(٢)

رسالة النَظر ورسالة العمل
هما حرث الأولى لحصاد الآخرة
في أيامنا لتواجداتنا بالليل والنهار والظلام والنور
للمراد بحقائقنا وحجبها بعوالمها من الظلام والنور

حديث الجمعة

٧ شوال ١٣٨٥ هـ - ٢٨ يناير ١٩٦٦ م

ما ترك شيئا يقربنا إلى الله، إلا وأمرنا به… وما ترك شيئا يبعدنا عن الله، إلا ونهانا عنه.

أولى بنـــــــــــــــا من أنفســــــــــــــــــــــــــــــــــــنا.

بالحق أنزله مبديه، وبالحق نزل لباديه… خفض جناح الذل من الرحمة، واحتجب علينا بحقه، قدوة ميسرة لنا، وإشفاقا علينا، إلى موصوف خَلقه، من أنفسنا، من الليل يتهجد به نافلة له، ليدخل الليل في نهاره، ويأوي الضال في بيته إلى جواره.

كان يتيما، فأشفق على اليتامى… وكان فقيرا، فأشفق على الفقراء… وكان ضالا، فلم يضق ذرعا بالجهلاء.

آواه الأعلى، وجعله في الوجود الأعلى، فتخلق بأخلاق من آواه، فآوى إليه من آوى، يوم هو لنفسه ارتضاه، وبحاله اقتداه، فكان جنة الوجود له بوجوده، لمعاني حقه ونفسه وموجوده.

آوى إليه، من رأى اليتم لعينيه، ومن لمس الفقر بيديه… آواه وتولاه، فكان أولى به من نفسه ومن والاه. وأمده فأغناه، وظهر له أنه المحتاج إليه ليغنيه، لأنه يفتقر لمن يغنيه، ليُظهِر به معانيه ومغانيه، يحب أن يعرف، وبه يعرف، يوم غنى فيه، من طلب الغنى، بذكر من يعنيه، آمنه أقرب إليه من حبل الوريد، قائما على نفسه بما تريد، وقائما بما يريد على كل نفس فيه.

إن الذي قال لك، كن كيف شئت فإني كيفما تكون أكون، لم يعزل معناه عن معناك ولا وجوده عن وجودك، لم يعزلك عنك له، وإن عزلت نفسك منه… ولم يغفل عن نفسك فيه، وإن غفلت أنت عنها به… ولم يبتعد عنها، وإن باعدتها عنه.

إن الذي تعرفه مفروضا، يعرفك وجودا… إن الذي تنكره عليك وجودا، لم يمنع عنك شيئا من عطائه لك كرما وجودا، إنه يريد برحمته ومغفرته أن يصلحك لك، فهل صلحت أو أصلحت؟ إن من يطلب الإصلاح، أو يقوم الصلاح يقتضيه طلبه للإصلاح أن يعرف ما يكون الصلاح، فكيف يطلب الإصلاح، ويعمل للإصلاح من لا يعرف ما هو الصلاح؟

(رُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)[١]… إنها رسالة الفقه في الإسلام، أن يتحدث الناس عن الحق… أن يتواصى الناس بالحق… أن يعمل الناس لطلب الحق. فرسالة الفقه رسالة نظر، وهي رسالة قائمة بذاتها، ورسالة العمل بما عُلِم… رسالة مجاهدة وعمل، وهي رسالة قائمة بذاتها.

ولا تستقيم رسالة العمل، إلا إذا استقامت رسالة النظر، ولا تنتج رسالة النظر، ما لم يتبعها من صاحب النظر عمل. إن النظر والعمل، إنما هما حرث الدنيا… إنما هما كسب الدنيا… إنما هما ما تعطيه الدنيا لمغتنمها… إنما هما الاستقامة في الدنيا، ولو استقامت الدنيا للفرد أو للمجتمع لتطورت الدنيا، لتغيرت الدنيا، لانتقلت الدنيا، من دنياها، إلى حقيقة معناها بموصوف أخراها.

إن الدنيا والآخرة، وجودان متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، فلا دنيا بدون آخرة، ولا آخرة بدون دنيا، ولو فقدت الآخرة دنياها، ما سميت أخرى، وما عرفت آخرة… ولو فقدت الدنيا آخرتها، ما سميت دنيا، وما عرفت عند قائمها بوصف الأمر الداني والدنيا للأمر الملاحق والآخرة. فلا تبعدوا أخراكم عن دنياكم، ولا تعزلوا دنياكم من أخراكم. فأنتم لكم آخرة لقبلكم، وأنتم بكم دنيا لبعدكم، وأنتم فيكم الحق ليومكم.

لو كشف غطاء الدنيا عن داني وجودكم، من نبات الأرض، لرأيتم النبات والحيوان من معناكم لدنيا آخرتكم، لعين قيامكم عيانا بيانا. {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون}[٢]. إنكم لم تدخلوا الإنسان بعد… أتريدون أن تناقلوا قول آبائكم ولا وعي لكم دينا ويقينا؟! أو لو كان آباؤكم لا يعلمون شيئا، ولا يعقلون؟

إذا كان الله، قد عامل آباءكم في إدراكهم على ما أدركوا بموازين تقواهم وإيمانهم بما أدركوا، عاملهم بما عقلوا، فمن صَدق منهم، ما فاته لتطوره شيء. ولكن الله في عصركم هذا وقد كشف لكم الكثير من العلم عنه بما علمتم عن الكون، وعن كونكم، فلو تعاملتم معه بما أدرك آباؤكم لهلكتم.

تأملوا الرسول وهو يقول لأهل عصره (من ترك منكم عشر ما أمرتكم به لهلك، ويأتي على أمتي زمان من عمل بعشر ما أمرتكم به لنجـا)[٣] . إن الحياة في عصركم تختلف عنها في عصر الرسول وقبله. فما بعد الرسول أمر في الحياة جديد، وما قبل الرسول كان أمرا في الحياة فريدا، بالرسول تجدد على الحق لقائمه به جمع من القبل والبعد لحاضره لنا.

وإن الرسول، سيبقى هو الرسول، ما تجددت الأمور، وما تجددت العصور، وما تجدد الناس، فهو الحاضر الدائم للقبل، وبعده… يخاطب الناس على قدر عقولهم، ويتخير لعديد علومه لكل علم من بينهم. فرسالته رسالة جمعهم ليوم اجتماعهم.

