(١٣)
الإنسان
في ذاته لا اسم له وبحكمة صفاته لا باطل له
وبحقيقته لا عدم له وبحقيته لا بدء له
أما يكفي الإنسان أن يتواجد إنسانا
حديث الجمعة
١٤ شوال ١٣٨٥ هـ - ٤ فبراير ١٩٦٥ م
تصحيح التاريخ الهجري: ٣ شوال ١٣٨٤ هـ
الله أكبر… الله أكبر.
الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا موجود بحق إلا إياه.
ما خلق السماوات والأرض إلا بالحق، وما تواجد بهما إلا الحق، وما قام عليهما إلا الحق، وما تواجد فيهما إلا الحق، سبحانه وتعالى عما يصفون.
قام الإنسان وجودا بالحق، وقام عليه الأعلى بالحق، وتواجد منه الأدنى بالحق، فتعالى الحق، وتدانى الحق، وأبان الحق، وبان الحق، وغاب الحق بعظمته، وقارب الحق برحمته.
غاب بعظمته، ليترك المجال لرحمته، فخلفت رحمته عظمته، على وجوده، وكان الإنسان في علميته على حقيقته عَلَما على عظمته، وعَلَما على رحمته، وعَلَما على وجوده وجوده.
كان الإنسان فيه جماع الأشياء فيه، على ما هي جميع الأشياء فيه، والكائنات فيه، والعوالم فيه، فكان به أوسع ما فيه وأقل ما فيه، وأكرم ما فيه وأخبث ما فيه. كان أكرم ما فيه بيقظته لطلب حقيقته بقائم عبوديته… وأسفل ما فيه بغفلته عن أمره في ربوبيته، وفي ألوهيته، وفي حقيقته، وفي انطلاقه وحريته، يوم فَضَّل الظلام على النور، ووضع أمر حريته دون قبره في مقبرته، بشيئيته، وضيقه في كينونته.
الإنسان في الله، والإنسان بالله، والإنسان فيه الله، الإنسان شَرف الإنسان، والإنسان خَالق الإنسان، والإنسان رب الإنسان، والإنسان إله الإنسان، والإنسان عبد الإنسان، وهو في كل ذلك في صورة لمعنى الإنسان في مجهوله من أمر الإنسان.
إن الإنسان بذلك، وبغير ذلك، إنما هو في الله، إنما هو لله، والله له، والله فيه، لنفسه ولمعانيه، الإنسان أحد واحديته، وأحدية أحديته.
الإنسان في ذاته لا اسم له، والإنسان بصفاته لا باطل له، والإنسان بحقيقته لا عدم له، والإنسان بحقيته لا بدء له، ولا انتهاء لــه.
أمَا يُرضي الإنسان أن يكون إنسانا! أمَا يكفي الإنسان أن يتواجد إنسانا! ألا يُسعِد الإنسان أنه في طريق الإنسان! إن الله هو الله، وإن الإنسان هو الإنسان. نعم جعل الله من الإنسان عليه العَلم والعنـوان، أما يكفي الإنسان أن يكون إنسانا ليكون على الله العَلم وله العنوان!
أمَا يكفي الإنسان أن يتخلق بخلق الله، وأن يقوم باسم الله، وأن يتحلى بصفات الله، وأن يعمل وأن يظهر بقدرة الله، وبعزة الله!
ولكن الإنسان، يطغى، أن رآه استغنى، إنه يريد أن يتجاهل الله، إلى اسم الله، ويريد أن يعتزل عن الله، بقائم صفات الله، يريد أن ينسى مُوجِدَه، بحي وجوده، يريد أن يغفل عن مُشهِده بمشهوده لموجوده.
شَرّفه بأنه أقرب إليه من حبل الوريد، وأنه من ورائه بإحاطته، وأنه عليه بقيوميته، وأنه له بقائمه، وهو يريد أن يتجاهل ذلك كله، إلى أمانة وجوده، باسم مؤتمنه.
لا يقنعه أن يكون اسما لله، بقائم نوره به، ولكنه يريد أن يزحزح الله عن مكانته عنده، إلى ساكن مكانه من نوره له بوهم مطلقه لوجوده، لعين موجوده، لا يقنع أن يكون وجها وعنوانا لموجِده. لا يكفيه أن يكون وجها لمطلقه، وطلعة لشهوده.
إن الإنسان، في أمره من الله، مسبوق بالله ورسوله، وملحوق بالله ورسوله. فهو مسبوق بالله ورسوله، مهما تكشف له عن معاني القِدَم له، والذي يبقى، بعد بقائه، ما بقي، وما تأبد، إنما هو الأبقى، وإنما هو الله ورسوله. فالإنسان بين الله ورسوله، لقديم حقيقته، لقائم خليقته، والله ورسوله أبقى من بقاء حقيقته، لقيوم خليقته، مهما تأبد وجوده فبعده الله ورسوله. فنهاية الإنسان لتمامه وكماله، قيامه في قائمه لقيومه بالله ورسوله كلمة منه ومسيحا له وجه واسم وعبد مطلقه.
