، وعترته من الصالحين، من بيته وقد جعلهم الله قبلة للناس أجمعين.
ولكنا حتى اليوم، نسم المؤمنين بأنهم المتشيعين، ونسم المتشيعين، ضد رب العالمين، بأنهم المسلمين، وهم النكدين الخاسرين.
إن يوم الفصل كان ميقاتا، للطاغين مآبا، لابثين فيه أحقابا، يوم يأتي يوم الفصل، يومئذ لا بيع ولا خلال، يومئذ يتبعون الداعي لا عوج لـه، خاشعة أبصارهم، ترهقهم ذِلة، بأنهم الخاسرون، ترد إليهم أعمالهم، ويتكشف لهم أمرهم. (أهل لا إله إلا الله لا يحضرون الموقف)[١٨].
ها هي إرهاصات يوم للدين، تتكشف لأهل اليقين، وتُخرج من ظنه كل ظنين، إلى شهادة، لأمر رب العالمين في العالمين، {سنريهم آياتنـا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}[١٩]… (لو لم يبق من عمر الزمـان إلا يوم لمد الله في عمر ذلك اليوم حتى يُخرج رجلا من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا)[٢٠]، يجند لنصرته المؤمنون من أهل السماوات والأرض، {ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير}[٢١].
إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم، ليت لنا مثل الذي لقارون، فلما خسفنا به وبداره الأرض، قالوا الحمد لله الذي ليس لنا مثل الذي لقارون.
لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، لفسدت الأرض. فلا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله، وكيفما تكونوا يولى عليكم، فتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
إن الله ينصر هذا الدين، بالصالح والطالح، يجعل من الصالح قدوة، ويجعل من الطالح حكمة، حتى لا يتعرض الناس لما يتعرض هو له يوم يتعظون بغيرهم. (إن الله ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر، [ينتقم به ثم ينتقم منه])[٢٢].
هكذا انتقم بظالمين، وها هو ينتقم منهم، وناموسه قائم لا يغيب، ينتقم في دوام بظالمين، وينتقم منهم في دائم في العالمين. هو الصمد في فعله، وهو الواحد في أمره، وهو الأحد في حكمته وحكمه.
إن العدل لا يقيم في النفس فضيلة… وإن الظلم لا يمحو منها رذيلة… إن الذي يتعشق الملايين لا يختلف عمن يتعشق القروش والملاليم، كلاهما للدنيا عاشق، وكلاهما في أمره مع الله منافق، وكلاهما في عمله غير صادق.
فإن أخذت الملايين كرها عمن احتازها، فلن يتعلم القناعة، ولن يـدرك الضراعة، ولن يتذوق الشفاعة، ولكنه يبقى على طبيعته لكاعة من لكاعة في لكاعة[٢٣]، لكع وابن لكع ووالد لكع.
وإن حققت لعاشق القروش ما ينشد من القروش، وضاعفت له القروش عما يريد وعما يطلب، فلن يقنع ولن يشبع ولن يحمد ولن يضرع، ولن يزكو وللحق لن يتطلع.
إن الدنيا هي الدنيا، وأهلها هم أهلها، بملايينهم وقروشهم، وإن الآخرة هي الآخرة لطالبيها، ولمتعشقيها، وإن الله هو الله، لمؤمنيه، ولكـل من يرتضيه، فيجتبيه، فيأويه، ويواليه، ويطوره على ما يعنيه، وقد خلقه لنفسه، وليصنع على عينه، على ما يرتضيه فيرضيه.
لقد جاءنا رسول الله بالعلم كله، وبالحكمة كلها، وبالحكم كله، وبالأمر كله، وبالدين كله. وحذرنا مما يجب منه أن نحذر، ومكننا مما يصح منه أن نمكن، وبشرنا بكل ما نطلب بعقل طالب وبقلب صادق.
جاءنا بالدين كله وبالخير كله… جاءنا بالآخرة في دار الأولى، وأخذنا من الأولى إلى دار الآخرة، بكشف أغطيتنا عنا، في ستر من حجبنا لنا، مربوط على قلوبنا، محررة عقولنا، منطلقة أرواحنا، متطورة أشباحنا، متسعة عوالمنا.
جعل السماوات والأرض أمرا ودارا لنا، والعبد والرب وصفا فينا، والإله والمألوه قائم معانينا. فماذا أخذنا؟ وماذا تركنا؟ تركنا كل شيء، ولم نأخذ مما جاءنا به شيئا، إلا اللجاجة، والكنادة[٢٤]، والغطرسة، والمخاصمة، والمعاندة، والمنابذة، والمشاددة. نجادل في الله بغير علم ونتبع كل شيطان مريد لموصوف الحق بيننا إلا من رحم وقليل ما هـم.
