(١٠)
الإنسان عابد بخلقه لمعبوده بحقه لقائمه بالعابد والمعبود
في الحق الموجود
هو بخلقه عابد سبقه مبعوثا به في الوجود
هو في الإطلاق أحد لأحد بين آحاد للشهود
حديث الجمعة
٥ شعبان ١٣٨٦ هـ - ١٨ نوفمبر ١٩٦٦ م
(اللهم إني أعوذ بك أن أقول زورا أو أن أغشى فجورا، أو أن أكون بك مغرورا)[١].
إنها إرادتك، لا تُشارك، ولا تُخالف، وإنها حكمتك لا تَزل، ولا تخل، ولا تخطيء، إنك الهادي، وإنك الفاتن، إنك المعلم، وإنك المـُختَبِر.
الباطل حق فيك، والحق في غير أهله باطل، لا إليك، إلا منك، ولا منك إلا إليك، لا موجود سواك، عرفناك أو جهلناك، قبلناك أو أنكرناك، أطعناك أو جحدناك.
أنت بعد الإنسان وقبله، وأنت أمام الإنسان وخلفه، وأنت قائمُُ الإنسان وفوقُه، وأنت ربُّ الإنسان وعبدُه، وأنت صانع الإنسان وصنعَه.
أنت فوق الإنسان وتحته، أنت محيطٌ بالإنسان وقلبه. وأنت قائم الإنسان وباطنه، وقائم الإنسان وقادمه، قائم على كل نفس، بما كسبت. كل من عليها فان بما منها، باق بما منك، ويبقى وجهك.
الله من ورائكم محيط، والله أينما تولوا فثم وجهه ليس كمثله شيء، وهو أقرب إليكم من حبل الوريد. إنه الحياة جوهرا ومظهرا، لا تحيطون بشيء من علمه، وهو يُظْهِرُكُم على الدين كله فتحيطون بالعلم عنكم، إحاطة بالعلم عنه، ما ظهر في شيء مثل ظهوره بكم.
لا إله إلا الله جعلها حصنا لكم تدخلونه، والله أكبر جعلها غاية لكم ترجونها، بالإنسان له أحدٌ لمعناه وذاتِه، جعلكم به آحادا فيه، أنتم حقائقه لمعانيكم وذواتكم، أعلاَمَ وجوده، وأسماء مشهوده، ولفظ جلالته، وكرم وجوده، وإكرام موجوده، هو لكم وأنتم له، في إطلاقه وتقييده وتنزيهه، في باطنه وظاهره.
إن العابد والمعبود فيه، إنما هو الإنسان، للإنسان والإنسان مع الإنسان… إن الرب والعبد فيه، إنما هما الإنسان للإنسان. إن المطلق والمقيد فيه، والمطلق والمقيد له، إنما هو الإنسان، للإنسان… إن الذي يصح أن يكون معبودا، إنما هو الإنسان، والذي يصح أن يكون عابدا إنما هو الإنسان.
إن الإنسان، هو محل التمكين، لأمره، ليكون معبودا من نفسه بفضله، وعابدًا لنفسه بافتقاره… إن الله، في حقيقته، يستحيل عليه أن يكون معبودا، كما يستحيل عليه أن يكون عابدا، إنما هذه هي صفات الإنسان فيه…
{قل ادعوا الله، أو ادعوا الرحمن، أيًا ما تدعوا، فله الأسماء الحسنى}[٢]، ليكون هناك، من يُسمَى عابدا، ومن يسمى معبودا، لابد أن يكون هناك انعقاد نسبة بين العابد والمعبود، لا بد أن يكون في المعبود قابلية أن يكون معبودا، ولا بد أن يكون في العابد قابلية أن يكون عابدا، أما الله المطلق اللانهائي، فهو غني عن العالمين، لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، ولو كان معبودا مستقلا عن العابد لكان للعابد مفتقرا ولكان في ذاته ومعناه ناقصا ليس به كفايته.
إن الغني عن العالمين، يقول للعالمين، (كن أنت كيف شئت، فإني كيفما تكون أكون)[٣]. إن الذي تَوَاجَدَ الإنسان، لنفسه، قال للإنسان {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}[٤]، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[٥]، {إن الله لغني عن العالمين}[٦] {والله خلقكم وما تعملون}[٧].