إن الإنسان، بين قديم الله ورسوله له، وقادم الله ورسوله به، بُعث قديمه، لبقائه بباقيه، من خلال قائمه، لوجوده كوثر تواجده لموجوده، يبقى في دائمه بين يدي رحمته، بالله ورسوله.
فالإنسان في اتجاه الأعلى، والإنسان في اتجاه الأدنى طلبا للمحيط المطلق تتواجد بـه فيه له الأوضاع، من قائم الله ورسوله بـه، فإذا نظر إلى الله ورسوله، يقلانه في وجوده بقائمه لمعاني الرب عليه، بقدسية الحياة البشرية الأرضية فإنه يجدهما يدا حمله وإقلالـه، بتواجدهما فيه دونه، يرتفعان به، ليعلم عنهما في الوصلة بهما في عاليهما عليه هـو له، مرئيان له، من دونه فيما ترك من عمله في مرآة وجوده، إكبارا وإعزازا له، وإرشادا وهديا له، وتحقيقا له، من معاني خلقه، إلى قائم حقه. {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون، وخلقنا لهم من مثله ما يركبون}[١].
بدءا منه تبدأ معرفته، وبدءا منه تبدأ كينونته، وبدءا منه يبدأ عمله، وبدءا منه يبدأ كتابه، وبدءا منه تبدأ حقيقته، ولكن الناس بجاهليتهم يريدون أن يبدأوا بالله عِلما أو أن يبدأوا بالله اعتقادا، أو أن يبدأوا بالله وجودا، أو أن يبدأوا بالله وُصْلة وشهودا.
أنَّى يكون لهم ذلك، وليس لهم وجود بعد! إن لهم أمانة الحق لقائمهم، بها يخلقون أنفسهم، وبها يتواجدون حقيقتهم وبها يعملون خيرهم، وبهـا يشيدون كونهم، وبها يكتبون صحائفهم، وبها يحركون أقلامهم، وبها تحيا إرادتهم، وتستقيم مشيئتهم، ويتحرر أمرهم، ويعلو شأنهم، ويتأبد وجودهم، فتتأزل معانيهم. {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون}[٢]، أي يكون عيسى خَلف آدم وفي خطوه، ليكون نفسه على ما كونها وأتمها لنفسه أبوه آدم فصار بها إنسانا رسولا.
وبعد ذلك، يتفتح لهم الإدراك عن الله، فيعرفونه سبق وجودهم، بالرب وعبده، وباقي موجودهم، للعبد وربه، فتتكشف عنهم لهم أغطيتهم عن العبد وربه، لأمرهم في قائمهم، على ما كان في قديم، وعلى ما يكون في قادم، وعلى ما هو في قائم، فطرة الله التي فطر الناس عليها، وصبغة الله للوجود ومن أحسن من الله صِبغة.
إنهم ثلاثة في واحدهم، وإنه الواحد في ثلاثته، هذا أمر الإنسان في عَلميته على ذي المعارج والحق الصمد، لحقية عبده لعباده منه. إنه الإنسان، في ثالوثه بأقداسه لكوثره لقدسية بيته بأركان البيت وعُمده.
إنه الإنسان، في أحديته لواحديته جماع موجوداته، وجماع صوره، وجماع أشيائه، وجماع أشلائه وأشتاته لجماع أعضائه، وجماع جوارحه، وجماع خلاياه لواحديته بأحديته.
إن الإنسان، بظاهره وباطنه، يعبر عن عابده ومعبوده بموجوده بمعنى الغيب له ربا، لقائمه ظاهر غيبه عبدا.
وإن الإنسان، بقائمه، يعبر عن موعوده لقادمه، على ما كان في قديمه لقائمه. فالإنسان في قائمه، أمر وسط، بين الإنسان في أحسن تقويم لقديمه، والإنسان في أحسن تقويم لقادمه.
فإذا كان الإنسان في أحسن تقويم بقائمه، جديد قديمه معه، وقائم وقديم جديده لموجوده، بموجود منه به عنده، فهو الأمر الوسط، وهذا هـو الإنسان، بثالوثه، لأحده، لمعاني واحديته، فهو بقائمه، عين قديمه، وقائم جديده به منه.
إنه في قائمه بذلك، يعلم أن قديمه لا بدء له، وأن جديده لا تعطل له، لمعاني الحق بالقديم والجديد لقائمه أمرا وسطا، إنسانا بين يدي إنسانية الله، بين يدي رحمته، مُظلة بالقديم، ومُقلة بالقادم، صامدة في القائم.
هذا الإنسان… هو الإنسان الجدير بوصف الإنسان، والكاسب لصفة الإنسان، والقائم باسم الإنسان، والعامل لمعنى الإنسان، والقادر لقدرة الإنسان، والحق لحقيقة الإنسان. هذا إنسان الله… هذا إنسان حق الله… هذا ما قامه لنا بيننا لنكونه، بكائنه له، من عرفناه محمد اللـه، من عرفناه رسول الله، من لاقيناه عبد الله لاقتدائنا، وفقدناه لأننا في أنفسنا ما شهدناه، فما شهدنا محمدا رسول الله نورا ينتشر فينا للــه.
