(٣)

لا يعرف الحب من لم يشهد الحبيب
ولا يعرف البعيد من لم يؤمن بالقريب

حديث الجمعة

٢١ شوال ١٣٨٥ هـ - ١١ فبراير ١٩٦٦ م

بسم الله، أشهد أنه لا إله إلا الله… وبسم رسول الله، أشهد أنه محمدا رسول الله… بهما أحيا، وبعيدا عنهما أفنى… عنهما أصدر، وبهما أُبعث.

أعوذ بالله، وأستغفر الله، وأشهد أنه لا حول ولا قوة إلا بالله. لا انفصال لنا عنه. ولا موجود لنا بغيره. ولا بُعد بيننا وبينه.

عبــاد الله…

إن الطريق إلى الله، إنما هي في التطور في الله، إلى قائم اسمه… وهي تقوم على دعامتين من تقوى الله، بالاستقامة على ما أمر والبعد عما عنه نهى، وعلى التحاب في الله برؤية وجهه في رسول الله، وكوثره بظلاله لقائمه بعينه لوجهه لرائيه، وفي المؤمن بالله ورسوله لأنفسهم.

إن إيمان الإنسان بنفسه لقائمه للرحمن أو للشيطان، إنما هو في لا إله إلا الله، وشهادة أنه لا إله إلا الله… وإن إيمان الإنسان بالإنسان دخولا في رحمة الله، اقتداء بمرتضى الله، إنما هو في الإيمان برسول الله، بشهادة أنه محمد رسول الله لقائمه وقيومه.

وإن إيمان الإنسان بالله أكبر، في معرفة الأكبر، إنما هو في الإيمان بالعبودية لله، مشهودا في رفيق أكبر، مشهودا في رفيق أعلى، مشهودا في رفيق أقدم، مشهودا في رفيق أقدس، مشهودا في رفيق أقدر، ولا يكون ذلك إلا لمن آمن بأن الإنسان للإنسان، هو الحق من الله في الله، مقدرا لله حق قدره، إيمانا برسول الله، ومتابعة لرسول الله، واتحادا مع رسول الله المتحد مع أعلى فأعلى إلى مسيح مطلقه وروح قدسه، وقد بُعث ويبعث لنا بيننا في دوام كلمته لوجوده بجوده.

إن معرفة الإنسان عن نفسه خلقا وحقا، إنما هي في التخلي عنه إلى أعلى لمعنى خالقه… إنما هي في التخلي عن وعيه إلى قائم وعي معلمه فيه، قائم نفسه… إنما هي في التخلي عن وجوده، إلى وجود وجه موجِده… إنما هي في التخلي عن أنانيته مغيرا ما بنفسه، إلى أنانية الرفيق الأعلى والرفيق الأكبر قائما برسوله لشهوده… إنما هي في محوه عنه، إلى من يعتقد، إلى أن يتخلق من فعله بأمانة قيومه لقائمه، تخلقا بأخلاق الأعلى.

ولا يتحقق له محوه عنه، إلى من يعتقد، إلا بمحوه عنه إلى مَن يحب. ولا يعرف الحب، من لم يشهد الحبيب، ولا يعرف البعيد، من لا يؤمن بالقريب، وكل ذلك لطالبه في قائم العروة الوثقى لا انفصام لها عن المطلوب، ولا بعد لها عن الطالب بعباد الرحمن في الوجود للشهود.

إن الله ورسوله، وجود موجود قبل الوجود… وإن الله ورسوله، في تواجد بوجود بعد الوجود… وإن الله ورسوله، قيوم الوجود على قائم الوجود بوجود، في حاضر وقائم الوجود.

إن الذي خلق السماوات والأرض، خلق من قبلها السماوات والأرض، ويخلق من بعدها السماوات والأرض… إن خالق السماوات والأرض قديما، هو خالق السماوات والأرض قائما، وهو خالق السماوات والأرض قادما، ويخلق السماوات والأرض دائما، ويوسع في خلق السماوات والأرض في قائمها أبدا.