فإذا كان الناس يُرفعون طبقا فوق طبق، ففي كل طبق مرفوع أمره ورسوله، وفي كل بيت موضوع أمره ورسوله. إن هذه الأرض دار واحدة، وبيت واحد، يرفع أو يوضع، فيه أمره ورسوله، بيت فيه أهله وفيه ذكر الله، لأهله، رسولا من أنفسهم، لا يغيب عن أنفسهم ما شهدوا بعين الحق أنفسهم.

ولا يحتجب بينهم لهم عنهم، أمر جماعِهم وباب كلهم، ما تفقهوا في أمرهم، وما تنبهوا لمعية ربهم، وما قدروا أمر إلههم، وما أكبروا أمرهم في الله، بإعلاء عقولهم، وخفض نفوسهم، وبعث قلوبهم، وتقويم جوارحهم، لتجديد هياكلهم فلم يفرطوا في أمرهم.

هذا ما عَلمتهم بهم وأعلمتهم لهم الفطرة، على لسان أمرها وعينها، وربها ورسولها وعبدها، وحقها وخلقها، من عرفناه إنسانا، فشرف به الإنسان، ومن عرفناه آدما، فبُعِث به آدم، من عرفناه كلمة لله، تَجمَع بقديم معناه، لقادم معناه في قائم معناه، فكان الحق من الله.

إنسان أخذ كتابه بيمينه قرآنا، وقال لألواحه وصحائفه آدما وإنسانا، هاؤمُ اقرءوا كتابيه، فجددوا فيّ كتبكم، واكتبوا بأقلام القدرة لمعانيكم صحائف قادمكم لقائمكم فيّ وبي، جِماع أمركم لبيتي هو بيتكم بيتا لربي وربكم. (أُعطيت جوامع الكلم)[٤].

أتبعوا السيئة الحسنة تمحها، فامحوا من صحائفكم سيئاتكم، على ما كانت، بحسنات أفعالكم على ما تكون، فيمحى قديمكم، ويشرف قادمكم، ويصلح في الله قائمكم، (أهل لا إله إلا الله لا يحضرون الموقف).[٥]

فهل استجبنا له؟ نعم، استجاب له منا من استجاب، فرسالته لم تولد ميتة، بل ولدت حية ونبضت بالحياة. فجمعت بيئتها للعمل للثواب وللعقاب، فحيا بها مَن حيا، وعن قديمه تاب، فإلى قائمه رجع ولمعية الحق ثاب.

وها هو بحقه لقائمه، إلى الأرض روحا مع الروح آب، {يوم يقوم الروح}[٦] لرب العالمين… وفي يومنا لعصرنا يقوم الروح، عاملا مناصرا ناصرا، مع من كان العروة الوثقى، ولم يُدرك إلا لمن رحم… يقوم الروح رفيقا وحبيبا وخليلا، لرسول الله ظاهرا وباطنا، جسدا وروحا، لقائم الروح، بدنيا الحياة بشرا سوَّاه أمة، وعدا من الناس بداه. يقوم الروح لنصرته جمعا وفردا، قيوما لقائم روحه وحقه، وخلقه عبدا وربا، روح الله، وأمة رسول الله.

إن لك في النهار سبحا طويلا، جعلنا الشمس عليك دليلا، يا من رجعت إلى المطلق فكنت مطلقا، ويا من تكنزت بنورك في حجاب ظلامك، فكنت بعد النور والظلام.

رجعت، لمن إليه رجعت، فإليه آواك، ويتيما سمّاك، وجعل الدين فيمن يؤمن باليتيم لمعناك، فتأويه فيأويه من آواك… وجعل المقت والكراهية والكفر، لمن يدعُّ اليتيم لكوثرك بمعناك ومبناك، وجعل السكينة، والطمأنينة لمن والاك، ليرد موائدك، ويَطعَم بسكينتك، ويتوفر كفله من رحمتك، فيصلح باله بما عَلم… ويصلح أمره بما أيقن… ويستقيم لسانه فيما نطق بما أفيض على قلبه، من نور حكمته لقيوم قائمه بربه، حتى يكون كلامه كلام الله، وفعله فعل الله. وقد دخل في حصن لا إله إلا الله، فقام لا إله إلا الله، وعرف أن إمامه رائدها وقائمها، فشهده محمدا رسول الله، وبذلك يستقيم في الله أمره، فيعلم فيشهر ويجهر الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

فيحسن حمد الله، يوم يقول الحمد لله، ويحسن استعانة الله، يوم يقول أعوذ بالله، ويحسن إدراك نفسه، يوم يستغفر الله من نفسه، عند معناه لمعنى ربه، يوم يقول أستغفر الله، ويقدر الله حق قدره، يوم يقدر نفسه حق قدرها، فيتقدر عنده الرسول بحق قدره، فيكبر الله ويكبر رسول الله، ويكبر نفسه في الله عن قائمها لدناه. فيدرك إدراك عارفيه، من قاموا به فيه، فقالوا إن (السير إلى اللـه له نهاية والسير في الله لا نهاية له)[٧].

أولئك جاهدوا أنفسهم سيرا إلى الله، لها ممتطين، بهممهم لها حاثين، إلى الله مسرعين، وعلى مطاياهم في الله حريصين ولها راعين.

إنها العبودية لهياكلهم، تمتطيها الربوبية لمعانيهم بعقولهم، مدركة للألوهية لهم في بيتها من قلوبهم لأرواحهم.

عرفوا من كان نور السماوات والأرض لمبانيهم. إنه ما كان إلا نور عقولهم لذواتهم، عوالم الله، عرفوهم بمقيدهم مطايا مطلقهم، وعرفوهم بظاهرهم أبواب باطنهم، وعرفوهم بقلوبهم أراضي دورهم، وعرفوهم برؤوسهم رحمن هياكلهم.

عرفوا المستوي على عرش وجودهم، بذوات وجودهم، إنما هو أرواحهم… إنما هي الحياة لهم، فلم يغيبوا الله عن وجوده لموجودهم، فدخلوا في حصن وحدانيته بشعارهم، قياما بشعائرهم بلا إله إلا الله، مؤمنين، مرتقين، في الله ذي المعارج، برسوله إليه في دوام عارج، قائد ركب عوالمه إليه، في لانهائيه بوجوده، بلانهائي عطائه وجوده، لقائمه به وموجوده.