فقدنا ما قمنا مما كنا بلا إله إلا الله، يوم أعلمناها، فشهدناها، فآمناها وتجاوزناه، وما كانت لنا غير معناه، فما كان لنا إلا مولاه، {يا أيها الذين آمنوا، اتقوا الله وآمنوا برسوله}[٣].
طلبنا مولانا بعيدا عنه، فباعدنا بيننا وبين مولاه، فكيف يقاربنا وقد جافيناه؟ كيف يقبلنا وقد خاصمناه؟ كيف يحبنا وقد قلوناه؟ كيف نصدق معه وقد كذبناه؟ قال لنا جاء الحق، فما قبلناه، ولا قلنا جاء الحق فحييناه، ولكنا في التراب وبين الجيف قبرناه، وما من أنفسنا قمناه فبعثناه.
قال لنا هو الذي يقوم ويتقلب في الساجدين نشهده ونراه، فجافينا أن نُشهَد من مولاه وأنكرنا عليه مشهودا نراه، فلم نقبل أن يقوم فينا لنكون ظلالا لمعناه، ونقول كيف نعبده من دون الله؟ وهل كان لنا من دون الله، أليس هو رسول الله؟ هل كان لنا من دون الله، أليس هو عبد الله؟
هل عرفنا ما يكون عبد الله، ونحن ما كنا عبادا لله! ولكن كنا عبادا لأنفسنا، وعبدنا الله موهوما وهمناه، وعن وجودنا غيبناه، وفي الوجود ما ذكرناه ولا شهدناه، وفي أنفسنا فما اتقيناه، ولا رهبناه، ولا أحببناه، لفظا رددناه، ووجودا خاصمناه.
ثم نحن نَزعُم بعد ذلك أننا المؤمنون بالله، وأننا العباد لله، فإذا اتخذ بعضنا بعضا أربابا، اتخذوهم من دون الله معبِّدين أنفسهم للطغاة، والمارقين عن أمر الله، وراء دعاتهم باسم الكتاب لله، والسنة لرسول الله، مردة الشيطان باسم الرحمن.
إن الذين عبدوا أو يعبدون الأوثان، خير من أولئك الذين يعبدون أهل الطغيان، فإن خدعة الأوثان إلى نهاية، ولكن خدعة الإنسان للإنسان ليست لها نهاية، إنها الهاوية، إنها دائم الغواية.
{فمن يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله، فقد استمسك بالعروة الوثقى، لا انفصام لها}[٤]… فرعون {يقدم قومه يوم القيامة}[٥]، فليس الطاغوت وهما يُوهَم، ولا قياما خياليا يُتهم، وكذلك الرحمن، لا يُعرف إلا بالإنسان، يشهد الإنسان الإنسان وجها لوجه فيه.
هو {الرحمن فاسأل به خبيرا}[٦]… {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونـا}[٧]، فالشيطان ليس معنىً مجردا عن وجود، والرحمن ليس معنى مجردا عن وجود، فالشيطان معنى ووجود، هو معنا، يلهمنا ويسمعنا، والرحمن ليس هو دون الشيطان، إنه معنا، يلهمنا ويسمعنا. إن الله لنا معنا بهما من ورائهما، برحمته وبفتنته، تجمعهما فيه له، حكمته وإرادته، وهدايته ورحمته، يحملها في نفوسنا عوالم وجود لحقي وجوده لتواجده.
إن قائم الإنسان على ما هو الإنسان، له نصيب من الرحمن ونصيب من الشيطان يتفاوتان في قائم ذاته ومشهودها لهما. كما أن له نصيب من الرحمن، ونصيب من الشيطان لغيب معناه بهما، يعبر عنه لقيومه لمعناه، بمشهوده لوجوده بقائمه قائم غيبه.
هذا ما جاءكم به الدين، فكيف أنكم من الحق تنفرون؟ إنه يقول لكم (إن الشيطان يجري منكم مجرى الدم)[٨]، فلِمَ لا تصدقون ولأمر أنفسكم تعرفون؟ إنه يقول لكم إن الله أقرب إليكم من حبل الوريد، فلِمَ ترفضون، وبينكم وبين الرحيم تباعدون، وعن موجودكم تعزلون!! فكيف بعد هذا تعرفون!! وهو الذي يقول لكم {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[٩].
فإن أبصرتم في أنفسكم فماذا ترون؟ وإذا كشف عنكم الغطاء ماذا تجدون؟ ألم يقل لكم {سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق}[١٠]؟ أفلا تعقلون! ولِمَ يتحدث بضمير الغائب؟ ولِمَ يتحدث بضمير المخاطِب؟ لأن الحديث غير موجه لأهل الإيمان، لأن أهل الإيمان وجدوا الحق في أنفسهم، وفي الآفاق، لِمَ لا تتفكرون؟
إن أهل الإيمان لم ينتظروا ولا ينتظرون ساعة، ولم ينكروا ولا ينكرون قيامة، ولم يجهلوا ولا يجهلون حشرا، ولم يحرموا ولا يحرمون نشرا، ولم ينتظروا ولا ينتظرون بعثا، اللهم إلا بعثا بعد بعث، في مراقي الله ذي المعارج، مبعوثين بالحق دوما، في الحق يعرجون يوما فيوما، وللخلق يجددون، وبخُلق الخالق يتخلقون، وبخلقهم في خلقهم يتصفون، فلا حقا في الخلق ينكرون، ولا عن طلب للحق يغفلون، حقا من بعد حق يتواجدون، وخلقا من بعد خلق يتجلون ويتجددون.