أين هي القلوب تأتلف؟ أين هي النفوس ترتجف؟ أين هي العقول ترتجع؟ أين هي النفوس تتراص في الحق جندا مجندة؟ أين هي حروف الكتاب بالناس رتلا ترتل، وأمرا تقوم وترسل، وسورا وأسوارا بين الحق والباطل تعلو وترفع، لتقرأ الأمم كتاب محمد في قائم أمة محمد، كتابا حيا، ناطقا، فاعلا، مشهرا؟
أمة وسطا… أين هي الأمة الوسط… خير أمة أخرجت للناس؟! ومن يكون أحقر الأمم بين الناس، إن لم تكن هي على ما هي، الأمة المتخلفة، الشعوب المتخلفة، الأقوام المتطلعة… الجماعات الحقيرة… الأمم الفقيرة… الأمم الجاهلة؟!
أين هي أمة المعرفة؟ أين هي أمة القيادة؟ أين هي أمة السيادة؟ أين هي أمة الخدمة؟ أين هي أمة الكلمة؟ أين هي أمة الله؟ أين هي الأمة التي تأمر بالمعروف - وهو الله - لقائمها، وتنهى عن المنكر وهو ما سوى الله، لقائم القلوب، لقائم العقول، لقائم الأرواح، لحي الأشباح؟
أمة لا تعرف الألف من الباء في الدين، يدانيها الله من سمائه، يدانيها محمد ورب محمد، والكلمة والكلمات، والآية والآيات برسالة الروح، فلا تستجيب لجيئته، ولا تستشرف لطلعته، ولا تتطلع لنجدته، ولا تمد يدها لمصافحته، ولا تسعى أو تجاهد في مخاصمة النفوس لمسالمته.
يأتي لها الحق وملائكته ليقيم السِلم لها معه، للسِلم بين أممها يجمعها ويجمعه، وهي باسم السِلم تشهر الحسام، وباسم السلام تنبـح الأصوات والحناجر في المخاصمة بالكلام، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
يستعدون للحرب لمنع الحرب، ويشهرون الحرب لإقامة السـلام، ويجتمعون في مؤتمرات ليتبادلوا الرأي، وكلهم، يخفي وراء ظهره الحسام، لا يسالم، حتى بالكلام، كلهم يطلب شعبه السلام، وتطلب حكومته الخصام، ولو أحكمت الشعوب أمرها في اختيار الحكام، ما عانت البشرية في أمرها هذا الانفصام.
لا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله… وكيفما تكونوا يولِ عليكم، فأين هـو التواصي بالحق والتواصي بالصبر، حتى يستقيم أمر الناس في أحوالهم، فيستقيم أمر دنياهم في خدمتهم يوم يسند الأمر فيهم إلى أهله من بينهم؟
هذا حال العالم في عصرنا هذا، فماذا ننتظر؟ وإن آمالنا تتعلق بكم أنتم، يا من تؤمنون بالله ورسوله، يا من تذكرون الله ورسوله، يا من تشهدون أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، إن آمال البشرية اليوم تتعلق بكم.
فإذا استيقظت منكم بعض القلوب فاتحدت، فوجدت منها عوالم الروح، قِبلة لها، وساحة لنشاطها، وجهازا لعملها، فذرّة من عمل القلوب، خير من أمثال الجبال من عمل الجوارح.
إن الآمال معلقة على قلوب تحيا… على قلوب تستيقظ… على قلوب بالحـق تبعث، وإن قلّت، فإنا لا نطلب الكثير، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة، وما النصر إلا من عند الله. نسأل الله أن ينصرنا على أنفسنا، وأن يجعل منا سيوفا للحق تنصر، وللباطل تبتر.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله
اللهم بمن زويت له الأرض مشرقة بنور ربها فارحمنا.
اللهم بمن جعلت له الأرض مسجدا وطهورا فطهرنا وأسجدنا وعبدنا وعلمنا وأوصلنا.
اللهم بمن جعلته رحمة للعالمين فارحمنا.
اللهم بمن جعلت له العزة من عزتك فأعززنا على أنفسنا.
اللهم بمن جعلت الإيمان به وِجاءً من الذل فانصرنا واحفظنا، وأحطنا، وادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم.
اللهم بمن كان لك عبدا، وكان لنا ربا، وكنا به لك، يوم كنا له، اللهم به، فاجمع قلوبنا، وأنر عقولنا، وزكي نفوسنا، وقوِّم جوارحنا، وأصلح أمرنا، وخذ بنواصينا إلى الخير، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، طغاة وعادلين، أئمة ومؤتمين، مجاهدين ومتابعين، يقظين وغافلين، وقد جعلته رحمة للعالمين.
اللهم به فارحمنا، وبه فوفقنا، وبه فسدد خطانا، ويسر أمرنا.