ذلكم هو الهو “لا إلى هو، إلا هو” ولا هو في شهوده، إلا الله في وجوده. إن الإنسان في وجوده في الهو، هو الله في شهوده للإنسان في الهو… إن الإنسان لله للإنسان لله، هو الهو للهو… إن الإنسان في الله هو العبد للهو، والرب من الهو، والرسول للهو… إن الإنسان للهو حقه وعبده ورسوله للرفيق الأعلى لإنسان للهو حقه وعبده ورسوله. ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات، وإن الله للإنسان في الهو، هو هو… وهو عبده وحقه ورسوله في دوام.

إن الأمر الوسط… إن العروة الوثقى… إن الحق الوسط… إن ناشئة الليل أشد وطئًا وأقوم قيلا. إن له في حجاب النهار سبحا طويلا، وإن له في حجاب الظلام أمرا خطيرا جليلا. يحمل إلى أهله خيرا وفيرا، وعطاء جزيلا، ويخاطب الناس على قدر عقولهم. يخفض لهم جناح الذل من الرحمة، يغفر لهم ويستغفر عنهم، ويتجاوز عن قصور أمرهم، يحمد خيرهم، ويتغاضى عن أخطائهم، ويقوِّم أمرهم، ويصلح سرهم، ويكشف لهم بالحق عن بيانهم.

إن الإنسان للإنسان، هو الرحمن للرحمن، هو الإحسان للإحسان، هو الحق للحق، هما الحقان، هما العبدان، هما الربان، هما الإلهان، هما الكتابان، هما البيانان للظاهر والباطن لأمر الإنسان. خلقناكم أزواجا، وحققناكم أزواجا، وجددناكم أزواجا، ورفعناكم أزواجا، ولاقيناكم أزواجا.

أنتم لله ورسوله، تلاقوه… وأنتم بالله ورسوله، تقوموه… وأنتم بالكون ومكونه، تعرفوه… وأنتم بالوجود ومبدعه، تصيروه… فأنتم من الله ورسوله… وبالله ورسوله… وإلى الله ورسوله.

وهذه هي أقانيم الإسلام… هذه هي أقانيم الفطرة… هذه هي حقائق الفطرة… هذه هي أمور الفطرة… أمور في مطلق الله، لا يتعدد… أمور في قائم الله، موجود لا يتواجد… وقائم لا يتجدد، وواسع لا يتحدد… أمور في الله، تعالى على القِدم قبلا، وتعالى على البقاء بَعدا… وتعالى على الشِرك به كُلا… وتعالى على الإحاطة به أحدا… وتعالى على المغايرة له أحدا… كل ما جال ببالك فهو على خلاف ذلك.

ما عرف الإنسان فيه، إلا نفسه، بلا إله إلا الله… وما عرف فيه إلا جنسه، بمحمد رسول الله… وما عرف فيه، إلا قدمه، بالله أكبر… وما عرف أنه سيعرف، إلا أنه سوف يعرف دائما عن نفسه، يوم يعرفه اسما لله، وأن الله أكبر، فيعرفه وجه الله في قادمه، لوجه الله به منه في قائمه، على ما كان به فيه في قديمه، وهذه هي أقانيم الفطرة… وأقانيم الإسلام.

الإنسان… بين قديمه وقادمه بقائمه، عين قيومه بقديمه… وعين قيومه على قادمه… لعين قيامه بقائمه… فهو لعين قائمه يقوم لقيومه بالأكبر، وهذا هو التوحيد والتعديد في الإسلام، تعديد الإنسان لنفسه، في مطلق الله، وتوحيد الإنسان لنفسه، من شتاته، في موجود الله.

وهو يوم يصدر مشتتا من أحديته إلى واحديته، يحاسب نفسه بنفسه… ويغفر لنفسه بنفسه… ويقبل نفسه عند نفسه… كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا… كفى بنفسك اليوم عليك رقيبا… كفى بنفسك اليوم لك مجيبا… كفى بنفسك اليوم لك حبيبا.

إنك لن تلاقي يوم تلاقي في الحق، إلا نفسك… ويوم تحاسب في الحق، لن تُحاسَب إلا من نفسك… ويوم تحيا بالله، في الله، إنه إنما يوم تحيا بالله نفسك بعملك. فهل قدرنا شعار الإسلام بلا إله إلا الله نرفعه أعلاما، ونردده كلاما، ونخاصمه عملا وقياما!