إن الله، بروحه لكم، وبروحه فيكم، من روحه عليكم، لروحه منكم، أودع فيكم، أرواحا، سِرَّ معانيه، وقائم آلائه بعليّكم لكم، وبعليّكم منكم، كنتم به الأعلى والأدنى والأوسط.
فكنتم الأمر الأعلى، وكنتم الأمر الأدنى، وكنتم الأمر الوسط، ففي حالكم بأمركم من الأمر الوسط، عرفتموكم عين الأعلى والأدنى في الله ذي المعارج، في وضعكم لمعاني العبد، للأعلى عليكم والرب للأدنى لقائم الرب لكم باختياركم لأنفسكم معلومة برسوله إليكم عندكم أمرا وسطا بينكم لا تفرقة بينهما ولا فرق بينكم وبينه.
فلا فرق بين الخالق والخلق في الحق، ولا فرق بين المعبود والعابد في الحق، فهما وجوه الحق وجه لوجه، وهم جماع الحق، فإن عرفت لك أعلى، لموصوف الرب عليك في نفسك وقائم نفسك، فإنك سوف لا تطغى ولا تفتن ولا تزل بك القدم، يوم تعرف لك أدنى أنت بموصوف الرب عليه.
يومئذ تعامله، بما عاملك به الأعلى، وتدرك هدي من هداك، وإلى ربك فيك وَجَّهَك ودعاك، وإلى الله، لمعيتك عَلَّمك وأوصاك وقد قال لك، (تخلقوا بأخلاق الله)[٨].
ومن ذا الذي يتخلق بأخلاق الله، ولم يعرف خُلق الله، ولم يقم الله عليه بخُلق معلومة له، ليقوم بمثالها على أدنى منه بها معه يَتخَلَّق؟ هل كان الرسول عابثا، وهو يقول (تخلقوا بأخلاق الله)، وهل عرفنا لنا، متخلقا بأخلاق الله غيره؟
فهل رأينا، فيه، له معنا وجه الله؟ هل رأينا، به، منه، إلينا، وجها لله! هل أدركنا أنه قبس نور الله، لوجوه الله، ناضرة؟ أو وجوهه إلى ربها تشهده به وجها لله ناظرة! الله من ورائهما بإحاطته بقبضة نوره، لحقه ورسوله بالمؤمنين بالله ورسوله ظاهر دانيه، وطلعته لمن يقاربه ويلاقيه.
هل عرفنا فيه، الحق ومعانيه، والرب ومغانيه؟ هل شهدنا الله ومعارجه منه، إليه، فيه، حقية العبد لعين الحق بالرب، في الله ذي المعارج؟
بماذا عرفنا رسول الله؟! وبماذا وصفنا رسول الله؟ وبماذا اتصفنا رسول الله… فلأنفسنا ظهرناه… ولمعانينا كسبناه، وللناس في غفلة عنه قَدَّمناه؟ بماذا قمناه! وبماذا اتصفناه! فكنا أمة رسول الله، أمة الحياة، أمة الحق لله، أمة الحق من الله، أمة رسالات الله، أمة رسل الله.
أمة أم الكتاب لله، أمة الكتب ناطقة مشهرة بالبيان من الله، أمة تُمْسِك بأقلام قدرة الله، وتكتب صحائف كتب الله بالناس، أمة تؤمن بالله، وبوحدانية الله، وبالقلوب لله، وبالقوالب عباد الله.
أمة تجمع شتات الله، بتآلف قلوبها، وتنتظم موجودَ الله، بتنسيق قوالبها بيوتا لذكر الله، بنيانا مرصوفا لوجود كلمات الله، لبنات يشهد بعضها بعضا بالله فترتفع أسوارا وتعلوا جدارا، وتتلاقى زواياها غرفا، وتتراص غرفها، لتقوم بيوتا، وتتلاصق صروحا، لتقوم مدنا، وتتعدد مدائن، لتقوم عوالم، بالحق فيها يقوم، عن التجزؤ، مُنَزها، حقا قائما، في الوحدانية والتوحد، بروح الله، سارية، في مبانيه، قبل معانيه متواجدة.
