(٦)

الصلاة عماد الدين
يوم تقوم إلى قبلتها
صلة بين العبد وربه
بتوحد المرسل إليه في الرسول بالمرسل من الله في الله

حديث الجمعة

١٥ محرم ١٣٨٦ هـ - ٦ مايو ١٩٦٦ م

(لا يؤمن أحدكم، حتى يكون هواه، وفقا لما جئت به)[١]… {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}[٢].

لا يؤمن أحدكم حتى يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، وينفق مما استخلف عليه من خير الدنيا ومن الحياة.

(لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ومن نفسه التي بين جنبيه)[٣]، فالرسول وجه ربه عند عبده، في قائم الله لهم جميعا.

فليس من الإنصاف في شيء إذا تحدث المسلم، أن يتفّه من أمر الصلاة وإقامتها. فلان يا رسول الله يقيم الصلاة، ولكن صلاته لم تنهه، عن فحشاء أو منكر، قال الرسول: (دعوه يصلي فــإن صلاته ستنهاه يوما)[٤].

{وأقم الصلاة لذكري}[٥]، أقم الصلاة مستقبلا ذكري، أقم الصلاة وقبلتك بيتي يذكر فيه اسمي… وقبلتك إمامك… عمر قلبه بنور الله سر قلبك، ونور عقلك، وهدف سعيك، ووجه ربك، لوجه حقك، لجماع أمـرك.

إن الذي يقيم الصلاة، على مراد الله بها، مرادا له، وعلى توجيه الله بها، اتجاها إليه، فإنه يقيمها حقا. أما الذي يقيمها شكلا ومنسكا، ساهيا عن حكمتها، وعن سر إقامتها، متجها بها إلى ما تهوى نفسه، ويكيف لـه عقله، مغفلا ما هُدي إليه، منكرا على قبلته، منكرا على بيت الله له، منكرا على رسول الله لهذه المعاني جميعها، قياما فيها قـدوة للناس، وقياما بها قبلة للناس، فأولئك هم المراؤون الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يمنعون الماعون.

وحتى هؤلاء المراؤون، إذا وجهوا إلى ما يصلح به أمرهم، فماذا يعملون، وبماذا يؤمرون؟ إنهم يوجهون ويهدون إلى إقامة الصلاة، بتدريكهم لما يعملون ولما فيه يقومون، وكيف أنهم يقيمون بالصلاة صلة مع رسول الله، بُعث بالحق ذكرا لله، وقبلة للناس، فقام بيتا يذكر فيه اسم الله، عنونه بيت الله المشروع، وحققه بيت الله الموضوع بالرسول وعترته. فكيف أَصِلُه وأنا لا أقيم الصلاة؟

إني لا أعرف لإقامة الصلة مع رسول الله، إلا إقامة الصلاة، (ما تقرب إلي عبدِي بشيء أفضل مما افترضته عليه، وما يزال يتقرب الي بالنوافل، حتـى أحبـه، فإذا أحببتـه [كنته])[٦]. فكيف أتحاب مع رسول الله؟ وكيف أتحاب مع ربه بـه؟ وكيف أقيم الصِلة برسول الله إقامة لها مع ربه، وأنا لا أرى في إقامة الصلاة بمنسكها على ما هُديت، وعلى ما عُلِمت، أمرا جوهريا في الدين؟ (الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين)[٧].

نعم إن الصلاة في جوهرها، وفي غايتها، إنما هي إقامة الصِلة بين العبد وربه. وكيف تقوم الصِلة بين العبد وربه، والعبد يغفل ما هُدي إليه وما أمر به!

نعم إن الله جعل للناس ولكل أمة شِرعة ومنهاجا، هذا حق… ولكني وأنا في دين الفطرة، متابعا لرسول الفطرة، وأنا في دينه سَجَّله كتابه، وأبانته سنته، كيف أُتفِّه أمر الصلاة، وقد أقامها بيننا رسول الله، وطلب إلينا متابعته فيما أقام، وفيما شَرَع، وفيما سَن!

نعم إن الأداء منسكا دون إدراك جوهرها وحكمتها، مضيع لها ومبطل لأثرها، ومعطل لكسب ثمارها، ولا يحقق لمؤديها غايتها به، وغايته بها، إن كان صادقا في طلب الله ورسوله، مؤمنا بالله ورسوله لنفسه، موحدا مع رسول الله، الموحَّد مع ربه، الموحَّد مع الأعلى قياما لله وظهورا له، بالعبد والرب وبالرسول والأعلى، واحدا لا شريك له، الكل فيه وجه له.

