(١٢)

إنسان هدي الرحمة لإنسان مسح الإطلاق
حياة الطريق وروح الانطلاق
عبد الله ورب الناس وسر الربوبية لكل الناس
حق العباد وقائم الأرباب للأعلى والأدنى في السفور وفي الحجاب

حديث الجمعة

١٨ رمضان ١٣٨٦ هـ - ٣٠ ديسمبر ١٩٦٦ م

نعوذ بالله حياة قائمنا، نستعينه ونستغفره قيوم حياتنا، ونتوسل إليه معيتنا، برسول الله لرحمتنا، نتابعه ونؤمنه لأمتنا، ونطمع به في رحمة الله لغايتنا، بمحمد الله، وآدم الناس.

نقومه ونشهده لصحبتنا، نرتضيه ونتواجده لقائمنا ونهايتنا، نعمل به ونستقيمه لسعادتنا، فنشهد أنه لا إله إلا الله، لا موجود في الوجود سواه، ولا عابد ولا معبود إلا إياه.

حياة قيامنا، وقيام حياتنا، وقيوم وجودنا، لقائمه بنا، نشهده لا إله إلا الله، ونقدّره الله أكبر، والله أكبر، والله أكبر في مطلق ولانهائي الوجود لله.

نرتضيه لنا، فناء عنا وتغييرا لما بأنفسنا، لبقاء نرجوه، به، بنا به نغير ما أنّا، ونتعرض لنفحات الله في أيام دهرنا، به يتوفانا الله يوم هو لنفسه يرتضينا، يوم هو لنفسه يجتبينا، فيظهر لنا فينا، لا إله إلا الله، متخلقا معنا بخلق من هو له أعلاه.

إن الزمان قد استدار به على هيئته، كيوم خلق الله السماوات والأرض من وجوده بوجوده لوجودها، في تمام وجودها لوجوده مرة ومرة ومرة إلى لا بدء إنسان الله لقديم ذكره مسيح إطلاقه لإنسان الله لمحدث ذكره وعلى صورته، قائم الناموس لإنسانية رشاده، وهو مستدير به لكل من يتابعه على هيئته، كيوم خلق الله السماوات والأرض، مرة بعد مرة، ومرة بعد مرة إلى لا انتهاء، (وتحسـب أنك جرم صغير … وفيك انطوى العالم الأكبر)[١]، {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس}[٢].

إن رسول الله، هو حقيقة دوراته لدورانه، فيه تتلاقى بداية ونهاية أزمانه، وبداية وتمام إنسانه، عنوانا لفوقيته بحقه على مكانه وزمانه. نحن الآن، في يوم من أيامه، لوجود وسفور بمحمود إحسانه، في قائم عنوانه، بمحمد وجدانه، وسماء عرفانه، إنسان وجوده، وآدم تواجده، وكلمات آدمه، وجماع إنسان كلماته، وقائم آياته، وظلال محاسنه، وصفات مفاتنه، حضرة واحدية صفاته، وياقوته أحدية ذاته، لجماع ذواته، بإنسان أوادمه، لعلميته على الأعلى بذاته وصفاته، في لانهائي تواجداته، للانهائي الأعلى لوجوده وصفاته، وهو ما تقومه وتجدده الرسالة الروحية لقديم رسالاته، في دائم رسالته وبأناجيله وآياته.

استدار ويستدير الزمان بظهوره، كيوم خَلْق الله للسماوات والأرض، رحمة، بقديم وقائم السماوات والأرض وأهلهما، ونشأة لجديد السماوات والأرض، سفورا لإنسان حقيقته، بإنسان حقه، في موجود كوثره بإنسان خلقه، نواة تكاثره لوجوده، لعلم شهوده لأعلام نشأته لكوثره في جديده في موجوده.

أعلنها صادقا، وقالها متحققا، للوجود فاتقا، وللموجود به مع موجده راتقا، إن السماوات والأرض، لجديدي هي عين السماوات والأرض لقديمي. (إن الزمان قد اسـتدار على هيئته كيوم خلق الله السـموات والأرض)[٣] (الدنيا دار من لا دار له)[٤].

وأنا لي داري، سماواتي وأرضي، ولي من الأعلى بها جواري، من حج ولم يزرني فقد جفاني، ومن جفاني، فمن له من الله بعد إنساني، {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم به مشركون}[٥]، ولتجدنّ أكثرهم لا يؤمنون بالله إلا وهم به مشركون، لا يؤمنون بالله إلا وهم في أنفسهم وبأنفسهم بالله مشركون.

سعداء وفي هناء، من هم لله، مع رسول الله يوحدون… يوم هم به مثلا أعلى لأنفسهم يرتضون… يوم هم لأنواره من نور الله يستقبلون… يوم هم معه، بظلاله يتوحدون… يوم هم ما بأنفسهم إليه يغيرون… فكيف وهو الحق… دون حجاب عنه به يتصلون؟ {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون}[٦].

ما كان لبشر أن يكلمه الله، إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو يوحي، بإذنه، برسول له ما يشاء، {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٧]. وهل كان محمد إلا الحق! وهل يزهق الحق! به أُزهِق الباطل، وبه جاء الحق، به أَزهَق الحق له باطله عنه، ومحا عاطله منه، وأظهر بالحق قادره وموجوده، وقدم من الله فاعله وجوده.

إذا كان الناس وجوها لله، ألا يكون رسول الله وجها لله لوجوه الله! ومن كان وجها لله، كيف يقبر، وعلى أي صورة يذكر؟ إنه وجه الوجوه، يوم تتجه، يوم تتوجه، يوم تصبح وجوها ناضرة، تشهد وجهها، في مرآة وجوهه، بعترته وظلاله، ببيته وآله، بحقه وحاله، بخلقه ومآله.

