(٤)

العبودية لله غاية
والعبودية لله نهاية
العبد لله، السماوات والأرض معناه لمبناه
نفسا لله، لنفسه ارتضاه، فوجها له تجلاه، واسما له عناه

حديث الجمعة

٥ ذو القعدة ١٣٨٥ هـ - ٢٥ فبراير ١٩٦٦ م

الحمد لله… الحمد لله… الحمد لله لا شريك له.

ولا إله إلا الله، لا موجود بحق سواه. والله أكبر، على كل من طغى وتكبر.

بسم الله نقوم… وبسم الله نحيا… وبسم الله نعمل… وبسم الله نتواصى بالحق، ونتواصى بالصبر… وبسم الله ندعو إلى السلام، وإلى دار السلام، بقيام السلام في أنفسنا، وفي قلوبنا، ومن حولنا.

عبــاد الله:

اتقوا الله، لتكونوا عبادا لله… إن العبودية لله غاية، وإن العبودية لله نهاية… إن العبودية لله، بدايتها الخلقية لله، فأنتم خلق الله، لمراده بكم أن تكونوا عبادا لله… وإرادته بكم أن تكونوا أسماءً له… قائمة، دائمة، أزلية، أبدية، فهل رضيتم أنتم خلق الله، أن تتواجدوا باسم الله، بذكر الله، بتقوى الله، برؤية الله، بلا إله إلا الله؟

هو قائم وجودكم، وحياتكم لشهودكم… لا تأخذه سِنة ولا نوم في قلوبكم، ولا يترككم لحيوانكم بإيقاظه لعقولكم، ولا يتخلى عنكم بعمله، بجذوة الحياة لنفوسكم، فأنتم بنفوسكم لا إله إلا الله، وأنتم بعقولكم لا إله إلا الله، وأنتم بقلوبكم لا إله إلا الله، وأنتم بأرواحكم لا شريك له.

فأنتم لا إله إلا الله، بجماعكم، يوم تحرصون على معاني الحياة. أنتم تحملون أمانة الله، بقائم الحياة لكم، فلا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله. إن أبعاضكم بالنفس والقلب والروح والعقل، تجمعها الحياة.

فلا ترببوا النفس على العقل، فتعكسون أوضاع الحياة، ولا تغفلوا القلب، مُمِدا، للنفس والعقل بالقدرة والطاقة فتعطلوا نمو الحياة، ولا تغفلوا العقل مُمِدا للنفس والقلب فتعطلوا استقامة الحياة بالإدراك والعِلم، متجددا، ناميا فياضا منتشرا.

ولا تغفلوا عن حاضر الله لكم لا تأخذه سِنة ولا نوم، في بيته بقلوب لا تأخذها سنة ولا نوم، اذكروا الله معيتكم، وجاهدوا معانيكم ومبانيكم أن تكون معيته. إن الذي هو أقرب إليكم من حبل الوريد، لا ينكر ولا يجحد ولا يكفر.

إنه الحياة، وأنتم بالحياة، تقومون، وتريدون، وتعملون، وتَخلِقون… أنتم بالحياة معنى الخالق… وأنتم بالهيكل معنى المخلوق، فلا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله، اعلموا أن وصف العبد لكم ووصف الرب لكم، في موصوف الله معيتكم، بمعاني الحياة، فلا تحقروا أنفسكم، ولا تُظاهروا عقولكم، ولا تغفلوا عن الافتقار للحياة، في بيتها من قلوبكم.

{إن الذين تدعون من دون الله، لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضَعف الطالب والمطلوب}[١]… (لو كانت الدنيا تساوي عند الله، جناح بعوضة، ما سقى الكافر منها جرعة ماء)[٢]… إن الجدير بالتقدير، والتقديس، والإدراك، إنما هو معاني الحياة فيكم، إنما هي الحياة.

إن ما نسميه الدنيا، في قائمها لكم، إنما هو مادي وجودكم بالهياكل، إن الدنيا ليست المدن، والطرق، والمباني، والمزارع، والأموال. إن الدنيا إنما هي ذواتكم، يوم تحرصون عليها فتتضاءلون، في قائمكم بالروح بقائمكم بمادي الحياة.

إن حرصكم على الحياة، وتنميتها، وتطوير دنياكم بذواتكم بها، هو حرصكم على الله. الله هو لكم… أنتم له الأسماء، وأنتم به الوجوه له، وأنتم بنعمائه العوالم… وأنتم بكسبكم له الحضرات.

إن الذي تسمونه الله وملائكته، إنما هو أنتم في اجتماع قلوبكم، على قلب رجل منكم، صدق قلبه، وصدق لكم من الله به وعده، لو اجتمع إنسكم وجنكم على أتقى قلب رجل منكم، وأعطى المطلق، وأعطى اللانهائي، وأعطى الله، وأعطى الأعلى، كلا منكم مسألته، ما طرأ على الوجود طارئ، وما نقص شيء من ملك المالك.

وما كانت مسألته، إلا أن يكون في حال مَثِله ارتضاه، وجه ربه له عناه، ووجها لله رآه، وحقا من المطلق داناه، فكان بالرحمة من الله متوليا متوليه، مقيما له فيه، قائما به بمعانيه، نور الله، جُعل له، سرى به في مُرتَضِيه، فكان عينه لمعاني الله وعانيه.

آمن بالله ورسوله… آمن بالإنسان والأعلى للإنسان من الله بالإنسان، وطلب معنى الإنسان لمعناه، بقائمه بمبناه، لمعنى دنياه، فتولاه، مَنْ مِنَ المطلق تولاه، فوالاه، وقامه لمعناه، فكان عبدا لله، وعبدا لعباد الله.