فكان الإنسان به حقا وإنسانا، وكان الإنسان به على الحق عنوانا، وكان للحق بيتا يذكر فيه اسمه، رجالا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، مذكور وجودهم، يذكرونه، وموجود ذكرهم يقومونه، إن لله عبادا إذا ذُكروا ذَُكر الله.

المؤمن مرآة المؤمن، فما كان المرء إلا على دين خليله، لا تنتظروا حسابا أو عقابا، فلينظر أيكم من يخالل، فلا تخدعه نفسه، ولا يغلبه حسه، عن إدراك مقاربه، وهو بفعله مجانبه، يظاهرون الله لا يواجهونه، ويواجهون الشيطان ويظاهرونه، يجادلون في الله بغير علم ويتبعون كل شيطان مريد.

إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وفي أنفسكم أفلا تبصرون. إن إلى أنفسكم اتجهتم، أبصرتم، فإن ردت إليكم أعمالكم، فشياطين وجودكم قمتم ولكم عرفتم، وإن في حجابكم جاهدتم، وللشيطان يجري منكم مجرى الدم ما كذبتم ولكن صدَّقتم، ولما في أنفسكم غيرتم، إلى من هو بينكم عرفتم، وإلى الله رسولا نسبتم، غَيَّر الله ما بكم. فإذا كشفت عنكم أغطيتكم، عرفتم، ما قدمتم وأخرتم، يوم أنكم رسول الله في أنفسكم شهدتم، وعلى عروش قلوبكم أجلستم ما عارضتم ولا منعتم، وبيته من قلوبكم ربا لكم ما أغلقتم، ولكنكم لأبواب قلوبكم فتحتم وبالحق جاءكم رحبتم، فدخلكم بنور الله له، هو معناه، أنتم له ما هو مبناه، هو لكم عين مولاه، من مولاه لمعنى مولاكم. فما عرفه فيه، إلا مولاكم، فذكره لكم، بما عرفتم وبما طلب إليكم، ولم يذكره لقائمه في شهودكم، فما عرفتموه ولن تعرفوه في وجوده مع شهود وجودكم.

(ما عرفني غير ربي[٨]… لست على هيئتكم[٩])… لست على صورتكم… لست كأحدكم… إنني كُل أحديتكم ولست كأحدكم، إني جماعكم ولست بكلي لكم في جزء مني بأحدكم، {ويوم القيامة يكفرون بشرككم}[١٠].

وقد أنكروا عليك أنك كلهم أو أنك الحق لهم وما كنت من الله إلا كلهم، لكلهم، فما أنكروا على الله ولكن أنكروا عليك قائم الحق لهم. ما طلب منهم الله أن يقدروه حق قدره. وأنَّى يكون لهم ذلك! ولكنه طالبهم أن يقدروك حق قدرك {وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته}[١١]، ما قدروا الله حق قدره.

لو أكبرتم الله… لو قدرتم الله… لو أعليتم شأن الله في نظركم، لآمنتم برسوله ربا لكم راعيا لأمركم، إنه لكم كل ما لكم من عند الله… إنه الحق لجماع العبد والرب لكم، وقائم الوجود والموجد لشهودكم.

ليس لكم عند الله بعيدا عنه شيء، فمن بعد عنه، فلا حظ له من الله، ومن قاربه معنىً، أو عرفه وجها، أو تحسسه اجتهادا، فإن الله يؤتيه به كفلين من رحمته، عن طريق إدراكه، لقائمه برسوله أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

فألوان الإيمان ومراتبه تتلون برسول الله، ومراتب الإيمان في الله تتحدد بالإدراك لإدراك ما أدرك رسول الله… والنجاة من القطيعة وهي العذاب، تنقضي بالوصلة برسول الله. إن المعرفة عن رسول الله، إنما هي المعرفة عن الله، وإن المعرفة عن النفس في رسول الله، إنما هي المعرفة عن رسول الله.

فمن طلب المعرفة، فليبدأ بمعرفة نفسه في القطيعة عن رسول الله، وفي الوصلة برسول الله. فكيف يعرف كله… لمعنى رسول الله من لا يعرف جزء رسول الله لمعناه؟ كيف يعرف جزءه من رسول الله لمعنى نفسه من لا يعرف رسول الله من عند الله لمعنى كله؟ ابدأ بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت. (ابدأ بنفسك فانهها عن غَيها، فإذا انتهت، فأنت حكيم)[١٢].

فإن صَلُحت نفسك نبع الإصلاح منك، وصلحت لأن تصلح، (لن يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)[١٣]، فإذا كانت نفسه لم تجد ما تُحب، فكيف يقدم لأخيه شيئا يحب! إن الناس يرونهم، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، بترديد ما قرأوا متجاوزين بأنفسهم وضعها، متجاوزين بها إلى ما فوق حقها.

فكيف يعطي الهدى ضال؟ إنه يعطي الضلال… فيرتقي في ضلاله من ضال إلى مُضل. أَمرنا أن نستعيذ بالله أن لا يدخلنا فيهم، أو يفتتنا بهم، وأن يجعلنا من غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

هكذا نستعيذ بالله، من أنفسنا، مستحقة للرجم بعملها شيطان وجودنا، طَلب إلينا أن نجاهدها، بين جوانحنا، (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك)[١٤].

إنك في جماعك بمجموعك في قائمك، من قيل له، بعضكم لبعض عدو. إنك في هيكلك، من قيل لهم، لكم فيها في هياكلكم مستقر ومتاع إلى حين، إنك في وحدتك لأحدك في قائمك، من وُعد وبُشر وحُذر وعُلم ليعلم، يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم… إنك يوم تتشتت إلى صورك، من إلهك وربك، وعبدك، في عالمك وكونك تعرف ما بين يديك من البلاغ، فما تجحد وتنكر، وتحرِّف، كفي بنفسك اليوم وفي كل يوم، عليك حسيبا.

الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة، يحسبه الظمآن ماء، فإذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد الله عنده، في يومه وأمسه وغده، وفي كل أطواره، وفي كل أوقاته، وجد الله عنده، والله عند خلقه، ما فارق خلقه، لا في قديم خلقه، ولا في قائم خلقه، ولا في قادم خلقه.