إن الإنسان لربه لكنود… إن الإنسان، كان أكثر شيء جدلا، وما اختلف الإنسان مع الإنسان، إلا بعد الذي جاءه من العلم بغيا بينه وبين أخيه… وما جاءه العلم إلا ليرتبط الإنسان بالإنسان، ويتوثق الرباط بين الإنسان والإنسان…

فتتجمع بالإنسان لبنات البنيان، ويوم تتجمع لبناته لبيته يذكر فيه اسم الله، يتجدد خلقه، ويتواجد حقه، وتستقيم طريقه، ويظهر له من الغيب رفيقه، {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[١].

يتحدث الإنسان، عن ربه وإلهه، وفيه ربه وإلهه، فيُخرِج ربه وإلهه من واقعيته معه، ومن واقعيته به، إلى كلام يردده، وإلى إفك يجدده. إن إنكار الإنسان على نفسه من الله، قام قديما، وهو قائم دائما، وسيبقى أبدا فيه مسغبته إلا من رَحم، وقليل ما هم.

إن الكثرة، إن الأغلبية للشيطان، ولكن الغلبة للرحمن، كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة، وما النصر إلا من عند الله. فما يكون النصر والغلبة، لأسرة الرحمن؟ وما تكون الأغلبية لأسرة الشيطان؟

إن الأرض كما وصفها كلمة الله… وأقره إنسان الله… هذه الدار أول أبواب جهنم، إنها مملكة الفتان… إنها مملكة الفتنة… إنها دار الصدع.

هي بدانيها، (عرض زائل، يأكل منه البر والفاجر)[٢]، هي بجيفها عليها، خرجت منها وباعدتها الحياة. هي (جيفة طلابها كلاب)[٣] … (قذرة، قذر ما فيها عدا معنى الحياة، عدا ذكر الله، وما والاه)[٤]

إنها الحياة، في أثواب الشيطان… إنها الرحمة، في جلابيب الفتان… وإن (الآخرة، وعد صادق، يحكم فيها ملك عادل)[٥] هو العقل الثاقب، هو الروح الواجب الوجود، لمن يراه بالروح موجود، وإنه بالنور مشهود، لمن يراه، بذاته، موجود العالم الأكبر، وبمعناه، موجود مولاه، بقائم الحياة له.

{الله لا إلـه إلا هو الحي القيوم}[٦]، ألستم أحياء؟ ألستم قائمون بالحياة، في سهركم على أبدانكم بها، تجددونها وتغذونها، وتكرمونها، وتحفظونها، وتسترونها، وتكشفونها، وتكسونها؟ ألستم قيوم الحياة لها؟ أليس الله قائم الحياة بكم؟ إلى متى يردد الناس اسم الله، بعيدا عن أنفسهم! إلى متى لا يعرف الناس معنى الرب لهم، ومعنى الرب عليهم، ومعنى الرب منهم!

إنهم الأرباب، وإن عليهم لأرباب، وإنه ليتواجد منهم أرباب، فهم أرباب بين أرباب وأرباب، أمرا وسطا لله في الله.

وكذلك جعل الله أُمة الفطرة… أُمة الرسول… أُمة الأمر الوسط… أُمة وسطا… فكانت بأمرها الوسط، خير أُمة أخرجت للناس، وكان الرسول، بقائمه أمرا وسطا، خير الأمور في الله، فيه أمور لا بدء لها، على عين مثاله، وفيه أمور لا انقضاء ولا انقطاع لها، على عين مثاله.

عرف الحق لنفسه… وعرف الحق لمن يعلوه… وعرف الحق لمن هو بالحق يعلوه… عرف الحق، لمن يعلوه ولمن يسفله، مع عين معرفته للحق، في نفسه ولمن يكفله {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم}[٧].

وهذه أقانيم الحاضر في الإسلام، وأقانيم الحاضر في ذاته، بحقائقه، وأقانيمه بوحدته، مع قديم مثاله، وقادم عينه وحاله.

يقولون إن الإسلام لا يعرف الأقانيم ولا يعرف تعديد الحقائق، ولا يعرف التعديد للوحدانية لله، لأنه دين التوحيد، وكيف تدخل إلى التوحيد، إلا من باب التعديد؟ كيف تدخل إلى حضرة الخالق، ولم تطرق بابه كمخلوق؟ أنت بموصوف المخلوق تطلب الاجتماع على الخالق، في حال من التعديد، ولست في حال من التوحيد، وإنك يوم تقتل معناك بموصوف الخلق، تبعث بمعناه بموصوف الحق، وبذلك يقوم التوحيد.