من يكون عبد الله؟ وكيف يكون عبد الله؟ وما مداه؟! ومن مولاه؟! وأي معنى في الوجود معناه؟! وما مبناه؟!

هو عبد ارتضاه مذكور الله، لمعنى عبده ووجهه واسمه ومعناه، ارتضاه لنفسه من لم تسعه السماء والأرض، فبحقه عبدا لله، طوى السماوات والأرض لمعنى مبناه، وظهوره بمجلاه.

قام غيبا على السماوات والأرض، إلا لمن ارتضاه، ورضى لنفسه أن يكون عبدا لعبد لله، تقديرا لله، وإكبارا لله، وفهما في الله، وفهما عن الله، وإيمانا بالله، في قيام بالله.

إن الذي خلق الإنسان لنفسه، فارتضت نفسه أن يكون لله، فأصلحه الله لنفسه، يوم غَيّر ما بنفسه من جفوة مع الله، فغيّر الله ما به إلى اسم الله، نفسا لله… ما تكون الأشياء مع من كان لله عبدا… مع من كان لله نفسا… مع من كان لله وجها… مع من كان لله اسما.

هل عَرفنا عِباد الله، يمشون على الأرض هونا؟ هل طلبنا عباد الله، أخفاهم الله في خلق الله، روح الحياة، وحقائق الحياة، وأحواض الحياة؟ هل عرفناهم يد الله، لطالب الخلاص من نفسه زلت به في طريق الحياة، فخدعته دناه، فانحط عن معناه، وسقط في هاوية مبناه، ولم يحرص على قيومه لقائمه في مولاه؟

اختار العدم، بلا مبالاة، ولم يركب سفن النجاة، ولم يتخذ له دليلا في هذه الفلاة، فضلَّ الطريق إلى واحة الخلاص والنجاة، يعرفها لسكينته وسكنه يوم يدخل في عبد من عباد الله جَنة مأواه. {يا أيتها النفس المطمئنة… ادخلي في عبادي وادخلي جنتي}[٣]، يتامى يعودون إلى بيوت الآباء فيها يمرحون.

إن إحسان الظن بالناس، لا خطر فيه، ولا ضير منه، ولكن إساءة الظن بالناس، فيه كل الخطر، وفيه كل السوء. إن المؤمن، ينشد الحق في الناس، ويطلب الله في الناس، ويعبد الله في الناس. إن المؤمن غِرّ يُخدَع، ولا ضرر عليه أن يُخدع، ولا يحط من قدره أن يكون غِرَّا. (مِن مأمنه يؤتى الحذِر)[٤]… {إن الله يدافع عن الذين آمنوا}[٥].

إن الذي يحكم على الناس بالسوء، ويقدرهم بالسوء، لن يجد له من الناس، ولن يرى بينهم من يكون له حوض حياة، ولا مفازة نجاة، (لو اعتقد أحدكم في حجر لنفعه)[٦].

إن الله أعطانا عقلا… وأعطانا قلبا… وأعطانا نفسا، وجعلنا فيه وراء ذلك كله، يوم نكون عبادا لله، يوم ننشد أن نكون عبادا لله، يوم نبحث عن عبد لله، بين خلق الله. ويوم نرى الناس عبدا لله، نجتمع على وجه الله بعبد الله، قيام خلق الله.

{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[٧]. من رأى رسول الله بحكمة الله في الناس، هداه السبيل، وجمعه على الدليل، {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة، أنا ومن اتبعني}[٨].

فهل قام فقهنا؟ وهل تواصينا بيننا بالحق، طلبا لوجه الحق، وجها ناضرا، وجها مشرقا؟ إن الوجوه التي عليها غبرة، ما زالت موصوف الوجه له، وما زالت مبرزة، بحكمة منه، وما زالت تدل على حقيقة له، في نقيض صفاته لقيامها برحمانه. إن السلام في مجانبتها وصفاتها. وإن المجاهدة في مباعدتها، والبعد عن مساندتها، وإن الرحمة في الانتفاع بالتأمل فيها لرؤية قائمها في النفس، وفي ذلك كله سليم المجاهدة، وهذا هو التخلص من المعاندة.

ولو جاهدنا، وفي جهادنا أمرنا سددنا، واعتزلنا بنا كل ما من دون الله، طلبا لكل ما من الله فينا، لعرفنا أن الدنيا، لمآل أجسادنا، جيفة، قذرة حقيقة، قذر ما فيها، عدا ذكر الله، وما والاه.

ولو عرفنا أن طلابها عبادها، وأن عبادها كلابها، وأن ساداتها المتخلصون عنها، المتبرئون منها، لهدانا الله سواء السبيل، وجمعنا على الدليل، ولكشف عنا أغطيتنا، وتجلى لنا فينا منا، وتَحدث إلينا بنا عنا، (استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك)[٩]. لهم قلوب لا يسمعون بها، لا يتكلمون بها، لا يبصرون بها، لا ينتفعون بها.

لهم قلوب لا يدخلونها، ولو دخلوها، لسبحوا في دارهم من السماوات والأرض، أُعدت لهم متقين، وحُرِّمت عليهم غافلين، وما حَرَّمها عليهم مبدعها لهم. (خلقت كل شيء من أجلك فلا تتعب)[١٠]، ولكن حَرَّموها هم بفعلهم على أنفسهم، لأنهم جافوا من خلقهم من أجله، جافوا من طلبهم إلى الجد في أمر أنفسهم، خالفوا من نهاهم عن الاستهتار بأمرهم، أمرهم أن لا يفرطوا في أمرهم، هم لله أمره، هم لله شأنه، هم لله وجوده، هم لله شهوده.