إن الصلاة إذا أديت بحقها، وقامت عند مقيمها في مرسومها، ودائم هواه بها هوى الرسول عليها، تنتج آثارها عند مؤديها على ما أنتجت عند أول هذه الأمة، وعلى ما أنتجت عند رسول الله (قرة عيني في الصلاة)[٨]على ما أثمرت، فجنى ثمارها، وتصاعدت شجرتها، وأورقت، فروعها وغصونها عند تأسيس رسالتها، بقائم رسولها، على ما تناقلناه وعرفناه.

فأنتجت في قومه وصحبه آثارها {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}[٩]… (كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه)[١٠]… (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه)[١١].

فمن يكون المسلم؟ المسلم من قامت فيه صفات الإسلام، وما يكون الإسلام؟ الإسلام فضيلة، وبُعد عن رذيلة، يمثله جمع من المسلمين، إذا رآهم غير المسلم، أعجبه أمرهم، واستراحت نفسه لفعلهم، وقَبِل حكمتهم، وأعجبه نظامهم، إن جمع المسلمين في تعاملهم متوادين، مؤثرين، عن السفاسف مترفعين، وبجوهر الأمر متمسكين، وفي طريق مستقيم سارين، لا يتوقفون، ولا يهملون، ولا يتراخون، أولئك جمع المسلمين يعنونون الإسلام لجماعات الناس، ولمفردات الناس ليكونوا مسلمين.

إن المتنابذين… إن المتنافرين… إن من كانوا على الدنيا متنافسين، وعن الآخرة غافلين، ولكسبها غير عاملين، وإليها غير ساعين، لا يمثلون الإسلام، وليسوا المسلمين. (إن المسلمين في توادهم وتراحمهم كأعضاء الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو سهر له سائر الجسد بالحمى والسهر)[١٢]. هذه رسالة جمعهم ومفرداتهم بحالهم وأحوالهم، صُحبتهم منهضة، وأحاديثهم بالله موقظة غير مغرضة. أما الكافرون بالله لأنفسهم ففي عزة وشقاق.

إن المسلمين، ذات واحدة… أمة واحدة… رجل واحد… قلب واحـد… حق ظاهر واحد… {كنتم خير أمة أخرجت للناس}[١٣]، بما جعلناكم أمـة وسطا، تأمرون بالمعروف لكم، وهو الطريق وإمامها، وتنهون عن المنكر عندكم، وهو الانحرافات وطغاتها، وتؤمنون بالله وبالحقيقة وكلماتها، قيوم قائمكم في قيامكم، كلكم له وجه، وكلكم فيه كلمة لله، وكلكم فيه يقوم بروح قدس الله معروفا لكم ومعروفا بينكم، يرشدكم ويؤمكم، وعلى الله معكم فيكم يجمعكم.

كيف لا… وأنتم أمة وسطا، من الرسول والذين معه كوثر إنسانه، وظلال رحمانه، وأيدي إحسانه، وأقدام سعيه لخلقه من الناس… أنتم حقائقه… أنتم كتابه… أنتم رحمته، للناس عنه حجبه… أنتم للناس من أنفسهم جلبابه، قلوبكم عامرة بنوره، وألسنتكم، لاهجة[١٤] بذكره، وإرادتكم قائمة بأمره.

لكم عند الله ما تشاؤون، يوم تكونون حقا المسلمين، وعَلما على الإسلام، وقياما له… القرآن هو أنتم… كلمات الله هي أنتم… سور الكتاب هي أنتم… حروف الكتاب هي أنتم… غلاف الكتاب هو أنتم… لباب الكتاب هو أنتم.

أنتم كتاب الله… أنتم سِر الله… أنتم وجوه الله… أنتم ظاهر الله لمن ظهر له الله… وأنتم باطن الله لمن غاب عنه الله… فهل قدرتم أنفسكـم في انتسابكم لرسول الله، أو في قيامكم في محبة رسل الله، أو في علمكم عنكم في رسول اللـه في علمكم عنكم من رسول الله، في علمكم عن رسول الله عَلم أعلامكم… ونور عقولكم… وحياة قلوبكم… واستقامة قوالبكم… وانتظام جوارحكم، وعقدة اجتماعكم لوحدة جمعكم، قـدوة وأسـوة؟