فالتوحيد، فعل لا قول، وحالة لا مقالة، يوم يحل الإنسان بخلقه، في خالقه بحقه. إن الحلول لا يكون لله في خلقه، ولكن الحلول يكون للخلق في خالقه، وللخلق في محققه. لقد كفر الذين قالوا إن الله حل في المسيح بن مريم، لقد كفر الذين قالوا إن الله هو عيسى بن مريم، هو المسيح، عيسى بن مريم، وما كفر الذين قالوا إن عيسى بن مريم حل في الله، فمسح عنه في الله، فقام كلمة لله، واسما لله، ووجها لله، وبيتا لله، وهيكلا لله، وحقا لله من حقائق.

إن المسلمين كان عليهم أن يعرفوا ذلك لعيسى، ولآل الرسول، ضُرب ابن مريم مثلا لآلك، فإذا قومك عنه يصدون، وفي الوقت نفسه جعلوا ذلك ونسبوه إلى طغاتهم، إلى من ارتضوهم لسيادتهم وحكمهم لا لمثاليتهم، بقائم مُثُلهم بكوثرك، {وقالوا ءألهتنا خير أم هو}[٨].

يا أيها الناس، (لا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله)[٩]. إن لله المثل الأعلى بعباده، في السماوات والأرض، فما كان عيسى، إلا مثلا أعلى يُرتضى ويُحتذى، {إن هو إلا عبد، أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل}[١٠].

وعممنا ما خصصنا به بني إسرائيل، يوم أبرزنا من جعلناه كافة للناس قدوة وأسوة رحمة للعالمين… وحقا للمكرمين يقوم ويتقلب في الساجدين، مشهودا من رب العالمين رحمة مهداة، للتوابين والرجاعين… هدية الله للمستغفرين، وجه الله للمكبرين، حوض الحياة للمتقين… نور الحياة للراغبين… نور السماوات والأرض للمتطورين… بأخلاق الخالق متخلقين… بقائم الحياة متحققين… برجل الساعة ومالك يوم الدين… بوجه الله ورب العالمين.

فكلما أخذنا من كل أُمة بشهيد وجئنا بك شهيدا على الشاهدين، أشرقت الأرض للقلوب بنور ربها للعارفين، وأنزل الكتاب للتالين، وعمل قلم القدرة في يد الكاتبين، لصحائفهم ناشرين بمن يصطفون من فطريين. كل مولود يولد على الفطرة، وفي عالمكم يسبح في ملك رب العالمين، يوم يدخل في عبد من عباد الله، نفسا، ساكنة، مطمئنة، راضية، فيدخل من باب الوجود المقيد، إلى ساحة الله بالوجود المطلق، عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين.

قل جاء الحق، بمجيئي… قل بُعثت بالحق، على ما تشهدون، وأزهق الباطل مني، على ما كان بي، هو بكم كما تعرفون، {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}[١١]، وقد أَحياه الله بينكم، وغير معالمه التي عرفت لكم.

هل هذا الذي تشهدون، بعد أن نُفخ في أسوار مادته، وهيكل بيته، من نور الله وروح الله، أوحى إليه، هو من عرفتم من قبل، مزحزحا عن جاهليته إلى إسلامه لمن علم، إلى المعروف له، والذي تذكرون ولا تعرفون معيته لكم؟ فهو يحدثكم به مبعوثا بالحق قدوة به. ما كان يدري ما الكتاب. وما كان يدري ما الإيمان، ولكن سلوه الآن ما شئتم، إنه يدري كل ما يمكن لكم أن تدروه معه من العِلم النافع.

إنه يعلم عن خلق السماوات والأرض وعن خلق نفسه… إنه يعرف نفسه، وقد أشهده الأعلى خلق نفسه، فإذا هو الكتاب، في قائمه بالحجاب… فإذا هو الوجود، في قائمه بالموجِد، عَرف الموجِد لمعناه، لمعنى روحه، لمعنى الحياة له، وعرف الوجود لمبناه، لنفسه، تخلى عنها، طالبا لمولاه، وعاد إليها، سيدا بمولاه، فملكها وسادها، واستوى بمعناه على عرش وجوده بها فكان شاهده وموجوده لمشهوده. عَرفه محدثا لقديم، لقائم موجِده بموجوده، فعرفه في الأعلى لمطلقه، عبده ومعبوده، إلهه وموجوده، إلهه وجوده، إلهه ووجوده.