{لا أقسم بهذا البلد، وأنت حل بهذا البلد}[٩]، فلا أقسم بوالد وما ولد، وأنت حل… بوالد وما ولد… أنت العَلَم، على من لم يلد ولم يولد، أنت الأحد، عَلَمًا على من هو أحد، أعلَمته آحاده، وعرفه عباده.
فظهروا كتبا ناطقة قاموا في الناس رشاده ووداده، وكشفوا للناس أنه هو بهم عناده ورشاده، {ولو شاء ربك ما فعلوه}[١٠]، {لو يشاء الله لهدى الناس جميعا}[١١]، {فلا تكن من الممترين}[١٢]، وهو لذلك خلقهم، وما اختلفوا، إلا بعد الذي جاءهم من العلم، وما عُلِّموا فعَلِمُوا، إلا ليتحدثوا ليزدادوا، إلا ليتعارفوا فيتوادوا ويتحابوا، من فرقة يجتمعون، وعلى واحد يفترقون، رضي عنهم، ما اجتمعوا عليه، وما افترقوا عليه، ما صدقوا في اجتماعهم، وما صدقوا في افتراقهم.
{ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة، كأنه ولي حميم}[١٣]، {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}[١٤]، إن ما عندهم حسن، فلأنفسكم لا تفوتوه، وإن ما عندكم أحسن فلا تهجروه، وأمْركم لا تفرطوه. استمعوا لرسالات الله ولا تفرقوا بين رسله ولا بينه وبينهم، ولا تفرقوا بينكم وبين الله ورسوله.
إن الذي كان رحمة للعالمين، مهداة، وعطية مقدمة من الله، كان من بينكم، وكنتم منه على ما كان منكم، إن النسبة منعقدة بينكم وبينه، لا تفرقوا بين الله ورسوله، ولا تفرقوا بين الرسول، وبين أهل الإيمان بالله ورسوله.
إن الرسول لا يفترق ولا ينفصل عن الله، وإن المؤمنين بالله معه، حقا إليهم، لا يفترقون معه عنه، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[١٥].
إنه حياتهم فيهم… إنه مماتهم فيه وبعثهم به… إنه حقهم… إنه اسم الله عندهم ولهم، به لا يغيبون الله ولكن يغيبونهم، ولا يجحدونه ولكن يجحدونهم. ويؤمنون بالله له، ولأنفسهم.
عرفوهم لله، ما عرفوهم له، وتواجدوهم لله ما تواجدوهم به، شهدوا له في أنفسهم بلا إله إلا الله أنه محمد رسول الله.
آمنوا، بالأعلى له، قائم الأعلى عليهم، وعرفوه في الأعلى الرفيق الأعلى لهم، ما تطاولوا عليه معلما، ولا امتطوه أبا، وإن كان قد أركبهم، وعلى ظهره أصعدهم، وحتى ينزلوا أمهلهم.
ألم يفعل ذلك أمامهم وبينهم مع ولده الحسن، يقول كرهت أن أرفع حتى ينزل، تاركا له حريته، في إرادته، سعيدا أن يمتطيه، سعيدا أن يسري بممتطيه ظاهر مطية له، إلى من أبدعه له، إلى من خلقه لنفسه.
ولدي هذا سيد، لمن أراد أن يكون له في الله سيد، (اقبلوا نيري فإن نيري عليكم لطيف)[١٦]، لست سيدا، على مثال مما تُسَوّدون عليكم، من طغاة وظلمة، ولكني السيد الخادم إني المولى الموالي، إن السيد الذي هو مولى، هو من يصح أن يوصف بأنه سيد ومولي، سيد القوم خادمهم.
إن الرب منعقدة النسبة بينه وبين العبد، أبا، ومعلما وحاكما، راعيا، وأميرا صالحا، ورائدا، قيما، وإماما سالكا وطريقا، مهدا ممهدا، ونورا، ساطعا مشرقا، ساريا خالقا بيوته القلوب، وعوالمه القوالب، وحقه العقل، وعبده النفس ووجوده وكونه الذات.
إن أردت ذلك، وصدّقت بذلك، وآمنت أن الرسول كان كذلك، وأنه تكاثر في الناس بذلك، كان لك من الله ورسوله ذلك، فهو الذي يقوم ويتقلب في الساجدين بذلك، رحمة الله للسالك، وعطاء الله للمالك، وتكليف الله، لكل ملك، كان له من الله ممالك، فكان بالله هو لها المالك.
{وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا}[١٧]، {مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء بيدك الخير}[١٨]، تعز من تشاء بعزتك، على الملوك والممالك، تجعله لها مالك، وتذل من تشاء، بنعمتك، باصطفائه لعبوديتك واختياره لقربك في حضرتك…
على ما جعلته لإنسان طلعتك، ويد نجدتك، وقدم سعيك وحضرة قربك، من عرف، وشرف بما عرف، وما استعلى بما به عُرِف، فأراد أن يكون الرجل الثاني في إنسانية إنسانك واعتذر عن أن يكون الرجل الأول، مادام في رضوانك فسألك، (أحيني مسكينا وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين)[١٩].
وإن كان الله، قد جعل منه صورَته، خلقها ليتجلى بها وفي حجاب العبد بعثها وللناس أرسلها، وبعثا بالمقام المحمود لها وعدها بالمؤمنين في المؤمنين زفَّها وليوم الفصل في أمر الناس لهم أنذرها وحذرها.
فبه أشرقت الأرض بنور ربها، ويوم القيامة، يكفرون بشركه، ويعرفون أنه كان بالحق للحق أحده، مولودا مما ولده، ووالدا بما تَوالَده بموصوف خلق أوجده، وبوجوده عدده، ثم وضع عنه وزره فوحده، ثم أعاده فجدده، وبالحق أظهره مبعوثا أوجده، ووجها له أشْهَدَه لمن شَهِدَه، فوجودا بالحق في المؤمنين تواجَدَه، فعرف به المؤمن الحق لنفسه ما جحده.
كان للأعلى ظلا ومن نوره قبسا، ورضي قانعا أن يكون للأعلى عبدا وعلى العبودية حرص وبها ظهر وافتخر وبغيرها لم يظهر ولم يفخر، فما استعلى أن يكون للأدنى ربا، ورضي لأن يكون مع المربوب خِلاّ وحبّا، على ما كان الأعلى له، خليلا وحبيبا، فما قصّر فيما بلغ، وما أخفى شيئا مما به كلف، وأُمِر أن يبلغ بما حمل وإلينا بلّغ، ولا زال يحمل ويبلِّغ في كل أمة، وبكل لسان.
أعطي كتابا… لم يكن لنفسه غيرها… فكان لمعناه كتابه وحجابه… كتابه ونوره… كتابه وسكينته… كتاب ليله ونهاره لظلامه ونوره لنفسه بهما… {إن لك في النهار سبحا طويلا}[٢٠]، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٢١]، {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا}[٢٢]، طأها، {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، إلا تذكرة لمن يخشى}[٢٣]، {فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى}[٢٤]، فلا تجهد نفسك باخعها ملاحقا، إنه إليك سوف يعود حتما فيلقاك مع من بك آمن ووجها لربك بُعِث. اصبر نفسك الآن مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.
اصبر نفسك كلما تجددت بينهم نفسك، أما نورك لعقلك فأسرِ به فيهم فبه يراهم ربك فهو الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين. أسرِ بالنور الذي أنزلنا معك في المؤمنين فانحر فيهم الظلام، وأسكت اللغو، وأحيِ الإنسان، وأنطق الحيوان، وأسمع البنيان، {أبصر به وأسمع}[٢٥].
فأنت للناس البصر والسمع، إن أبصرتهم يبصرون، وإن أسمعتهم يسمعون، ولن يسمع الله لهم حتى ينطقون، ولن ينظر الله إليهم، حتى إليك ينتسبون وبك لربك يقنعون فبك وجوها له يبعثون هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٢٦].
فهو ما رأى إلا إياك ولا يرى إلا معناك، فمن شَهِده لك، شهده الله، ومن عرفه لك، عرفه الله، ومن أنكره لك، تناساه الله، {أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى}[٢٧]، {رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا}[٢٨]… لقد اخترت لنفسك العمى… فقد أعطيناك البصر والبصيرة فعطلتهما، فما في نفسك عرفته، ولا من حولك شهدته، فأخذت أمانتي وقد خلقتك من قبل لنفسي، فأردت أن تكون لنفسك، فكن على ما أردت، وقد أردت أن تكون على ما أنت.
