(٨)

آدم كلمة الله في ابن آدم حق كامن
وكلمة الله بابن آدم، في آدم حق كامن
كلمتان لله هما طرفا الزمان في دورة الحياة بالإنسان

حديث الجمعة

٢١ رجب ١٣٨٦ هـ - ٤ نوفمبر ١٩٦٦ م

براءة من الله ورسوله، يبرأ بها، من بريء من نفسه، يوم يبرأ منها لأناه، لأمانة حقه، في قائم أمره، في متابعة من جاءنا، صبغة، لإنسان صبغته، وإنسانا، لصبغته إنسانه.

فكان عليه عنوانا، وله عَلما، لمن طلب أن يعنونه، وأن يكون له عَلما، عنده به معلوما، حقا قائما، وقياما دائما، عتيقا من موقوته، كاسبا لدائمه، بمحبة معبوده، لقائمه بموجوده، في متابعة من كان صبغتَه، وجاءنا فطرتَه.

قَدَّم لنا نفسه، كتابَ وجوده، وفطرة موجوده، لظهور فاطره، وقرب صابغه، رسولا من أنفسكم، أول العابدين، وظاهر المعبودين، أحدا من رابين، وواحدا من آلهين، لا حصر للرابين، في رب العالمين، ولا عدّ للآلهين، في مطلق الله للعارفين.

عَلم لا إله إلا الله، للعابدين، للمتقين، للمفتقرين، للمجاهدين، صخرة الحياة للآوين، وبيت النجاة للعاكفين، ونصب الطواف للحائرين، وقبلة الصلاة للمتصلين، علم لا إله إلا الله للرافعين، وقائد الركب للمجندين، للمحمودين، وللمحمدين، وللحامدين، وللأحمدين.

عبدا، وربا، وآلها، وإلها، بين أقداس الله، إلى لانهائيه، عجز العقل عن تقديره، وعجزت الحقائق عن الإحاطة به، وافتقرت الخلائق لطلبه، وقام الوجود في رعايته، وبقيت الأكوان، ممسكة لها يدُه، كان الإنسان فيه، بقديمه، غيبَه وشهودَه، وكان الإنسان فيه، في قائمه حقَّه ووجودَه، وكان الإنسان به، في قادمه، غايتَه ومنشودَه، بلا إله إلا الله والله أكبر…

كان محمد الله، لبشرية الله، آدمَ وجود، وحقَّ شهود، وإنسان رحمة. تحدثت الديانات ومؤسسوها، وتحدثت البشرية ومتواجدوها، في قديمها عن آدم، وفي قائمها عن آدم، وستبقى متحدثة في قادمها عن آدم، صُوِّرَ لها آدم، وتَصَورت هي آدم، ويُصَوَّر لها في حاضرها آدم، وتتَصور هي آدم، وسيتصور لها في قائمٍ، وستصوره في قادم. فمن يكون آدم؟ وكيف يعرف آدم؟

يثور الجدل، ويدور الحوار، عن آدم، في هذه الأيام، لا بحثا عن حقيقة، ولا تأملا في خليقة، ولكن أحد شركات السينما، مزمع إخراج فيلم عن آدم، فهو يهيئ الجو، للدعاية لهذا الفيلم عن آدم، لا تعريفا بآدم ولا طلبا لمعرفة عن آدم.

ولكن ما هي مصادر هذا الفيلم، التي يدور حولها إخراجه؟ إن المشتغلين بإخراج هذا الفيلم، لا يرون مصدرا لهم، إلا العهد القديم من التوراة، في رسالة بني إسرائيل، ولو أنهم أنصفوا أنفسهم، لأدخلوا في اعتبارهم، الفيدا الهندي، الكتاب الهندي، لعقائد الهند، وهو من توراتهم وعهدهم القديم، أقدم وأقدم، وإن أنصفنا القول، فهو أقوم وأقوم.

ولو أنصفوا أنفسهم، وتابعوا سنة الحياة في التطور إلى الكمال والأكمل لكان من الواجب عليهم، أن يتخذوا من كتاب الفطرة لمحمد، وكتاب رسالته بالفطرة عن الفطرة، مصدر وعيهم، لإخراج فيلمهم فهو الأكمل والأوضح والأحدث والأقوم.

ولكنه التعصب، ولكنه الجهل… فلا إلى الأقدم يرجعون، ولا بالأحدث ينتفعون، وما جاء ما جاء، في كتاب بني إسرائيل، عهدا جديدا أو في العهد القديم، إلا ما كان يصلح لعقولهم، وتطيقه نفوسهم، في وقت هذا التعليم وهذا التبليغ.