إن الله عند خلقه، وإن الله يخلق من خلقه، صورا له، يتجلى بها، يوم يتجلى بهم، على أعمالهم، وما صدر عنهم، والله خلقكم وما تعملون… ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، إنما هي أعمالكم ترد إلى عاملها وصانعها وربها منكم، إنما هي أعمالكم ترد إليكم، فتكفر بكم إن بمن صنعكم كفرتم، وتؤمن بكم يوم أنكم بصانعكم آمنتم. كما تدين تدان.

إنما هي أعمالكم ترد إليكم، فتراكم، يوم تراها، من عملكم، وتراها يوم تراكم من عملها، {إن ابني من أهلي[١٥]… إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح[١٦]}، فيوم يتحكم في الإنسان عمله، ربا عليه لا ربا له، فيرد إلى ربه، فيعذبه عذابا نكرا، ويوم يتمكن هو من صنعه، بتخلقه بأخلاق ربه، يدخل جنته لمعنى فردوس نفسه، بمن دخلها من قومه وبيته وأهله.

بهذا كله جاء الإسلام، {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم قالوا بلى شهدنا}[١٧]، يوم صاروا حقائق لحقائق. ولكن يوم شهد الأبناء أن الآباء من صنعهم برد الآباء إلى أبنائهم، قيام صانعهم، فهذا جزاء الآباء، برد أعمالهم إليهم بنقصهم لأطوارهم، ويوم يرد الأبناء إلى الآباء لمعاني صانعهم، موالين متابعين محبين متفانين، فهذا جزاء الآباء بمتابعة الأبناء لهم، مرحلة كريمة لتطورهم. فمن صلح لله والدا أو ولدا، أصلحنا له من صلح من آبائه وأزواجه وذرياته.

فمن يكون الله، إلا من صلح من خلقه، يوم يعرف الإنسان الفطرة في نفسه، ويعرفه مصنوع الله لله، (يخلق الله له صورة يتجلى بها على الخلق يوم القيامة[١٨]، [أرجو أن أكون صاحب هذه الصورة])[١٩]… {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}[٢٠] {ولسوف يعطيك ربك فترضى}[٢١]… (كلكم لآدم وآدم من تراب)[٢٢]… (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين)[٢٣].

إن هذا الذي نقوله في رسول الله، إنما نقوله لكم فيكم عنكم، يوم أنكم له تتابعون، وبالله ورسوله لأنفسكم تؤمنون، والله ورسوله عن أنفسكم لا تبعدون. لا تبعدوا الله عنكم، ولا تبعدوا رسوله عنكم، لقائم وجودكم بموجودكم، يوم تصبحوا بهما رحامين، مغيرين لما في نفوسكم من معاني الشياطين.

لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فلينظروا بالإيمان أي منقلب ينقلبون، {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا}[٢٤]… إن الله لا يغفر أن تشركوا به وجودا غير وجوده، بوهم وجودكم، فأنتم ظلال لمن فيه تواجد، يوم أنكم فيه تتواجدون، ولأنفسكم بعملكم بقدرته بأمانة الحياة تصنعون وتطورون وتخلقون.

إنكم عملكم بأمانة الحياة لكم… إن الحياة التي تحملونها أمانة معكم، إنما هي عارية، تبقى لكم هدية من الله يوم تستحقونها بحسن استعمالها، وتفارقكم باستردادها، يوم تسيئون استعمالها، تفارقكم رحمة بالناس، ورحمة بكم، لأنكم لا تستعملونها إلا في خلق الشياطين، وتنمية مملكة الشيطان، وتغذية قائم الشيطان، وإعزاز الشيطان، لأنكم لا تقرأون إلا قرآن الشيطان، ولا تجددون إلا صحائف البهتان، وتخاصمون في دوام، وجوه الإحسان، وأسماء الله الحسنى بالإنسان في عباد الرحمن يمشون على الأرض هونا.

ولكنكم تقومون في مجال المقت لهم عند الناس، وفي مجال النسيان لكم بهم، لا تتذاكرون بينكم عنهم، ولا تتواصون بالحق بهم لكم، ولكنكم تذكرون في دوام مخاصميكم من الطغاة منكم باسم معانيهم لكم.

تقولون إنكم تتابعون رسول الله، وآله والتابعين، وأصحابه والمصاحبين، بإحسان إلى يوم الدين، وما تابعتم وذكرتم إلا الغافلين والظالمين والطاغين، وما كان للمحسنين بينكم من سبيل… أغلقتم أبواب رحمة الله، وقطعتم عن الوجود رسول الله، وما أغلقتم الأبواب إلا على أنفسكم، وما قطعتم الرحمة إلا عنكم.

ختام النبيين! آخر النبيين! بهذا وصفتموه! فليكن كذلك… أليس هو أول العابدين! أليس هو أمر الله للعالمين! أليس هو نور الله للعارفين! أليس هو كتاب الله للقارئين! أليس هو أقلام قدرته للكاتبين! أليس هو صوت الله للمرتلين! أليس هو إمامة الله للعارجين! أليس هو روح الله للأحياء العاملين! أليس هو نور الله لقلوب المشرقين! أليس هو الإنسان للعالمين!

ألم يقل لنا في هديه، إن الإنسان إنما هو الرحمن! ألم يقل إن الله ما ظهر في شيء مثل ظهوره في الإنسان! فإذا كان هو إنسان الله ظهر به الله، فكيف يموت وكيف يغيب، والله يقول له ليسمعنا، ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد؟ وهو يقول لنا (أنا حي في قبري)[٢٥]، ليعالج عنتنا بخطاب على قدر عقولنا.

ونحن نذهب مغاضبين، ونظن أن الله عليه غير قادر، لم يجعل له الخلد لأنه مات، فكيف نقول أن الله جعل له الخلد، إنه جعل له الخلد لذكراه، كما جعله لنابليون وولنجتون وبسمارك وخوفو وخفرع ومنقرع!

هل هذا نوع الخلد الذي جعله الله لرسول الله؟ أومن {جعلنا له نورا يمشي به في الناس، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}[٢٦]، ألم يجعل الله لمحمد نورا يمشي به في الناس؟ ألم يقل له على مسمع لنا ومشهد بنا هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٢٧]!