{وما ظلمونا، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}[٢٩]، {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل، فإنما يضل عليها}[٣٠]، وإن كل نفس لا تجزى إلا بما تسعى، من كسبها، بعملها، بأمانة الحياة لها، {عطاء غير مجذوذ}[٣١]، (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[٣٢]، فأمانة الحياة هي أسماء الله، تستبقيها، فترتضيها، أو تعاديها، فتعتزلها إلى ما أرادت هي لمعانيها.
الذين كفروا بمعية الله لهم أعمالهم كسراب بقيعة، يحسبه الظمآن ماء، فإذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد الله عنده. إن الله لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، إن الذي كفر بالله، في هذا المثل يضرب، ما كان العاصي، فالعاصي يعرف أنه عاصي، ويعرف أن الله غفور رحيم، ويوم يستغفر الله، يغفر الله له.
(رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خيرٌ من طاعة أورثت عزا واستكبارا) [٣٣]، {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا}[٣٤].
بشر ولا تنفر، يسر ولا تعسر، لا تقنّط الله بالناس من رحمة الله بينهم وفيهم، لا تقنّط عباد الله من ربوبيتهم، من معانيهم، من أبيهم، من ربهم، من معلمهم، من ملكهم، من سيدهم، من خادمهم من قائم الحياة بهم.
إن رحمة الله قريب من المحسنين من أنفسهم وإلى أنفسهم. إن رحمة الله بعيد، عن الطاغين بأنفسهم على معانيهم، وعلى الناس، إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
وحدوا الله، يتوحد الله، يوم تجتمع قلوبكم، على قلب منكم، ويوم تلتف قوالبكم، حول نصب لقالب بينكم في الله وفي مرضاة الله، وفي إعلاء كلمة الله.
بهذا جعلت مناسك الإسلام، بيانا له، وتحقيقا لذلك فيه، سواء بالصلاة، أو بالحج، أو بالزكاة، أو بالصدقات، أو بالإيثار أو بالإنكار على النفس، أو بالإيثار عليها.
هذا ما تهدينا إليه لا إله إلا الله، فنقومنا بها أسماء الله، وكلمات الله، ووجوه الله، وروح الله، وحقائق الله، ورسل الله، وعباد الله، أمة وسطا، تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف لها، وهو الله لقيامها، ولقيام مثالها ممن قبلها، ولقيام عينها ممن بعدها، في عين قائمها لها.
أمة لا تجحد الله ولا تغيبه… لا تنكره ولا تعدده… تطيعه لا تعانده… وترتضيه لموجود وجودها، لا راغبة عنه ولكن مزدادة في الرغبة إليه والرغبة فيه… مؤمنة بقائم رحمته في الرغبة منه… على ما عَلَّمها حقه ورسوله… وجهه وطلعته… كتابه وشرعته… طريقه وملته… دينه وفطرته…
هو من عرفناه وما عرفناه، ومن ذكرناه لفظا، لا وجود له في موجود لنا، ولا وجودٍ بنا، وكذلك فعلنا مع ربه، فذكرنا الله لفظا، وما أدركناه معنىً، وما حققناه لنا قياما، وما هيأنا أنفسنا له، لنكون منه كتابا وكلاما.
هذا ما جاءنا به دين الفطرة بالفطرة وُلِدناه فهل بعلم دخلناه؟ هل بعمل تذاكرناه؟ هل برحمة تواصيناه؟ هل بمعرفة تجادلناه؟ هل بجهاد تخاصمناه؟ هل فعلنا ولم يهدنا الله؟ هل قمنا ولم يعلمنا الله؟ إنه كان عندنا مجرد كلام، لا هو بسلام مع الله، ولا هو بخصام على الله، ولا هو بقيام بالله.
ومع ذلك، فنحن على ما وجدنا عليه آباءنا، من دين، ومن ملة، نحن المسلمون والإسلام بجوهره ومخبره ومظهره منا برئ، فهو لا يعرف هذا الكلام، وإن عرفه، فترة من الزمان، {ذرية [طيبة] بعضها من بعض}[٣٥]، فليستيقظ الإنسان إلى ما في هذا الدين من الإحسان.
