(٨)

إنسان الوعي المحيط الكامل
والنظر الحديد الشامل
في خدمة وهدي
عباد الله وخلق الله وأمور الله

حديث الجمعة

٢٩ محرم ١٣٨٦ هـ - ٢٠ مايو ١٩٦٦ م

(إني أرى في الأفق البعيد، نذر حرب، وسفك دماء). هذا ما أشار إليه الروح المرشد السيد سلفربرش بلسان وسيطه (محمد عيد غريب).

إني أرى في الأُفق البعيد، قضاءً، يريد أن ينقض عليكم.

إني أرى في الأفق البعيد، ارتداد أعمالكم، تريد أن تنقض عليكم، بما رسمتم لأنفسكم، نفاذا للقانون، بما اكتسبتم، وقوعا للقول عليكم.

إني أرى ما لا أحب لكم، يريد أن يحل بينكم.

إني أرى أمرًا، لا أحب أن يكون له وجود عليكم، وألا يمكَّن منكم، وأن لا يحل بكم.

هكذا يقول مَن معنا يتعارف، ممن هو لنا معروف. نحن لهما الأبناء والأوادم والظلال، نحن منهما لهما الكلمات، نحن فيهما بهما لهما هم وجودنا لنا للوجود، وحياتنا منا للشهود في الحياة وفي السجود، في بيـوت هياكلنا، وسفن أنفسنا، سبحا في بحار المطلق، لا شاطئ لنا فيها نراه.

نحن إليه الفقراء، طلبًا للحياة، وتخلصًا من حياة اللامبالاة، إلى حياة التقوى، ومن حياة الابتلاء بقلوبنا خاملة، إلى عالم النجاة، إلى أرض النعمة، بُعدا بقلوبنا عن أراضي ذواتنا، لأراضي النقمة، منظرين في أمرنا، النار فينا ومن حولنا، بردًا وسلاما، ما آمنا بالله ورسوله لنا، ولمعيتنا، لجديدنا بهما، ولخلاصنا منا، بنفوسنا بعيدة عنهما، تخلصا وخلاصا، ممن يجري فينا مجرى الدم، بمادي وجودنا، لمعنوي تواجدنا، بموجود الله ورسوله لمعيتنا وخلاصنا.

هكذا قال لنا من تواجد بيننا، بمجال تواجده عندنا، بوسيط من أنفسنا، رسولا من واجب الوجود عندنا، ومن المعروف لنا لبدئنا لتواجدنا، نحن لهما الأبناء، في جلابيب الرجاء بكوثرهما، في تكاثرنا، بموجودنا لهما، إنسانية الله… عباد الله… وجوه الله… حقائق الله… أمور الله لأمرنا.

من الأفق البعيد يدانينا، حق الله، في طريقه ليحل بمبانينا فيرى قضاء الله برد أعمالنا يسبقه إلينا، فإذا المعروف لنا… إذا الحق لأمرنا… إذا رسول الله لإدراكنا… إذا نور الله لوجودنا… إذا روح الله لحياتنا، يدفع عنا، ويشفع لنا، ويتعرض لناموس الفطرة، بناموس الرحمة، يتعرض لناموس القدرة، بناموس الشفاعة، جامعا عوامل الرحمة من عالمه لنجدتنا والدفع عنا، فيقول لنا (لذلك ترونا دائبي النشاط، دائمي التجمع، نواصل عقد الاجتماعات، لتبادل الرأي ولتنسيق العمل، فالعمل الجماعي في عالمنا هو القانون).

نجاهد لمحاربة البلاء، ولمقاومة الجزاء، ولاستجلاب الرضاء، عاونونا، تابعونا، كونوا معنا، ضعوا ما أودع الله في موجودكم، في خدمة السلام، في خدمة أنفسكم، في خدمة أبنائكم، في خدمة أزواجكم، في خدمة أهليكم، في خدمة جماعاتكم، في خدمة أحبابكم، في خدمة أمتكم، في خدمة أممكم، عاونوا جنود السلام على إقامة السلام… على نشـر السلام… على إفشاء السلام… على المسالمة… على الدخول في السلم.