أظهره على الدين كله، فكان الدين كله… وعَلمه الأسماء كلها، فكان الأسماء كلها… فكان اسم الله الجامع لأسمائه، ووجود الله الموجود بآلائه… وحق الله الظاهر بحقائقه… وعبد الله لسيادة مطلقه… وعتيق الله، لمقيدات وجوده، في ساحة موجوده، لأمر موجِده.

فكان لا إله إلا الله، والله أكبر… وكان إنسان الله في أزله، ورسول الله في أبده… وآدم الله بمحمده لوجوده… وعبد الله بحقه… ورسول الله بكتابه… كان الغيب والشهادة للإنسان لله… كان العبد والعبادة… كان الإحسان والإجادة… كان الإتقان والزيادة… كان الإيمان والمعرفة… كان كل شيء لنا، ممن هو كل شيء لنا، وكان كل شيء له، لمن كان شيئا له.

كان الحلقة الوسطى، في سلسلة الحياة، لا انقطاع لها، دائرة لا بدء لها… حلقة، لا مركز لها… ومركزا لا دائرة له، كان كل معاني الحق، يوم نلقاه بالحق في أنفسنا، بحقه لنا، قائم قيامنا، وقيوم قائمه بنا من قيوم قيامه علينا لقائم قيومه للأعلى رحمة مهداة إلينا.

كان الكتاب كله… كان الإنسان كله… كان الحق كله… كان الوجود كله… كان لنا النور كله… هل عرفناه؟ نقول إنا عرفناه، وذكرناه، وفي الكتب دوناه، وبالسيرة رددناه! كما دونا سِير خوفو ونابليون وبسمرك، والطغاة!

فهل نحن بالصلاة عليه صِلة به جددناه، أم أنا عن أنفسنا أبعدناه! وختام الرحمة أغلقناه… وباب الرحمة جانبناه، وأحواض الحياة ما وردناه… وماء الحياة ما سقيناه… ونور الحياة ما تعرضناه، فأسربناه، يوم فتحنا قلوبنا وصدورنا له ولنوره فتحا لها لمولاه، بيتا لمن ذكره لنا، باسم مولاه، وما كان لنا غير المذكور منا ومن عناه، فهلا لأنفسنا قبلناه، وفي الله أكبرناه، وبمجاهداتنا قاربناه، فبالرحمة قاربنانا لمعناه.

إنه دين الله… إنه حق الله… إنه طريق الله… إنه وجه الله… إنه الحياة… إنه من الله اسمه ومعناه… دانانا منه بالحق وجها للوجود بهيكله ومبناه، روحا تجسد ذاتا لأقدس، وقبلة للصلاة، فهياكل للوجود مثلناه، فهلا حقائق جددناه وبعثناه وهو الكوثر لنا ولكسبنا من رحمة الله، يوم اتحدت اهتزازات قلوبنا، مع اهتزازات قلبه ذكرا ووجدا لمولاه، وقد عرفناه وجها لله لوجوه لله، فشهدنانا وشهدناه، فطالعنا وطالعناه، وعرفنا وعرفناه، وجها لوجه في الله.

ذلكم هو الحي في قبره دفناه، وما من القبر أخرجناه، يوم بعثناه وكناه، فجددنا به بنا رسالة الله، وكتاب الله، وذكر الله لذكره بالصلاة، ولاسمه باسم الله أكبرنا الله، فكَبُرنا في الله، فصرنا أسماء الله فعنوناه، والاسم الأعظم دعوناه، والرفيق الأعلى طلبناه.

نقول إننا على دين مولانا رسول الله، وما جعلناه مولانا في دين، ولا في دنيا وليناه وهو ما رفض، وقد خفض لنا جناح الذل من الرحمة أن نكون في الله بالله مولاه. فهلا أدركنا من توليناه فكنا له دعاة بمن تولانا ورعانا من كلمات الله، فقمنا وأقمنا كلمات الله، وجاهدنا لإعلاء كلمة الله.