{وإن أحدا من المشركين استجارك فأجره، حتى يسمع كلام الله}[٣٦]، إن عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا يجيرون الجهلاء، ولا يمتنعون عن النداء، ولا ييأسون من الرجاء، إذا خاطبهم الجهلاء، خاطبوهم على قدر عقولهم، وقالوا مقالة لا تهز السلم والسلام بينهم وبينهم، قالوا سلاما، لم يثيروا بينهم، وبين الجاهلين خصاما، حتى يسمعوا كلام الله.
هو {الرحمن فاسأل به خبيرا}[٣٧]… فكم منا شعر بافتقاره إلى الخبير!
(والمرء على دين خليله)[٣٨]، فكم منا شعر بعَوَزِه إلى الخليل؟ ومن منا قَدَّر معنى الدليل؟ (فلينظر أيكم من يخالل)[٣٩]، أو نظن أنا نقوم في خلة، لوجه الله يبقى؟ وفي طريق الله نجاهد؟ ويتركنا الله، نعبده على حرف؟ قائمين على جرف؟ أم أنه يخرج بنا من الظن إلى اليقين؟ وهو الذي يقول لنا {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}[٤٠].
إن اليقين آتيك، يوم تتواصى بالحق، وتتواصى بالصبر لن يفوتك أبدا، ما وفيت تعاليم الدين، وما أحسنت اختيار الرفيق واختيار الصديق، وما أحسنت الظن بربك ورسول ربك، بعدم غيبة الطريق يوافيك في قائمك بقيام في دنياك، أو عند مفارقتها إلى قيام للقياك، طريقا ممهدا، في قيام، بعباد لله سُجَّدًا، جعلهم القيمة، بقيوم رسول الله لقائمهم.
التابعون وتابع التابعين بإحسان؟! بألسنتهم يذكرون وفي دوام يرددون، ببغاوات ينطقون، أين هم هؤلاء التابعون؟ ومن يكون هؤلاء التابعون؟ ومن هم من تابعهم بإحسان إلى يوم للدين؟ وما هو هذا الإحسان؟ ومتى هو هذا اليوم؟ وأين هم هؤلاء المحسنون؟ إنهم عن الأرض لا ينقطعون، وعن جمعكم على الله لا يعجزون، فهم المــُمَكَّنون المــُشَفَّعون، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وهم المأذونون.
على كل ناعق تجتمعون وله تسمعون باسم عباد الله الرحامين، على الله دالين، وعلى الله لكم في أنفسكم جامعين، فعلى الشياطين تجتمعون، يجمعونكم على أنفسكم ضالين مبلسين، بما في أنفسهم من سريان للشيطان فيكم، عليهم يجتمعون على معانيهم لمعانيكم قائمة بالبهتان في ظاهر من وهم تلتئمون، شياطين إنسان، دونكم شياطين الجان، إنكم بجمعكم شياطين الناس، إنكم شياطين الإنسان الدجال، كلكم المسيح الدجال، إنكم فتنة الرحمن لأدعياء الإيمان حتى يحكم الناس على أنفسهم بالظلام والظلم والبهتان يوم يعرفونهم ويرونهم المبلسين، يوم يكشف الله لهم عن سرائرهم، {يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر}[٤١].
تعالى الله عما يصفه به جاهلوه، وتدانى الله وعرف الله، بما قام به من أوصافه عارفوه، الله… لجاهليه، كما هو لعارفيه، الكل فيه، ولكن يختلف ظهوره بعارفيه، عن ظهوره بجاهليه. ظهوره بعارفيه، لقائمه لباقيه، ولكن ظهوره بجاهليه، إنما هو فتنة لمفتونيه، عند المترددين فيه.
إن الله للكل ما افتقروا إليه، {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد}[٤٢]. لو أن الشياطين فيه، اختاروا لهم أربابا فيه، لعين معانيهم به، لهداهم الله، لكشف لهم عن الحق بمعناه، يوم تَنزَّلوا أو تَنازلوا بوهم قيامهم بأوليته لمعناه في أوليتهم بأنفسهم لمعناه ومبناه، دون أن يكون لهم مولى، من مولى في مطلق الله.