فهل اقتديتموه ولم تكونوه؟ وهل تأسيتموه فلم يرحمكم راحموه، وهو جماع الرحماء… وهو جماع الرحمة… وهو داني الرحمة… وهو ظاهر الرحمة… وهو باطن الرحمة… وهو أحواض الرحمة… وهو أنهار الرحمة… وهو بحار الرحمة… وهو جنان الرحمة… وهو سماوات الرحمة… وهو أراضي الرحمة؟

هل استرحمتم الله في استرحامه برسول رحمته، ولم يرحمكم الله برحمته؟ هل سعيتم إلى جنان الله بجنانه بكوثره لكم، بحقائقه برسولـه بينكم فلم يدخلكم الله جنان رضوانه، لرسوله وعنوانه، جنانا له لجنان أنفسكم به؟ هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[١٥]، {يا أيتها النفس المطمئنة}[١٦] ادخلي في الساجدين، {فادخلي في عبادي}[١٧] تدخلي جنتي.

فما كانت جنان الله إلا عباد الله، وما كانت كراسي الله إلا أشهاد الله… وما كانت عروش الله إلا روح قدسه لجماع الشهداء، قوائمها الأولياء، وأنوارها الأنبياء، وحديثها الحكماء، وسلطانها الأتقياء، وملائكتها أرواح العتقاء.

ما لكم كيف تحكمون! وما لكم كيف أنتم عن الله تتحدثون، فتهرفون بما لا تعرفون، وبجهلكم تجأرون، وعن الله في أنفسكم تغفلون، وله في قلوبكم تعمهون، ثم هو بعيدا عن موجود وجودكم تُعرِّفون، فالناس عنه تباعدون، والناس عنه تُجهِّلون!

وهو الأقرب لكم ولهم من حبل الوريد لو تؤمنون فتشهدون، كما قدم لكم وذكرتم، وهُديتم بالدين، فلم تهتدوا ولا تهتدون، وبظلام أنفسكم تهدون، ويتبعكم الغاوون، ويستغلكم الطاغون، ويمتطيكم المتكبرون، فتحملوهم في طريق الكبر كما يريدون، وأنتم مع انحرافكم، لأنفسكم بالاستقامة تزعمون، وأنفسكم قدوة للناس تقدمون، فأوزارا مع أوزاركم تحملون.

بهائم الأنعام ودواب الأرض، ولكن لا بالنعمة، بل سائمة[١٨] ضالة تسيرون، لا طريقا مستقيما تسلكون، ولا عن طريق معوج تبتعدون، ولا إلى ساحة أمان تقصدون، بل إلى هاوية في دوام ترغبون، فيها أنفسكم تردون، وغيركم ممن حولكم تدفنون، وأوزارا مع أوزاركم تحملون، وبالأوزار تكبرون وتنتشرون، وتعتزون وتتكبرون وتطغون.

هذا هو حال فقهائنا كما تعلمون… وهذا هو حال أمتنا له تشهدون، وبه تضيقون، ومن صلاحه تيأسون، وعن إصلاحه تعجزون.

عليكم أنفسكم أيها المسلمون، لا يضركم من ضل إذ أنتم تهتدون، فبأنفسكم تبدأون، ثـم بمن تعولون، ثم إن هَدى الله بكم رجلا واحدا فأنتم الموفقون، على ما فعل الرسول الأمين، الذي تذكرون، وعلى ما تابعـه عليه متابعون، وتابعهم عليه صادقون، وقام عليه من بعدهم صديقون.

الخير فيه وفي أمته إلى القيامة بالحق يقومها في كل وقت وحين، كما بُلغتم وفي دوام تُبلَّغون، بتجديد أمر الدين أمر عليه تنكرون كفعـل آبائكم الأولين، متجاهلين لآبائكم الآخرين، وإن الأولين لقبل الرسول الأمين، والآخرين لبعده حتى يومكم الذي تشهدون، في رسالة الروح اليوم لمبعوثون، وكم بعثوا بها فيها وما تشهدون، وهذا لهو اليوم المعلوم عنه عرفتم وعنه ستعرفون.