إن رسالة السماء دائما، ورسالة السماء اليوم، كما كانت دائما، إنما هي رسالة السلام… إنما هي رسالة السِلم والأمان، إنما هي رسالة الأمن والضمان… إنما هي رسالة الإسلام.

إن السلام والأمن، لا يتحققان، إلا بالعمل الدائب، إلا بالنَصَب، إلا بالشقاء، إلا بالطلب، إلا بالمجاهدة، إلا بالتوكل على الله، لا بالتواكل، فالفرق بين التوكل والتواكل، كالفرق بين السماء والأرض.

إن التوكل على الله، إنما هو إعمال ما أودع الله فيكم من قدرته، إعمال ما أودع الله فيكم من إرادته، إعمال ما أودع الله فيكم من مشيئته، إعمال ما أودع الله فيكم من وجوده، ببذل ما أودع الله فيكم من جوده، في غير إنكار على شهوده، وفي غير جحود على موجودكم لموجوده، موحدين لله، بجمع قلوبكم على قلبٍ حيٍ به.

اجمعوا أشلاء الله لمعنى الذات له مبعثرة في موجودكم، بسبب ما تقومون فيه من تنافر بينكم، فلو تجمعت هذه القلوب، لالتأمت هذه القوالب، وإذا التأمت هذه القوالب، لتراصت متحدة ملتصقة، فتكون منها الجسد الواحـد، والذات الواحدة، والأمر الواحد، والإنسان الواحد، وال - الله الواحد ببيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، إليه يصعَد الكلِم الطيب والعمل الصالح يرفعه، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.

هذا هو التوحيد، يوم تتحد القلوب، فتجتمع القوالب، وتمتزج النفوس وترتبط العقول، وتنطلق الأرواح، فتحيا بالله، بيوتا له، هي هذه الأشباح، فتنعكس إلى أعماقها فيها، فتراها لمبدعها وبانيها، لا شريك له منها، ولا غيرية لها معه، تراه وتسمعه، عنها لا يحتجب، وبها لا يغيب، شعارها لا إله إلا الله، ومشهودها فيها لها محمد رسول الله، في قائم لهما بها برضوان أكبر، في رضوان لها، رضوانا من الله ورسوله، قائم الحضرتين لقيامها لقيوم الحضرتين معروفا لها، في قائم الحضرتين لا حد لهما…

سُفنا سابحةً في الوجود، وجود الحضرتين، لا إحاطة بالله ورسوله، ولا غيبة لله ورسوله، ولا شريك من النفس لله ورسوله. فما توحيد الله ورسوله عند النفس، إلا في وحدانيتها لهما، وقيامها بهما، لا شريك منها لهما، أو معهما، ولا انقطاع لهما عنها، فلا ظهور لها إلا بهما.

بذلك قام شعار الإسلام، وشعار دين الفطرة، بلا إله إلا الله، محمد رسول الله. فهل عملنا وسعينا بمحمد رسول الله لنا لدخول حصن لا إله إلا الله لأماننا… حصن الإسلام المنيع، ودرع التقوى، وجنة المأوى، والسيف الباتر لمن التوى.

بالشهادتين قام الحق ودينه، وبهما نُصِر الروح وأمينه، وبهما قام محمد وصحبه، وعليهما قام البيت وعترته، والرسول وظلاله، في ظاهـر الأمر من الوجود، وبهما قام الرسول وصحبه، في باطن الأمر، حق للشهود، وبهما التحم الرسول وصحبه بباطنهم، في الكينونة مـع ظاهرهم، بالكون، فقام التوحيد للشهود بوحدانيتهما، في تواجدهما لموجودهما في الوجود الواحد لهما.

فكان الرسول وصحبه بالحق له - بظاهره وباطنه - قبلة الحياة، لأزلي الأحياء للظهور، كما كان قبلة الحياة، للتواجد بها، في أبدي الأشياء خروجا من القبور.