الله بعيدا عن أنفسهم لا يعرفون، إلا إكبارا له في مطلقه ولانهائيه، حق قدره يقدرون، وإيمانا بمعاني الغيب لهم لا لغيرهم سكينة لهم ينتظرون، وفيها وبها يتكنزون عما يوجدون، تخلقا بأخلاق من صنعهم، فكما صنع يصنعون، وكما تخلق يتخلقون، وكما فعل يفعلون، وتعالى الله عما يصف الجاهلون.
له يقدرون، وله يكبرون، وفي أنفسهم لا يجهلون، وبذكره في معانيهم لا يكفرون، به مستعينين، له مقدرين، وبقدرته، هم على عملهم هم القادرون، وبه على موجوداتهم يعلون ويقدرون ويحكمون، ثم هم لها، برحمته فوق رؤوسهم يرفعون، ويكبرون صنع القديم بهم، ومأمول القادم لهم، لمن لا قديم ولا قادم له.
ذلك كله، قَدَّمه من أَظهره الأعلى على الدين كله، وعَلمه الأسماء كلها، وتجلاه الحق، باسم العبد، أشرف أسمائه، وأقدر الأسماء على إكبار حقيقته، في قائم حقه، يوم أنكر معنى الحق على مشهود نفسه إلى تعريفه لموصوف خلقه، إكبارا للنفس باسم عبده وإعزازا لحقية العبد باسم ربه، رحمة بالخلق في اقتدائه بوجوده لعين موجـده.
أمره ربه أن يخفض جناح الذل من الرحمة، وقد أنزله الحق بالحق، فبالحق للحق نزل، فخفض جناح الذل من الرحمة، ورفع الناس إلى السماوات، لعين هامته بهالته، وسبح بهم في الوجود لمعنى جلدته.
أسرى به من أسرى فيه ما أسرى منه، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فالكل فيه له به يسري، وقد جعل المسجد الحرام لمعنى ومكانية قلبه، لقائم وواسع وجوده، والمسجد الأقصى لمعنى ومكانية رأسه له فيه تتجول حقائقه فيه بمعانيه معنىً مقابلا لكرات الدم فيه، من عوالم النار، وعوالم النور، حمراء وبيضاء، تسبح في مجالها، من موجوده، لعين موجِده، عَلما لعين كبيره، لموجود السماوات والأرض لقائم إنسانه عَلما على أعلى لمعاني ربه في الله، رفيقا أعلى لمقصوده ومعبوده.
ينكرون عليه الإنسان الكبير، ويجحدوهم فيه الإنسان الصغير، وهو الذي نزل بجناح الذل من الرحمة بهم، ليرفعهم لمعناه بالإنسان الكبير قائم الرب والحق لهم، وليظهر فيهم بمعناهم من الإنسان حتى يرتضوه لأنفسهم فيبادلهم على كبير وجوده، بصغير وجودهم، {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون اللـه}[١١]، يبيعهم الله به نفسه ويشتري بثمن قليل منهم أنفسهم، يتبادلون معه على أنفسهم، وهم إذ يتبادلون معه على أنفسهم، وهم إذ يتبادلون معه إنما يتبادلون مع الله نفسه ويضعون يدهم في يد الله يوم يضعون يدهم في يده، ويد الله هي العليا، ويدهم هي الدنيا.
ولكن الناس عليه يستعلون باسم الإكبار لله، وما يدرون أنهم باستعلائهم على رسول الله وعبد الله إنما هم على الله يستعلون وعلى الله يستكبرون! والله في عظمته، عليهم لا يستعلي، وعليهم لا يستكبر، به يبايعهم بيده، ويشتريهم لنفسه، فيعطيهم عاجلة نفسه حقيةً، ويأخذ منهم آجلة أنفسهم خلقيةً، هو إنسان الله لهم، به يتطورون انطباعا عليه إلى معنى الإنسان لهم بتآلف القلوب على قلب بينهـم.
هذا هو دين الإسلام… هذا هو دين الفطرة… هذا هو دين الوحدانية من التعديد والاثنينية… هذا هو دين الأحدية للثلاثية… هذا هو دين التوحيد للتعديد… هذا هو دين الإطلاق يشمل التقييد… هذا هو دين لا إله إلا الله… هذا هو دين لا إله إلا الله لنفسها وذاتها، يوم تعرف الله أكبر في قائمها بالإنسان.
إن الذي يقول لا إله إلا الله إنما هو من يطلب الله لنفسه… وإن الذي يقول الله أكبر إنما هو من وجد الله في نفسه… وإن الذي وجد نفسه الله أكبر، لما تواجد فيه بلا إله إلا الله، إنما هو عبد الله، الذي عرف الله فعرف أن ليس كمثله شيء، ولا يحده شيء، ولا يحجزه شـيء.