يقوم ويتقلب في الساجدين، بنور الله، جُعل له… بوجه الله، قام به… بحق الله، أحاط بوجوده… وقام به لشهوده… مبعوثا بالحق، ناطقا بالصدق، معلّما بالحكمة، ممتدة يده بالنعمة، به العطاء، وفي المجاهدة معه الرجاء، وفي التخلف عن ركبه الجزاء، وفي الامتثال لهديه الوفاء، وفي المخاصمة له العناء.

مصباح القلوب، يوم تحيا به القلوب، أطوار البنيان، في أطواره للعيان، يوم يرتضيه لمعناه وحقيقته الإنسان، هياكل الله من الناس، يوم تمتد يد حقيقته لاصطفاء الناس لنفسه.

اسم الله، لمن ذكر الله… اسمه اللهم… لكوثره بهم يوم تألفت قلوبهم، وتراصت أبدانهم، وتواءمت بعد خصام نفوسهم، وتلاءمت بعد علم خروجا من الجهل عقولهم، واتحدت بالحياة - بعد قطيعة بمجافاة - بنور الله قلوبهم، فكانوا بنعمته إخوانا وكانوا للإنسان عنوانا، وكانوا للحق بيتا ووجدانا.

محمد الله والذين معه… رسول الله، والذين معه، محمد رسول الله والذين معه، أمة رسالته، رسل الله… لرسول الله هو رسول الله لرسول الله، هو رسل الله لرسول الله، ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى ذات رسول الله وذوات رسل الله.

جمع روح قدس الله، لروح قدس الله، للروح الأعظم من الله، للروح الأعظم من الله، ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الروح المطلق اللانهائي لله.

بالروح كان الإنسان قلم قدرة الله، لأقلام قدرة الله، حتى إلى أقلام عرش الله، بيد الله… به كان الإنسان كتاب الله، لكتاب الله، لكتاب الله، حتى إلى أم الكتاب لله… به كان آدم وجه الله، لوجه الله، لوجهٍ لله، حتى إلى الوجه الجامع للوجوه لله.

أظهره الله للأعلى له لقائم عبده وعليه جمعه لموصوف ربه، بذلك عرف ربه، فعرف الله، فما فرق بين ربه وبين الله، لأنه لم يفرق بين الله ورسوله، لم يفرق بين مصدر علمه ومعلمه وحامل العلم إليه، روحا عليه ألقى وله لقي، هدى به الله، (لا تفرقوا بين الله ورسوله)[٨]، كيف يأتينا بهدي الله، أن لا نفرق بين الله ورسوله ويفرق هو بين الله ورسوله؟ كيف يأتينا بهدي الله، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[٩]، ولا يرتضي هو، أن يكون نبي الله عنده، أولى به من نفسه؟ فإن كان قد أضافه الأعلى إلى نفسه فكانه، فكيف نعرفه، قبل أن نضاف إليه فنكونه!

أظهره على الدين كله، فكان هو الدين كله، {أرأيت الذي يكذب بالدين}[١٠]، فذلك الذي يدعك يا من كنت الدين كله، فذلك الذي يدعك يا من آواك من طلبت ووالاك، من إليه افتقرت فبه أغناك، فكنته لمن كان له مؤمنا به في إيمان بك، فليس على دين ذلك الذي يدعك أيها اليتيم.

أُمر أن “تخلق بأخلاق من عرفت”، ومن إليه بوجودك أضفت، {فأما اليتيم فلا تقهر}[١١]، فإن وجدت يتيما على ما كنت وعلى ما لنفسك عرفت، فآوِه على ما أُويت، وإلا فما بأخلاق ربك تخلّقت فكان الدين في أن يأوي إليه المؤمنين.

فقال لنا أنا رحمة الله للعالمين أنا هدية الرب للمساكين، أنا للرب منكم يوم يقبل الهدية، يوم يقدِّم الإنسان منكم نفسه لربه، راجعا إليه بأمانة ربه بالحياة إلى من ائتمنه عليها، رادا أمانة الحياة إلى يد الحياة، برسول الله، أولى به من نفسه، وأحب إليه من ماله وولده وحسه.

{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[١٢]، (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ومن نفسه التي بين جنبيه)[١٣]، (المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[١٤].

وهل تتعطل أحكام الدين! وهل تتعطل هذه القوانين! وهل يلغى الناموس، بغيبة ذات من ذوات، لكوثر وجود، لا يختفي للشهود، يوم يطلبه الناس! {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[١٥]. وما كانت سبلنا إلا كوثر سبيلنا، وما كانت سبيلنا إلا الإنسان لله، كان محمد له كمال المثال للخلق العظيم قدوة وحقا، لمن معه تواجد، وله في نفسه بالله أوجد.

فيوم شهد أن محمدا رسول الله شهد فيها إنما هو بقائمه لقيومه لا إله إلا الله، بها قامت شهادة وجوده، ونعمة قيامه بموجوده لموجده يوم عرفه لنفسه محمد الله، يوم آمن لقائمه وعرف لمعناه من قيومه رب الجود، وجها للسيد القائم على كل موجود، فقبل من الله بمحمد الهدية فكانت له بمحمد العطية، فشهده محمدا رسول الله الذي به شرف، فأدرك كتاب التوحيد وأسقط حجاب التعديد.

إن هذه الحياة البشرية، على هذه الأرض المظلمة، الحزينة، بأسرارها الخفية، جعل الله فيها دورة ظهور خلافته المرضية، سورا {باطنه من قبله الرحمة وظاهره من قِبَله العذاب}[١٦] دارا للتكوين والاختبار، يستوفي بها الإنسان تمام إنسانه، ليدخل في إنسانية رشاده، لحضرة رحمته ووداده، بقائم إنسانيته، يصبح هو منها، ويصير هو من أهلها، يقوم بصفاتها هو أحد من أحادها، هو حق من حقائقها، هو حقيقة من حقيقتها، هو إنسان من إنسانية تواجداتها، وهو إنسانية جامعة لقائم فرده وأحد إنسانه.