إن الله هو الذي يراه، حين يقوم ويتقلب في الساجدين، فكيف يراه من لم يسرِ فيهم بنور الله له؟ كيف يراه العمي غير المبصرين؟ {لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير}[٢٨]… كيف يرى رسول الله، وهو الحق من الله من لا يؤمن بالله في معيته، ولا يجاهد نفسه في الله، معبدها لنور طلعته، بإنسان حضرته؟

(أخفى الله الولي في الخلق)[٢٩]… {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا}[٣٠]… (رُب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره)[٣١]، ولكن الناس لا يريدون أن يروه إلا تحت التيجان… لا يريدون أن يروه إلا فوق كراسي السلطان.

أي سلطان… هذا الذي يرى فيه رسول الله! وأي تاج ذلك الذي يرى تحته رسول الله؟ إنه جمال الله… إنه يرى على عرش سلطان الله، وتحت تاج جلال الله… إنه مصدر الحياة… يوم تُدرك معنى الحياة… إنه مصدر الحياة يوم تقبل أن تكون عبدا لله… إنه وجه الله، يوم تريد أن تضيف نفسك إلى الله… إنه ظاهر الله، رسولا من الله… إنه الله، باطن رسول الله.

إنه عَلم الله اللانهائي فوق الأسماء والمسميات… إنه ما وراء الله بأسمائه… إن الذين أدركوا وعرفوا، فبينوا وقالوا في متابعته، ناصحين لأهل مجانبته باسم شريعته، هُدوا إلى أن (السير إلى الله له نهاية)[٣٢]، وعلموا أن ليس الشأن أن تعرف ما هو الاسم الأعظم، ولكن الشأن أن تكون أنت الاسم الأعظم.

فبذلك يتم سيرك إلى الله، فإذا بقيت في إيمانك بمتابعة رسول الله، عرفتك رسول الله… فإذا عرفتك رسول الله، وتفتحت لك أبواب معارج الله، إلى اللانهائي فعرفت الله أكبر، والله أكبر، ورسول الله أكبر، ورسول الله أكبر، عطاءً غير مجذوذ، وسيرا غير متوقف، وعلمت عِلم اليقين أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن مالك الشيء زاهد فيه.

من عَرف أنه يملك الدنيا، زهدها… ومن عَرف أنه يفتقر إلى الله، طلب الله… ومن يعرف أنه اسما لله، يمقت نفسه يوم كانت بعيدة أن تكون اسما لله، ويحذرها أن تعتدي عليه اسما لله، فتضيعه مع الله… الذين آمنوا بالله ورسوله ثم ارتابوا، {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان)[٣٣].

والذين آمنوا بالله ورسوله، ولم يرتابوا في إيمانهم بالله ورسوله، في دائم لهم، كانوا نعم المؤمن مرآة المؤمن، شهدوا الله برسوله لقيامهم، قيوما عليهم، وشهدوا رسول الله، بقائمهم، لقيومهم، قائم قيومهم، في الله، برسول الله، كلمات لله ورسوله.

(أشهده بك، وأشهدك به)[٣٤]… هذا تواصيهم بالحق وتدريكهم به للآخرين، عن إدراكهم وموصوفهم في قيامهم، قائم كلمة الله، من كلمات لله، إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه، كلمة طيبة كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، وكلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت، من سطح الأرض فما لها من قرار. {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}[٣٥].

قل انتظروا فإني معكم من المنتظرين، وإن غدا لناظره قريب، وإن يوما سيجيئ، يعرف فيه لمن عقبى الدار، يوم تشرق الأرض بنور ربها، وتنشق الأرض عن سيدها، يوم تنشق الأرض عن رسول الله، مولاها، زويت له الأرض، لقدوته بها، وطويت له السماء لرحمته منها، هو يد الله، مبسوطة، لمن يبايع الله على نفسه… هو يد الله، مخلصة، لمن لجأ إلى الله، في سفن النجاة وركب الحياة.

هل عرفنا أهل بيت رسول الله؟ وأنهم كتاب الله؟ وكلام الله؟ وأن الرسول وقرآنه أُم كتابهم، وجماع أحاديثهم من قَبله ومن بعده؟ وأنه الكتاب والإمام الذي لم يفرط فيه الله من شيء؟ كتاب الوجود… كتاب الحياة… كتاب الإطلاق، يأخذه مريد الحق، لمطلق الحق، حرصا على الحياة لنفسه.

فإذا حيا قلبه، واستقامت نفسه، وأشرق عقله، خرج للناس نبيئا، وقام بينهم نبيئا، بما عرف بالحق مبعوثا، وبالرسول قائما، ليتابعه الناس على ما علم يوم يعرفون عترته، لا تنفصل عن الكتاب، تُقدم البيان، وتكشف طريق الإحسان، وتقوم بالعنوان، لرسول الرحمن، لإنسان الإحسان، لإنسان الله، لآدم الله، لجماع أوادم الله، لباب الله، لوجه الله، لقلم قدرة الله، لعرش الله وكرسي الله، لصحائف الله، لكتب الله، لدائم رسالة الله بدائم رسول الله.

لقد كان لنا الرسول، وما زال، وسيبقى… فهل أخذنا شيئا من ذلك؟ لقد جافينا من أخذ، ولا نريد أن نأخذ، ولا نريد أن ندرك حتى نوصي أبناءنا أن تدرك ما غفل عنه الآباء لنا، لا نريد أن نتواصى بالحق، ولا نريد أن نتواصى بالصبر، ولا نريد أن نتلاقى مع الحق في قيامنا، يوم نعرف أهل الحق من بيننا، ولكننا مع أهل البهتان نتواصى بموصوف الحق، وبموهوم الحق.

هذا حالنا… وهذا ما آل إليه أمرنا، فهل فينا من رجل رشيد؟ فهل فينا من يستيقظ؟ فهل فينا من يقظ؟ هل فينا من يريد أن يُوقِظ؟ هل فينا من عَرف؟ هل فينا من يريد أن يعرف؟ هل فينا من يريد أن يُعرِّف؟ {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[٣٦]… {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٣٧]، فكيف أنَّا من الله نيأس، وكيف أنَّا عنه بيننا في الخلق لا نبحث!

إننا يوم أنَّا إليه نستيقظ، ولأنفسنا ندرك، وفي أنفسنا نطلب لبحثنا عن المثل الأعلى لنا، {ولله المثل الأعلى}[٣٨] في السماوات والأرض، {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا}[٣٩]… {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}[٤٠]، ولكنا من دون الله نتخذ، وبالله لا نأخذ، وبالله لمعيتنا نجحد وننكر، وإذا آمنا بمعيته لنفوسنا نطغى بها ونستكبر، وعلى عباد الرحمن لمعنى الحق نخاصم وننكر.