(العظمة إزاري والكبرياء ردائي من شاركني في شيء منهما قصمته ولا أبالي)[٤٣]. من المتحدث بهذا؟ هل هو المطلق الغني عن العالمين؟ أم أنه الإنسان في كبريائه؟ أم أنه الإنسان في عظمته، في تعظيمه لنفسه؟ إن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فإذا عرف العزيز بالله، أن لرسول الله عزة هي من عزته أكبر، تنقت عزته من الخدعة، وما استعملها إلا في الرحمة، (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السـماء)[٤٤]، وعرف رسول الله، بوصفه الرجل الثاني في الله، أن لا يخدع نفسه بعزته، فهو دون عزة إنسان من مثاله، ورفيق أعلى بحاله، جعل الله له عزة، فكان عليه رَبَّ العزة، عرف عزته من عزته، ولم يتطاول بعزته إلى عزته، فماذا فعل رب العزة بعزته على ما عرف رسول رحمته؟ عَرَّف أنه {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة}[٤٥]، فكيف يؤاخذ محمدٌ، وهو ربّ عزة، لرب عزة، كيف يؤاخذ الناس بظلمهم؟ فيقول الرسول، أمة مذنبة ورب غفور، أنا لا أؤاخذ أحدا بظلمه. إني أصبر حتى يفيق من غفلته، ويستيقظ لما جئت به، عسى أن يخرج من ظهورهم من يعبد الله، فيصلح الله به أمورهم.
هذا هو رسول الله في عزته، وهكذا يكون عباد الرحمن في عزتهم، وهم يمشون على الأرض هونا، وهكذا يكون رب العزة، يوم نعتقد في رب العزة، مع رب للعزة نحن أرباب للعزة وعباد له.
إن إبليس ما خرج عن ناموس الله، وما خرج عن مراد الله، وما خالف قدرة الله، أو خاصم قدرة الله {فبعزتك لأغوينهم أجمعين}[٤٦]… إلا عبادي… {إلا عبادك منهم المخلصين}[٤٧] {هذا صراط عليّ مستقيم}[٤٨].
إنها طريق وأمة، وحق وحقيقة، الشيطان {يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}[٤٩]، إنها طريق العزة، إنها قائم العزة، إنها خدعة العزة عن قائم الوحدانية. إذا كان الله قد عطل فيه عزته، فمن هذا الذي يستعمل من الله له عزته، إلا مخدوعا أو ظالما لنفسه؟ إن استعمال العزة، مقتضي وجود المعتز عليه في حال من المغايرة مع العزيز. وهذا غير جائز في حق الله، ولا في حق الإنسان الكامل، ولكن العزة عند المؤمن بالله ورسوله لقائم نفسه بهما إنما هي في اعتزازه بجانب الحق فيه، على جانب الخلق فيه، بجلباب الشبح للبه بحقه.
يجادلون في الله بغير علم، ولا هدى ولا كتاب منير، ويتبعون كل شيطان مريد، وقد جعل الله الكفر بالشيطان أول أبواب الإيمان بالرحمن، وأول لقاء بين قائم الحق به لقائم الباطل تجاهه لشهوده، إيمانا بحقي وجوده، {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها}[٥٠]، {إن كيد الشيطان كان ضعيفا}[٥١]. إن الضعف نقيض القدرة، والقدرة غير العزة، فالشيطان عزيز النفس على ضعفه.
اللهم بنا لك أوجدت فارحمنا، وبحقنا منك فحققنا، وعلى ظلامنا فانصرنا، وعلى طغياننا فولِنا، وبعزتك فينا لا تخدعنا، وعن حقك لا تمنعنا، اللهم باعد بيننا وبين خدعة النور، وخدعة الظلام، وخدعة أنفسنا، اللهم اجعل وجهتنا فيك خالصة لك لا تشوبها فيك شائبة، في متابعة من جعلته لك كذلك وأظهرته لنا قدوة بذلك، اللهم فيه فأدخلنا، وبه فأقمنا، ومنه فأوجدنا وبكثرته فكثرنا، وبانتشاره فانشرنا، وبحقائقه لنا فيه، فاعرج بنا، منك إليك، من خلاله، وفي قيامه، أحد حقك لنا، لآحاد حقائقنا لأحده، لا شريك لك منه، ولا غيبة لك عنه، نور وجهك وطلعة جلالك، وبهجة جمالك، وقرب حالك، ومآل خلقك لك، لعين أمرك وحالك، لا إله غيرك ولا معبود سواك.
