(١)
في.. إنسان الطريق
عَمله.. كلامه
ذِكره.. دعاؤه
أدبه.. قيامه
مقدمة منتخبة من أحاديث الجمعة للسيد/ على رافع محمد رافع
٦ ربيع الآخر ١٣٩٤ هـ - ٢٨ أبريل ١٩٧٤ م
سبح اسم ربك الأعلى… الذي خلق فسوى… والذي قدر فهدى.
سبح اسم ربك الأعلى… في وجودك… واذكره كثيرا في نفسك، حتى يأتيك اليقين.
تسبيحك لا يكون لخيال… وذكرك لا يكون لماضٍ أو منام… (لو غاب عني رسول الله طرفة عين ما عَددت نفسي من المسلمين).[١]
يرى بعض الناس أنهم يذكرون ماضيا من قيام فارق وابتعد وفي الحقيقة أنهم عنه يبتعدون، فالذكر لا يكون إلا لقائم لا يفارق، والوصلة لا تكون إلا مع دائم لا يغيب، يشعر الإنسان به معه في كل مكان وزمان، هذا ما عَبر عنه القوم في نشيدهم…
(لست أرضى من حبيبي بوصالٍ في منام… أنا يقظان أراه عن يميني ويساري……)[٢]
إن تسبيح الإنسان لاسم ربه الأعلى قائم به بفطرة الحياة فيه، فهو بحركاته، وسكناته، وكلماته، وأفعاله، إنما هو في مسار يتجه إلى أعلى، إذا أدرك ذلك حَسُن عمله، وطال عمره الحقي، لأنه أسلم وجهه خالصا، لا معاندا، ولا جاحدا، ونظر إلى الحياة نظرة حقية، فوجَّه طاقتها به إلى رقي في الله، ولم يعطلها بمادي وجوده، ومشاغل جسده، حينئذ تصبح أنفاسه خَلقا… ونبضات قلبه ذكرا… وتفكر عقله ملأً لفراغ الوجود بالحياة، فإذا تحدث فلنفسه يصف ولملكه يشير.
إن كل كلمة ينطق بها، تكون كلمة في الله، وتكون ذكرا لله، وتكون حبا في الله.
وليست العبرة بالألفاظ، ولكن العبرة بقائلها، فكم من كلمات رنانة تدوي بها الحناجر، وتتشدق بها الألسن، فتنجذب إليها النفوس، وتسير وراءها العقول منخدعة بمظهرها، معجبة بحلاوتها، غافلة عن مقصدها، فإذا ما رجعت إلى حقيقتها، وصدقت مع عقيدتها، عَرفت أنها لم تكن إلا كلمات جوفاء لا روح فيها ولا حياة، ذلك لأن هذه الكلمات لم تنبع من إنسان صَلح فأصلَح، وعَرَفَ فَعرَّف، فحين يتكلم تكون كلماته حياة تسري في العقول فتنيرها، وفي القلوب فتحييها، وفي الأرواح فتطهرها، وفي النفوس فتزكيها.
وحديث هذا الإنسان الصالح… يوم يأخذ مظهر دعاء، أو رجاء، فهو ترديد لمعنى قائم في سابق أو حاضر أو لاحق يكسب به يوم يردده، ويحيا به يوم يعرفه فيكون هو قائم هذا الدعاء ممتدا به من سابق وجوده إلى لا حق تواجده في حاضر أمره.
هو في هذا يعمل بخطاب ربه له (تخلقوا بأخلاق الله)[٣] متبعا قانون الحق، ملتمسا طريق السلامة.