يتجمع المؤمنون، والشهداء، والصديقون، والصادقون، والمتقون، حول شهيدهم، يؤمنون، طبقا بعد طبق رفعوا ويرفعون، وفي حضرة الروح يحشرون، يوم هم من سكرة الموت يستيقظون، فيها أرواحا حية طليقة يجتمعون ويسعدون، حتى إذا ما انتظم جمعهم وتواصل في الحياة عملهم، تذكروا ما تركوا من أبنائهم، فإذا هم لأبنائهم يفتقدون وينتظرون، ولكن أبناءهم إليهم من الأرض لا يصعـدون، وإلى الأرض يتثاقلون، ومن أفلت من قبضتها، إذا هم ثمار فجة يخرجون، هم لها لا يقبلون، وعليها لا يقبلون فإلى الأرض يردون. فماذا كان من أمرهم في الروح العظيم؟

لجأوا بينهم، لأمرهم فيهم متشاورين متذاكرين، فقرروا أن يقدموا نجـدة للعالمين، فيرسلوا من جمعهم الرسول الأمين إلى أبنائهم متنابذين، منحرفين، متقاتلين، متجادلين، عن الحق في أنفسهم متغافلين، فقامت رسالة الروح الأمين، مرة أخرى إلى العالمين.

حملها إلى الأرض الروح المرشد الأمين، الذي عرفته من قبل الأرض وهو ليس على الخير للقوم بضنين، عرفته كوثرا بالدين بالأنبيـاء والمرسلين، والحكماء والمعلمين، في كل أمة، وفي كل لغـة، وفي كل جنس، وفي كل مكان ظهر ويظهر بالحكمة في كل وقـت وحين، ليبين لهم، ليذكر، ليدبر، لينهي ويأمر، ليحدث ليعلِّم، ليمكِّن، ليقدِّر، يقوم ويتقلب في الساجدين.

مثَّله وقامه الرسول الذي تذكرون، (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم)[١٩]… (لا تزال طائفة من أُمتي قائمون على الحق، لا يضرهم من خالفهم إلى أن تقوم الساعة)[٢٠]. وما أمر الساعة، إلا على ما تشهدون من أمري، بعثت وإياها صنوان[٢١]، رجلان، كلمتان، حقان… إنسانان، للدينونة وللبيان، راشدان، خليلان، حبيبان، وما سبقتها، إلا كما سبقت أصبعي الوسطى، أصبعي السبابة، أنتم على قيد خطوات منها.

إنها الزمان وبدايته… إنها القديم ونهايته… إنها الحق وجلوته… إنها السلطان وبسطته… إنها أمر الله وعزته… (لو لم يبق من عمر الزمـان إلا يوم لمد الله في عمر ذلك اليوم حتى يُخرج رجلا من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا)[٢٢]… (المهدي ولدي، [يقتفي أثري])[٢٣]… {ومن يهد الله فهو المهتد}[٢٤].

و(لا مهدي إلا عيسى)[٢٥]، يقوم بوصفي، ويحمل اسمي، ويظهر بمعناي، لا شريك له من أمره، وما كان أمري إلا أمره في سري وجهـري، ولدي ولدي. (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم)[٢٦]، ومن تكون مريم، (مريم إحدى زوجاتي في الجنة)[٢٧].

ومن يكون عيسى؟ إنه إياي… إنه معناي… إنه ربي ومولاي… إنه فوقي… إنه تحتي… إنه عيني… إنني فوقه… إنني تحته… إنني عينـه… نحن في الله حبيبان… نحن في الله خليلان… نحن في الله قائـم وقيوم الإنسان… نحن الأبوان… نحن الوالدان… لا والد ولا ولـد… لا موجود ولا ما أوجد… (عليّ مني وأنا من عليّ)[٢٨] ، (حسـين مني وأنـا من حسين)[٢٩]… أنا دورة الناموس بالإنسان.

إن المسيح وأمه، والملائكة المقربون، لا يستنكفون أن يكونوا عبادا لله، أنا بالعبودية شرفت، وبها لكم شَرَّفت.

لا بل لا يستنكفون وأنا معهم، أن يكونوا عبادا لمن قام بحق العبودية لله، لمن عرف وعرَّف عن شرف العبودية لله… لمن شرف بوصف العبد لله… لمن ظهر عبدا لله، كما ظهر، في الأرض أو في السماء، أو خارج الأرض والسماء.

عبد الله بعبوديته المجردة عن الأسماء، وعن الصور للأشياء، حيـا يوما… قام عبدا… قام حياة… قام لله وجها… تواجد في الله والدا وولدا… عرف الله روحا وجسدا… شهد الله عيانا، وشهد الله بيانا… وعرف اللـه قياما… وعرف الله سلاما، وعرف البعد عنه لشامل معناه كفرا وخصاما… وعرف الناس يلاقونه من أنفسهم، لوما ومَلاما، ويؤمنونه كلاما، ويغفلونه حقا وقياما، ولا رحمة وإحسانا، بل يتجاهلونه لأنفسهم كتابا وعرفانا، ويزعمون لأنفسهم به إيمانا، ويدعون الناس إلى أنفسهم إسلاما وقياما.