بالحق نزل، يوم هو بالحق أنزل، ولنور الله نشر، يوم هو بنوره لله، نورا له، في الوجود انتشر، هو نور السماوات والأرض، لمصدر كل نور بها لواجب الوجود لها، لمن لا اسم له، لمن تنزه عن الكنه والمسمى، وترفع عن الوصف والتسمية…

من اتصفه الإنسان، بأوصافه، وهو لا وصف له، من قامه الإنسان لقيامه، وهو لا شريك له لمن ظهره الإنسان، علما، لأعلامه، وهو لا علم له، ليقوم بأعلامه بكتاب العلم عنه، وهو لا كتاب له ولا علم عنه لمن عبّد الوجود، وجوده، لمعاني العبد له، وهو لا عبد له، لأنه لا شريك له.

إن وجود العبد ووجود الرب، إنما هو أمر للإنسان، في إنسان جامع لهما أعلى في عينه لعينه بهما. إنسان، يظهر فيه لنفسه ما بين عاليه وسافله للأنا بقائمه، يراه عين عبده، لعين الرب له، فلا عبد ولا معبود فيه، بل هو أحدية حق بوجه لوجه فيه له يوم يقوم الإنسان علما، على من علمه، هو منه وإليه، ويعرفه ومن علّمه لا علم لهما ولا علمية منهما، مع المعلوم فيهما لهما بهما.

به، أشرقت الأرض، بنوره ربا لها، وولدت الأرض، أمة لمطلق الله، وليدها وسيدها، فاستوى على عرشها، لسماواتها، وقام جماع بنيها بذاتها، نائما في النيام، قائما في القيام، يقظا في اليقظى، طليقا في الطلقى، حبيسا في الحبسى، راحلا مع الراحلين، قادما مع القادمين، كليّ الوجود بمعناه، قيوم قيام قائم الوجود لمبناه، هو إنسان الله في وجود الله.

إنه الناس، لمعناه الآدم، وإنه طبقات الناس، لمعناه، ابنا للآدم، وجماع أبنائه لأسماء صفاته، إنه بكوثره، إنسانية السماء بالكلمات كما هو إنسانية الأرض وبشريتها بالأوادم والآيات قامها لجماعها، ليجمعها فيها على الأعلى لها لا بقدرته، ولكن بقدرة الأعلى لها قدرة له ممن قدّر وهدى، فقدّر به كل قادر فهدى به من لنفسه اهتدى، فكان رحمة لكلّ من به وبظلاله إلى عاليه من سافله إليه اهتدى، باقتداء مقتديه، واحتذاء محتذيه، ومتابعة متابعيه.

به تكشفت، لأهل العلم، ولأهل المعرفة، ولطالبي الحقيقة، أسرار الوجود لا بمعزل عن وجودهم، بالمخاصمة والمسالمة، وأسرار القيام، وأسرار الكيان، لا بمعزل عن قائمهم وكيانهم، مخاصمين ومسالمين للناموس.

قام به كائن البشر يوم اتحد به بالتوحد معه أمرا وسطا، بين قرين له يسفله، وحفيظ له يعلوه قام بهما وقاما به، واتحد معهما واتحدا معه، قياما لواجب الوجود ومعرفة له وعرفانا به، وتعريفا له وعلما عنه.

فعرف به، كائن البشر، يوم يستوفي معه حقه من البشرية، على ما يليق بوصفه بها “بشرا”، بشرا مكرما، بشرا مرضيا… بشرا مصطفىً… بشرا مبشرا… بشرا راجيا… بشرا آملا… بشرا متأملا… بشرا رائيا مرئيا… عرف معه معرفته من أنه أينما ولى فثم وجه الله سواء إلى داخله محاطا أو إلى خارجه المحيط به، ولا إحاطة له…

بشرا ارتد به البصر، عبر الزمان، لقديمه ولقادمه، وعبر المكان، لمحيطه، وباطنه، ومحاطه وظاهره، ارتد إليه البصر خاسئا وهو حسير حقا بعث مغيرا ما في نفسه وقد سقطت عنه حجبه.

سقط عنه رداؤه… وضع عنه وزره… انكشف له سره… كشف الله له وللناس ستره… فأظهره منه أمره، وجعله فيه جهره، وأخفاه عن مجافيه سره.

عرفه المؤمنون أولى بهم من أنفسهم، وجحده الكافرون عزيزا عن منالهم، بعيدا عن مثالهم، غريبا على حالهم، مستحيلا على أمرهم، {لكم دينكم ولي دين}[١٧]، {لا أعبد ما تعبدون}[١٨]، {ولا أنتم عابدون ما أعبد}[١٩]، حتى تستغفرونِ، وإليّ تَرجعون، فبي تَعرفون، وبي تَشهدون لا إله إلا الله والله أكبر.

بذلك كان الإنسان، كان البشر، كان الإنسان البشر، يوم يكسب مقام البشرية، كان بعينه لجماعه لفرده، قائما على عين الوجود الكوني قائم وقيوم ربه عليه، (أطعني أجعلك ربانيا، تقول للشيء كن فيكون)[٢٠]، وهو يعرف أن فوق البشرية عوالم من العالين وأن تحت البشرية عوالم من السافلين.

فما تحت البشرية، كانت له البشرية سدرة منتهى عنها انحدر وجنة مأوى إليها يعود، وحقيقة قيام لكتاب له يقرأ وبه يهتدي.