هل عَبَّدوا أنفسهم لله على ما أرادهم لنفسه، فلم يجدوه، وفي أنفسهم لم يلاقوه؟ إنهم خاصموا كل من عرفه في نفسه، فأراده لهم في أنفسهم، فوصموه متألها عليهم متفسقا عن أمر الله إليهم، وهو ما تأله، وهو الإله، وألهوا هم بفعلهم وبجهلهم وغفلتهم، مَن عليهم بشيطانه تألّه…

فسجدوا للشيطان، مجنَّدين له، خادعا لهم، وقاموا في وجه الرحمن، مخاصمين له، وهو بينهم، من أنفسهم، موصوف عبده، وقائم رسوله، وقيام رسالته، ودائم أمره، وأزلي وأبدي سعيه، وباب رضائه، وساحة رضوانه، ويد إحسانه، قائم عَلَمه، وحق معلومه.

ماذا تَفَقّه الناس في أمر عبد الله، ففقهوا عن الله لهم؟!!! يذكرون الله لفظا تلوكه ألسنتهم، لا تخشع له قلوبهم، ولا تقشعر منه جلودهم، يسوفونه لقيامه، ويسوفون قيامتهم في قائمه، ويسوفون عِلمهم عن معلومه، ثم هم الموحدون! هم المؤمنون! ولا وحدانية بينهم، ولا تآلف لقلوبهم، ولا اجتماع لهم على ذكره، ولا قائم لهم بحقه، ولا إدراك لهم لروحه، ولا إيمان لهم بسبوحه. سبحانهم… يوم هو عندهم سبحانه، ما أعظم شأنهم… يوم هو عندهم العظيم، ما أحقهم وما أقدسهم… يوم هو عندهم الحق في أنفسهم.

الناس هم الناس دائما، وتدافعهم هو تدافعهم دائما، فإن تدافعوا على الحق صادقين، انتهى الصراع إلى المحبة، بالحق مؤمنين. إن تدافعوا على الحق، انتهى التدافع إلى الوحدة للحق، ما من محبة إلا بعد عداء. (ما شاد هذا الدين مُشاد إلا غلبه)[١١].

ولكن كيف تكون المحبة بعد العداء! إنها يوم يكون العداء على من يحب عند المتعادين عليه، يوم يكون الصراع على الله… يوم يكون الصراع على الحق… يوم تكون الحمية للحق… يوم تكون الحمية لله عند المتصارعين عليه.

ولكن الصراع على الدنيا لا ينتهي إلى حب، مهما تآلف الفريقان على الدنيا، ممن كانوا عليها من المتصارعين أو المتوافقين… إن المتحابين على الدنيا ينتهون إلى فراق، وإلى تباغض، وإلى تصارع عليها، مهما تآلفوا لكسبها كسبا مشتركا لجمعهم.

إن المتصارعين على الدنيا في جمع أمام جمع وإن غلبوا، فهم المنهزمون فسيرتد عليهم المنهزمون يوما، على الدنيا يتجمعون كما تجمعوا، ولها يدبرون كما دبروا، وأيدي كاسبيها عنها يزحزحون، وقد تفرق جمعهم تزاحما عليها، فعن وحدتهم عليها يتراخون. هذا شأنها، يوم ربحوها وكسبوها، فأكلتهم يوم تنازعوها، وفرقتهم يوم غنموها. هم مع غيرهم، بتنازعهم عليها مرة وأخرى في دائرة مفرغة يدورون، وللسلام يفقدون، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى.

إن القلوب لا تتجمع على الدنيا. ولكن النفوس هي التي تتجمع على الدنيا. إن المتجمعين على الدنيا، لن يخلقوا لهم جديدا من دنيا، ولن تخلقهم الدنيا، فهم عبيد الدنيا وليسوا مجدديها، وليسوا خالقيها، والدنيا يوم استعبدتهم، استهلكتهم وما خلقتهم، ولا جددتهم.

إن الحياة، هي التي تجدد نفسها، وترزق الدنيا رزقها لعباد لها، وترزق الآخرة رزقها بعباد لها، وما كان عباد الدنيا أو عباد الآخرة، عبادا لله.

إن العباد لله من اتحدت قلوبهم على ذكره، فاتفقت وتواءمت أمورهم على أمره، فقاموا بسره وجهره، فكانوا غيوب أنفسهم، وظاهر غيوبهم، كانوا عباد الله في ظاهره بمبانيهم، لحقائقهم بمعانيهم، لقيوم ربوبيتهم، لقائم عبوديتهم لعين وجهه بهم لهم فيهم…

سادت وقد تحررت أرواحهم، وانتصرت وقد نارت عقولهم، ورفعت راية السلام، يوم اشتعلت بجزوة الحياة نفوسهم، فبعثوا بالوجود لذواتهم، وجودا متطورا ناميا لأراضيهم وسماواتهم، أدركوا كيف بدأوا من علق على ما كانوا، إلى ما هم كائنون عين من صنع العلق وقذفه وأودعه ورعاه. فعرفوا أنهم في كيانهم بحاضرهم عَلق لقابلهم ولما سيكونون عليه، فأدركوا وعد الحق لهم ولخلق السماوات والأرض، كبيركم أيها الناس يوم تكبرون، وتطوركم يوم تتطورون، وآخر من يخرج من النار يُعطى أمثال هذه الدنيا، جُعلت الشمس عليه دليلا.