وهل أعلينا نحن في أنفسنا على أنفسنا كلمة الله، فكسبنا لأنفسنا كلمة الله؟ وهل رضينا لأنفسنا وتعشقنا الأعلى لكلمة الله لننمو بكلمة الله؟ وهل سعينا يوم سعدنا بكلمة الله لنشر كلمة الله في كلمات الله بخلق الله، فحججنا بجمعنا إلى بيوت الله، وتصاعدنا بيوتا لله، حيثما كانت كان الله، وكلما سُمعت سُمِع الله، وكلما عُرِفت عُرِف الله، وكلما استقام أمر محبيها استقام الأمر لله؟

{ن والقلم وما يسطرون}[١٢]… (ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان)[١٣]، فهل حديث الرسول قبلناه؟ وهل فقهناه؟ فهل رضينا الرسول اسما لله ووجها لله؟ وهل رضينا المؤمنين بالله ورسوله كوثرا له بحقه في مولاه، وجوه الله لنا لوجوه الله بنا فتكشفت لنا وحدانية الله بلا إله إلا الله، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله يوم نقوم في عزة الله؟

إن الربوبية في الله، ربوبية مصطفاة مرتضاه، وربوبية قهرية عالية لا تُعلى، ولا تدانى، ولكن لها إرادتها، بصفات الله… بأسماء الله. لقد جعل الله الرسول ربوبية الرضا لمن يرضاه، {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}[١٤]… {ولله المثل الأعلى}[١٥] في السماوات والأرض، وما كان المثل الأعلى لله في السماوات والأرض إلا الرسول لله لا يتعدد معناه وإن تكاثر مبناه، تجمعه بمبانيه لكوثره، روح قدس الله لمعانيه ومخبره، ظاهرة لمعنى رسول الله، كلمات لله.

إن الله جل شأنه عز على المثال والمثيل، هو أحد واحد في معناه لغيبه وشهادته. وإن الرسول له، متخلقا بخلقه، قائم حقه، عز بمعناه على الشريك والمثيل في أمره لمولاه. فهو رسول الله، وما كانت الذات المحمدية إلا وجها من وجوه رسول الله في الله… وكلمة من كلمات الله في روح قدس الله… إن رسول الله بهذا المعنى، معنى لا يشارك… ولكن المتعدد في الله ورسوله، إنما هي كلمات الله، وهي متفاوتة على خط التطور، وإنسانية الرشاد لله غايتها ونهايتها.

إن الذات المحمدية التي شَهدتم… إنما هي مثالية لكم، أُعطيتم لتكونوها فما قَبلتم، إنها مثالية تكسب، جعلها الله قدوة للكافة، وما أرسلناك إلا كافة للناس، قدوة وأسوة هي لهم ما كانوا هم لها، ولكن الناس امتنعوها على أنفسهم، فحرموها، إلا من رحم الله، فشهده محمدا رسول الله، (لو غاب عني رسول الله طرفة عين ما عَدَدت نفسي من المسلمين)[١٦]. إنه يعني أنه أصبح ورسول الله قياما واحدا، وأنه عن إدراك ذلك لا يحيد ولا يتحول، وأنه هكذا يكون المؤمنون برسول الله حقا لهم من الله، وأنه الحق المتكاثر في تتابع بالمسلم للمسلم إلى يوم للدين، يتجدد به للناس أول العابدين مرة أخرى بانشقاق الأرض عنه، بدءا بعد بدء، وقد استوفى بدء البدء المعلوم أجله وبلغ الهدي محله.

إننا في هذا العصر، تتجدد بيننا رسالة الإسلام… تتجدد لنا رسالة الفطرة… تتجدد لنا رسالة السماء… تتجدد لنا رسالة الوحي… تتجدد لنا رسالة المكالمة… تتجدد لنا رسالة المنادمة… تتجدد لنا رسالة الأُنس بالله، (أبيتُ يطعمني ربي ويسقيني)[١٧]… تتجدد لنا رسالة الفطرة، برسالة الروح.

ها نحن الآن في عصرنا نشهد دورة لآدم وبنيه، يتجلى بهم الحق، وينفخ الله من روحه في هياكلهم… ها هي أنوار الله تشرق على أراضي الله في القلوب… ها هو ملكوت الله يقوم في الناس بين الصدور… ها هو الله يقوم على كل نفس بما كسبت… ها هو الحق أبلج والباطل لجلج… ها هي قوى الكون ظهير الإنسان، وها هو الإنسان، يتواجد وجه ظهيره، وقدرة مظاهره.