الله عند عارفه به ليس له وجود يحجزه، وليس له زمان ينجزه، إن الله قبل الأزمان، وخالق الزمن… إن الله قبل الأكوان وخالق الكون، إن مخلوق الكون لم يخرج من خالقه، وإن موجود الزمن، لم يخرج ممن هو فوق الزمن.
إن الإنسان في الله، هو الزمن، وهو المكان، وهو الكون، فهو بزمنه فيمن لا زمن له، وهو في كونه فيمن لا كون له. إن اللـه هـو الناموس، للمنتفع بالناموس، والإنسان بانتفاعه بالناموس قام بنفسه لنفسه، فكان الإنسان لمعنى الناموس، للإنسان بمعناه، قائم الناموس.
(خلقت كل شيء من أجلك، فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب)[١٢]، هدى الإنسان للإنسان، هدى إنسان الحق لإنسان الخلق.
فلعب الإنسان بنفسه، واشتغل بملكه، ليكون مالكه، رَبَّبَ مملوكه وملك يده، وأعلاه على نفسه، ووضعه فوق رأسه، فقبر نفسه في وجـوده… قبر نفسه بنفسه في نفسه، (لا تقوم الساعة إلا على لكع بن لكع)[١٣]، بموصوفها الإرهابي فهي قائمة على دوام بموصوفها الإيجابي.
يتكلم الإنسان عن الدنيا، عن دنيا نفسه، عن مادة نفسه، عن مادة إحاطته به. وهو إن تجاهل محيطه بماديه، وقد دخل بيته من قلبه، للقَي ربه. لو دخل في شيطانه، لتعارف إلى إنسانه ورحمانه.
تأملوا رسول الله، وقد أبرز الناس لله جميعا، يوم دخل مكة حقا منتصرا، وحقا قاهرا، وعبدا منصورا، فأشهر أن من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل البيت فهو آمن، (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك)[١٤]… إن الله {قائم على كل نفس بما كسبت}[١٥]، {إن الله بالغ أمره}[١٦]، و{ليس للإنسان إلا ما سعى}[١٧].
إن شيطان الله أرحم بك منك، إن شيطانك بين جوانحك أقسى عليك، من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن…
ما أرحمك يا رسول الله!! لأنه مَلَّك الشيطان لأمره، ومَلَّك ما يدخل فيه، ولكنه لم يخجله ولم يخزيه، فلو أنكر الإنسان على نفسه، ولو إلى كبير شيطانه، لتعرض لرحمة الله بالإنكار على قدس بنيانه، لأن رسول الله كان له شيطانه، ولكن الله أعانه عليه فأسلم، أسلم لله، شهودا للحق برسول الله، فملكه رسول الله، ومَلَّك من دخل فيه، ثم نزل عنه إليهم، واستقبل بهم منه، فقال (فهو لا يأمرني إلا بخير)[١٨]. وما أفلت من يد هدايته إلا من كان أسفل من السافلين، فما كان السافلون إلا الشياطين الذين لم يقبلوا رسول الله لهم مثلا يحتذى. فالإنسان بكنوده لربه من جنسه أسفل من الشياطين.
إن الرسول أُرسِل للأبيض والأسود والأحمر، فأبرزه الله آدما بمحمده، أمرا وسطا بين الأبيض والأحمر فكان ناشئة الليل على كمالها، وآدما في تمام إنسانه، وكان ليلة القدر في أتم مثلها، فبعث حجاب السكينة، كان قدسية الليل على ما هي قدسية النهار، {سلام هي حتى مطلع الفجـر}[١٩]… {والفجر وليالٍ عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر}[٢٠]، فما كان الفجر والليالي العشر إلا الإنسان، وما كان الشفع والوتـر، إلا طريق الإنسان بالإنسان للإنسان للرحمن، {قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله مثنى وفرادى، ثم تتفكروا}[٢١].
إن القرآن… إن الكتاب… إنما هو كتاب كل إنسان منكم، إنما هو قصة الحياة لكل إنسان، إن معنى آدم، معنىً قائما لكل واحد منكم، إن معنى البيت، معنىً قائما لكل قلب منكم، في قالبه… إن معنى أهل البيت، إنما هو معنىً قائما لكل أسرة يؤسسها فرد منكم على التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
إن معنى البشرية، إنما هو معنى قائما، لكل كائن بشري بذاته بكينونته نواة لبشرية كاملة. {من قتل نفسا [مؤمنة]… بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}[٢٢]، من قتل نفسا مؤمنة، وبغير نفس، أما من قتل نفسا مؤمنة، أو غير مؤمنة، بنفسه حية، فحل بها بنور الله معه فقد أحياها فأحيا الناس جميعا.
إن القرآن… يبين ما أودع الله في رسول رحمته، {فصل لربك وانحر}[٢٣]… (تقوم وتتقلب في الساجدين)[٢٤] بالنور الذي أنزلنا معك، {نهدي به من نشاء}[٢٥]، {وجعلنا له نورا يمشي به في الناس}[٢٦]. كل ذلك كان لرسول الله، وما زال له كائن وهو لكم بينكم كما تواجد من أنفسكم بكائن.