ما كانت الشمس دليلا إلا على الإنسان، وما كان الإنسان دليلا إلا على الرحمن، وما كان الرحمن دليلا إلا على الإحسان، وما كان الإحسان إلا المعبود، المقصود، المدرَك بالوجود للوجود في الوجود، لمن به تواجد وله في نفسه شهد، فشهد أنه لا إله إلا الله، يوم عرف أنه محمدا رسول الله، معه وحد وبه توحد.

به جاء الحق… وبه صَدق الوعد… وبه قام الجَد… وبه انتهى الهزل… وبه تحقق السعد، لنفوس مطمئنة، دخلت في عبد الله جنة، فقامت فيه له ظلال، تجدد فيها له المثال، فتنزه الله عند العبد المؤمن به، إيمانا بنفسه لله ورسوله إيمانا بالله ورسوله، لا يفرق بين الله ورسوله، ولا بين الرسول وكوثره، ولا يفرق بين العبد وربه، ولا يفرق بين خلقه وحقه، فلا يفرط في أمره ولا يأمن لخدعة نفسه، فيشهده لا إله إلا الله، فيشهد الله أكبر والله أكبر لعين معناه في الله يكبر ويكبر. هذا له ولمن جدد نفسه به، ليُعلّم عن معلومٍ يعلمه، تجديدا للحياة عند مجددها في معالمها بالوجود.

{من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}[١٢]. وما هي النفس التي تقتلها أو تحييها؟ إنما هي نفسك أنت، أنت محييها يوم تحيا، وأنت قاتلها ومغتالها، يوم تغفل عن الحق لها. ابدأ بنفسك. {عليكم أنفسكم لا يضركم مَن ضل إذا اهتديتم}[١٣]… فأحييها على ما رسم لها من الحياة بأمانة الحياة في مرسوم الطريق، في مرسوم التشريع، في مرسوم التبليغ.

لا تضع تشريعا من وضعك، ثم تقول، هذا هو تشريع الله. لا تقم في إرادتك ضالة، ثم تقول هي إرادة الله، إن الله أعطى كل شيء خلقه سواء في اتجاه الشيطان، أو في اتجاه الرحمن، يتواجد على ما يريد. (إن الله، لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية)[١٤]، وهو كائن فيمن كان على ما كان، بما هو به كائن، (كن كيف شئت، فإني كيفما تكون أكون)[١٥].

لا تتخلى عن مسئوليتك اتهاما لله، إن الله أعطاك أيها الشيء طريقك لخلق شيئك، وتطوير شيئك، والانتقال بشيئك، إلى وجود لحقك، لمعنى الرب لك، في قائم الحياة بك. {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان}[١٦]. بدأناه ظلوما جهولا، وبلغنا به مرادنا، راحما مرحوما، (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السـماء)[١٧].

بدأناه ظلوما، وانتهينا به ميزانا، عقلا متحررا طليقا محيطا درَّاكا مدرَّكا مدرِّكا، ميزانا يفرق بين الحق والباطل، انتهينا به روحا لنا، متحررا، ممكّنا، قادرا، عزيزا، انتهينا به نفسا لنا، ووجودا كبيرا، {وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا}[١٨]، هو لك، إنه نعيمك وملكك.

إن الله، مالك الملك، يؤتى الملك من يشاء من عباده، فيجعلهم ملوكا، ويجعلهم أعزة، ويدرِّكهم جمال الذُل له فيختارون الذل للمطلق، على العزة لموصوف المقيد، يختارون أن يكونوا عبادا لله عن أن يكونوا أربابا لملك.

جاءنا عبد الله، فهل أدركناه؟ وتجدد بيننا عبدا لله، بظلاله لكوثره، يعلمنا معنى السجود لربه بالله لأنفسنا، {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال}[١٩]، وهل في السماوات والأرض إلا عباد لله بين رب ومربوب!

لمن يظهر الله؟ وكيف يظهر الله؟ يوم نقدر الله حق قدره، يوم نؤمن بالله على ما يليق بالإيمان به، يوم ندرك معنى الله، على ما عبر الوجود به عنه. إن الذي لا شريك له من وجود، ولا موجود معه بموجود، كيف يظهر لموجود، إلا في نفسه!

وإذا ظهر لموجود في نفسه، هل تقيد هو؟ هل تخلى عن مطلقه؟ هل خرج من وصف إطلاقه؟ هل تحدد؟ ولمن أضاف الموجود بالحق، بموصوف الوجود لنفسه؟ إنه إضافة إلى المطلق… إنه إضافة إلى الغيب.

إن الذي أصبح مرتبطا بالغيب، ما ارتبط إلا بغيب وجوده، موجودا لمشهوده، لعين موجوده، فعرفه إنسانا لإنسان، وحقا لحق، وعبدا لعبد، واسما لاسم، فعرفه اسم الله ورسوله، شهده جديد رسول الله، لقديم جديده… جديد رسول الله قديما له، وقديم رسول الله لجديده به.

عَرفه ذكرا لله محدثا لذكر لله قديم ولأقدم، عرفه بدءا من ذاته، دلت على أقدس، بقائمها لقائم مقدس، في الله ذي المعارج، يطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات.