وما فوق البشرية، كان للبشرية، سماء مظلة ويد خلاص مقلة لقلقيها ومرهقيها شافية من كل علة.

كان لها بمن كان له بين ظهرانيها حياة الحقيقة، ومعارج الطريقة، وسلم الحياة، وأبواب الوجود الأعلى، للخلاص والنجاة، وموائد النعمة وساحات العناية، بأعلام الرعاية كان به لها سدرة المنتهى.

كل ذلك لنا بمن كان حقا رسولا، هو الأمر الوسط، برسالته، وهو الأمر الأعلى، بحقيقته، وهو الأمر الأدنى، برحمته جماع أمر من أمور الله لجماع حق من حقائقه وجماع أحد من آحاده.

أصبحت الأرض به أمرا وسطا، وقياما وسطا، ووجودا وسطا، سدرة منتهى لسابق وبداية للاحق لسدرة أعلى، منتهى لأدنى في لا منتهى.

ألم يقل لكم الله، على لسانه، {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل}[٢١]؟ ألم تسمعوا الله، وهو يقول له، وهو في دوام المخاطب منه، في قيامه في سلامه معه لسلامه لكم به، (اخفض لهم جناح الذل من الرحمة)[٢٢]! ألم يهده هاديا لكم، لكيما تتابعوه قدوة لهديكم، {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}[٢٣]! هل عرفتموه فظا! وهل كان بينكم فظا غليظ القلب! أم أنكم أنتم كنتم فيه معه فظاظا غلاظ القلوب بمعاملة بعضكم البعض بفظاظة وغلظة! هو إنما يؤدبكم بعاليه بتوجيه الأدب إليه لقائمكم فيه بدانيه، حتى تحرصوا على قيامكم بأمانة الحياة به وأمانة الحياة فيه.

نزعم أنّا آمنا برسول الله… هل بعد الذي سمعتم يمكن أن تعتقدوا أن هناك في عالمكم إيمان برسول الله بعد، إلا من رحم؟

إن يوم الفصل كان ميقاتا، للطاغين مآبا، لابثين فيه أحقابا، يوم يهديهم الناموس السبيل كافرين فينظرون، كما هداهم به مؤمنين فيؤجرون.

وها هي أحقاب الزمان، بقرونه مرت، بكم وبآبائكم وبأجدادكم، والرسول لابث فيكم بعترته وظلاله بينكم، وما قام بينكم لعنوانه بآدمه إلا بظل من ظلاله ووجه من وجوهه، وهو صابر لنفسه معكم بأوادمه، علَّ العمي يبصرون، علَّ الصم يسمعون، بنعمة الله ورحمته معه، {أبصر به وأسمع}[٢٤].

ها هو يحاول، باخعا نفسه على آثاركم لا يفارقكم، ولا يتعجل طريقه إلى الأعلى، تارككم في غفلتكم قبل أن يخلف عليكم، ويترك بينكم من هو عينه لكم… وسيفعل فقد بقي حيا في قبره، وفي مقابره بقلوبكم انتظارا لجديده لأمره، وسافره لسره، لقائم جهره.

ها هي الأرض توشك أن تنشق عنه مخلفا ليصعد، وها هي السماء تتفتح أبوابها له في انتظار لتسعد، وكم انشقت عنه لتدنو، بثمار شجرته ثمار هي لها وإليها، منها وفيها تصاعدت، سبحا في النهار تواجدت، ومن صفات أصلها لحقها توالدت وتزايدت، وبأصل وفرع أنارت وأشرقت أليس هو الإنسان وشجرة الإنسان!

عنه السماء انشقت، وأذنت لربها وحقت، يوم عرفته أصل أمورها، وقد أوحى به الأعلى في كل سماء أمرها، وهو منه أوحى إليه، ومنه أوحى به، ومنه جعله وحيا يوحى هيأ له أن ينزل بالحق فنزل، فبه الأرض مدت، وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت.

إنه اليوم في جديد من الأمر، إنه ما تشهدون من رسالة الروح، فهي الرسالة الروحية لرسول الله (أنا روح القدس)[٢٥] من الروح الأعظم بعد الرسالة الذاتية له من الذات الأقدس.

ها هو يجدد رسالته في السماء، لأهلها على ما يريدون، رحمة للعالمين، وها هو يجدد رسالته في الأرض لأهلها، يعرفه المفتقرون إلى حقائق أنفسهم، ويسعد به الطالبون لسلامة أمورهم، ويهنأ بوصلته المصطفون للأعلام عنهم لقائمهم بحقهم، أمر يتكشف لمن يتكشف له يوما للفصل، في أمره بعلم عما قدم وأخر، ففريق للجنة وفريق للسعير، ولكل يومه وساعته وقيامته، يوم يستيقظ من منامه أو من سكرته. إن يوم الفصل كان ميقاتا سواء في عالم الأشباح أو في عالم الأرواح للطاغين مآبا، إلى حيث بدأوا الشعور بالأنانية لابثين فيه أحقابا بعيدين عن الشعور بأناهم لهم أو بأناهم لعينهم.

إنها الرسالة، إنها الحكمة، إنها العلم، إنها رسالة الحكمة والعلم للإنسان، يقومها ويعملها وتعمل به وتعمل فيه وتعمل له، إنها الطريق، إنها الرفيق للرفيق، إنها الصديق للصديق، إنها الإنسان للإنسان، يوم تتلاقى القلوب، فتغفر الذنوب، وتعلم نفس ما قدمت وأخرت تعلم أن إلى ربها معها المصير والرجعى يوم يكشف لها عنها غطاؤها، وتتحرر من غلاف دحيتها لتنطلق في جنة وجودها، فتعرف وتقوم مملكة الله بها، في مملكة الوجود مُلكا لها.