هذا ما آل إليه أمر المسلمين، وما أصبح فيه حال الإسلام، إلا من رحم، إلا من عَلم، إلا من اتقى، إلا لمن لله في نفسه وعى، ومن الانحراف عليها وإليها منها وقى[٣٠]، فسلك بها لربه طريق المرتقى، بشهادة لا إله إلا الله، وشهادة محمد رسول الله. الخير فيه وفي أمته، إلى ساعة القيامة بمحموده لسافر حقه ووجوده. {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا مشفقون منها، ويعلمون أنها الحق}[٣١].

فهل جدد الناس إيمانهم في كل وقت وحين، مع من تجدد بينهم، كلمات للـه، وأئمة لهم، مصابيح هديهم، وأبواب طريقهم، في كل وقت وحين؟ أم أن الناس يستهترون بأمرهم، ولا يتواصون بالحق بينهم حتى تلتئم قلوبهم، في تجمع نفوسهم، في تواصيهم بالحق، وتواصيهم بالصبر؟ هدانا الله وإياكم سواء السبيل.

إن الله انفرد بمكانته بأحده لواحده إنسانا، وانفرد الرسول بإنسانه له عنوانا، وقام عيسى بآدمه وإنسانه لهما كلمة وقدوة وإماما. فكان الرسول بإنسانه عروة وثقى لقبله وعاليه، يقومها لمرتقاه إنسان بعده لدانيه، فكانت أعلام البيت لأحدية ثالوث بالآب والأب والابن للحق الواحد بإنسانه، أبوة وبنوة وأمومة، مثلها في الله قضايا فيه آدم وعيسى ومحمد وجمعها لمعناه إنسان الخضر أو الروح الأمين، بذلك كان الآب أو إنسان الغيب أبوة، وكان الرسول له ومنه أمومة، وكان الكلمة فيهما بنوة وأخوة.

اللهم يا من جعلت من محمد لنا كوثرا… وجعلت به فينا لنا مخبرا، وبه إلينا عنك خبرا[٣٢]… اللهم به فارحمنا، وبه فعلمنا، وبه فوفقنا، وبه فسدد خطانا، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين، مستقيمين ومنحرفين.

اللهم به فوثق بين جمعنا، وألف بين قلوبنا، وزكي نفوسنا، وطهر قلوبنا، وأنر عقولنا، وقوم جوارحنا.

اللهم به لنا فأعلِ كلمة الحق بيننا، وأعلِ كلمة الحق بنا، وأعلِ كلمة الحق لجمعنا، وأعلِ كلمة الحق لأمتنا، وأعلِ كلمة الحق لبشريتنا، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

اللهم به فأنزل سكينتك على قلوبنا، والسلم والسلام على أرضنا، وادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم.

اللهم به فانزع نزوة الخصومة من قلوبنا، واجعلنا به أحبابا متلاقين، وإخوانا متوادين، وجنودا مدربين، مجاهدين، موجَّهين، في طريق الحق متجهين، إلى غاية قاصدين، وعلى أمر متجمعين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

اللهم به فخذ بنواصينا إلى الخير، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، غافلين ويقظين.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شريف: "لا يؤمنُ أحدُكم حتَّى يكونَ هواه تبعًا لما جئتُ به "، أخرجه ابن أبي عاصم، والخطيب، والبيهقي باختلاف يسير. ↩︎

  2. سورة البقرة - ٢٥٦ ↩︎

  3. إشارة إلى الحديث الشريف: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ، وَاللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ.” صحيح البخاري. "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. "متفق عليه. ↩︎

  4. من حديث شريف: “جاء رجل إلى النبي فقال إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق فقال صلى الله عليه وسلم: إن صلاته ستنهاه.” صحيح ابن حبان، ورواه أحمد في مسنده، والبيهقي في شعب الإيمان، والبزار في مسنده. ↩︎

  5. سورة طه - ١٤ ↩︎

  6. من الحديث القدسي: “إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي ولِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ.” أخرجه البخاري ↩︎

  7. حديث شريف ذات صلة أخرجه البيهقي في ((الشعب)) بسند ضعيف. كما رواه الطبراني. أما معظم كتب الأحاديث لا تعترف بهذه الصياغة، وتقول: يؤدى معناه ما أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأحمد، من حديث معاذ بن جبل الطويل وفيه: (… فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده، وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد). ↩︎

