(١١)
رسول الله من وإلى آدم
قديمه وجديده. والده ووليده
في دورته الخالدة بالأنا والهو بين الخلق والحق
في رسالة خالدة إليه من قيومه، ورسالة خالدة منه من قائمه
حديث الجمعة
١٢ شعبان ١٣٨٦ هـ - ٢٥ نوفمبر ١٩٦٦ م
بسم الله الرحمن الرحيم، ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وبعباد الرحمن رحمة منك إلينا، اقبل شفاعتهم فينا، ورحمتهم بنا، وبرحمتك فتولَنا، لا نبرئ أنفسنا، ولا ننكر توفيقك لمن وفقت من بيننا.
اللهم فرد هذا البلاء عن عالمنا، وأنزل السلام على أرضنا وبلادنا، وأنزل سكينتك على قلوبنا.
اللهم إنا لا نعترض قضاءك، ولا نخاصم بلاءك، ولكنا لا ينقطع فينا إليك رجاؤك، ولا يرتاب ولا يهتز في عقولنا وقلوبنا، ونفوسنا، إليك ولاؤك.
اللهم برسول رحمتك، وعلم شفاعتك، وبيت رضوانك، وحوض إحسانك، فادفع عنا، ما قضى عدلك فينا، برد أعمالنا إلينا، فبأعمالنا لا تعاملنا، وعلى ما يليق بك فارحمنا.
عبـــــاد الله…
أما آن لكم أن تستيقظوا في الله، فتخشع قلوبكم لذكر الله، وترضى عقولكم بكتاب الله، فتسعدوا برسول الله، فتجزوا بهدية الله، فتقبلوا قبلة الله، وتطوفوا ببيت الله، حوله عاكفين، ركعا ساجدين، لله موالين، وبالحق عارفين، وبقرب الله مؤمنين، ولرحمن الله موالين، له مسلمين وبه مؤمنين وتعالى الله عما يصف الجاهلون، وعما يذكر الغافلون، وعما يردد الضالون، وعما يدبر المضلون.
عبــــاد الله…
أما آن لكم أن تعرفوا ربكم فيكم، في بيته منكم بقبلته لكم، فتُرجعوا البصر إلى أنفسكم، وتطلبوا الحق بين جوانحكم قائما، في مشكاة صدوركم مشرقا، بمصباح قلوبكم منيرا مشعلا، الله من ورائكم بإحاطته، أنتم له الوجوه، والله قائم على كل نفس بما كسبت، كسبت رحمانها راحمة، أو خسرته فقامت شيطانها ظالمة.
إن المعركة الكبرى بين جوانحكم، والمعركة الصغرى بين قوالبكم، والمعركة العشواء بين نفوسكم، والمعركة الهادفة بين عقولكم، تتلاقى على الله مشهودا، وتختلف على الله معبودا يوم تعقله موصوفا أو تنزهه معروفا، فتقوم في أوصافه وجوها متآلفة متفقة أو أسماء صفات متباينة متسقة.
إن الله، هو موضوع حياتكم، وهو حياة معانيكم، وهو روح مبانيكم، أنتم فيه بيوت ذكره، قلوبكم لبناتها… فهلا تجمعت لبناتكم، باتحاد قلوبكم، بتلاقي عقولكم، في استقامة نفوسكم فقمتم لله، أنتم منه، وأنتم إليه، فربحتم كرتكم، وما فرطتم في أمركم، فشهدتموكم ذكرا لله محدثا، لذكر من الله قديم.
كان الرسول بينكم لقديمه، ذكرا لذكر، وهو لكم دائما في حياة وجودكم، ذكر لذكر، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[١]، {فلا وربك لا يؤمنون، حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليما}[٢].
تردد ألسنتكم اسمه، بترديد لفظ الله، ولا واقع له في حياتكم، ولا قيام له بكم في قيامكم، إنكم في قيامكم به تدرون أو لا تدرون، تعرفون أو لا تعرفون، تكتشفون أو لا تكتشفون، أنتم في قيامة به، أنتم فيها المنظرون، إلى اليوم المعلوم لسابقٍ سبق أن كشف لكم، وفي لاحق سوف يكشف لكم، وهو في قائم، لا يمتنع عليكم إن جاهدتم أن تكشفوا لأنفسكم، مستعينين بالله، معانين منه، على كشف الحجاب عنكم ورفع النقاب لكم.
كان محمد في ذلك، أولية لكم به تتابعونه عليها يوم تقومون في دينه، فتجددون دينكم وإيمانكم، مع لمحاتكم وأنفاسكم، كما فعل بسنته أمامكم، معاملة مع نفسه، اتقاءً للمعروف له لمعنى ربه.