فما غاب رسول الله، وهو الحق من الله، وكيف يغيب الحق وما مات رسول الله، وهو الحق من الله؟ فكيف يموت الحق؟ وكيف تموت الحياة؟ وما انقطع عن عمله رسول الله، وهو عَلم الحياة، وكيف تنقضي أعلام الحياة؟ وكيف توصف بالانقضاء الحياة عند الأحياء؟ وكيف توصف بالبدء الحياة للحي القيوم؟
إن الحياة… يكسبها، مَن لم يكن أصلا في حياة، فاصطفته الحياة، وأدخلته فيها الحياة فدخلت فيه الحياة، من جعلت له الحياة، يقوم ويتقلب في الساجدين بالحياة، فيحيي الموتى، بقائم الحياة له، فينكشف لهم الغطاء، فيعرفون الحياة، ومصدر الحياة، ويسمعونه (أنا هو الحق والحياة)[٢٧].
هذا هو الخلاص والنجاة… هذا هو الصفاء والموالاة… هذه هي الطريق لله، بالله، في الله، من الله، لمن يطلب الله، فيعرف الله، فيقوم الله، فينكشف عنه غطاؤه، فإذا هو اسم الله… وكلمة الله… وحبيب الله… وخليل الله… ورفيق الله… ووجه الله… ويد الله… وعين الله… وأذن الله… وإنسان الله… (ازرع كلمة الله في أرض ناسوتك)[٢٨].
هذا هو الإنسان في الله، يوم يؤمن بالله، ويسعده أن يكون إنسانا لله، وعبدا لله، وحقا من حقائق الله، لا يقصر معناه على مبنـاه، ولا يحتجز لنفسه في نفسه مولاه، بل يشهده في كل من والاه، وكل من ناداه، ويبشره لكل من طلبه وسعاه، ويهدي إليه من تواصى معه بالحق للــه.
ويكون للإنسان ذلك يوم يهديه الله إلى الله في نفسه، وهو إذ ينكر معنى الله له مقصورا عليه في نفسه عند مواليه أول العابدين، خفضا لجناح الذل من الرحمة، فهو إنما يذكر لا ينفر، وييسر لا يعسر، وطريق الله يعلم وينشر، وللحق في الناس يكشف ويبشر، فبالطريق يقوم ويقيم، يحيا ويذكر، طريقا ممهدا، سبيلها لا يعكر، وبعيدا عنها فإن الإنسان يَضَل ويُضِل، ولا يلجأ إلى ظل بل لا ترهقه حمارة القيظ[٢٩]، ولا ينتهي من التواء النفس، يطيب للظلام والخصام، ولا يستشرف للنور والسلام.
هذا ما جاءنا به رسول الله، وما قام به بيننا رسول الله، بذاته عرفناها، محمدا، لجماع معناه، وبذواته لمعاني ظلاله سبقته على عيـن مثاله من كوثر ذواته لحقته، الكل له ظلال إنسانه، ظل الأعلى لحق رحمانه.
فكان بالحق بيننا وفي دوام، وكان لنا جميعا وفي سلام، وكان لنا جميعا، مقاربا وفي انتظام، وطالبا وفي قيام، وباخعا نفسه على آثارنا في غير خصام، يطلبنا لله في أنفسنا، ويجتمع علينا هو في أنفسنا، ويجمعنا على من اجتمع عليه في نفسه، اجتماعا عليه في أنفسنا، يوم نجتمع عليه في أنفسنا لنفسه، لا فرق بيننا وبينه فنشهدنا محمدا رسول الله، ويشهدنا لا إله إلا الله، ثم نشهدنا محمدا رسول الله، فيشهدنا الله أكبر، ثم نشهدنا محمدا رسول الله، فنشهده الله أكبر والله أكبر.
يسبقنا في كل شهود، ليمنحنا السكينة فيما سوف تسود، ويلحقنا في كل شهود لصعود، ليمنحنا مزيدا من المعرفة، فلا يتركنا نهوى في هاوية أنفسنا بالكبرياء، وفي طغياننا بإيماننا، أننا قد استوفينا الجزاء، وأننا قد استكملنا العطاء، حتى لا ينقطع عندنا معنى الرجاء، وحتى يبقى لنا بنا للانهائي معنى الفقراء.
كان الرسول لنا من كل زلل وِجاء، حتى لا يمتنع الخير عنا، غير مجذوذ ولا العطاء، وحتى لا تنزل بنا نفوسنا إلى هاويتها، فتكون أُمُّنا هاوية، لا آمنة، ولا ناجية، فنحن به أُمُّنا نفوسنا آمنة، شجرتنا زاهـرة، ووجوهنا به ناضرة، وعقولنا به علية عالية، ونفوسنا فاطمة متواضعة، حالنا بها خديجة، إلى ربها راجعة، في مقعد صدق مضجعة، في مرتقاها هاجعة، مجددة ثيابها مطهرة، ولمعناها بدائم جديد من مولاها مستقبلة شاكرة.