وإني إذا أشرت إلى الفيدا، أو إلى القرآن، قبلا وبعدا، لما عند بني إسرائيل، فإنما أشير إلى ما فيهما من الحقائق، لا إلى ما حُرِّفت إليه الحقائق، عند أمم تابعت هذه الكتب، فيدا أو قرآنا، لفظا وحرفا، ولم تدركها جوهرا وحقا ومعنى، لواقع الحياة، انحرافًا واستقامةً.

ولو أننا عرفنا الحقائق فتلمسناها، لوجدنا ما جاء في كتاب أو صحائف بني إسرائيل، لا يخرج عن معنى ما جاء بهذه الكتب. فما تكلمت السماء عن الحقائق، عند الخلائق إلى الخلائق، إلا بالمتشابه من القول بالأمثلة تضرب أو بالحكمة جوهرا، لمــُصَوَّرٍ من قصة.

شَبَّهت ما هو مجهول على النفس، بمُثُلٍ مما هو معلوم لها، لإيقاظ العقل إلى ما يستطيع إدراكه، ناموسا من نواميس الفطرة، وقانونا من قوانين الهدي. ولن ندرك الحقائق، في حديث الإنسان من سمائه، إلى وليده على أرضه، إلا إذا عرفنا أن هذا الحديث، إنما هو من وحي الآباء، بحقائقهم، حديثا دائما متصلا إلى الأبناء، في خلائقهم، لا ينقطع أبدا، ولا يتوقف أبدا.

وإن حديث الغيب إلى الشهادة، تعريف عن وحدانية الغيب والشهادة، وقائم الشهادة بالغيب، وظهور الغيب بالشهادة، ما كان إلا عِلما للإنسان عن نفسه، لقائم قائمه، لكشف معلومه، بإسلامه لموجوده، في خروجه عن جهله، مزحزحا عن جاهليته، قائما لقيامه بعِلمه، في إسلامه لربه، موجودا في نفسه، مذكورا منه لحسه، مبينا به عنه، بذكره متواصيا فيه لعينه، مع أُخُوَّتِه لإيمانه، طلبا لوحدانية حقه من شتاته، بجمع قلوب لواسع قلبه، بإنسان رسالته، وحق عبوديته، لظاهر حقه، ووجه ذاته، من باطن سعته بذواته وحقائقه.

إن ما تَكَشَّف للناس، من علم عن الطبيعة، وعن الوجود، وعن نواميس التواجد والتطور، وعن شرائع الكائنات، وعن نواميس الحياة للأشياء في الثلاثة قرون الأخيرة لهذا الزمان وخصوصا الأخير منها، ما كان إلا نفاذا لما وعد كتاب الإسلام بقوله {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق}[١]. وقد استكمل البدء المحمدي الألف من السنين، وسار شوطا في الثانية لجديد على رأس القرون.

إن إدراك ذلك، إنما هو إدراك عن آدم، وفهم في آدم، وقيام بآدم. إن كتاب الفطرة، على ما فطرها فاطرها، إن كتاب الصبغة، على ما صُبِغت من صابغها، لم يفرط الله فيه من شيء. كشف فيه عن سر الإنسان، عن سر الإنسان، جلبابا، وعن سر الإنسان لابس الجلباب.

فأي آدم يعني من يعني؟ هل يعني الجلباب أم يعني الرجل الذي لبس الجلباب؟ إن القرآن، وكل حديث للسماء جاء من قبله، تهيئة لاستقباله وكل حديث للسماء جاء من بعده، بيانا لما فيه، تحدث عن الجلباب، كما تحدث عن رجل الجلباب.

إن الجلباب شيء آخر غير من يلبسه، وإن من يلبس الجلباب كائن آخر غير لباسه. إن الآدم عرف للآدم في الجلباب، وإن الإنسان ظهر للإنسان بالجلباب.

وهذا ناموس الحق في الوجود، بذلك ما عرفنا الحق إلا من وراء حجاب، وما عُرِفَ الحق للمحجوب، بحجاب الجلباب، إلا يوم انعكس إلى نفسه، إلى داخل الجلباب، متجاهلا الجلباب، أو خالعا الجلباب، أو معدما الجلباب، أو متحررا من الجلباب، ما كذبه فؤاده ما رأى، فكيف نماري من رأى على ما رأى… ونحن لم نرَ!!