فالإنسان يحاول أن يحاكي أعلاه، لا تصنعا، ولكن بفطرة الحياة فيه، وبسر موجِده به… فكما خلقه ربه، يود هو أن يَخلق كما خُلِق… وأن ينفخ من روحه في مخلوق له كما نفخ خَالقه فيه… وأن يهدي كما هُدِي… وأن يُتَّبَعَ كما اتَّبَعَ. هذا ما تمليه فطرة الحياة على الإنسان، فإذا أدرك لم يشغله من اهتدوا به عن من اهتدى هو به… ولا ينسيه هاديه في علاه أنه فيمن اهتدوا به في دناه، فيقوم أمرا وسطا، فيه يلتقي البحران، ويجتمع الأمران. وإذا لم يدرك ونسي ربه في علاه، وأقام من صنم نفسه ربا للناس، يكون بذلك قد انحاز عن خير الأمور، وخير الأمور الوسط.
كثيرون من الشرق والغرب… تحدثوا عن الإنسان… في وجوده، سر عمله وسلوكه… سر خلقه وإنتاجه… سر فكره وأدبه… سر شِعره وكتبه… هل هو حبا منه في الظهور؟ أو حبا منه أن يفرض وجوده على الآخرين؟ أم ماذا؟ إن أي قائم بحياة قادر على أن يخلق يوم يستقيم بوجوده مع قانون الحياة، فيكون عمله خلقا… وإنتاجه حياة… (عبدي أطعني أجعلك ربانيا، تقول للشيء كن فيكون)[٤]. فالطاعة هي الاستقامة مع قانون الحياة نفسا وقلبا وعقلا، وبها يودع الإنسان في كل ما ينتج عنه سر الحياة… مُهَيَّأ لأن يسري في كل من مس هذا الإنتاج طاهرا قلبا وقالبا.
إن الطاعة هي يوم تستجيب لربك… واستجابتك لربك لا تتم إلا يوم تدعو نفسك فتسلِم لك وتملكها… وتُخضِع قلبك لك فلا ينبض إلا حبا وذكرا… ويستجيب عقلك فلا يفكر إلا فيما يوجَّه إليه منك، لا ينشغل بنفس، ولا ينجذب لقلب، إنما النفس والقلب والعقل في انسجام تام يعملون، وفي توافق كلٌّ يؤدي مهمته، ويعرف سر خلقته، حينئذ تكون لأبعاضك جمعت، ولشتاتك وحدت، ولنداء ربك لبّيت، فكنت حقا طائعا، عرفت أن طاعتك هي يوم أنك لربك حاكيت فدعوت كما دعا فلبى دعاءك من ناديت، فيوم لبوا لبَّيت، ويوم سَلموا سَلمت، ويوم استجابوا استجبت، فلربك حمدت، وله شكرت، وأكبرت، أن أطلعك على سره فحييت… وعلى غيبه فعرفت… وعلى حضرته فأقدمت فدخلت عبدا ساجدا، بجاه ربك مسبحا، وفي مغفرته طامعا، وبجاه رسوله متوسلا، فعرفت الحضرتين، ودعوت لهما بهما، فخير الأمور كنت، فمثالا لما عليه كنت، للناس خرجت، فيتيما ما قهرت بل آويت، وسائلا ما نهرت بل أغنيت… ولطالب عِلم بنعمة حدثت… مسبحا بحمد ربك، ومستغفره إنه كان توابا.
مصادر التوثيق والتحقيق
عبارة صوفية يقال إنها للسيد أبي الحسن الشاذلي، كما يقال إنها للسيد أبي العباس المرسي ↩︎
من تراث الأناشيد الصوفية. ↩︎
استلهاما من عدة أحاديث: “إن لله تعالى مائة خلق وسبعة عشر من أتاه بخلق منها دخل الجنة.” رواه الطيالسي والبزار والترمذي الحكيم والبيهقي والطبراني، وأبو يعلي. وأيضا الحديث الشريف: "إن لله تعالى ثلاثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة "، ذكره الحافظ العراقي بهذا اللفظ في تخريج كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي. وأخرجه الطبراني ↩︎
من حديث قدسي يرد في بعض كتب المتصوفة والشيعة، وتقول كتب الأحاديث الشريفة السنية بأنه ليس حديثا قدسيا، ولكنه جاء في الأثر بلفظ “يقول الله عبدي أنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون، فأطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون”. ↩︎