فهل آمنا بالرسول، على ما يليق بمرسِله، فكنا الرسول على ما يليق بمرسله، يقوم ويتقلب في الساجدين؟ هل قام بنا؟ هل به لله سجدنا؟ هل لأنفسنا به لنفسه أسجدنا، ولأرواحنا أطلقنا، ولعقولنا أشرفنـا، فعن الخلق سمونا، وفي الخالق بالخالق بعثنا، وله عرفنا، وكتاب أنفسنا قرأنا، وشعار لا إله إلا الله على رؤوسنا رفعنا، به قمنا، وبه قلوبا غزونا وأقمنا، به على نفوس نُصرنا، وبه للظلام محونا، وبالنور نشرنا وانتشرنا؟
هذا هو الإسلام إن عرفنا… وهذا هو السلام مع الله، إن نحن فيه دخلنا، ومع أنفسنا وأوقاتنا وإيماننا بدائم ذكر الله جددنا وقمنا وأقمنا.
(يجادلون في الله بغير عِلم، ولا هدى، ولا كتاب منير)[٣٠]… يغيبون الله، ويغيبون شعارات الله، ويغيبون هَدي الله، ويغيبون قائم الله، ويغيبون قائم فعل الله، ويغيبون صفات الله، فلا يريدونه خالقا، لقد انتهى من الخلق فقد خلقهم وانتهى! من الهدى فقد هداهم وانتهي! من الملك فقد مَلَّكهم!
يبعدونه عن قائمه قائما على كل نفس، إذ ينتظرون له قيامة! لا يريدون أن يزحزحوا أنفسهم عن النار مبرزة لهم، ويدخلوا الجنة جناها دانٍ لهم، لم تخرج منها أرضهم، ولم تتعطل عن فعلها باسمها لهـم سماؤهم، السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع في قيام دائب، في دوام وفي انتظام من الجنة يطردون، وإلى النار يردون، ومن النار يخرجون وإلى الجنة يحشرون.
ولكنهم ينتظرون القيامة! وينتظرون أن يدخلوا الجنة! {وجنـى الجنتين دان}[٣١]، لا يصدقون، ولا يطلبون، ولا إلى أهلها، أبوابها لهـا بينهم يرجعون، {ولمن خاف مقام ربه جنتان}[٣٢]… {واذكر ربك في نفسك}[٣٣]، لقائم القيامة، ولكنهم لا يتضرعون، ولا يخافون، فهـم لا يأملون ولا يرجعون، وهم لا يخشون ولا يتقون، ثم هم بعد ذلك عن الله ودينه يتحدثون، {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}[٣٤].
يحملون أمانة الدين الذي يزعمون إلى أولئك الذين هم في تقديرهم يجهلون، فيأمرونهم بالمعروف الذي يصفون، وينهونهم عن المنكر الذي لا يستطيبون، والذي يحددون ويصفون، ودينا من وضع أنفسهم يقيمون، وكلام الله عن مواضعه يحرفون، لأنهم له لا يدركون، وبـه لا يقومون، وبما أراد من حكمة لا يعملون ولا يعقلون، فكتاب الله لم يمس قلوبهم متطهرين، ثم هم أصحاب الفضل والفضيلة المتخلصون من النقص والرذيلة لهم على الناس الأمر وقولهم القول الفصل!
على الناس أن يدخلوا في فقههم ويطلقوا عقولهم، فهم الأئمة لهذه الأمة، عليهم أنهم لهم ولفقههم يسجدون، وعليهم لا يستكبرون، ومنهم يسمعون، ولا يجادلون فيما يقولون حتى لا يكفرون، فالإيمان بهم وبطغاتهم، هو إيمان بالدين ونجاة للمسلمين!
هذا ما أصبح حال من نسميهم المسلمين وفقهاء المسلمين، وما آل إليه أمرهم، فهم بين ضالين، ومضلين، بين جاهلين ومجهِّلين، كلما تكلموا قالوا الله أعلم بمراده… يا من لا تعلم مراد الله، كيف تتعرض لبيان كلام الله!!!
هل أبرز الله حديثه بكتابه واحتفظ بمراده دون خلقه!!!؟ نعم إنه لا يمسه إلا المطهرون، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، فهل تطهرتم فلمستم فتحدثتم وأحكمتم؟ وكيف تعطى الحكمة لمن هم في أتفه أمورهم عقولهم لا يحكمون، ونفوسهم يجري الشيطان منها مجرى الدم في الخطير يحكمون؟
إنهم يرددون لا إله إلا الله، ببغاوات لها لا يشهدون، وفي قلوبهم لها لا يقيمون، ثم هم عنها يتحدثون ولمعناها يبينون ويشرحون ويجادلون، وبحديثهم عن سلف ينطقون صالح أو طالح بينهما لا يميزون، فهم لا يفقهون ما يقولون.
يرددون اسم الله، وهم على موصوف الخلق بالأسماء تعنونهم يرددون، يرونه ويعرفونه لفظا كما بلفظ عن خلق يشيرون، اسم عَلم دل على الذات الأقدس، كما تدل أعلامهم بأسمائهم على معلوم ذواتهم، أسماء لا تعلل، ويصرفونه إلى فرد على ما هي أفرادهم، ولا يقبلونه اسما لجمع على ما يسمون هم جمعهم، الناس، البشر، الإنسان.