أين هو الرب لنرجع إليه؟ أله مكان نقصد إليه فيه! أله زمان بحسبان ننتظره به! أيحده قدس بإنسان نعرفه إياه! أيجمعه وجود بعنوان نصفه به! أيحيط به شهود، هو له المشهود! إنه المنزه عن كل هذا، عند من يقدره حق قدره.

إنه الرب لا يعلم إلا يوم تعلمه النفوس في نفسها، يوم تسجد له النفوس إلى قبلتها بقلوبها، بوأنا لإبراهيم مكان البيت، وكذلك بوأنا لك مكان البيت فيك، هكذا نبوئ من يؤمن بك رسولا لنا مكان البيت فيه يوم نسوي بينكما، ونزاوجكما، فنجعله بيتا لك ونجعلك بيتا له، يوم يؤمن الناس بربهم لهم معهم فيذكرونه بغير غفلة عنه في أنفسهم، وبغير شرك به بأنفسهم.

أنت إنسان الله مرسلا. أنت نور الله معلما. أنت وجه الله مسعدا. وأنت رب الناس رحيما راعيا. وأنت ملك الناس حاكما عادلا. وأنت إله الناس قدسا مدانيا. أنت عبد الله حقا مخاللا في القلوب للمؤمنين بك الله يُشهَد[٢٦]. وأنت حكمة العقول فالعقول لعظمة الله فيك لله تسجد، وإلى بيت الله فيها ظلالا لك تقصد، قبلة مرضية لها لله في معيتها تعبد.

إن الولاية، نعمة، ممن يتولانا جميعا، تسبقها خدمة، خدمة النفس لنفسها، وإدراك العقل لسر إدراكه، بقيام الجزء ساريا في كله، في إيمان الكل بكله وقيام الكل خلف جزئه لإشهاد أمره لقائم بعضه لمعنى الابن في كله لمعنى الأب، وقيام الأب لمعنى الكل بالابن، لقائم أمره لمستقبل عينه.

أنتم الأبناء، لقديم من آباء، ومن خلالكم، وعلى أرضكم، يبعث الآباء بالجزاء، فيكونون لكم أبناء، وترفعون أنتم لمكانهم لتكونوا لهم الآباء، في دورة دائبة لكسب الحياة وكوثر البقاء، وكشف نواميس العطاء والجزاء وملء فراغ الوجود بالحياة والحياء.

هكذا دواليك، دورة الحياة في دائمها بمزيد، ودورة الزمان في الدهر بمديد، ودورة الإنسان في الحق بوليد، ودورة المكان لعالمه بجديد، ودورة الوجود للسعة والتواجد في أحد ذاته للأمر الفريد.

بهذا جاءكم رسول الله. وهو به كانه، وهو به قبل أن يكونه بينكم في سابق، في قديم كانه، وفي أقدم مما كانه كوّنه، فعرف بكائنه ما كوّنه وما كانه، فأدرك، في مطلق الوجود ما يكونه فكان إنسان العلمية على معلومه بإنسان علمه لقائم إنسان علمه.

إذا تأملتم فيما أقول، فلا تعجبوا… إن عجبكم إنما هو من بعدكم عن دينكم، ولكن الذي أنبأكم به رسول الله، عن ما كان وعن ما يكون لتعلموا به عما هو كائن، وأشفق عليكم أن يقول، عن ما كان قبل ما كان، وعن ما يكون بعد أن يكون، لأنه بكائنه كان، وبكائنه يكون، وقد علم وعلّم أن الله كائن على ما هو كائن، قبل خلقكم بما هو عليه بعد خلقكم.

ولكنه قدّم لكم من هذا العلم طرفا وطرفا، تأملوه وهو يسرد لكم تفصيل ما يكون يوم القيامة، وأنتم تقولون إن القيامة لم تقم بعد وما عرّفها إلا لأنه كان في قديم قامها وعرفها، ففي قائم برسالته كشفها في قائمها وقادمها، وقد عرف أنها في قادم تكون على ما كانت مما كانت، وعلى ما هي كائنة فيما هو كائن مما عرف وكشف.

فللقيامة دورة دائبة في الفرد والجمع… {أَنظِرني}[٢٧]… {إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم}[٢٨]… فوصفها وصف الخبير بها، وصفها وصف الخبير والبصير وصف العليم الدقيق العميق… ولم يعجم، ولكنه أيضا لم يثقل علينا، بما يجب أن ندرك، ولم يكلفنا ما لا نطيق، فكان نعم المولى ونعم الصديق.

هل قدرنا رسول الله، فكان في مكنتنا أن نقدر الله؟ إنا لا نقدر الله حق قدره، إلا يوم نقدّر الرسول حق قدره، ولن نقدّر الرسول حق قدره، أو نقدّر الله حق قدره، ما لم نقدّر أنفسنا على ما هي، على ما هي من العدم، لا تساوي شيئا وعلى ما هي من التوقيت، لا تقوم أمرا، وعلى ما هي من موت ينتظرها، فهي بحاضرها ميتة، فالموت مآلها، لا بل الموت حالها، ولكنها بأمر الله لها على خطر عظيم، يوم تحقق لها ما أريد بها. إنها لحقها هي أمر الرسول إليها، وهي أمر الآمر له إرادة بها، إنها الإرادة المطلقة للحياة وللوجود، يوم تحقق لنفسها ما أوجدت من أجله.

تأملوا عظمة ما في تعبير الطريق، في أذكاره بأوراد وروده في صلاته (أدعو إلى الحضرتين بالحضرتين)[٢٩]، هذه هي أحدية الثالوث، لأقانيم الحقائق الربانية، للحقيقة الإنسانية. ما أجمل الدعاء! وما أجمل الدعوة! وما أجمل الداعي! {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله، وعمل صالحا، وقال إنني من المسلمين}[٣٠].