فماذا أخذنا عن ذات رسول الله؟ وماذا عرفنا عن روح رسول الله؟ وماذا قدرنا لشهادة رسول الله بيننا؟ وماذا أدركنا لغيبه عنا؟ علاَّم الغيوب… غَفَّار الذنوب… سَتَّار العيوب… لا يدين أبدا… (أُمة مذنبة ورب غفور)[٢٠]… اعتذر لمتابعيه، وغفر لهم قبل أن يعتذروا أو يستغفروا، واستغفر لهم وشفع عند ربه قبل أن يعرفوا أنفسهم بالإساءة، رحمة للعالمين، ساحة للمتقين، طلعةً لرب العالمين… يدا لله، مبايعوه على أنفسهم يبايعون الله على نفسه لهم بأنفسهم له ويد الله به لها الغلبة على كنودهم، (وا عجبي من أناس يجرون إلى الجنة بالسـلاسـل)[٢١]، يرحمهم رغم أنوفهم، (من قال لا إله إلا اللَّه خالصا بها قلبه، دخل الجنة، وإن سرق وإن زنا رغم أنف أبي ذر)[٢٢].

إن شهادة لا إله إلا الله، يوم يشهدها مشاهد، ويوم يدخل في حصنها داخل، يقوم فيها الدين كله، ويقوم بها الحق كله، فهل نحن داخلوها، أم نحن مجانبوها؟

نقف على المنابر، لنصف الله، بموصوف فرد من خلقه، بموصوف عبد من عباده، وأي عباد؟ عباد نحكم لهم نحن بالعبودية وما كانوها، وقد نصفهم بالتقوى وما عرفوها، ونسميهم العلماء وما عَلِموا، ونسميهم العارفين وما عَرفوا.

ونحن لمن عَرف نفسه لله، نقلوه، ونهجوه، ونخاصمه، إذا عَرَّفنا عن أنفسنا لله، إذا صارحنا عن أمر الله لنا. ونسجد، واهمين الطاعة لله، لمن يفرض نفسه علينا بطغيانه، ويحدثنا ببهتانه.

إن الناس هم الناس حتى في غفلتهم، هم لله، ولكن ليسوا عبادا لله، هم عباد الله في وحدانيتهم معه. إنهم في عبوديتهم للدنيا، وهي الله، ربا لهم كانوا لله ولكن ليسوا عبادا لله، إن الدنيا في الله هي الله لهم، هم لها عباد، فلم يسودوها بربوبيتهم عليها عبادا لله، فقد خُلقت الدنيا للإنسان، وخُلق هو للرحمن، ولم يخلق الإنسان لتسوده دناه.

إن العبودية لله لها بدؤها ومآلها، إنها تبدأ يوم تلد الأَمة سيدها، وتشرق الأرض للقلوب بنور ربها يوم تعرف أرض القلب مَن ربها، وتعرف النفس للقلب قدسيته يوم تعرف النفس العقل وقد زويت له الأرض، يوم تعرف النفس من تصلي له الفرض، يوم يعرف العقل ما تكون القِبلة له، وما تكون الغرفة يسكنها ويملكها، يوم تعرف النفس لروحها معنى الله لها، فلا تخاصم الله معها بمخاصمة ربها فيها فتنشد غايتها من أن تكون لمن هو معها وأقرب إليها من حبل الوريد، نور الحياة… ونور العقل… ونور الطاقة، فتعمل أن تكون عبدا لربها لها فيها هي له، مضافة إليه، فتعرف معنى السعادة، وتعرف معنى الحياة، وتعرف معنى الحرية، وتعرف كيف تتعارف، وكيف تعرف.

تأملوا وانظروا حاضركم من دنياكم، على ما كان من حاضر آبائكم في دناهم، ها أنتم تتوارثون كنودهم، وتقومون في غفلتهم متسربلين بجلابيب ظلامهم بجاهليتهم، {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون}[٢٣]، أمجاد الآباء والأجداد؟! أمجاد الظلام والغفلة. ولتجدن أكثرهم مشركين، ولتجدن أكثرهم لا يؤمنون.

(إن قومي عمموا بالشمس هاماتهم… ومشوا فوق رؤوس الحقب)[٢٤].

أين هم… هل تسمع لهم من رجس! أين هم! سيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبلكم، استعيدوا أمام عقولكم، وتذكروا بأنفسكم هَدي عبد الله ورسوله بينكم، (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن الذي أخشى عليكم أن تفتح لكم البلاد، أن تفتح لكم الدنيا، فتنافسوها، كما تنافسها الذين من قبلكم، فتأكلكم كما أكلتهم)[٢٥].

ها هم الناس، يتصارعون على الدنيا، في مشارق الأرض ومغاربها، وها هي الدنيا، تأكلهم كما أكلت الذين من قبلهم، أين سادة مصر بالأمس؟ أين سادة سوريا بالأمس؟ وأين سادة غانا بالأمس؟ وأين سادة كل بلد، بسادتها من أمسها؟ هل اتعظ سادتها في يومهم، بسادتها في أمسهم؟ هل حرص سادتها في يومهم، على أمر سيادتهم في غدهم؟ إنها الدنيا، تتقاذف عبادها، وتأكلهم كما تأكل الهرة أولادها، إنها تنبتهم منها، ثم تستعيدهم لجوفها.

هل تابعوا عباد الرحمن عليها؟ جاءوا لينقصوها من أطرافها يوم يأخذون من يأخذون معهم، من أحلافها وقد بدلوا ما بهم فهم يكفرون بها، إلى الأعلى عليها، فتتفتح لهم أبواب السماء ليدخلوها، مهاجرين، من الأرض، يفارقونها إلى جنان عرفوها، فيدخلون المدينة للعلم طلبوها، يهجرون بكة، بظلم أهلها بالظلم قلوها.