فهل عبَّدنا أنفسنا لله، وعبدناها لاسم الله بعبد من العباد حتى نعرف العباد، وحتى نقوم في الرشاد؟ رفعنا بعضكم فوق بعض درجات، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا، وما رفعنا بعضكم فوق بعض درجات، إلا في المعرفة… إلا في الحقيقة… إلا في كسب نور الله… إلا في معارج الله… إلا في روح الله.

طبقا فوق طبق ترفعون… وأمرا فوق أمر تنتظمون، وجعلنا طريقنا منا إليكم أو منكم إلينا، رجل سَلم لرجل في كل صعود وهبوط، وجعلنا فتنتنا رجل فيه شركاء متشاكسون، ولم نسوي بينهما مُثُلا، ولم نجعل من الثاني للاحتذاء مَثَلا، ولكن جعلنا من الأول كوثرا، إنها المسير والطريق، إنها الصدق والصديق، إنها الحق… إنها القيامة… إنها الحياة… إنها الساعة… إنها الخلاص… إنها السلامة… إنها الدين… إنها العِلم… إنها الخروج من الجاهلية والجهل… إنها الإسلام والعتق من النار، إنها التخلص من سجين المادة إلى طليق الإرادة… إنها التحرر من قيود الزمن… إنها الغلبة على الموت… إنها العلم والكتاب… إنها الحياة والحساب.

على أساس من هذا قام دين الإسلام… فهو دين الروح، تجسدت شبحا وتتجسد… وهو دين الأشباح انطلقت أرواحا وتنطلق… إنه دين الغيب والشهادة… إنه دين الدنيا والآخرة… إنه دين يوم الدين… إنه دين أمسك، ودين يومك، ودين غدك. إنه دين قيامك وقيامتك… إنه دينك فيما فيه تقوم، ودينك فيما فيه قديما قمت، ودين غدك يوم علمت نفس ما قدمت وأخرت. هذا هو دين الله، هذا هو دين القيمة… هذا هو دين الفطرة.

إن الجمهور في هذا الدين على الجادة من الدين يوم كان له من القيمة إمام ورائد وقائد… إن الجمهور في هذا الدين، وكل إنسان حبله على غاربه، لم يدخل في الحياة بعد ما لم يدخل في إمام يرتضيه… إن القيادة، والريادة، والرسالة، والإمامة، إنما هي باب الحياة… {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}[٤١]… {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}[٤٢]، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم}[٤٣].

يقوم الرسول قبس نور الله في الناس ويتقلب في الساجدين، فيراه رب العالمين. فأنت لا تعرف الله ولا ينظر إليك الله معروفا له إلا يوم توحد ومع الرسول تتوحد فيشهد الله الله فيك، وإن الله لا يشهد فيه إلا الله، فهو لا يشهد إلا حقه برسوله، يوم يقوم ويتقلب بالسجود فيك له ربا يُشهَد، لعبد يَشْهَد، إن الله من الله، لا محل للتفريق بين الله وحقه… بين الله ورسوله… بين الرب وعبده… بين الخالق وخلقه.

إن الفقه في إنسان رسول الله خلقا وحقا هو الفقه في الدين، ولا يقوم الفقه في رسول الله إلا في الفقه في النفس، فالفقه في النفس وعن النفس إنما هو فقه في رسول الله، والفقه في رسول الله إنما هو فقه في الله، فكيف تبدأ فقهك بأن تفقه عن الله؟! أين أنت من لانهائيه لمعنى حقه لوجوده؟! وإن كان الله بحقائقه أقرب إليك من حبل الوريد… هل فقهت شيئا عن الرسول حتى تَفقَه ربه وحتى تَفقَه عن الله؟ حتى تكون نفسك موضوع إحاطتك وعلمك؟!

إن مفتاح الفقه عن نفسك، أن تصدق من حمل إليك تعريفه لك عنك، إن الشـيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، فتستجيب له، يوم يقول لك ضيّق مسالك الشيطان بالجوع والعطش، حتى تغيّر ما في نفسك، ليغير الله ما بك من أمرك لمراد أمره بك.

إن إيمانك بالله، يكفي فيه أن تعرف ما قيل لك، من أنه أقرب إليك من حبل الوريد، ومعك أينما كنت… إنك يوم تعرف عن ربك من الله هو له ولك، وهو الكيان الذي هو لك أقرب إليك من حبل الوريد، فإن معرفتك فيه تنتهي إلى أنه إنما هو أنت ولست غيره، وهو ليس غيرك… وهذا هو معنى الدخول في حصن لا إله إلا الله، ومعنى التوحيد والوحدانية، (لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن عذابي)[٤٤].

ولكن… والله أغنى الشريكين فيك، فأنت فيك شركاء متشاكسون، معك رحمانه لرحمتك، وفيك شيطانه لامتحانك وابتلائك واختبارك وفتنتك. فشيطانك فيك في عراك دائم مع رحمانك معك. فأنت فيك شركاء متشاكسون، والله أغنى الشريكين، إنه لا يدخل بيتا فيه شركاء متشاكسون، فرحمانك معك لا يدخل بيتا فيه شيطانك مملوك الزمام لتكون مملوك الزمام له بحبك.

ولكنه يدخل بيتا خالصا لله، يوم تكون رجل سَلم لرجل، مؤمن بالله ورسوله، سَلم لمؤمن لله ورسوله، فإذا رأى الله أنك سَلم لرسوله، فأنت سَلم له، فإذا رأى الله أنك بيت لرسوله قلبك بيتا له، فدخلك الله بنوره يوم كنت ساحة لرسوله، فاجتمع فيك المؤمن لمعناك، والمؤمن لمعنى الرسول لله، والمؤمن لاسم الله المرسل في المؤمن الأكبر الذي شهد لنفسه أنه لا إله إلا الله.

وهذه هي حقائق الإسلام في تعديده، وحقيقة الإسلام في وحدانيته وتوحيده، هذه هي أقانيم الإسلام، في الله، جاء بها رسول الله، وقامها رسول الله، واجتمعت للرسول في رسول الله، اجتماعا على ربه من الله، قام بها في الأعلى والأكبر والأعز، في الله، فكان الأكبر والأعز للمؤمنين بالله لأنفسهم، ورب رسول الله، ورسول الله لهم، أقانيم وحقائق ثلاثة أو أكثر في وحدانية المطلق لموصوف الله.