عرفه دون كتاب، وعرفه قبل رفع الحجاب، وعرفه قبل أن يأتيه المــَلَك، وعرفه قبل أن يَملِك نفسه، بدين الفطرة، فانطوى على نفسه طلبا له، فوجهه وجهته فاتجه إلى قلبه، وصبر في أمره، وتواصى بعقله مع نفسه، في دائرة عالمه وذاته، يعنيه أمر نفسه، قبل أن يفكر أو يعنيه أمر غيره، متأملا متبصرا فيما حوله، متقيا ربه في كل ما قام فيه.
قام في ناموس الله مستقيما عليه، قبل أن يتكشف له ناموس الله معلما به… اتقى الله فعلَّمه الله… طلب الله فقاربه الله… حار في الله فهداه الله… وافتقر إلى الله فأغناه الله… ورآه منقطعا عمن يحب، يتيما في معناه، فآواه الله.
وبما فعل الله له، جعله قدوة به، وبجعله قدوة به، كان رسول الله، وكان الحق من الله، وكان قدسية العبد في الله لا ينفصل عن مولاه، (لا تفرقوا بين الله ورسوله)[٣].
أَكْبَره الله، بما أظهره من خلقه به، فكَبَّره الله، وكَثَّره الله، وأكثره الله، فرَدَّه إلى حقه القديم، أصلا لحقائق، ووعده ببعث بجديد حق مستديم عين قديمه في الله، فشرفه جماع حقائق الله، آدم الله كان، وآدما قبل آدم كان، وآدما وآدما كان، حتى كان قديما في الله قديم إنسان الله، فآدما بيننا وجد، وآدما بيننا تواجد، آدما وآدما كان، وآدما وآدما يكون، حتى يكون قائم إنسان الله.
فهو الإنسان لله في أزله، وهو الإنسان لله في أبده وهو قيوم الإنسان لله على قائم آدمه الإنسان للخلق، أزواجا في قديم تواجد إنسانا وإنسانا يمتزجان، وأزواجا يتواجد إنسانا وإنسانا في محبة الإنسان لمعنى الله يتحدان، وأزواجا يبقى إنسان لإنسان رجل سلم لرجل، إلى أبد مراد، على ما أراد الأزل بما أراد، أزواجا يتواجد، إنسانا وإنسانا في قائم الإنسان، خلقناكم أزواجا في حاضر على ما تشهدون، وفي قديم على ما تذكرون، وفي قادم على ما تأملون.
إن الإنسان والإنسان يتحدان، في إنسان لإنسان. هذه هي أقانيم الإنسان لقائم الرحمن هي أقانيم الحق، هي أقانيم الحقائق في الله ذي المعارج، تتآلف القلوب، فتُفرج الكروب، وتَمَّحى العيوب ويقوم الحق المطلوب، {وألف بين قلوبهم}[٤]، (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا)[٥]، (المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد)[٦]. (لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها)[٧]. إن الله يُعرف للقلوب، يوم تتلاقى القلوب على حبه، {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}[٨]، (الله محبة)[٩].
إن دنيانا في عصرنا مظلمة، معتمة، ظالمة، قاتمة، لفقدان التلاقي للقلوب، لانعدام المحبة بين الناس، يتزاحمون على الجيفة، ويتلاقون على الشيطان، لا يفرقون بين البهتان والإحسان، فالشيطان والرحمن عندهم سيان، كلاهما يذكر لموصوف السلطان، وأين سلطان من سلطان!
أين سلطان البهتان من سلطان الرحمن! أين سلطان الفتنة من سلطان النعمة! أين سلطان النقمة من سلطان الجزاء والعطاء! أين آدم الرحمن من آدم الفتنة بالطغيان! كلاهما آدم، إنهما آدمان للوجود تواجدا بالنور وتواجدا بالظلام، ولكن من مثّل ظلام الطغيان قام فتنة، ومن مثّل نور الرحمن قام هداية ونعمة.
أين أبو الفتيان، من أبي سفيان! أين أبو الحسنين من أبي اليزيدين! أين أبو العلم من أبي الجهل! أين أبو الماء من المزن، من أبي لهب للتعاسة والحزن! أين أبو السكينة وعلم السجود، من أبي الخسران وعلم الكنود!
لقد أظهر الله نصب رحمته، وبيت حضرته، يوم أظهر بيوت الظلام، معه في القيام، حتى يعرف الناس ويميز الناس الخبيث من الطيب.