وهذا ما عناه الكتاب، من أن الله بملئه قديما بالإنسان، اتخذ من النبي قبلة صلاته، وطلب لمشروع الخلق الأبدي له أن يتخلق بخلقه، جديد قديمه، فيتخذ من النبي قِبلة له في صلاته.

جعل منها العروة الوثقى، وقِبلة لدائرة الوجود بشقيه للصلاة وللتواجد، ليعرف القديم في الجديد ساحة فيها يتلاقى القديم بالحياة لمعنى الحق، مع القادم بالحياة من جديدها لمعنى الخلق، أحياء لأحياء، يتلاقون في ساحة الحياة، في كنف الحياة، في غرفة الحياة، في بيـت الحياة، في مدينة الحياة، في مديد الحياة، في ساحات الحياة، في آحاد الحياة، أمورا لله…

وجوها لله، تجتمع حول وجه لله، تتخذه قبلة صلاة، وسفين نجاة، وركب سُعاة، يوم تراها، في نفسها تراه، لمرآها منه بمبناه، في مشهودها لها، عن علمها بها لمعناه، في علمها عن ربه ربًا لها، وعن حقه حقًا لها، وعن إلهه إلها لها، وهو بدوره يصلي عليها سكنا لها ورحمة بها، رائيا لها على ما تراه.

لا يكمل لها إيمانها إلا يوم تراها له، قالبًا وقلبًا، وتراه، لربها عندها، قالبًا وقلبًا، وتعرفه معروفا للأعلى، هو له قالبًا وقلبًا، فعرفتها إليه مضافة، وإليه منسوبة، لا هو عنها مجهولا عندها، بل هو عندها لها معروفا بها، المؤمنون هم له منه بَنوه، فكانوا به له منه بني معروف، وليسوا بني مجهول، كانوا أبناء معلوم، وليسوا أبناء مغمور[١]. وما كان المعروف دائما يوم يعرف إلا الحق من الله، وما كان للناس حقًا من الله إلا الإنسان، عبدا وربا، وما كان الإنسان لنـا إلا رسول الله، أول العابدين خلقا وحقا، في دوام يبعث فيقوم، وفي دوام مبعوثا يمتد ويتكاثر، فيتجدد ويتعدد، فمع جديده يعرف ويتابع، وبهما في دوام يلاقى ويتعارف.

إن رسول الله، أول عابدين، لا أولية لهم، وآخر متحققين، لا آخرية لهم، إنه الأمر الوسط، بين أمرين لا بدء، ولا انتهاء لهما… إنه الحق من حقائق الله… إنه الوجه لوجوه الله.

إنه للناس جميعا، أول العابدين، بخلقيتهم، فهو معلوم آدميتهم وإنسانيتهم، لعلمهم، ومعروف الأبوة لمبانيهم ومعانيهم لاعتقادهم. أبـوة شاملة، المؤمنون جميعا هم له الأبناء، وهم به الآباء، مزوية له الأرض، ومزوية به لهم، جعلت له ولهم مسجدا وطهورا، إنه بسعته برحمته لا يستنكف أن يكون الناس من نبات الأرض من أهلها هم من أهله، تنشق الأرض عنه بهم دائما، هو لهم مهما أظلمت نفوسهم، ومهما جحدت، لا يستنكف أن يكونوا أبناءً له، إنه أول الخلق… إنه أول العباد… إنه أول الحق… إنه البداية والنهاية، وإنه القمة والغاية.

إنه لا ييأس لأبنائه، في مادي وجودهم، من الله لهم، في معنوي تواجدهم، يوم يتابعونه، وفي الطريق دائمة سرمدية به، يتبعونه، ويسترشدونه، فيرشدونه، فيتواجدونه، فيتحققونه، فيرونهم في الله، على ما رآه في الله، اسما لله، فيروهم أسماءً لله.

الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم ارتابوا، {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}[٢]، والذين آمنوا بالله ورسوله ولم يرتابوا، اجتازوا البلاء، وأحسنوا الأداء، فوفوا الاختبار، واستقاموا في العبرة والاعتبار، {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}[٣]. إن الذين لم يرتابـوا في إيمانهم، في إيمانهم بالله ورسوله، هم الأسماء الحسنى، {إن الله كان عليما حكيما}[٤]. {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}[٥]… نِعم الاسم هم، نِعم الإيمان هم، نِعم المؤمن هم، نِعم الوجوه لله هم، {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}[٦]، ومن ظلالها لها منظورة، ظهورها بمنظورها، وقيامها عَلَما على معلومها، (المؤمن مرآة المؤمن)[٧]، (المؤمن مرآة أخيه)[٨]… (المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[٩].

إنك لن ترى ملاحة وجهك، ولا قبح وجهك، دون مرآة تعكس لك حال وجهك، إنك لا ترى ما على وجهك من غَبرة، ولا ترى ما على وجهـك من إشراقة نضرة، إلا عن طريق مرآة، ترى وجهك فيها، وما كانت مرآة المؤمن له، إلا المؤمن في مؤاخاته وخلته.

لن ترى حالك، إلا في حال من تُؤاخي، فانظر من تؤاخي، وانعكس إلى نفسك لترى موضع من تحب منها. سَل ضميرك، سَل قلبـك، عمن تحب، فإذا عرفت موضع من تحب منك، فتأمل فيمن تحب هذا، وتفكر في هذا الذي تحب، وتساءل بينك وبين نفسك وبين ضميرك، ما هو دين هذا الذي تحب؟ ما إيمان هذا الذي تحب؟ فإذا حكمت له أو عليه بيقين قام عندك، فاحكم بيقينك به، على نفسك في معناه، عن نفسك في الله.

إن الله حرَّم الظلم على نفسه، وأمر الناس ألا يظّالموا… إن الله حرَّم الشُّح على نفسه، وأمر الناس ألا يكونوا بخلاء، فقال لهم الرسول، (البخيل عدو الله، عدو المؤمنين، عدو رسول الله)[١٠]… (تصدقوا ولو بشق تمرة[١١]، تصدقوا على الناس ولو بإماطة الأذى عن الطريق[١٢])، كونوا كُرماء، آثروا على أنفسكم ولو كان بكم خصاصة، جاهدوا بذلك الجهاد الأكبر، جاهدوا بذلك في الله حق جهاده، عاملوا الناس معاملة مع الله، (إن الصدقة تقع في يد الله)[١٣].

أين هو ذاك الجهاد الأصغر، من الجهاد الأكبر! إن مجاهدتك لنفسك، وهي أعدى عدوك، كامنة بين جنبيك، ليس أمرا سهلا، ولكنها تسهل يوم تجد لك من الله ورسوله عونا، أنت مفتقر إليه، فيجبر الله افتقارك، ويوم تنكسر معه، يجبر الله انكسارك، ويوم ترى ضعفك، يجبر القادر ضعفك، فيمنحك من قدرته، ويسعفك بنجدته، يوم لا تعمهه في طلعته بعين لطيفه لك.

أينما تولوا فثم وجه الله، في أنفسكم وفي أنفس الناس، فلِم تنكرونه؟ ولِمَ تعمهونه؟ ولِمَ تستكبرون عليه في ضمائركم، وفي محيطكم؟ يسأل الإنسان أيان يوم القيامة؟ وما يسأل أيان يوم القيامة، إلا يوم يفجر أمامه، وينكر إمامه، ويخاصم في مشاهدته أعلامه، وينكر على قيامه قيامه…

أي قيامة، عند المؤمن، الذي قَبِل الإسلام دينًا، وعرف الرسول يقينا حقا مدانيا أمينا، وعلم الكتاب لمعنى نفسه مدركا كريما، بما أحكم، وبما أبرز محكما، وبما هدَى واضحا مُعلما، فكان الناس، به له، في رسالة الفطرة، أئمة وكَلِما، ولله وجوها وعَلَمًا تتراص منهم القلوب، وتُفرَّج لهم عيانا بيانا الكروب.