لا إله غيرك سبحانك إنا كنا من الظالمين
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الشعراء - ٢١٨:٢١٩ ↩︎
عبارة ملهمة من مصدرين: “خلقتك لنفسي” جزء من حديث قدسي جاء في بعض الآثار منه “ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكلفت برزقك فلا تتعب…” ذكره المناوي في فيض القدير قائلا إنه لم يعثر على عزوه للنبي صلى الله عليه وسلم فلعله مما روي عن أهل الكتاب. والجزء الثاني {ولتصنع على عيني} من سورة طه – ٣٩. ↩︎
عن الشيخ المرسي أبي العباس: قال لي الشيخ أبو الحسن يا أبا العباس ما صحبتك إلا لتكون أنت أنا وأنا أنت، ↩︎
سورة سبأ - ٤٦ ↩︎
سورة الحجر- ٨٥ ↩︎
سورة الملك - ٢ ↩︎
من النشيد المعروف الذي استقبل به الرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة. ↩︎
حديث شريف، يوم غدير خم، بعد حجة الوداع، حيث أخذ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بيدِ عليٍّ رضي الله عنه، فقال ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسِهم قالوا بلى قال ألستُ أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه قالوا بلى قال فهذا وليُّ من أنا مولاه اللَّهمَّ والِ من والاهُ اللهمَّ عادِ من عاداهُ. صحيح ابن ماجه، أخرجه ابن ماجه وأحمد. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث شريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” صحيح مسلم. ↩︎
سورة الزمر - ٥٣ ↩︎
سورة الزمر - ٥٣ ↩︎
سورة الرعد - ١١ ↩︎
الحديث الشريف “أتت الفتن كقطع الليل يركب بعضها بعضا، الآخرة أشد من الأولى.” مسند الإمام أحمد. ↩︎
حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في (تاريخه) عن أنس ابن مالك. المحدث الألباني. المصدر: ضعيف الجامع. ↩︎
حديث شريف ذات صلة: “ذُكِرَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فذَكروا مِن قُوَّتِه في الجِهادِ والاجْتِهادِ في العِبادةِ، فأقْبَلَ الرَّجُلُ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: والَّذي نَفْسي بيَدِه إنِّي لَأرى في وَجْهِه سَفْعةً مِن الشَّيْطانِ، ثُمَّ أقْبَلَ فسَلَّمَ عليهم، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هل حَدَّثْتَ نَفْسَك حينَ أشْرَفْتَ علينا أنَّه ليس في القَوْمِ أحَدٌ خَيْرًا مِنك؟ قالَ: نَعمْ. وذَهَبَ فاخْتَطَّ مَسجِدًا، وصَفَّ قَدَمَيه يُصلِّي، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّكُم يَقومُ إليه فيَقتُلُه؟ فذَهَبَ أبو بَكْرٍ فوَجَدَه يُصَلِّي، قالَ: فهابَ أن يَقتُلَه، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّكُم يَقومُ إليه فيَقتُلُه؟ فقامَ عُمَرُ فقالَ: أنا أذْهَبُ إليه، فوَجَدَه يُصَلِّي، فصَنَعَ مِثلَ ما صَنَعَ أبو بَكْرٍ، ثُمَّ رَجَعَ فقالَ عليٌّ: أنا، فقالَ: أنتَ إن أدْرَكْتَه، فذَهَبَ فوَجَدَه قدِ انْصَرَفَ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ هذا لأَوَّلُ قَرْنٍ يَخرُجُ مِن أمَّتي، لو قَتَلَه ما اخْتَلَفَ اثْنانِ مِن أمَّتي، ثُمَّ قالَ: إنَّ بَني إسْرائيلَ افْتَرَقَتْ على إحدى وسَبْعينَ فِرْقةً، وإنَّ أمَّتي ستَفْتَرِقُ على اثْنَتَينِ وسَبْعينَ فِرْقةً، كلُّها في النَّارِ إلَّا واحِدةً، وهي الجَماعةُ.” الراوي: أنس بن مالك | المحدث: الضياء المقدسي | المصدر: الأحاديث المختارة. ↩︎
حديث شريف: “ما مِن أحد إلَا وقد وُكل به قرينه مِن الجن، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فليس يأمرني إلا بخير.” أخرجه مسلم وأحمد. أيضا: “فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، قلنا ومنك يا رسول الله؟ قال ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم.” صحيح الترمذي. ↩︎
استلهاما من الحديث الشريف: "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن "… أخرجه الحكيم الترمذي، والبيهقي، والطبراني، وأبو يعلي. ↩︎
سورة فصلت - ٥٣ ↩︎
حديث شريف رواه الإمام على ابن أبي طالب كرم الله وجهه، أخرجه أبو داود، وأحمد باختلاف يسير. وجاء بلفظ “لو لم يبق منَ الدنيا إلَّا يوم لطولَ اللَّه ذلك اليوم حتَى يبعث فيه رجلًا مني-أو من أهل بيتي-يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت ظلمًا وجَورًا.” أخرجه أبو داود، والترمذي مختصرا. ↩︎
سورة الشورى - ٢٩ ↩︎
حديث شريف ذات صلة: “إن الله ليؤيد هذا الدِين بالرجل الفاجر.” أخرجه البخاري ومسلم… ↩︎
كلمة “لكاعة” لها معاني متعددة في اللغة العربية، لكنها غالبًا ما تشير إلى اللؤم أو الدناءة أو الحمق. قد تُستخدم أيضًا لوصف الشخص المراوغ أو الماكر. وأحيانا التباطؤ في الحركة. ↩︎
الكفر بالنعمة. ↩︎