فهل ميز الناس؟ هل أدرك الناس؟ هل قدّر الناس؟ هل فهم الناس؟ هل اتبعوا ما جاءهم به كتاب الله؟ هل واصلوا سيرهم خلف رسول الله؟ {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا}[١٠].
هل أدرك المتأخرون من انقلب على عقبيه، ومن لم ينقلب على عقبيه؟ هل أدرك المتأخرون من كان رسول الله بينهم؟ هل كان خلقا أم كان حقا؟ هل كان فردا أم كان بيتا؟ هل كان رجلا أم كان جمعا؟ هل كان لله وجها أم كان لله كل الوجوه؟ هل كان لله اسما أم كان لله كل الأسماء؟ هل كان لله اسما من أسماء ووجها من وجوه؟ أم كان اسم الله الجامع للأسماء ووجه الله الجامع للوجوه؟
لقد كان اسم الله العظيم وكان اسم الله الأعظم وكان اسم الله الذي لا يُدرك ولا يُعلم وكان اسم الله الذي لا يغيب ولا يحتجب، كان الحق من الله، كان كتاب الله وأم الكتاب، كان كتب الله والأقلام والألواح، كان في الله المساء والصباح والمساء والصباح.
كان بالله في الله للناس سكينة الليل ومعاش النهار، كان الأيام والشهور، كان القرون والدهور، كان الحق القديم والمبَشّر بالحق القادم لكل نفس، الله عليها القائم، (ما أعطيته فلأمتي)[١١]، وكان الحق القائم لطالبه، (من رآني فقد رآني حقا)[١٢]، (لكم من الله ما لي)[١٣]، (ما عرفني غير إلا ربي)[١٤].
من طلب الله معي كان وجه ربي لي فعرفني، يوم كنت منه، وفَخَرْتُ به، وقد صار حقي، وكنت منه خلقي، فأنا لا أنفر من خلقيتي، ولا أستعلي ولا أستكبر بحقيتي، أنا المبعوث في كل من بعث بالحق فأنا الحق الذي يبعث، أنا نور الله الذي يقوم ويتقلب في الساجدين، بهم لربي أسجد، وبهم لربي أَعْبُد وأعبّد.
أنا بالحق له المعبود، وأنا بالحق به العابد، أنا الحق الذي امتزج فيه العابد بالمعبود، تواجدت أزواجا وكنت في أزل أزواجا، وسأبقى إلى أبد أزواجا، وأقوم معكم أزواجا، وأظهر لكم أزواجا من جسد وروح، من ذات ولطيفها، من مقيد ومطلقه، من حق وظله، من خليل وخله.
أنتم معي، إن لربي صدقتم كنت لكم العبد، وأنا بصدقي مع ربي لكم وجه المعبود، وهيكل الوجود، فإن قبلتموني لمثاليته عينَه، قبلتكم لمثاليتي عيني، وظهرت منكم عبدي، وقمتكم ربي.
أنا التوحيد… أنا لا إله إلا الله… أنا الله أكبر… أنا الغيب… أنا الشهادة… أنا أنتم إن وحدتم… وأنتم أنا إن حيَيتُم… فاقديَّ إن عني تخلفتم، والحياة لكم جانبتم فأعدمتم وفنيتم.
أنا الرحمة المهداة، من القائم المطلق، من الواحد الأحد، ممن لا شريك له مني، ولا شريك له منكم، فإلى متى تبقون في شرككم به بموجودكم بعيدا عنه فيوم أقوم الحق، سافرا لكم، تكفرون بشرككم، وتعرفون من كان وجه الله بينكم!
{أولم يروا أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}[١٥]، {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[١٦]، فمن الذي جاء الأرض!؟ وما أطرافها التي أُنْقِصت منها؟ قل إنما أنا معكم أنتظر مع المنتظرين، ومعكم أنطلق بالمنطلقين ومعكم أحيا بكوثري مع من يطلبون الحياة، ومعكم أموت مع من يطلبون الموت.
أنا الحق الوليد، أنا الأب الجديد، أنا القديم العتيد، أنا وجه الله الذي يعود ولا يعود، والذي يتجدد ولا يتجدد في الوجود، أنا عَلَم الله، أنا اسم الله، أنا عبد الله، أنا إنسان الله، أنا رسول الله، أنا الحق من الله.
