(١٢)

اقتديناه لعين معناه طلبا لقيومه بقائمه
عيد غريبا، أبا سريعا، وروحا رشيدا

صلاة العيد السبت

١ شوال ١٣٨٥ هـ - ٢٢ يناير ١٩٦٦ م

{كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا إنا كنا فاعلين}[١]. صدق الله العظيم…

إن اليوم… عيد، فمن الذي عيد؟ إنه الإنسان يوم عَاد، فمن الذي عَاد؟ نحن في كل يوم نعود، ونعاد، فنحن في كل يوم في عيد، ما جددنا أنفسنا في الله، وما آمنا بالله، معيتنا، في القديم والجديد، معيتنا في القائم، وقائمنا في القادم، ما ذكرناه وذكرناه، وذكرناه وأكبرناه، وأكبرناه وأكبرناه، بلا إله إلا الله، حتى كناه، أسماء لله ورسوله في لباس من خلق جديد.

فنحن يوم نعود، إلى قديمنا أو قادمنا في أحسن تقويم، فهذا لنا عيد، وهو يومنا، ويوم عيدنا، ما لبسنا في الله ثوب رحمته، وخلعنا عن أنفسنا ثوب فتنته، يجري منا مجرى الدم.

فليس العيد، في لباس، بأن نلبس ثوبا جديدا من دثار من الأرض، ولكن العيـد أن نلبس ثوبا جديدا من دثار من نور الحق، أن نلبس ثوبا جديدا من التقوى، أن نلبس ثوبا جديدا من حسن الخلق، أن نلبس ثوبا جديدا من الحياة، أن نلبس ثوبا جديدا من الروح، أن نلبس ثوبا جديدا من الكون، أن نلبس ثوبا جديدا من الوجود.

إننا يوم نعود إلى قديمنا في أحسن تقويم، ليبعثنا بوجوده في قادمنا لأحسن تقويم، فنحن لأحسن تقويم ننشد، ونحن إلى أحسن تقويم نعمل ونعود، وهذا هو لنا معنى العيد، يوم نعاد فنعود، ويوم نتجدد في الله، فنَغْنَى[٢] فنجود، نورا على نور للوجود، وروحا على روح في الشهود، وحياة على حياة في السجود، ووجودا على وجود للقيام والقعـود.

ها نحن تقطعنا الأيام، فهل نحن قاطعوها؟ ها هي الأيام تتجدد، فهل نحن بوجود لنا مجددوها؟ نحن مجددوها ما عرفنا محمدا عيد غريبا، أبا سريعا وجَدا جديدا، وروحا قائما رشيدا، فاقتديناه لعين معناه طلبا لقيومه بقائمه لمولاه مولى لمن والاه، هو فيه الوليد السعيد والحق الجديد.

إن الذي لا يتجدد، مع أوقاته، لا إلى قديم يعود، ولا في قادم يسود، فكيف هو في عيد! هل هو في أمره بجديد؟ إن الإنسان الراكد، والإنسان المتجدد، إنهما لا يستويان، رجل حي يتجدد، ورجل ميت يموت كيف لميت أن يتعدد؟ ومن لم يتعدد كيف يتوحد؟

إن الذي أُعطي الكوثر، أُعطي الحياة، فكان بالحياة كوثرا، وكان عن القديم الخبير والمخبر، وكان عن القادم الذكرى والخبر. كان المثل للناس، كان المثل للناس في قديمهم بقديمه، وفي قادمهم بقادم، وفي قيامهم بقائمه، كان بهم كوثر الحياة، وكانوا به حقائق الحياة.

فهل عرف الناس أنفسهم فيه؟ وهل عرفوهم في نفسه؟ وهل عرفـوه لأنفسهم فطلبوه فتواجدوه؟ أم أنه خيالا ذكروه، لا في أنفسهم أعادوه، ولا بهم عليه اجتمعوه؟ تقطعهم الأيام، ما قطعوها، وتتجدد الأيام عليهم، ما بجديد لها في أنفسهم جددوها، يوم جددوه.

فلا آمنوا برب الليل والنهار، ولا برب الأزمان، ولا برب الأيام، فكانوا فيه الأيام والأزمان، والليل والنهار، فارتفعوا بهم يوم ارتفعوا به فوق الزمان وفوق المكان فعادوا به إلى الله.

عادوا إلى الله في أنفسهم، أسماءً له، يوم هجروهم، ومعانيهم عن أنفسهم أبعدوهم، فعادوا إلى الحق، فعيدوا إلى الحق، فكانت أوقات عودتهم، لهم عيد، فعرفوا معنى العيد. وعرفوا معنى القديم والجديد. {علمت نفس ما قدمت وأخرت}[٣].

فهل تواصينا بالحق، وتواصينا بالصبر، في أوقاتنا، على دوام بهما، فحققنا شيئا من أمرنا لأمرهما، فاجتمعنا اليوم بعد صيام عن الدنيا، وحالها، لنفطر بالدنيا، نحن سادتها في أحوالها، إليها نعود، وعليها نجود، ولها نسود، في إياب إلى الله وغيبة عنها، بعد مفارقة، قمنا فيها لله طالبين، في ليلنا، وفي نهارنا، في نهارنا عن الدنيا صائمين، وفي ليلنا لله ذاكرين، وله ساجدين، عبادا قانتين، غير الله لا يعرفون، وغير الله لا يذكرون، فيعودون في العيد إيابا إلى الناس والأرض والدنيا بجديد، يجددون ويصلحون، ويقومون من أمرهم فيها، على ما يعرفون في غيبتهم عنها؟