بمحمد نبي الفطرة، وإنسانها حقا تواجد للعيان، زويت له الأرض وجعلت له مسجدا وطهورا للبيان أصبحت البشرية به أمة واحدة في الوجدان، فكانت أمته بالبشرية لا شرف لعربي على أعجمي بينها إلا بالتقوى أنبياء بكل لسان وفي جميع البلدان، وبكل مكان.

فهل دخلنا نحن أدعياء الانتساب إليه، في أمته! هل عنونا شرعته! هل نشرنا حقيقته! هل محونا ظلام القلوب والنفوس، بنوره فينا ساريا! هل قمناه كوثر وجوده! هل امتددنا به يد موجوده! هل أشرقنا به وجوه معبوده؟!

هو ختام النبيين هو خاتم النبيين، حار الناس من أدعياء أمته بين خاتم وختام، بين حقيقة وإعلام، بين خفاء وقيام، بين خصومة وسلام، بين حقيقة وكلام، ما كانت رسالة محمد بكلام، هل كانت الرسالة إليه بكلام!؟

ألقينا عليك روحا من أمرنا، هل كان هذا كلام؟ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا، هل هذا كلام؟ نهدي به من نشاء، هل هذا ضرب وحسام أو لجاجة وخصام، أم أنه امتداد بالرحمة والإحسان من القلوب إلى القلوب في الحب والوجدان؟

(عُدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)[٣١]، وما زال الناس يتساءلون بعد أربعة عشر قرنا، ما يكون الجهاد الأكبر؟ ومتى يكون الجهاد الأكبر؟ ألم يفصّل لكم الدين الجهاد الأكبر! ألم يقل لكم رسول الله، إنه مجاهدة النفس في شهواتها؟ ألم يقل لكم رسول الله (إن الشـيطان يجري من الإنسان مجرى الدم[٣٢]، ضيقوا مسالك الشيطان بالجوع والعطش)[٣٣]؟ فتقولون {من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق}[٣٤]، ألم يقل لكم رسول الله (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك)[٣٥]، {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة}[٣٦]؟

هل خاصمت نفسك بين جنبيك، وهي أعدى أعدائك، إن صدّقت من هديت إليه! أم أنك أمسكت بعصاك وضربت من كان بجوارك، بوصف العدو لك، وما عاداك، فبينك وبينه جدار، يمنعه أن يصل إليك ويمنعك أن تصل إليه، ولكنك تخرج من أمان دارك وتقتحم عليه أمان داره… وتتسلق إليه أسواره، ولا ترعى حرمة لجوارك، في محبة أو مسالمة جارك!

{يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها}[٣٧]، نبي السلام تجعلون منه نبي الخصام… نبي الحقيقة والروح، والنور، والرحمة، تجعلون منه نبي المهاترة والمجادلة والكلام والمادة والسلطان والغلبة.

(ما عرفني غير ربي)[٣٨]، (وا شوقي إلى أحبابي… قوم يؤمنون بي ولم يروني، [لهم من الله ما لي])[٣٩] ، على ما وعدت، وعلى ما وعد الله، لهم وبهم من الله ما بي، على ما دعوت، وعلى ما دعا الله.

فهلا جددنا إسلامنا، وهلا جددنا إيماننا، وهلا جددنا فقهنا، وهلا جددنا عقائدنا، وهلا جددنا مناسكنا، هلا جددنا أمرنا، والرسول يقول لنا، (يبعث الله في هذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمور دينها)[٤٠].، ويقول (لو اعتقد أحدكم في حجر لنفعه)[٤١]، و(المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[٤٢]، و(المؤمن مرآة المؤمن)[٤٣]، (يأكل الذئب من الغنم القاصية)[٤٤]، والكتاب يهدي {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[٤٥]، {رجلا سلم لرجل}[٤٦]، {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}[٤٧]. فهل جددنا أمور ديننا مع تجدد الرسول بيننا، أم أننا جددنا أمرنا مع تجدد الشيطان بنا؟

فهل إلى نُصب، أفضنا؟ هل حول نُصب طفنا؟ نعم إن الرسول يقول لنا، لو اعتقد أحدكم في حجر لنفعه اعتقاده مخاصمة لنفسه، ولكنا صممنا أن يكون طوافنا حول الأحجار افتتانا بأنفسنا، وانعزالا بها حتى لا نرى من القلوب لله دارا فنعرف الله لنا، يوم نعرف الرسول بيننا.

لو أننا انتقلنا بعقائدنا في الأحجار كما سنت لبدئنا للتخلص من أنفسهم من طين وتراب الأرض إلى الأحجار، من نبات الأرض من الناس {يا أبت لمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا}[٤٨]، لو اعتقد أحدكم في قلب لرجل وكان كالحجر، لا يختلف عن الأرض والمدر، لنفعه هذا الاعتقاد بالرغبة في المثال، للتخلص من التمثال، فأعدى عدو الإنسان نفسه التي بين جنبيه فهي تمثاله الضال ورسوله المضل. ففي التخلص من اعتقاده الزحزحة عن النار.

إنه لو صلح لذلك وآخى إنسانا على ذلك ظانا به الصلاحية لذلك، لأفاض أصلحهما، على أخيه، وقد يكون الصالح منهما، هو المُعتَقِد، والأقل صلاحا هو المُعتَقَد، ولكنها قدسية الحب، قدسية المخاللة، قدسية الصحبة، فيفتح الله ببركة المــُعتَقِد، على قلب المــُعتَقَد، ويشرق بنوره من قلب أحدهما على كليهما، فيمحو ظلام قلبيهما وقلوب من يلوذ بهما، يوم هم يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر، فلا كبير ولا صغير بينهم بالله لهم لفردهم وجمعهم، (الزم الجماعة)[٤٩].