فمتى تستيقظ منكم الضمائر؟ ومتى تتحرر منكم السرائر؟ ومتى تنطلق حوله العقول؟ ومتى تشعل من ناره النفوس؟ إنه شعلة الحياة، إنه مصباح المشكاة، إنه لكم الزجاجة والمثال، يوم تُصْلَح لكم الأحوال، فترتضون به الاقتداء، وتستعينون بشفاعته على البلاء فيحيا في دوام في نفوسكم بوصلته الأمل والرجاء، إنه لكم السكينة، وإنه لكم السفينة، وإنه لكم الأرض الأمينة، وإنه لكم البيوت السعيدة، وإنه لكم الحضرات الجديدة، وإنه بكم، يملأ فراغ الوجود بالحياة.
فبماذا ذكرنا رسول الله؟ وبماذا عرفنا رسول الله؟ هل نعمناه؟ هل سعدناه؟ هل لأنفسنا قبلناه؟ هل لغايتنا في الله ارتضيناه؟ هل جددناه؟ هل بُعِثْنَاه؟ هل تكلمناه؟ هل كتبناه؟ هل كتبا كناه؟ هل أشجارا باسقة حييناه؟ هل ثمارا منه كسبناه؟ هل أكلناه؟ هل طعمناه؟ هل شربناه؟ هل ارتويناه؟ هل حرثنا أرض أنفسنا له، وهيأناها لانشقاقها بمعناه؟
تنشق أرض القلوب عنه، يوم ينزل عليها ماء الحياة، فتهتز وتربو، وتلد الأَمة سيدها، وتشرق الأرض بنور ربها. (الملك من ملك نفسه)[١٧]، السيد من ساد نفسه، المتحرر من حرر عقله، المحب من أشعل ذاته، الحارث من حرث قلبه، المشرق من فتح لنور الله صدره، من عرَّض للشمس أرضه، الحي من أحياه عمله، والسعيد من أسعده إيثاره، والدائم من أدامه اصطفاؤه.
والموجود من انشق عنه قمره ومن تواجده ولده، من كان الابن، ثم كان الأب، ثم كان الجَدّ، ثم كان الغيب قياما لإنسانه أبا وآبا للجد والابن جامع، من كان الإنسان لله في بيته، من كان الإنسان لله على أرضه، من كان الإنسان لله في سمائه، من كان الحق لله في ولائه، من كان الحقيقة لله في عمله، من كان الوجود لله في رسمه، من كان اسم الله لهيكله، ورسول الله لكتابه، وعبد الله لحقه.
إن اسم الله، ورسول الله، وعبد الله، حق واحد في الله، وإلهٌ واحد بمعناه، فلِمَ تجافون لما جاءكم به رسول من رسل الله، عَرّفكم أن الإنسان الأب والإنسان الابن والإنسان الروح للإنسان الكبير، حق واحد وآله واحد وإله واحد، وإنسان واحد، ووجود واحد، في الموجود اللانهائي، فيمن ليس كمثله شيء فيمن لا شريك له، فيمن لا اسم له، فيمن لا مسمى له، في واجب الوجود، لموجود لإنسان له؟
هل توحدت قلوبكم متآلفة متحابة، فأدركتم ما تكون الوحدانية، فعَرَّفتم عن الوحدانية، وآمنتم بالواحد الأحد فلم يظهر الله لكم ولم يظهر الله بكم؟ إن الإنسان ظهر به الرحمن قديما، ويظهر به قادما، وهو ظاهر به قياما فيمن يصطفي من عباده.
إنسان الله إنما هو أحد من آحاد، وصمد في صامد وآحاد في واحد آحاد، عرفت الأحدية يوم توحدت، وعرفت الأحد يوم مثّلته، بأحدها لوجودها.
المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد، يقومون بالقلب الواحد ويقومون معنى الواحد، وظاهر الواحد، لباطن الواحد، أعلام الأحد لأحديتهم وأحدهم عند المتوحد معهم على حقهم وأهدافهم.
ألف بين قلوبكم. لو أنفقتم ما في الأرض جميعا، ما تمكنتم أن تؤلفوا بين قلوبكم، ولكنه هو الذي ألف بين قلوبكم، لتصبحوا بنعمته إخوانا. ما ظهر الله في الأشياء، مثل ظهوره في شيئكم لمعنى الإنسان. وما ظهر للأشياء، مثل ظهوره بالأشياء ببشرية أرضكم، فلا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله.
إن الله للرب، على ما هو للمربوب تماما، فالرب إنسان والمربوب إنسان، هما في الله سيان، وجه لوجه يتناظران وينظران ويتراءيان ويريان، وجوه ناضرة لوجوه لمعاني ربها ناظرة.