فيستقبلهم أنصار الله، حواريو الله، الله في معيتهم شهدوه، والحق منه عرفوه:

طلع البدر علينا… من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا… ما داعا لله داع

أيها المبعوث فينا…جئت بالأمر المطاع[٢٦].

أيها المبعوث في أنفسنا… أيها المبعوث في قلوبنا… أيها المبعوث في عقولنا… أيها المبعوث في قوالبنا… أيها المبعوث في أمورنا لأمرنا.

أيها المبعوث فينا… جئت بالأمر المطاع

جئت شرفت المدينة… مرحبا يا خير داع[٢٧]

جئت نور الله حل بصدورنا وقلوبنا فشرف مدينة هياكلنا بإرادتنا ومحبتنا، {لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد}[٢٨].

قصة للناس ولكافة الناس أبرزت لتكون قصة كل فرد منهم. فهل في نفوس المؤمنين برزت؟ هل لبت العقول دعوة الضمائر؟ هل تعرضت القلوب للحياة؟ هل استقامت النفوس في أمرها؟ هل تجددت الجلود في أطوارها؟ هل تغيرت القوالب مما بها من القلوب في كنودها، ومما بها بالنفوس بجهلها، ومما بها من العقول في غفلتها؟

هل استيقظ النيام؟ هل قاموا في السلام؟ نودوا أن ادخلوا في السِلم كافة، فما دخلوه، حتى اليوم، دُعوا ليؤمنوا بالسلام، اسما لله، واسما لرسول الله، واسما للمؤمنين بالله ورسوله فما تحلوه، وما حملوه، ولكنهم بثياب الخصام تسربلوا وفي دوام.

فهل أقاموا السلام بدينهم؟ هل فارقوا الخصام بيقينهم؟ هل جادلوا في الله بالحق؟ هل تواصوا فيه بالصبر؟ هل تآلفوا عليه؟ هل تخاصموا فيه مع خصومه؟ هل كان الله ورسوله مرادهم، فيما يعنيهم من أمر دناهم وأخراهم؟

هذا ما دعا إليه الإسلام… وهذا ما يجب[٢٩] أن يكون دعوة باسم الإسلام، يوم يتواجد بيننا مسلم. أليس فيكم من رجل رشيد! إن الإسلام لا يرفضه العقل، ولا يجفوه القلب، ولا تخاصمه النفس، يوم يعرف، يوم يدرك، يوم يقوم له بين الناس مثال، يوم يظهر مسلم، بالإسلام له حال.

من يرفضه… من يجفوه… من يرفض أن يكون اسما لله، من يرفض أن يكون عبدا لله، من يرفض أن يكون وجها لله، الوجود تحت قدميه بالسماوات والأرض ملك يديه؟

من يرفضه… وهو يعرف أن هذا ميسر، يوم يسلك إليه طريقه، ويعرف ما تكون سبيله، يوم يعرف له بابا يطرقه؟ يوم يعرف لله وجها يعبده؟ (نحن روحان حللنا بدنا)[٣٠]… تقولها لامرأة ولا ترتضيها لإمامك، ولا ترتضيها لرسول الله، ولا ترتضيها لله، بوهم الإكبار لله، بجهلك، وبوهم الإكبار لرسول الله، بغفلتك، وقنوطك من رحمة الله.

أوحي بعد رسول الله!! هو ختام النبيين. نعم… ليس هناك وحي بعد رسول الله، لأنه هو الوحي… إنه قديم الوحي جَدَّ، وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا بصفاته، يقوم بآياته، يوحى بإذنه ما يشاء، وما ينطق عن الهوى، فما يكون هو!! {إن هو إلا وحي يوحى}[٣١].

إنه الروح تجسد بشرا ليكون رسولا من أنفسكم… إنه الحياة… إنه الحق. هل عرفه قومه حقا من حقائق الله؟ هل عرفوه عبدا من عباد الله؟ كلهم ينشد أن يكون عبدا لله، وهو يجهل معنى العبد لله. نعم إنه الوحي السرمدي الخالد… إنه الوحي القديم المتجدد… إنه الوحي الدائم… إنه أمر الله القائم… إنه بكوثره آية الله، المتعددة، المتكاثرة، المتقادمة المتجددة.

إنه رحمة الله، فكيف تغلقون أبواب رحمة الله، بغلق بابه، بهدم بيته، بالإنكار عليه، حقا من حقائق الله، وعبدا من عباد الله؟ وتتابعون كل ناهق، باسم التنزيل، وكل متفيهق باسم التأويل، وإن أنكر الأصوات لصوت الحمير. إن الله ما تحدى بالقرآن المؤمنين، فقد كان القرآن لغتهم، وحكمتهم وبيانهم، ولكنه تحدى به المخاصمين، ادعوا من دون الله من شئتم، {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله}[٣٢]، {لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}[٣٣]. ولكن من كان بالله يتكلم فبحكمة القرآن وبلغته وبلاغته ينطق، كان حديثه قرآنا وتنزيلا، قوم أناجيلهم صدورهم، علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل. تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، لا يفترقان أبدا، فكيف ينقطع الوحي!