إن أرضكم تتعرض في هذا الزمان وفي قريب وعاجل من الأيام، لإرهاصات الله… لإرهاصات الرسالة… لإرهاصات الحق… لإرهاصات تجديد دين الله… ها أنتم ترون الأحداث، وتسمعون عنها أو تقرأون منها، ولا تلتفتون إلى ما فيها.

ستتزايد هذه الأحداث، وسيتسع هذا الأمر، حتى يضج الناس بأمرهم، حتى يتساءل الناس بينهم بكفرهم وشركهم.

إنها ساعة من ساعات الله… إنها قيامة من قيامات الله… إنها ساعة من ساعات الإنسان… إنها قيامة من قيامات الإنسان… إنها قيامة الجزاء للقديم، وقيامة الوفاء للمستديم… إنها بدايات الحياة للمنظرين… وإنها نهايات الحياة للموعودين.

إنها الزحزحة عن النار… إنها الإدخال إلى الجنة… إنها الفوز العظيم… إنها الحكمة وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم… إنها عِلم الساعة، وعَلم الساعة… إنها رسالة الروح يقوم لرب العالمين، إنها الفطرة التي ينكرها الناس دون تجربة، ودون إدراك، ودون قراءة، ودون سؤال ودراسة، ودون طرق لأبوابها، ودون عِلم بما عندهم في كتبهم. ها هو الروح يقوم لرب العالمين… هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة؟ ها هي الملائكة تأتيهم، فهل يستقبلون؟ أو يأتي ربك فهل يتهيؤون؟

ماذا يكون أمركم أيها المكذبون، يوم يأتي ربه، يوم يبعث بالمقام المحمود، لقائم ربه، يقوم أمره؟ ماذا أدرك الناس عن الحق جاءهم؟ ماذا عرفوا عن أول الحشر لهم؟ هل استجابوا إلى الرسول بلَّغهم؟ هل اتقوا من هو معهم وقد أوعدهم؟ هل طمعوا في كسبه لأنفسهم وقد وعدهم، وقد بشرهم؟ هل استقاموا وقد ذكرهم؟ هل تحققوا به وقد قامهم، أم أنهم أنكروا على كل من قامه بينهم وقد سالمهم، فخاصموا كل من سالمهم به، وسالموا كل من خاصمهم عليه؟

إن يوم الفصل كان ميقاتا للطاغين مآبا، لابثين فيه أحقابا، حتى يداول الله الأيام بين الناس، وينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة. إننا نوشك أن نشهد الآن بدءا ليوم من أيام الفصل، على ما شهد يوم بعث الرسول بالحق، يوما للفصل في أمر النبيين إلى آدم من قبله. وإنا لنشهد اليوم يوما، هو يوم للفصل، في أمر النبيين من بعده… إنها النبوة… إنها الولاية… إنها الحقيقة… إنها العبادة… إنها العبودية… إنها الحياة… يوم تعنينا الحياة فنغنى بالحياة… إنها البداية للحياة… وإنها عين النهاية لتمام الكسب للحياة.

إنه لا إله إلا الله… وإنه لرسول الله… وإنه لمحمد الله… لآدم الله… إنه الإنسان أولا… وإنه الإنسان آخرا… وإنه الإنسان كوثرا… إنه الإنسان ظاهرا ومظهرا… وإنه الإنسان معنى ومخبرا… إنه الإنسان حقا… وإنه الإنسان خلقا… وإنه الإنسان حقا وخلقا.

اللهم الطف بنا فيما قضيت… اللهم لا تمنعنا النور الذي أنزلت… اللهم أوفر قسطنا من النور الذي نشرت… اللهم ارزقنا الحياة، وضاعف لنا الحياة، ولا تفقدنا بغفلتنا ما منحت من أمانة الحياة… اللهم أحيي موات قلوبنا وأبداننا… اللهم حرر أرواحنا من سجونها، وحرر عقولنا من سجينها… اللهم قَوِّم جوارحنا… اللهم ابعثنا في أوقاتنا، بعثا بعد بعث… واحشرنا في أذكارنا ذكرا بعد ذكر.