  8. عن علي ابن أبي طالب _ رضي الله عنه ـ قال: سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سنته فقال: المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة. ا المحدث: العراقي. وذكره الغزالي في الإحياء، والقاضي عياض في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ومعظم المتصوفة. ↩︎

  9. سورة الحشر - ٩ ↩︎

  10. من حديث شريف: “المسلمُ أخو المسلمِ، لا يخونُه، ولا يكذِّبُه، ولا يخذُلْه، كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ، عِرضُه، ومالُه، ودمُه، التقوى ها هنا وأشار إلى القلبِ بحسْبِ أمرئ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاه المسلمَ”. الراوي: أبو هريرة. أخرجه الترمذي باختلاف يسير، وأخرجه مسلم مختصرا. ↩︎

  11. حديث شريف: “ألا أُخْبِرُكُمْ بالمؤمنينَ؟ مَنْ أَمِنَهُ الناسُ على أَمْوَالِهمْ وأنْفُسِهمْ، والمسلمُ مَنْ سَلِمَ الناسُ من لسانِهِ ويَدِه، والمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نفسَهُ في طَاعَةِ اللهِ، والمُهاجِرُ مَنْ هجرَ الخَطَايا والذَّنُوبَ”.  صحيح ابن حبان. ↩︎

  12. حديث شريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  13. سورة آل عمران - ١١٠ ↩︎

  14. لهج: أولع بالأمر فثابر عليه واعتاده ↩︎

  15. سورة الشعراء - ٢١٨:٢١٩ ↩︎

  16. سورة الفجر- ٢٧ ↩︎

  17. سورة الفجر - ٢٩ ↩︎

  18. هي الماشية التي تعتمد في غذائها على الرعي في المراعي الطبيعية، وليس على العلف الذي يوفره صاحبها. ↩︎

  19. من حديث شريف: “حياتي خيرٌ لكم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم فما رأَيْتُ من خيرٍ حمِدْتُ اللهَ عليه، وما رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم”. أخرجه النسائي والطبراني. ↩︎

  20. من الحديث الشريف: “لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الدِّينِ ظاهرينَ، لعدوِّهم قاهرينَ، لا يضرُّهم مَن خالفَهُم؛ إلَّا ما أصابَهُم مِن لأواءَ حتَّى يأتيَهُم أمرُ اللَّهِ وَهُم كذلِكَ. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وأينَ هُم؟ قالَ: ببيتِ المقدسِ وأَكْنافِ بيتِ المقدسِ”. أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. وعبارة “حتى تقوم الساعة”، من الحديث الشريف: “لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.” أخرجه الحاكم. ↩︎

  21. الصنو: الشبيه والمـِثل. ↩︎

  22. حديث شريف رواه الإمام على ابن أبي طالب كرم الله وجهه، أخرجه أبو داود، وأحمد باختلاف يسير. وجاء بلفظ “لو لم يبق منَ الدنيا إلَّا يوم لطولَ اللَّه ذلك اليوم حتَى يبعث فيه رجلًا مني-أو من أهل بيتي-يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت ظلمًا وجَورًا.” أخرجه أبو داود، والترمذي مختصرا. ↩︎

  23. حديث شريف: “المهدِيُّ رجلٌ مِنْ ولَدِي، وجْهُهُ كالكوْكَبِ الدُّرِّيِّ”. أخرجه الطبراني. عبارة يقتفي أثري يذكرها السيد رافع أحيانا مع هذا الحديث الشريف. ↩︎

  24. سورة الكهف - ١٧ ↩︎

  25. حديث شريف رواه ابن ماجه. ↩︎

  26. من حديث شريف: " أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، في الأُولَى وَالآخِرَةِ قالوا: كيفَ؟ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: الأنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِن عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فليسَ بيْنَنَا نَبِيٌّ." صحيح مسلم. ↩︎

  27. حديث شريف: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى." أخرجه الطبراني. ↩︎

  28. حديث شريف: “إن عَليّا مني وأنا منه وهو وليّ كل مؤمن بعدي.”، أخرجه ابن حبان واللفظ له، والترمذي وأحمد باختلاف يسير. ↩︎

  29. حديث شريف: “حُسينٌ منِّي، وأنا منه، أحبَّ اللهُ مَن أحبَّ حُسينًا، الحسَنُ والحسينُ مِن الأسباطِ”. رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان. ↩︎

  30. هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎

  31. سورة الشورى - ١٨ ↩︎

  32. هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