هل تابعناه، فلم نرَ؟ هل صدقناه، فلم نُرَ إنَّا له في أنفسنا نرى، وبه في أنفسنا نُرَى، نرى الحق من الله، ونُرَى الحق من الله؟

إن آدم الجلباب نفخ فيه صانعه من روحه، فملأه من روحه وهو من حوله المحيط، فاتحد المحاط بالمحيط، وتكشَّف المحيط للمحاط، وقد نفخ في الصور، فوضعت الأوزار، وسقطت الأسوار، يوم تلاقى ما فيه من روح الله، مع ما حوله من روح الله تلاقى الجزء منه مع الكل له، تلاقى المركز للدائرة، مع محيط الدائرة، سقطت الحواجز، حول قبضة النور ومركزها بالذات لها، فتماثل الأدنى من الإنسان مع الأعلى بالإنسان، في قائم ذاته بذاته وصفاته، في مطلق الله، بالأعلى لهما، من الإنسان، الذي يقول مخاطبا محتويات الدائرة من مركزها، {فإذا سويته، ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}[٢].

إن آدم الجلباب، ما كان إلا وعاءً، لما فيه من الروح، وعَلَمًا على ما حوله من الروح. إن آدم هو أنت، إن آدم هو كل من يدب على الأرض آدميا، إن آدم الإنسان هو الروح، يظهر يوم تقوم الروح في وعائها من الأرض، وهو ما نشهده في هذا العصر برسالة الروح في اتصالها بنا، إذا أخذنا هذا الاتصال مأخذ الجد، إن الرجل الآدم مرتبة في التطور تبلغها الكائنات البشرية، منها يبدأ التواجد الإرادي والتطور الإرادي للكائن، وعندها يبدأ الاصطفاء من الأعلى لنفسه.

إن أطوار الجلباب، ليست أطوارا لإنسانه، وليست عَلما على عنوانه، ولكنها فطرة الجلباب، ليتواجد الجلباب، لصانعه، وما كان صانعه إلا روح آدم.

وما ظهرت روح آدم، إلا في جلبابها من تراب الأرض، وإن جلباب آدم من تراب الأرض، في ناموس الله، لا جديد فيه، ولا غيبة لقائم به، قائمٌ دائم، فليسيروا في الأرض فينظروا كيف خلقنا الخلق… فليسيروا في الأرض ولينظروا كيف بدأنا الخلق… فليسيروا في الأرض وليتأملوا ما كانت عاقبة الذين من قبلهم… فليعرجوا في السماء ولينظروا آيات الله، تظهر لهم، ويواصلون مشاهدة آيات الله، على ما شهدوها، في بدء وجودهم.

فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب، ومازال يخلق من ماء دافق، وسيبقى يخلق من ماء دافق، {يوم تبلى السرائر، فما له من قوة ولا ناصر}[٣]، ويوم يتأملونه في الرجع بعلم الساعة يعرفونه على ما عرفوه وجهلوه، كما بدأنا أول خلق نعيده، على ما تشهدون، إنا كنا فاعلين، وعلى ما فعلنا، بكم نفعل.

فنحن لكم شاهدون، وفي غد لكم مُشْهِدُون يوم تعرفون أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، وأن ما جاءكم من العلم، إنما هو قليل مما ينتظركم من العلم، فلا تطغوا بالمعلوم، وواصلوا الافتقار طلبا للمفقود لشهودكم وواجب الوجود لوجودكم.

يا أيها الناس، أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد، سبح الذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، لو أن هؤلاء الناس استقام وعيهم، واستقام علمهم واستقام فعلهم، فاستقام أمرهم، لأشهدونا، وعَلّمونا، في إخراجهم وتأليفهم، بعرضهم لرواياتهم وفنهم، كيف تواجد الحيوان من النبات، وكيف تطور الحيوان إلى قمة البشرية بشرا، وكيف نُفخ من روح الله، في وعاء الإنسان جلبابا، ليكون حقا، واسما لله، وكلمة لله وثمرة من ثمار الوجود.

ولأشهدونا جوهر الوجود شجرة طيبة، دائمة ثابتة، أصلها لسدرتها، وفرعها لسماواتها، لقائم حضرتها، في وحدانية وجودها، لأحد إنسانها عَلَم حقها، يوم يكشف لهم فيكشفون نشأة الوجود من الإنسان على عين نشأة الإنسان من الوجود.

بهذا جاء القرآن، ولو أنهم فعلوا لأتوا بالبيان، ولألهمهم المبين، ولأوحى إليهم من كان وحيا للعالمين، فما كان إلا وحيا يوحى، ما كان إلا أمر ربه للروح، في قائم أمره لحضرته لربه بعوالم الروح روح قدسه.