اللهم به لك، فوفقنا، وسدد خطانا، ويسر أمورنا ولا تولِ أمورنا شرارنا، بغفلتنا وجهلنا، وولِ أمورنا خيارنا برحمتك بنا، وعنايتك برسول الله تشملنا، وتولَنا في أمرنا، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين، بمن جعلته رحمة للعالمين، يا أرحم الراحمين ارحمنا يا أرحم الراحمين ارحمنا.
مصادر التوثيق والتحقيق
دعاء مأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر في كتاب “بحار الأنوار” من المكتبة الشيعية. ↩︎
سورة الإسراء - ١١٠ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة النجم - ٣٩ ↩︎
سورة الزلزلة - ٧-٨ ↩︎
سورة العنكبوت - ٦ ↩︎
سورة الصافات - ٩٦ ↩︎
استلهاما من عدة أحاديث: “إن لله تعالى مائة خلق وسبعة عشر من أتاه بخلق منها دخل الجنة.” رواه الطيالسي والبزار والترمذي الحكيم والبيهقي والطبراني، وأبو يعلي. وأيضا الحديث الشريف: "إن لله تعالى ثلاثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة "، ذكره الحافظ العراقي بهذا اللفظ في تخريج كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي. وأخرجه الطبراني ↩︎
سورة البلد - ١:٢ ↩︎
سورة الأنعام - ١١٢ ↩︎
سورة الرعد - ٣١ ↩︎
سورة آل عمران - ٦٠ ↩︎
سورة فصلت - ٣٤ ↩︎
سورة العنكبوت - ٤٦ ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
استلهاما من آية الإنجيل “احملوا نيري عليكم، وتعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب.” (مت ١١: ٢٩) ↩︎
سورة الإنسان - ٢٠ ↩︎
سورة آل عمران - ٢٦ ↩︎
من الحديث الشريف: " اللَّهمَّ أَحيِني مِسكينًا، وأَمِتْني مِسكينًا، واحشُرني في زُمرةِ المساكينِ يومَ القيامَةِ، فقالَت عائِشةُ: لِمَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: إنَّهم يَدخُلون الجنَّةَ قبلَ أغنيائِهم بأربعين خريفًا، يا عَائشةُ، لا ترُدِّي المِسكينَ ولو بشِقِّ تَمرةٍ، يا عائشةُ، أحِبِّي المساكينَ، وقَرِّبيهم؛ فإنَّ اللهَ يقرِّبُكِ يومَ القيامَةِ." صحيح الترمذي. ↩︎
سورة المزمل - ٧ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨:٢١٩ ↩︎
سورة المزمل - ٦ ↩︎
سورة طه - ١-٣ ↩︎
سورة الأعلى - ٩:١١ ↩︎
سورة الكهف - ٢٦ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨:٢١٩ ↩︎
سورة طه -١٢٦ ↩︎
سورة طه - ١٢٥ ↩︎
سورة البقرة - ٥٧ ↩︎
سورة الإسراء - ١٥ ↩︎
سورة هود - ١٠٨ ↩︎
من حديث قدسي: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” الراوي: أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. أيضا الحديث: " يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه." صحيح مسلم. ↩︎
من حِكم السيد ابن عطاء الله السكندري. “معصية أورثت ذلا وافتقارا خيرٌ من طاعة أورثت عزا واستكبارا.” ↩︎
سورة الزمر - ٥٣ ↩︎
سورة آل عمران - ٣٤ ↩︎
سورة التوبة - ٦ ↩︎
سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎
حديث شريف. “المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل.” أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
نفس الملحوظة السابقة ↩︎
سورة الحجر - ٩٩ ↩︎
سورة الطارق - ٩-١٠ ↩︎
سورة فاطر- ١٥ ↩︎
حديث قدسي: “الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما، قذفته في النار.” صحيح مسلم، أخرجه أحمد وأبو داود. ↩︎
من حديث شريف: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود، والترمذي. ↩︎
سورة النحل - ٦١ ↩︎
سورة ص - ٨٢ ↩︎
سورة الحجر - ٤٠ ↩︎
سورة الحجر - ٤١ ↩︎
سورة فاطر - ٦ ↩︎
سورة البقرة - ٢٥٦ ↩︎
سورة النساء - ٧٦ ↩︎