إن الذي ترفع إليه أعمالنا، فيحمد الله، أو يستغفر لنا، كيف لا ينشغل بنا وبأمرنا! وكيف لا يوحي إلينا، وقد جعل الله له نورا يمشي به في الناس، دائما قائما، لم يرفع بغيبة أول هياكله! أعطي كوثر التكاثر لجلابيب ذاته، لا يظهر إلا متدثرا، أنزل عليه وجعل له كتابا، أبقاه بعترته له مُبيِّنا مُبِينا. {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم}[٣٤]… {لتقرأه على الناس على مكث}[٣٥]، {لو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر[٣٦]… لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا[٣٧]}… فكيف تقطعون ألسنة الله بجهلكم، والله متكلم مجاهر بحديثه بينكم! يفيض الحديث على أهله، ويفيض الحكمة على قلوب عباده، وينير عقول من طلبوه، ويزكي من اتقوه، ويجدد بينكم جلدة الرسول متكاثرة، نفسا عذراء، وأول عابدين بكوثرها زهراء وطابع النبيين، طابع المعلمين. شانئه الأبتر، أما هو فهو لدائم الحياة الكوثر.

إن الذي جدد الجلود لتذوق العذاب، ألا يجدد الجلود، لتنشر الرحمة؟!! ما ظنكم بالله؟ لِمَ تظنون بالله ظن السوء؟ وهو الخير، فكيف يقطع الله من جعله رحمة للعالمين، عن تجديد جلدته بينكم، وهو الذي يقول له، هو الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين؟

وهو الذي يقول له، قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة، على صِلة… على وصلة… على محادثة… على مقابلة… على لقاء… على معرفة… على عينية… على وحدانية… على توحيد؟ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، كوثرا لا يبتر، ووجودا لا ينقطع، ورحمة لا تختفي، وعطاء للناس لا يجز، ورحمة بالناس لا تنقطع.

أين هو فقه الدين عند هؤلاء الفقهاء؟ وأين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عند هؤلاء الأمراء؟ وأين هي التقوى عند هؤلاء الأتقياء؟ وما تكون البلوى إذا لم تكن في الدين؟ إن الناس يعيشون في بلاء من أمر أنفسهم، ويقوم عليهم جزاء من فعلهم، بأنفسهم وآبائهم.

{ذرية [طيبة]بعضها من بعض}[٣٨]… ما أرحمك يا إلهي… وما أكرمك. لم يقل ذرية سيئة بعضها من بعض حتى يجعل الأشجار الخبيثة إلى انقضاء، والأشجار الطيبة بثمارها إلى تكاثر، وجعل الكفر في الكفر بالرسالة، وصفهم في وضعهم في مخاصمة رسوله، إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتفون، أفلو كان آباؤهم، لا يعلمون شيئا ولا يفقهون.

فإذا رأينا أنفسنا في عين معناهم أفلا نفيق فنتأمل الله، وهو يبسط لنا يد رحمته، {ولا تزر وازرة وزر أخرى}[٣٩]… {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا}[٤٠]… {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات}[٤١].

ولكن ما هي الطريق إلى ذلك كله؟ هي في أن يغير الإنسان ما في نفسه، إلى مرضي يراه، {أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[٤٢]، أن يرتضي من عصره، من قومه، مثلا لنفسه يرتضيه، وسلوكا يحتذيه فيتأمل لمن يؤاخي. ابحث عن الرفيق قبل الطريق. (المؤمن مرآة أخيه)[٤٣]، في تسلسل إلى المؤمن، يعبده ويرتضيه.

شهد الله مؤمنا، أنه لا إله إلا هو، وشهدت الملائكة مؤمنين، أنه لا إله إلا الله، وشهد أولو العلم مؤمنين بما آمن به الله وملائكته، أنه لا إله إلا الله، وأنه لا إله إلا هو، فعرف المؤمن أنه مرآة المؤمن، ومرآة المؤمن، حتى إلى الله لاسمه المؤمن، لاسم المؤمن له ولملائكته، بأسمائه المؤمنين، لاسمهم المؤمنين، فالمؤمن من قيامكم، مرآة المؤمن إلى قائم الله في واسع قائمه إلى مطلق قيامه.

وهذا هو معنى التوحيد، بممارسة معنى الاتحاد، لإدراك معنى الوحدانية، وهو معنى الدخول في لا إله إلا الله، وحصن لا إله إلا الله، {أن تقوموا لله مثنى وفرادى}[٤٤]، أن تتوحدوا أنتم أمركم بينكم، أن تتحدوا بعقولكم، فتتآلف قلوبكم فتعرفون ما يكون التوحيد، وما تكون الوحدانية، فيكون المؤمن مرآة أخيه المؤمن، ومرآة الأعلى، من المؤمنين، وهكذا الأعلى فالأعلى. المؤمن، مرآة المؤمن، أمر لله في الله إلى الله لا حد له، ولا قيد له، ولا وصف له، ولا إحاطة به، إلا في قائم النفس به، لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.

اطلبوا الله في أنفسكم تجدوه، واطلبوه لأنفسكم حتى تروه، وحتى تقوموه، فأسماءً لله، تعرفوه وتعرِّفوه.

لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

اللهم يا من كنت لنا في كل شأن بقديم.

اللهم يا من كنت لنا في كل وجود بقائم.

اللهم لا تتخلى عنا في دائم.

اللهم جددنا لك أسماء لك، وأتمم لنا نعمتك عبادا لك، حتى ندرك عظمة العبد لك، في عظمة أنفسنا بك وتفاهتها بدونك فنقدر عظمتك، ونشهد أنك الأكبر، وأنك الأعلى، وأنك الأعظم، وأنك الأبقى، وأنك الأعز… اللهم أدخلنا في حصن لا إله إلا الله، وأقمنا حصنا للا إله إلا الله، برحمتك وبعزتك… اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شأننا، وأنر الطريق أمامنا، وألف بين قلوبنا، وأنر عقولنا، وزكي نفوسنا، وقوِّم جوارحنا، وجدد فيك جلودنا، على طاعة لك، وقيام بك.