ها هم أرواحًا مرشدة يرون في الأفق البعيد، قضاءً يريد أن ينقض على موجودهم الوليد، فيحيطونه بوجودهم القوي العتيد، حماية لموجودهم الجديد، ورعاية لوليدهم السعيد، فيدفعون عنه القضاء بحق وكفاية، أو يمزجونه بلطف وحكمة وعناية، ويوجهونه لظهور العبرة وحكمة الرعاية.

إنهم أسماء الله… إنهم أعلام الله… إنهم حقائق الله… إنهم عباد الله. ويطلبون إلينا، أن لا نبتعد عنهم قيد أنملة. إن الهلاك في الفرقة، وإن السلامة في الاجتماع، وإن الابتعاد عن الأب والأم فيه الضياع. (يأكل الذئب من الغنم القاصية)[١٤]… (الزم الجماعة)[١٥]، (عُدّ نفسك من الموتى [تكن مؤمنا])[١٦].

أحيِ قلبك، يُفرِّج لك كربك، وأطلق عقلك، ليدبر لك أمرك، وحرر روحك، لتخلص لك نفسك. إن الدين، إدراك وعمل… إن الدين، مجاهدة وأمـل… إن الدين، ركون إلى الله، بكل الإنسان، وتخلص الإنسان من كل نفس، وإرجاع به لكل نفس، لأحضان عقله، ورجوع بكل عقله، لموجود ربه، لا شريك له، من أمره.

لا يفرق المؤمن بالله ورسوله بين الله ورسوله، أبدًا، في دنياه ولا في أخراه، في عاجلته بشبحه أو في جنته بروحه، لا يفرق بين الله ورسوله، في أمره وخلقه، في ظاهره وباطنه، ثم هو… لا يفرق، بينه وبين رسول الله، في أمره، في خلقه وحقه، إمحاءً له، وبقاء لرسول الله، كما امَّحى رسول الله، في الوجود لموجود الله، فقام الرسول بالوجود لموجوده. وكما امَّحى قبس نور الله له، في بحار نور الله إليه، فقام الرسول بحار النور في عقيدة واعتقاد المؤمن بالله والرسول، حقائق الله عند المقدر لله حق قدره.

إن الذي هو لرسول الله مع ربه، هو لك مع رسول الله، يوم تكون مؤمنا بالله ورسوله، فلا تمحُ رسول الله بموجوده، في موجودك، بمحوه عن وجوده لوجودك. ولكن امحُ موجودك ووجودك، إلى موجوده ووجوده، فإلى موجود ربه ووجوده، فإلى الله في موجوده ووجوده، حتى تدخل في شعاره لا إله إلا الله، دخولا في حصنها برسول الله، وحتى تشهد شعاره محمدًا رسول الله لآدمك في الوجود له، أمرًا لله، شهادةً تقوم بأمرها، {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم}[١٧].

وما سجد لله في السماوات والأرض، بأمره وظلاله، إلا الإنسـان… وما سُجد له في السماوات والأرض، مشهود الله لوجوده، إلا الإنسان، وما بعث بمعاني الحق في السماوات والأرض، اسما لله، أو أسماءً لله، له الأسماء الحسنى إلا الإنسان، وما تواجد في الوجود لموجود الحق، ولموصوف الخلق، عَلَما على الخالق إلا الإنسـان.

فالإنسان للإنسان في الإنسان، في الله ذي المعارج هو جماع حقائق الله (أُعطيت جوامع الكلم)[١٨]… (الشأن أن تكون أنت الاسم الأعظم)[١٩]. بذلك وبإدراكه يقوم للإنسان معنى الإسلام، ومعنى الإيمان… ومعنى العرفان… ومعنى الحق… ومعنى الرحمن، وبه يسلك الإنسان الطريق، ويحسن اختيار الرفيق.

لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

اللهم يا من تجليتنا بهذا الوجود لنا في وجودك، لواسع موجودك، حققنا بموجودنا لك بجودك.

اللهم يا من جعلت من محمد، عبدًا لك، آدما، ورسولا منك، قدوة لنا لغاية وأسوة لنا ببداية… اللهم اجعلنا في اقتدائه، وارزقنا الطريق إلى ارتضائه ورضائه، وجنبنا المخافة في التجائه، وولائه.

اللهم به فتولَنا، وإلى قبلته فولِنا.

اللهم زده مما أعطيت، وأوفر حظه مما هديت، وحقق رجاءه فيمن ابتليت، واغفر لنا به فيمن غفرت، وارحمنا به فيمن رحمت، وتولَنا به فيمن توليت، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، قوادا ومقودين، مجاهدين ومتابعين، يقظين وغافلين، عالمين وجاهلين، ساعين ومتقاعسين.

اللهم وقد جعلته رحمة للعالمين فارحمنا به يا أرحم الراحمين، وتولَنا به في الصغير والكبير من شأننا، في ديننا ودنيانا، وفي أولانا وأخرانا، في معارجنا إلى حقنا، وفي تواجداتنا بخلقنا.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. تم تصويب هذه الكلمة وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎

  2. سورة الحجرات - ١١ ↩︎

  3. سورة العنكبوت ٢-٣ ↩︎

  4. سورة النساء - ١١ ↩︎

  5. سورة النحل - ١٢٨ ↩︎

  6. سورة القيامة - ٢٢-٢٣ ↩︎

  7. حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎

  8. حديث شريف: “المؤمِنُ مرآةُ أخيهِ، المؤمنُ أخو المؤمنِ يَكُفُّ عليهِ ضَيْعَتَه ويحوطُه مِن ورائِهِ.” أخرجه أبو داود والبخاري. ↩︎

  9. حديث شريف: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎

  10. استلهاما من معنى الحديث الشريف: “السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل”. رواه الترمذي. ↩︎

  11. من حديث شريف: " اتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقَّةِ تَمْرَةٍ، فمَن لَمْ يَجِدْ شِقَّةَ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ." أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  12. إشارة إلى الحديث الشريف: “لإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ.” صحيح مسلم. ↩︎

  13. حديث شريف عن عبدا الله ابن مسعود: " إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل". أخرجه الطبراني. وجاء نفس المعنى في الحديث الشريف: "إِنَّ العبدَ إذا تَصَدَّقَ من طَيِّبٍ تَقَبَّلَها اللهُ مِنْهُ، وأَخَذَها بِيَمِينِهِ فَرَبَّاها… ". أخرجه أحمد واللفظ له، والبخاري، ومسلم مختصرا باختلاف يسير. ↩︎

  14. حديث شريف: “ما من ثلاثةٍ في قرية، ولا بَدْو لا تُقَام فيهِم الصلاةُ إلا قد استحوذَ عليهم الشيطانُ، عليكَ بالجماعةِ فإنّما يأكلُ الذئبُ من الغنمَ القاصيةَ”. أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد باختلاف يسير. ↩︎

  15. من نفس الحديث الشريف في الملحوظة السابقة. ↩︎

  16. حديث شريف رواه عبد الله بن عمر: “أخذ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ببعضِ جسدي وقال: كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى”. أخرجه البخاري. ↩︎

  17. سورة الرعد - ١٥ ↩︎

  18. جزء من حديث شريف: "فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِىَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً، وخُتِمَ بي النبيُّونَ‏). سنن الترمذي، ومسلم باختلاف يسير. كما أخرج البخاري بعضا منه في أحاديث أخرى. ↩︎

  19. مقولة للسيد أبي الحسن الشاذلي. (ليس الشـأن أن تعرف ما هو الاسـم الأعظم، ولكن الشـأن أن تكون أنت الاسـم الأعظم). ↩︎