يلقي الروح منه على من يشاء من عباده، فيقوم النور، ويوهب النور، ويتولد النور من ذات إيجاده لعين وجوده بمن ألقى عليه الروح في إهابه، فقام بباطنه الروح لجلبابه.

إنسان الله، حق الله، اسم الله، كلمة الله، رحمة الله للعالمين، لكل طالب له به يتواجد، وفي كل موجود به يتزايد. يتعدد رحمة للعالمين، ويتوحد في عديده، لأحدية وجوده، علما على أحد مُوجِده.

أحواض الحياة… مصابيح الطريق… ماء الورود… وجه الشهود… طلعة الموجِد… اسم المطلق… مسيح اللانهائي… إنسان المعروف… صفات الموصوف… خلق الخالق… بخلقه يتخلق، كل من بخلقه تخلّق… ياقوتة أحدية ذاته، وعين مظهر صفاته…

عَلمُ لا إله إلا الله… قريب الله أكبر… نُصرة الضعيف… كرامة الشريف… نزاهة الأمين… كتاب العليم… فعل الحكيم… حكمة المبدئ… عَلم المـُكبِّر، لمن قال لا إله إلا الله، والله أكبر.

ماذا انتفعنا بإنسان الله؟ له نخاصم منسوبين إليه، ومعه نتخاصم، برؤيته بجهلنا في المخاصِم، موصوف متابعه[٤]. لو أن أهل القرآن، طلبوا رسول الله، في كتابه، وجادلوا أهل الكتاب عين كتابه، لأدرَكوا ودرَّكُوا الحق من الله فأخرجت قصة آدم للناس، في قصة حياته.

فما كان الرسول بينهم بأديمه إلا آدم وجودٌ لآدم، لشهود كل من شَرُفَ ابنا لآدم، وكُرِّم ليكون ابنا لآدم، فتهيأ ليتواجد، ظاهرًا وجديدا لآدم، بعين قديمٍ لآدم، في قديمه، باطن جديده، انطباعا على المحمد باقتدائه، لتحقيق حقه وخلقه وجزائه.

إن آدم وابن آدم، آدمان في مطلق الله، إنسانان في موجود الله، حقان في حقيقة الله، طوى كل آدم، بين أحشائه، ابنًا لآدم، وأحاط بكل ابن لآدم، محيط به، لقائمٍ به، لعين أبيه آدم، يشهده في مرآته بقلبه، منه يتواجد، يوم أنه معه لوجوده يتبادل، فبآدمه لأديمه يتزايد، وبه آدمه لظهورٍ منه يتواجد.

فكل آدم ابن لآدم، وكل ابنٍ لآدم هو وجودٌ لآدم، وأصل لآدم، فكل ابنٍ لآدم، أصل لجديدٍ لآدم، وكل آدم أصلٌ لوليدٍ لآدم، لآدم قبله، من خلاله يتواجد، وكل ابن لأدم أصل لآدم قبله لبعده، من خلاله يتواجد. هلا أبرزوا لنا قصة آدم على ما هي دورة الزمان، ودورة الحياة، ودورة الإنسان، فانتشر بيننا لنا العلم الصحيح عن آدم.

إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب، من غثاء حواه لمعاني جلبابه، وما خلقه وما كان خلقا، لما أوجد فيه من روحه، ولما جعله وأظهره روحا منه. فروح الله لا تُنْعت بوصف خلق وهي قائم وقيوم الحق.

إن ما كان فيه من الروح هو الحق، وإن ما قام بالحق من الماعون هو الخلق {وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد}[٥] وهنا تساوى آدم وابن آدم في الأعلى لهما بالإنسان في أي صورة ما شاء ركبه الناموس المطلق.

آدم خلق من تراب في سلالة من طين، ثم قيل له كن فكان، فتواجد بنفسه، لأمره العنوان، ثم نفخ الأعلى فيه من روحه فكان للأعلى العلم والإنسان.

وعيسى، هو عند الله مثله كمثل آدم تماما، خلقه من تراب من سلالة من طين، ثم من سلالة من ماء مهين، سلالة من آدم، وقال له كن، ففي قديم له كان، وفي قادم له ما زال يتكون، حتى يكون وهو في دوام يتكون على ما كان، ويوم يَكُون، يتوفاه الله إلى معنى الإنسان للرحمن {إني متوفيك، ورافعك إلي}[٦].