(المؤمن مرآة المؤمن)[٥٠]. وكيف يؤاخي مؤمن، أخا بالإيمان، مجاهدا صابرا محتسبا، ولا يؤمن! هل قام على ذلك فقه في دينكم أو في جماعاتكم، أو في مذاهبكم، أو في طوائفكم أو في طرائقكم! لا تظلموا أنفسكم فتقولون إننا المسلمون!

فكروا في الإسلام لتسلموا، وابحثوا عن من معه إليه تُسلمون، فالإسلام لا يكون إلا من مسلم لمشاهد بالإسلام على ما عرّف عنه الدين يسلم له فالمسلم الأول للمسلمين هو رسول الله، يمنون عليك موجودا مشهودا - أن أسلموا {قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم، أن هداكم للإيمان}[٥١].

فليس هناك طريق للاهتداء للإيمان إلا بالإسلام، وليس هناك إسلام، ما لم يكن هناك مسلِم ومسلَم له، {وخلقناكم أزواجا}[٥٢]، ليكن هذا فقهنا، فلنسلِم لآبائنا، فلنسلِم لأمهاتنا، فلنسلِم لأعمامنا، فلنسلِم لأخوالنا، فلنسلِم لمعلمينا، فلنسلِم لقادتنا، فلنسلِم لأي شيء نرتضيه لمثاليتنا لأنفسنا، حتى نكون مسلمين، حتى يمكن أن يتكشف لنا فينا شيء من الدين، يوم نصدق ويوم نعمل، ويوم نجاهد.

{الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، تتنزل عليهم الملائكة}[٥٣]، في قائمهم، في حاضرهم، في موجودهم، (تخاطبهم الملائكة في الطرقات وفي الفرش)[٥٤]، أن أبشروا، وقد زحزحتم عن النار، فأبشروا وقد أدخلتم الجنة، أبشروا وقد ذقتم قطوفها دانية، أبشروا وقد عرفتم أنه لمن خاف مقام ربه جنتان، نحن معكم، {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا}[٥٥] على ما تشهدون، {وفي الآخرة}[٥٦]، على ما ترتقبون، برقيكم نرتقي، وبخدمتكم، نجزى من الأعلى علينا وعليكم.

هذا هو دينكم، فهل أنتم في دينكم حقيقة؟ {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[٥٧]، اسألوا أنفسكم بينكم أمام ضمائركم، وحكموا ضمائركم لكم أو عليكم، حكموها في شأنكم واسألوها في أمركم، فإن حكّمتموها، فارتضوها، في حكمها، وتابعوها في قولها، (استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك)[٥٨]. إن في الإنسان ضمير صادق، لا يكذبه، فلا تنافقوا مع ضمائركم، لا تخدعوا عقولكم، لا تضللوا نفوسكم، ولكن أيقظوا ضمائركم من سباتها، يصلح أمركم، ويصلح حالكم، وهذا هو الطريق في اتجاهكم إلى جوانيكم، فيسعد بكم برانيكم، وهذا هو دين الله ودين الإسلام، ودين الفطرة، يبدأ دائما من مسلم، هو ثمرة شجرة الحياة ومنه يمتد ويتواصل، به يدعى كل أناس بإمامهم. كان الرسول طابع كل مسلم وأول كل أولية لعابدين وشهيدا على الشهداء، ومشهود كل مشاهد، لا إله إلا الله، بمحمد رسول الله، وهو ما تجدده الرسالة الروحية في عصركم برسالتها، لتسمعوا صوت الحق من وراء حجبه بالوسطاء من جميع مستويات الإنسان له في مراقيه بمعارجه، ارتداد عمل البشرية إليها، انتهاءً لليل من ليالي غفلتها، وبداية لفجر نهار لها، لتستيقظ من منامها بعثا بصباحها على ما كان من أمرها في قديم من أيامها، وعلى ما يمارس مفرداتها الحياة بين النوم واليقظة أو موت والحياة بكرات الليل والنهار في أيامهم المتعاقبة، كأجزاء للزمن المتواصل المتصل في الدهر الدائب.

اللهم يا من أوجدت لك فينا الضمائر، وهديت بها منا كل ضال وحائر، اللهم أيقظ ضمائرنا، وأحيِ قلوبنا، وأنر عقولنا، وحرر أرواحنا، وقوم جوارحنا، وابعث بالوجود لك هياكلنا.

اللهم بمحمد على أنفسنا أعنا، اللهم بمحمد على فساد أمرنا فانصرنا، اللهم بمحمد من ضيق نفوسنا وعقولنا حررنا، اللهم بمحمد، فارفع يد المقت والخصام عنا، اللهم بمحمد فأنزل سكينتك على قلوبنا، والسلم والسلام على أرضنا.

اللهم بمحمد فألف بين قلوبنا، ووحد جمعنا، ويسر أمرنا، وارفع شعار لا إله إلا الله بنا، أعلاما عليها، لقائميها ولا يعلمون، لجاحديها بها لها يسلمون، يوم هم معها يسالمون، وأمرهم بينهم يستقيمون، وأمرهم فيهم بغفلتهم لا يعمهون.

اللهم فاكشف حجاب الغفلة عنا، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، غافلين ويقظين، آمين ومؤتمين، جاهلين وعالمين، مستقيمين وملتوين.