ما العيد يوم عيد؟ ما الدين به الإنسان وليد؟ إنه لقوم هم به عن اللغو يمسكون، وعن الحديث في غير الله يصومون، فبصيامهم في جديد من لون يتجددون، يصومون عن المحارم، فبالابتعاد عما نهوا عنه، يتوضؤون، وبالقيام فيما أمروا، يصلّون، لله يسجدون وبالله يقومون، وفي الله يعملون، وبالله يقدرون، والله يستعينون، حتى يتوفاهم على ما ينشدون ويطلبون ويريدون، فإلى حظيرة الله يعودون، ومن ظلام أنفسهم يخرجون، وبنور السماوات والأرض يتواجدون…

عبادا لله، حقائق لله، أقباسا من نور الله، إنسانية الله، في الله يرشدون، ومن الرشاد يستزيدون، فالله بموجودهم يذكرون، وبفعلهم يُذكِّرون، وفي الناس باسم الله ينتشرون، بما جعل الله لهم من نوره به في الناس ينتشرون، وبهم يمشون وفي الطريق يسيرون.

هم حول بيت الله بإنسانه لشهودهم يطوفون، رجالا لله لأنفسهم عبادا له يعرفون، وقبلة صلاتهم بقلوبهم إليها يتجهون، وصوت الحق منها، إليهم يسمعون، وبيت الله لوجودهم فيه يعكفون، منه لا يخرجون، فيه جناتهم بها يسعدون، هم فيه، وهو فيهم، على ما يشهدون ويعرفون.

فبالله يؤمنون، يوم هم بالله يقومون، وعلى غير الله ينكرون، وموجود الله يوحدون، بلا إله إلا الله، لأنفسهم يشهدون. وبالله أكبر، لرسوله به يؤمنون وخلفه يسيرون، عطاء غير ممنون، لا يجز على ما يشهـدون، فحقائقهم للانهائي يعبدون، خلف من هداهم، وسجد بهم يوم يسجدون، وقام بهم يوم يقومون، وحيا بهم يوم يحيون.

هم به، على ما يرون، وهو ليس بهم على ما يعرفون. هم به السعداء يوم يسعدون، وإليه حظيرة الحق له يرجعون فبه حقا لهم يقومـون. وهم بأنفسهم التعساء، يوم هم منه ينفرون وعنه ينقطعون وبعيدا عن معنى العبد لأنفسهم به، يزعمون أو يتوهمون.

هو لهم من الله الرب أنكروه، فكيف يتعبدون، وهم بدونه لا يقومون! إنه العبد والرب، يوم يوحدون، ووحدانية الله لأنفسهم يطلبون، فكيف يقوم لهم دين، وهم عن لا إله إلا الله بعيدون، وبشهودها لا يقومون، وأبوابها في أهلها لا يطرقون؟ فكيف هم إلى ساحتها يدخلون، وهم ما زالوا، عن الباب يبحثون، ولمعالمه بينهم ينكرون، لأنهم عمي القلوب لا يبصرون فكيف هم إلى الحق يعودون!

إن العيد، لمن إلى الله عيد، إن العيد لمن إلى الله يعود، إن العيد، لمن الله إليه عاد، يوم خرج من العناد، لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، اسألوا أنفسكم صباح مساء، اسألوا أنفسكم في كل يوم، ماذا كسبتم وماذا خسرتم؟ وأي خطوات في الطريق قطعتم؟ وإلى أي غاية مع الزمان سرتـم؟

هل جديدا حصّلتم وجديدا أدركتم، فإلى الحق في معيتكم عدتم، وهو الأقرب إليكم من حبل الوريد ما طلبتم؟ فهل طلبتم فوجدتم فجددتم فتبينتم فشهدتم فعرفتم أنه لا إله إلا الله؟ هل بها قمتم فأدركتم أن الله أكبر؟ هل كنتم أسماء لله، فكنتم عبادا لله، أم أن الإنسان لربه لكنود، فأنتم ما زلتم معه في الكنود وفي الجحود؟

عباد الله، اتقوا الله، وجددوا لباسكم، وجددوا عودتكم، وجددوكم لمعية الله لكم، أقرب فأقرب، حتى تكونكم، يوم تنكروكم، وبه تذكروكم، حتى تذكركم، وتذكرونها، يوم تنسون أنفسكم، فتتواجدونها، يوم تنسون أنفسكم بالشيطان، فتتواجدونها بالرحمن.

اشهدوا أنه لا إله إلا الله، ولن تشهدوا لا إله إلا الله، إلا يوم أن تعلموا أنه لا إله إلا الله، ولن تعلموا أنه لا إله إلا الله، إلا يوم تجاهدوكم الشيطان يجري منكم مجرى الدم، فتضيقوا مسالك الشيطان بالجوع والعطش، على ما فعلتم في رمضان، فعدتم إلى الله وعاد إليكم الله، فكنتم في يومكم هذا في عيد، حقا، وكنتم في يومكم هذا في لباس جديد حقا، وكنتم في يومكم هذا في أمر وليد حقا، فحق لكم أن تتبادلوا التهنئة بالعيد، وأن تتواصوا بالعيد، وأن تقوموا في أمركم في الأمر الجديد.

لا إله إلا الله، محمد رسول الله

والله أكبر، والله أكبر، ولله الحمد

وكل عام وأنتم بخير.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الأنبياء - ١٠٤ ↩︎

  2. تم التشكيل وفقا للنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎

  3. سورة الانفطار - ٥ ↩︎