إن عيسى الذي عرفنا لم يُتوفّ بعد، كلّم الناس في المهد طفلا ويكلمهم عَلمُ الساعة كهلا، مستكملا حكمته، مستكملا رشادَه، مستكملا عِلمه، مستكملا إنجيله وكتابه، مستكملا حقه وإهابه، مستكملا ماعونه وجلبابه، لمعنى آدم، وبيت آدم… بحوائه، وما حوت، من أبنائه.

إن عيسى لم يظهر لنا بعد، بعطائه، لمعنى، كلمة الله. إن الذي ظهر بها وهي له فيه ومنه إنما هو من ظهر رسولا لله من بعده وهو من خلاله، بها يظهر هي له، ليكون من ظهر بها من قبله، عين من يظهر بها من بعده، لمشاهد الحق لقيوم غيبه، على قائمه لظاهره، إنسانا لإنسان ورفيقا لرفيق، فيمن لا رفيق له، ولا مثيل له، ولا مكافئ في المطلق اللانهائي المحيط بمقيداته.

إن محمدا، كان بين قديم مسيحه قيوما، وقادم مسيحه قائما مسيحا لمسيح لله قائما هو به له ممسوحا فيمن مَسَح مسيحه، من قبله، وبمن قام ويقوم مسيحه من بعده. بذلك كان مسيحا وأمرا وسطا، فكان بمعرفته عن نفسه وبعده وقبله خير الأمور.

فما عرف محمد لمعاني ربه، إلا مشهود مسيح مسح فيه لمسيح قبله، وما عَرف لمحموده بحقه، إلا مسيحه لمسيح بعده، في محيط الله لأمره، في قائم الله لمعروفه، في لانهائية لتقديره وإدراكه، ومعرفته.

بذلك شَرُفَ محمد، وشرفت رسالته، وشرف كتابه، وشرف دينه، وشرفت سنته، وشرفت عترته وشرفت كائنات بيته، وموجودات صحبه، وأشياء متابعته، في واحد وجوده، لأحد موجوده، علما على موجِده، لمعاني ربه، في الله ذي المعارج.

هل أدركنا رسول الله؟ هل أدركنا أن الدين إنما هو في مُدَارستنا، وتواصينا بالحق، وتواصينا بالصبر، حول رسول الله، طلبا وفهما وعلما وإدراكا ومنشودا، واعتقادا وموجودا، في شعار الإسلام، بلا إله إلا الله والله أكبر؟

قامت معارف الإسلام بمحمد رسول الله، وبمحمد حق الله، وبمحمد إنسان الله، وبمحمد وجود الله لموجود عبده، موجِدا لكل ما أوجد، عَلَم موجده، بموجوده. بهذا قام دين الإسلام، وقام دين الفطرة لمن أراد أن يبقى بالإسلام حريصا على ما تواجد به من الفطرة، في قائمها، ولا يخرج من دين الإسلام هو في قائمه.

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

اللهم يا من بموصوف الخلق بالحق أوجدتنا، اللهم بالحق فأبقنا، وعن الحق فأعلمنا، وعن حقك بنا فاكشف عنا أغطيتنا.

اللهم وانفخ من روحك في أسوار ذواتنا، وضاعف لنا من نور الوجود بك، ومن روح الحياة لك.

اللهم اجعلنا عبادا لك، وأربابا لنا، أربابا لما صنعنا بنا، على ما صُنِعْنَا من صانعنا، أنت الأعلى له صنعت، وبه سويت، وله ولنا بقدرتك قدَّرت فأوجدت، وحققت، فأحييت، وهديت فأبدعت، وخلقت فحققت، لا إله إلا أنت، ولا موجود بحق سواك.

اللهم بمن حققت فحققنا، وبمن رحمت وجعلته منك رحمة به رُحمنا، على ما رحمت قدوة لنا، اللهم به في معراجه فارحمنا وقدوة به فاقبلنا، وبه فأوثق وصلتنا، موصولين بك بوصلتنا به، في قيامنا بلا إله إلا الله، وشهودنا لله أكبر، في شهوده قيوم قيامنا، وشرف قائمنا.

اللهم به فادفع عنا، وأنزل سكينتك على قلوبنا، والسلم والسلام على أرضنا.

اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا.

اللهم به فأصلح أمرنا، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، جاهلين ومسلمين، غافلين ويقظين.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة فصلت - ٥٣ ↩︎

  2. سورة الحجر - ٢٩ ↩︎

  3. سورة الطارق – ٩, ١٠ ↩︎

  4. تم تصويب هذه الكلمة وفقا لمراجعة النسخة الخطية المراجعة من السيد رافع. ↩︎

  5. سورة البلد – ٢, ٣ ↩︎

  6. سورة آل عمران - ٥٥ ↩︎