اللهم اكشف عن جزائك للمحسنين، واكشف للناس يوم الدين قائما في دوام وفي يقين، حتى يستيقظ الغافلون ويؤمن الجاحدون.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. من قصيدة شعر للإمام عليّ كرم الله وجهه: وَتَـحْـسَبُ أَنَّـكَ جِـرْمٌ صَـغِـيرٌ … وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ ↩︎

  2. سورة غافر - ٥٧ ↩︎

  3. حديث شريف: “إن الزمان قد اسـتدار كهيئته يوم خلق الله السـموات والأرض.” أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود. ↩︎

  4. حديث شريف: “الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له.” أخرجه أحمد في مسنده، والبيهقي. ↩︎

  5. سورة يوسف - ١٠٦ ↩︎

  6. سورة الحجرات - ٤ ↩︎

  7. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  8. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  9. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  10. سورة الماعون ١ ↩︎

  11. سورة الضحى -٩ ↩︎

  12. سورة النساء - ٦٥ ↩︎

  13. إشارة إلى الحديث الشريف: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ، وَاللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ.” صحيح البخاري. "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. "متفق عليه. ↩︎

  14. حديث شريف: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎

  15. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  16. سورة الحديد - ١٣ ↩︎

  17. سورة الكافرون - ٦ ↩︎

  18. سورة الكافرون - ٢ ↩︎

  19. سورة الكافرون – ٥ ↩︎

  20. حديث قدسي يرد في بعض كتب المتصوفة والشيعة، جاء في الأثر بلفظ “يقول الله عبدي أنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون، فأطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون”. ↩︎

  21. سورة الإسراء - ١٠٥ ↩︎

  22. استلهاما من {واخفض جناحك للمؤمنين} سورة الحجر – ٨٨، و{واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} سورة الشعراء - ٢١٥ ↩︎

  23. سورة آل عمران - ١٥٩ ↩︎

  24. سورة الكهف - ٢٦ ↩︎

  25. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  26. تم تشكيل هذه الكلمة وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎

  27. سورة الأعراف – ١٤ ١٥,{قال أَنظِرني إلى يوم يبعثون. قال إنك من المنظرين} ↩︎

  28. سورة ص – ٨٠ و سورة الحجر – ٣٨, ٣٧ {قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} ↩︎

  29. من ورد “الياقوتة” للسيد محمد الفاسي المغربي الكبير، من أئمة الشاذلية. “فأكون نائبا عن الحضرتين بالحضرتين” ↩︎

  30. سورة فصلت - ٣٣ ↩︎

  31. حديث شريف ذات صلة: “رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب.” رواه البيهقي، ورواه الخطيب البغدادي بنفس اللفظ وبلفظ آخر: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه." ↩︎

  32. إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الشـيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.” أخرجه مسلم والبخاري. وكذلك: “فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، قلنا ومنك يا رسول الله؟ قال ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم.” أخرجه أحمد بلفظه، والترمذي والدارمي. باختلاف يسير. ↩︎

  33. وفقا لحديث شريف ذكره الإمام الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين” أن الرسول قال لعائشة: ضيقي مسالك الشيطان بالجوع. ↩︎

  34. سورة الأعراف - ٣٢ ↩︎

  35. حديث شريف. أخرجه البيهقي. كما أخرجه الطبراني بلفظ: “ليس عدوُّك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة، وإذا قتلته كان لك نوراً، أعدى عدوِّك نفسك التي بين جنبيك.”. ↩︎

  36. سورة آل عمران - ١٤ ↩︎

  37. سورة النور - ٢٧ ↩︎

  38. حديث ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ↩︎

  39. استلهاما من الحديث الشريف: (مَتَى أَلْقَى أَحْبَابِي؟)، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَا أَوَلَسْنَا أَحْبَابَكَ؟، فَقَالَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي، أَحْبَابِي قَوْمٌ لَمْ يَرُونِي وَآمَنُوا بِي، وَأَنَا إِلَيْهِمْ بِالأَشْوَاقِ لأَكْثَر. رواه أبو الشيخ الأصبهاني في " ثواب الأعمال "، كما في " كنز العمال "، والقشيري في " الرسالة “، والديلمي في " الفردوس.” ↩︎

  40. إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داود والحاكم. ↩︎

  41. حديث مشهور على الألسنة بصيغة: “لو حسن أحدكم ظنه في حجر لنفعه.” يوصف بأنه موضوع ولا أصل له. ↩︎

  42. حديث شريف: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎

  43. حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎

  44. حديث شريف: “ما من ثلاثةٍ في قرية، ولا بَدْو لا تُقَام فيهِم الصلاةُ إلا قد استحوذَ عليهم الشيطانُ، عليكَ بالجماعةِ فإنّما يأكلُ الذئبُ من الغنمَ القاصيةَ”. أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد باختلاف يسير. ↩︎

  45. سورة سبأ - ٤٦ ↩︎

  46. سورة الزمر - ٢٩ ↩︎

  47. سورة الشرح - ٧و٨ ↩︎

  48. سورة مريم - ٤٢ ↩︎

  49. من حديث شريف: “ما من ثلاثةٍ في قريةٍ ولا بَدْو لا تُقَام فيهِم الصلاةُ إلا قد استحوذَ عليهم الشيطانُ، عليكَ بالجماعةِ فإنّما يأكلُ الذئبُ من الغنمَ القاصيةَ”. أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد باختلاف يسير. ↩︎

  50. حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎

  51. سورة الحجرات - ١٧ ↩︎

  52. سورة النبأ - ٨ ↩︎

  53. سورة فصلت - ٣٠ ↩︎

  54. إشارة إلى الحديث الشريف: “والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم.” صحيح مسلم ↩︎

  55. سورة فصلت - ٣١ ↩︎

  56. سورة فصلت - ٣١ ↩︎

  57. سورة الذاريات - ٢١ ↩︎

  58. من الحديث الشريف “استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك.” أخرجه أحمد بن حنبل والدارمي. ↩︎