هل يُنْظَر المطلق اللانهائي، إلا بمقيد لمقيد؟ إن مقيدات الله في الله، لا ترى في معاني الرفاق الأعلى إلا مقيدات في الله، في الله ذي المعارج، رفع بعضكم فوق بعض درجات وهو في الآخرة رافعكم درجات، وأكثر تفضيلا.
وأنتم في دنياكم، وفي أخراكم، ما زلتم للحق تنشدون ويوم أنكم في الحق تدخلون، فلا درجات، ولا بدايات، ولا نهايات، ولكنكم فيه إنسانية الرشاد، لمعاني آيات وكلمات، يوم تَظْهَرون في عالم الموجودات.
ولكنكم في حضرة الحق يوم تدخلونها فليس هناك ما يَفْرِقكم من الحق ولا تفاضل بينكم في الحق، فلا كبير ولا صغير ولكنه الحق، لا تعديد فيه ولا توحيد، فالتوحيد لا يكون إلا في بيئة التعديد، وفي بيئة التعديد، يتحدث الناس، وتتحدث الكائنات عن التوحيد، أما في التوحيد في معناه وقائمه وحقه، فلا حديث عن توحيد، ولا قائم من تعديد.
هذا ما رفعه بينكم رسول الله، بشعاره لا إله إلا الله، شعارا لربه يقوم بلا إله إلا الله وبالأكبر يقوم بلا إله إلا الله، تقوم بها حضرة الله، عِلما وقياما ويقينا وحسا، ونقوم بها كلاما وتواصيا وحقا، ننشده ونرضاه، ونستقبله من علاه، بقائم رسول الله، بيننا كلما أسفر من قيام فهو لا يغيب عنا في قائمنا بقيام، ولا يمتنع علينا في نفوسنا بسلام، يوم أنّا نتبع ما جاءنا به من العلاّم {إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}[١٨].
اللهم بمن جعلته الصلاة، اللهم بمن جعلته الصلة، اللهم بمن جعلته القبلة، اللهم بمن جعلته البيت، اللهم بمن جعلته الحج اللهم بمن جعلته الحجيج، اللهم بمن جعلته السبيل، اللهم بمن جعلته الحوض، اللهم بمن جعلته الطريق، اللهم بمن جعلته الرفيق، اللهم بمن جعلته الصديق، تولَنا في كل أمورنا صغيرها وكبيرها، وأنزل سكينتك على قلوبنا، والسلم والسلام على أرضنا، وارفع به اللهم هذا البلاء عن أرضنا، جعلتها دارا لنا، فاجعلها اللهم آمنة، وارزقنا فيها الأمن والسلامة ولا تخرجنا منها في ثياب اللوم والندامة، اللهم به فارحمنا، وارحم من رحمنا، وارحم من رحمنا، اللهم به فتولَنا، وتولَ من تولانا، وتولَ من تولينا، اللهم معه فوحدنا، والتوحيد معه فأشهدنا، وبه الوحدانية معك فتواجدنا، وتجلنا، وأشهدنا معنانا لنا، بمعناك بنا. اللهم في حصن لا إله إلا الله فأدخلنا، وركب الله أكبر فاحملنا، وعنك لا تقطعنا، والافتقار إليك لا تحرمنا، اللهم أحينا مساكين إليك وابعثنا مساكين فيك، واحشرنا في زمرة المساكين لك مع إمام المساكين عندك.
اللهم اجعل عزتك لنا، قائمة بنا، على أنفسنا، فأخضعها لنا، وحرر عقولنا بنا، وأحيِ موات قلوبنا، بأنوار رسولك لنا، وتولَنا برحمتك حكاما ومحكومين، وأرشدنا بهديك، حكاما ومحكومين، أئمة ومؤتمين، هداة وضالين.
لا إله إلا أنت سبحانك
إنا كنا من الظالمين
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة النساء - ٦٥ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الأنفال - ٦٣. ↩︎
حديث شريف: “المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بيْنَ أَصَابِعِهِ”. صحيح البخاري. ↩︎
حديث شريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” صحيح مسلم. ↩︎
استلهاما من حديث شريف يخاطب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم الإمام علي بن أبي طالب: " فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لكَ حُمْرُ النعم" أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
سورة العصر - ٣ ↩︎
اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ." (١ يو ٤: ١٦). ↩︎
سورة آل عمران - ١٤٤ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ↩︎
سورة الرعد - ٤١. ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
استلهاما من الحديث الشريف: "ليسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ. أخرجه البخاري ومسلم ↩︎
سورة الأحزاب - ٥٦ ↩︎