لا إله غيرك ولا معبود سواك.

اللهم، برسولك، جماع رسلك، وبحقك، جماع حقائقك ولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا بما كسبنا.

اللهم انصرنا على أنفسنا، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين، وخذ بنواصينا إلى الخير، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين.

اللهم اشملنا بمن جعلته رحمتك برحمتك، وقنا به شر غضبتك بعدلك.

لا إله غيرك ولا معبود سواك.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الحج - ٧٣ ↩︎

  2. حديث شريف: “لو كانت الدُّنيا تعدِل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء.” أخرجه الترمذي، واللفظ له، وأخرجه ابن ماجة مطولا باختلاف يسير. ↩︎

  3. سورة الفجر – ٢٧،٣٠. ↩︎

  4. مثل يُروى عن أكثم بن صيفي التميمي، الملقب بـ (حكيم العرب)، أي الحذر لا يدفع عنه ما لابد منه، وإن جهد جهده، ومنه الحديث (لا ينفع حذر من قدر). ↩︎

  5. سورة الحج - ٣٨ ↩︎

  6. حديث مشهور على الألسنة بصيغة: “لو حسن أحدكم ظنه في حجر لنفعه.” يوصف بأنه موضوع ولا أصل له. ↩︎

  7. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  8. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  9. من الحديث الشريف “استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك.” أخرجه أحمد بن حنبل والدارمي. ↩︎

  10. استلهاما مما جاء في بعض الآثار: "يقول تعالى: “ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكلفت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.” وذكرهما كذلك المناوي في “فيض القدير” ويقول المحدثون: “لم نعثر بعد البحث على عزوهما للنبي صلى الله عليه وسلم فلعلهما مما روي عن أهل الكتاب.” ↩︎

  11. من حديث شريف: “إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولنْ يشادَّ الدِّينُ أحد إلاَّ غَلَبه فسدِّدُوا وقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، واسْتعِينُوا بِالْغدْوةِ والرَّوْحةِ وشَيْءٍ مِن الدُّلْجةِ.” صحيح البخاري، وصحيح النسائي. ↩︎

  12. سورة المائدة - ٣٢ ↩︎

  13. سورة المائدة - ١٠٥ ↩︎

  14. من خطبة للإمام علي كرم الله وجهه من كتاب نهج البلاغة: “أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ…”. المكتبة الشيعية. ↩︎

  15. عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎

  16. سورة الأحزاب - ٧٢ ↩︎

  17. من حديث شريف: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود، والترمذي. ↩︎

  18. سورة الإنسان - ٢٠ ↩︎

  19. سورة الرعد - ١٥ ↩︎

  20. حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. المحدث: الألباني. المصدر: السلسلة الضعيفة، وضعيف الجامع. ↩︎

  21. حديث شريف: “عجِب اللَّه من قوم يدخلون الجنة في السلاسل.” صحيح البخاري. كما جاء بلفظ “عجبتُ لأقوامٍ يُقادونَ إلى الجنةِ في السلاسلِ وهم كارهونَ.” أخرجه ابن الأعرابي في معجمه، وأبو نعيم في حلية الأولياء. ↩︎

  22. من الحديث الشريف: “ما من عبد قال: لا إله إلا اللَّه، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي ذر.” رواه أبو ذر الغفاري. أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  23. سورة الزخرف - ٢٢ ↩︎

  24. عبارة مستلهمة من أبيات شعر مهيار بن مرزويه الديلمي، وهو شاعر كبير بالعصر العباسي:قَوْمِيَ استولَوْا على الدهرِ فَتىً … ومَشَوْا فوق رءوسِ الحِقَبِعمَّموا بالشمسِ هاماتِهُمُ … وبَنوْا أبياتَهم بالشهُبِِ ↩︎

  25. حديث شريف: “فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم.” صحيح البخاري. ↩︎

  26. من أبيات الشعر التي استقبل بها أهلُ المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر من مكة إلى المدينة. ↩︎

  27. من نفس أبيات الشعر أعلاه. ↩︎

  28. سورة البلد - ١:٣ ↩︎

  29. تم تصويب هذه الكلمة وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎

  30. من قصيدة للصوفي منصور الحلاج: أَنا مَن أَهوى وَمَن أَهوى أَنا… نَحنُ روحانِ حَلَنا بَدَنا ↩︎

  31. سورة النجم - ٤ ↩︎

  32. سورة البقرة – ٢٣ ↩︎

  33. سورة الإسراء - ٨٨ ↩︎

  34. سورة النحل - ٦٤ ↩︎

  35. سورة الإسراء - ١٠٦ ↩︎

  36. سورة لقمان - ٢٧ ↩︎

  37. سورة الكهف - ١٠٩. ↩︎

  38. سورة آل عمران - ٣٤ ↩︎

  39. سورة الأنعام - ١٦٤ ↩︎

  40. سورة الزمر - ٥٣ ↩︎

  41. سورة الفرقان - ٧٠ ↩︎

  42. سورة سبأ - ٤٦ ↩︎

  43. حديث شريف: “المؤمِنُ مرآةُ أخيهِ، المؤمنُ أخو المؤمنِ يَكُفُّ عليهِ ضَيْعَتَه ويحوطُه مِن ورائِهِ.” أخرجه أبو داود والبخاري. ↩︎

  44. سورة سبأ - ٤٦ ↩︎