نقول إن الإسلام لم يقم على التعديد… وقام على التوحيد… نعم، فقد تنزه الله، عند المسلم عن التعديد وعن الاتحاد وعن التوحيد، ولكن الذي تحقق بالله مسلما، هو من تحقق بالتعديد لنفسه، في أي صورة ما شاء ركبه، ومن تحقق بالتوحيد لنفسه، جماع صوره وجماع ما رُكِّب، وجماع ما ركب، وجماع من ركب، فعرف أن عِلم الإنسان عن الله، ما قام إلا في دائرة عِلمه عنه لنفسه منه عبدا وربا لقائم حق الله.

إن الإنسان وهو الأمر الوسط في الإسلام، بين أمور الله لا بدء لها، وبين أمور الله لا توقف لجديدها، هو بطرفيه للقديم والقادم لعين قائمه. وبذلك عَرف ووحد الله، عرف الله بحقائقه في مطلق الوجود إلها بالإنسان لقديمه أزلا، يقوم ربا بقائمه، لعباد لقادمه به حقائق أبدا، إنسانا واحدا، وحقا واحدا، وعبدا واحدا، وإلها واحدا بين وجوه لله في مطلقه ولانهائيه. فالإنسان رب بين أرباب مكلفين من الأعلى، وعبد بين عباد مكرمين من ربهم في الله، فهذا هو المسلم لله ورسوله، وهذا هو الحق من الله للناس قدوة لهم، وسبيلا ميسرا لاهتدائهم. {…ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا}[٤٥].

قل جاء الحق وزهق الباطل، فما كان الحق إلا رسول الله بعلمه عنه لربه من الله، وما كان الباطل إلا رسول الله في جهله عنه بقائمه من التراب، فيوم ذهب جهله عنه، بعث به حقه فيه، وكشف عنه غطاؤه له، فحد بصره، وكشف أمره، فطلب الأعلى رفيقا، وقام مع الأدنى صديقا، وكان لما حمل إليه من اللانهائي صِدِّيقا، فتحقق بالله لقائمه، واستزاد من الله لقادمه، وعرف عن الله أنه لا يجز عطاؤه، ولا يتوقف ابتلاؤه.

فعرف أن ابتلاءه الأبدي الأزلي اللانهائي، ملاحق حتى لمن دخل في حضرته، وحتى لمن قام بحقيقته، ما دامت له أنا في المعارج. عرف أن صفات المطلق بالأعلى، لا تتوقف عن الإعمال أبدا وأزلا وقياما، فالتزم حده، فقال (ها أنذا رسول الله بينكم ولا أدري ما يفعل الله بي غدا)[٤٦]، (أنا أقربكم إلى الله وأخوفكم منه)[٤٧]. نعم، فقد صَدَّقه ربه، {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا}[٤٨]، صدَّقه ربه، {إنا فتحنا لك فتحا مبينا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}[٤٩]، ولكن هل فرضت أنت إرادتك على الله؟ كتب ربك على نفسه الرحمة، كتب لأغلبن أنا ورسلي، ولكن لو شاء الله وأبعدك عن حظيرتهم لحضرة ربك، فبمن تتشفع إليه؟ وبمن تستنجد عليه؟

إنه المطلق في إرادته… إنه المطلق في فعله… إنه المطلق في مشيئته… إنه المطلق في رحمته… إنه المطلق في عطائه… وإنه المطلق في بلائه… وإنه المطلق في جزائه… وإنه المطلق في بطشه. إن ربك لك معك إنما هو وجه الله عندك، ورسوله إليك ورحمته بك.

بهذا كله جاءنا دين الإسلام، فكيف نبيح لأنفسنا بعيدا عنه أمورا، يختل بها ميزان الاستقامة لنا؟ كيف نزعم أننا المصلحين، ونحن لم نصلح؟ كيف نقوم الهادين ونحن لم نهتدي؟ كيف نجلس مجالس المعلمين ونحن لم نتعلم؟ مَن يكون الدجالون؟! ومن يكون الكذابون؟! ومن يكون المنافقون إذن؟!

هذا ما يليق بنا أن نعرفنا به، ونقدرنا فيه، حتى نستطيع أن نجاهد ونستعيذ، ونلجأ، ونغير ما بأنفسنا، حتى يغير الله ما بنا، ويأخذ بنواصينا إلى الخير.

نسأل الله أن يفضحنا لنا، حتى نعرفنا، نسأل الله أن يكشف لنا أمرنا، وأن ينير لنا طريقنا، وأن يهيئ لنا أسباب الرحمة منه، برسول الله… بحبيب الله… بخليل الله… بوجه الله… بحق الله… مَن جعله رحمة للعالمين، وسيدا للمرسلين، وقدوة للناس أجمعين، به يقتدون، وله يتابعون، وعنه يعلمون، وإليه إلى الله يسيرون، وبه بالله يقومون، ويستعينون، ويستقيمون.

أشهد أنه لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الله، وأشهد أنه لا شريك لله، من رسول أو عبد، ولا قيام لله مشاركا، بموصوف رب أو عبد، فالكل له، فالعباد له، والرسل له، والحق له، والمقيدون والمطلقون له، ومعنى التقييد له، ومعنى الإطلاق له، ومعنى الوجود له، ومعنى الغيب له، ومعنى الظهور له.

لا إله إلا الله… محمد رسول الله.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شريف: “نضَّرَ اللَّهُ امرأً سمِعَ مقالتي، فبلَّغَها، فرُبَّ حاملِ فِقهٍ، غيرُ فَقيهٍ، وربَّ حاملِ فِقهٍ إلى من هوَ أفقَهُ منهُ.” المحدث: الألباني. المصدر: صحيح الجامع. كذلك جاء في الصَّحيحَيْنِ مِن حَديثِ أبي بَكرةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: “فلْيُبلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعى مِن سامع” ↩︎

  2. سورة العنكبوت - ٦٤ ↩︎

  3. حديث شريف: “إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك، ثم يأتي زمان من عمل منكم بعشر ما أمر به نجا.” صحيح الترمذي ↩︎

  4. من الحديث الشريف: "فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِىَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً، وخُتِمَ بي النبيُّونَ‏). سنن الترمذي، ومسلم باختلاف يسير. كما أخرج البخاري بعضا منه في أحاديث أخرى. ↩︎