اللهم أدخلنا الطريقة، واكشف لنا عن الحقيقة… اللهم يسر لنا الأمور، وأوفر لنا حظنا من الجزاء والأجور، واغفر لنا الذنوب، واستر منا العيوب، وفرج لنا الكروب.

اللهم تولَنا بعنايتك ورعايتك، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، مجاهدين وغافلين، مذنبين ومتقين.

اللهم حقق لنا ما من أجله خلقتنا، وعبِّدنا لك، عبادا صالحين… اللهم احشرنا في زمرة المساكين، وأحينا فيك بين المساكين مساكين.

اللهم قنا شرور الطغاة والطغيان والطاغين، وما كان من حزبهم من التابعين.

اللهم قنا شر طغيان أنفسنا، وطغيان النفوس بالطاغوت للطاغين.

اللهم أعلِ كلمة الحق فينا، وأعلِ كلمة الحق بنا، وأعلِ كلمة الحق بالعالمين.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة يوسف – ٨٧ ↩︎

  2. من الحديث الشريف: “يا أيها الناسُ! إنَّ الدنيا عرضٌ حاضرٌ، يأكل منها البرُّ والفاجرُ، وإنَّ الآخرةَ وعدٌ صادقٌ، يحكم فيها مَلِكٌ عادلٌ قادرٌ، يحق فيها الحقَّ، ويبطلُ الباطلَ، كونوا من أبناءِ الآخرةِ، ولا تكونوا من أبناءِ الدنيا؛ فإنَّ كلَّ أمٍّ يتبعُها ولدُها”. أخرجه الطبراني، وابن عدي، وأبو نعيم جميعا بلفظه، والبيهقي مختصرا. ↩︎

  3. حديث شريف ذات صلة، ذكره السيوطي. وأخرج الديلمي عن عليّ مرفوعاً: أوحى الله إلى داود: يا داود، مثل الدنيا كمثل جيفة جمعت عليها الكلاب يجرونها، أفتحب أن تكون مثلهم فتجرها معهم"؟  أيضا: “قال علي بن أبي طالب الدنيا جيفة، فمن أرادها فليصبر على مخالطة الكلاب.” المصدر: الموضوعات للصغاني. وعند أبي نعيم عن يوسف ابن أسباط. ↩︎

  4. حديث شريف ذات صلة: “إنَّ الدُّنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلَّا ذكرُ اللهِ، وما والاه، وعالمٌ أو مُتعلِّمٌ”. رواه الترمذي وابن ماجه… ↩︎

  5. من الحديث الشريف: “يا أيها الناسُ! إنَّ الدنيا عرضٌ حاضرٌ، يأكل منها البرُّ والفاجرُ، وإنَّ الآخرةَ وعدٌ صادقٌ، يحكم فيها مَلِكٌ عادلٌ قادرٌ، يحق فيها الحقَّ، ويبطلُ الباطلَ، كونوا من أبناءِ الآخرةِ، ولا تكونوا من أبناءِ الدنيا؛ فإنَّ كلَّ أمٍّ يتبعُها ولدُها”. أخرجه الطبراني، وابن عدي، وأبو نعيم جميعا بلفظه، والبيهقي مختصرا. ↩︎

  6. سورة آل عمران - ٢ , سورة البقرة - ٢٥٥ ↩︎

  7. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  8. سورة الزخرف - ٥٨ ↩︎

  9. استلهاما من {لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} - سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎

  10. سورة الزخرف - ٥٩ ↩︎

  11. سورة الأنفال - ٢٤ ↩︎

  12. سورة القلم - ١ ↩︎

  13. مقولة صوفية تتناغم مع خلق الله للإنسان كخليفة لله. ↩︎

  14. سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎

  15. سورة النحل - ٦٠ ↩︎

  16. عبارة صوفية ذكر البعض أنها لسيدنا أبي الحسن الشاذلي، وقال بعض آخر أنها لسيدنا المرسي أبي العباس. ↩︎

  17. حديث شريف ذات صلة: “إيَّاكم والوصالَ إيَّاكم والوصالَ قالوا: فإنَّكَ تواصِلُ يا رسولَ اللَّهِ قالَ: إنِّي لستُ كَهَيئتِكُم إنِّي أبيتُ يُطعمُني ربِّي ويَسقيني”. أخرجه مالك، والبخاري ومسلم باختلاف يسير. ↩︎