  5. استلهاما من الحديث الشريف: "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن "… أخرجه الحكيم الترمذي، والبيهقي، والطبراني، وأبو يعلي. ↩︎

  6. سورة النبأ - ٧٨ ↩︎

  7. مقولة صوفية عامة، وغالبا ما تعود إلى مولانا جلال الدين الرومي. ↩︎

  8. حديث شريف ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ↩︎

  9. من الحديث الشريف: “إيَّاكم والوصالَ إيَّاكم والوصالَ قالوا: فإنَّكَ تواصِلُ يا رسولَ اللَّهِ قالَ: إنِّي لستُ كَهَيئتِكُم إنِّي أبيتُ يُطعمُني ربِّي ويَسقيني” أخرجه مالك، والبخاري ومسلم باختلاف يسير. ↩︎

  10. سورة فاطر - ١٤ ↩︎

  11. سورة الحديد -٢٨ ↩︎

  12. من قصيدة طويلة للشاعر العربي أبي الأسود الدؤلي، ومنها: لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله … عارٌ عليك إذا فعلت عظيمابدأ بنفسك وانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيمفهناك يقبل ما وعظت ويقتدى … بالعلم منك وينفع التعليم ↩︎

  13. إشارة إلى الحديث الشريف. صحيح البخاري. جاء أيضا: " والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ من الخيرِ." أخرجه النسائي ومسلم. ↩︎

  14. حديث شريف. أخرجه البيهقي. كما أخرجه الطبراني بلفظ: “ليس عدوُّك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة، وإذا قتلته كان لك نوراً، أعدى عدوِّك نفسك التي بين جنبيك.”. ↩︎

  15. سورة هود - ٤٥ ↩︎

  16. سورة هود - ٤٦ ↩︎

  17. سورة الأعراف - ١٧٢ ↩︎

  18. إشارة إلى حديث شريف طويل: “إنَّ اللَّهَ يتجلَّى لَهم يومَ القيامةِ ثمَّ يأتيهم في صورةٍ غيرِ الصُّورةِ الَّتي رأوْهُ فيها أوَّلَ مرَّةٍ فيقولُ أنا ربُّكم فيقولونَ نعوذُ باللَّهِ منكَ هذا مَكانُنا حتَّى يأتيَنا ربُّنا فإذا جاءَ ربُّنا عرفناه. ثمَّ يأتيهم في الصُّورةِ الَّتي رأوْهُ فيها في أوَّلِ مرَّةٍ فيقولُ أنا ربُّكم فيقولونَ أنتَ ربُّنا.” صحيح البخاري. ↩︎

  19. عبارة للسيد رافع. يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  20. سورة الإسراء – ٧٩ ↩︎

  21. سورة الضحى - ٥ ↩︎

  22. حديث شريف: “كلكم بنو آدم وآدم خُلق من تراب.” أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد ↩︎

  23. حديث شريف ذات صلة: “إنِّي عندَ اللهِ مكتوبٌ خاتمُ النَّبييِّنَ، وإنَّ آدمَ لمنجَدلٌ في طينتِه…” أخرجه أحمد وابن حبان باختلاف يسير، وأخرجه البغوي في ((شرح السنة)) واللفظ له. والحديث الشريف “أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة؟ قال: وآدم بين الروح والجسد.” أخرجه الترمذي، وأحمد بلفظ مقارب. ↩︎

  24. سورة الزمر - ٥٣ ↩︎

  25. حديث شريف يتردد في أدبيات التصوف، يتوافق مع الحديث الشريف: “الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ”. أخرجه أبو يعلي والبزار. ↩︎

  26. سورة الأنعام - ١٢٢. ↩︎

  27. سورة الشعراء - ٢١٨:٢١٩ ↩︎

  28. سورة الأنعام - ١٠٣ ↩︎

  29. مقولة للإمام عليّ (عليه السلام): إن الله أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرن شيئا من طاعته، فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم. وأخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغرن شيئا من معصيته، فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم. وأخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرن شيئا من دعائه، فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم. وأخفى وليه في عباده، فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله، فربما يكون وليه وأنت لا تعلم… بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎

  30. سورة الفرقان - ٦٣ ↩︎

  31. من حديث شريف: " رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ذِي طِمْرَيْنِ، تَنْبُو عنه أَعْيُنُ الناسِ، لو أَقْسَمَ على اللهِ لَأَبَرَّهُ". أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) بلفظه، وأصله في صحيح البخاري ومسلم بنحوه. ↩︎

  32. مقولة صوفية عامة، وغالبا ما تعود إلى مولانا جلال الدين الرومي، “السير إلى اللـه له نهاية والسير في الله لا نهاية له.” ↩︎

  33. سورة الحجرات – ١١ ↩︎

  34. من صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في “الياقوتة” الصوفية للشيخ محمد بن محمد بن مسعود الفاسي. ↩︎

  35. سورة الرعد - ١٧ ↩︎

  36. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  37. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  38. سورة النحل - ٦٠ ↩︎

  39. سورة مريم - ٩٣ ↩︎

  40. سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎

  41. سورة الأنفال - ٢٤. ↩︎

  42. سورة الأحزاب - ٣٣ ↩︎

  43. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  44. حديث قدسي رواه الإمام علي بن أبي طالب عليهم السلام، المحدث العراقي، بإسناد ضعيف، المصدر: تخريج الإحياء للعراقي كما جاء بلفظ: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سمعت جبرئيل عليه السلام يقول: سمعت الله عز وجل يقول: لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن (من) عذابي.” بحار الأنوار، المكتبة الشيعية. ↩︎

  45. سورة الكهف - ١٧ ↩︎

  46. إشارة إلى الحديث الشريف: “واللَّهِ ما أدرِي - وأَنا رسول اللَّه - ما يفعل بي ولا بكم.” صحيح البخاري. ↩︎

  47. إشارة إلى أكثر من حديث شريف منها: “إنَّ أتْقَاكُمْ وأَعْلَمَكُمْ باللَّهِ أنَا.” صحيح البخاري. أيضا “… ما بَالُ أقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أصْنَعُهُ؟! فَوَاللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُهُمْ باللَّهِ، وأَشَدُّهُمْ له خَشْيَةً.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  48. سورة الإسراء - ٨٦ ↩︎

  49. سورة الفتح - ١:٢ ↩︎