إن تأملنا لوجدنا أسماءنا معللة. ومن الذي قال إنها لا تعلل؟ إن الذي أسمى ولده جميلا، رآه جميلا، وإن الذي أسمى ولده سبعا، توسم فيه أو رجا له أن يكون قويّا أو سيدا، فكيف لا تعلل الأسماء؟ إن الذي أطلق الناس عليه اسم الجحش مثلا رأى مسميه فيه صفة الغباء، أو رأى فيه صفة من صفات الثناء كالصبر والتحمل للمكاره، فهي تسمية على هذا الوجه أو ذاك معللة.
تأملوا الشاعر العربي، وهو يمدح أميرا يرجو رفده فيقول له:
أنت كالكلب في حفاظك للود.:. وكالتيس في قراع الخطوب.[٣٥]
إنه لم يرَ في هذه الألفاظ، في زاوية الثناء ما يعيب أن يشبه الأمير به، فهي أسماء معللة، فكيف تقولون إن لفظ “الله” اسم عَلم تقدرونه بعيدا عن موجود الوجود به، عَلما كأعلام الناس، ثم تضعون قاعدة أن الأسماء لا تعلل حتى لا تطالبوا بتفسير للفظ “الله”، تعجزون عن تقديمـه؟
إن هذا من جهلهم، ولكنهم مع ذلك هم وحدهم الذين يحتكرون الحديث عـن الله، إنهم حمَلة أمانة الدين بالأسماء، إنهم درسوا الدين في معاهدهم، وقرأوا المتون والحواشي، وحفظوا المنشور والقوافي، هم الأعلام وأصحاب العِلم، وأهل العمل، هم أصحاب الفضيلة، البعيدون عن النقيصة والرذيلة.
هذا حال مجتمعنا، يقوم فيه فقهاؤنا، لسانا ذربا، وسيفا مسلولا مسلطا، وعصاة ضاربة، لكل حق، ينبع من أي قلب، حتى يبقـى لهم سلطانهم، وحتى يستأثرون لأنفسهم بالولاء لطغاتهم، وأهـل السلطان عليهم، وحتى يفتقدهم الحكام لبسط سلطانهم بهم، على النفوس التي يستخفون بعقول أصحابها.
(إذا خالط الفقهاء الأمراء، فاحذروهم فإنهم قد تذأبوا) [٣٦]… نعم إن الله (ما مَنَّ على امريء بشيء أفضل من فقه في دين)[٣٧]، ومن فقِه في دينه، استقام أمره وصلح حاله، فكان عنوانا لهذا الدين.
وأدعياء الفقه في عصرنا هذا ليسوا كذلك، ومن هنا قال القوم مقالتهم المأثورة (لا تصاحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله)[٣٨]، هو {الرحمن فاسأل به خبيرا}[٣٩]، {قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[٤٠]، (المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[٤١]، {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٤٢]، هي عيـن بصيرته، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[٤٣]. إن الاجتماع على الدليل قائم السبيل، نتيجة حتمية للمجاهدة الصادقة في اللــه.
اللهم يا من جعلت من رسولك، عبدا دائما، وسلاما قائما، وكوثرا متجددا، ومعراجا متحققا، ونورا منتشرا، جعلت به الباطل والظلام قياما مندثرا به اُمْح ظلامنا وقوم قيامنا.
اللهم يا من جعلت من عبدك ورسولك كتابا مقروءا مبينا، وجعلت به وجودا حقيا كريما، اللهم في عهده فأدخلنا، وبقائمه فأقمنا، وبنوره فأنر عقولنا، ومن أحواضه فاروِ ظمأنا، وأنزل ماء الحياة على أرض قلوبنا، ومن جذوة نورك ونارك به أشعل مصباح صدورنا.
اللهم به فتولَنا، لذواتنا ودورنا… اللهم اجعلنا أسماءً له، وقياما له، وحقـا له، وظِلالا له، ووجوها له، لنكون أسماء لك، وحقائق لك، ووجوها لك، وقياما منك، وأمرا لك.
اللهم وقد جعلته لا إله إلا الله، فاجعلنا فيه بك لا إله إلا الله، حتى نقومه لا إله إلا الله، ونهيئ القلوب لتقوم به لا إله إلا الله، في قائمها بك، بقائمها لك، ومتواجديها بأمرك، لإرادتك.
اللهم باعد بيننا وبين كبرياء أنفسنا، وباعد بيننا وبين المتكبرين بأنفسهم، وقنـا شر الطغاة من خلقك، وارزقنا الأمن والسكينة والسلام، لأنفسنا ولأرضنا ولدورنا.
اللهم به فاجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك.
اللهم به فاهدنا حكاما ومحكومين روادا ومرودين.
اللهم به فانصرنا على أنفسنا، وانصرنا بحقنا على نفوس الظالمين، ليكونوا إخوانا لنا صالحين، تجمعنا الدنيا كما يجمعنا يوم الدين على طاعتك وذكرك.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة يس - ٤٢:٤١ ↩︎
سورة آل عمران - ٥٩ ↩︎
سورة الحديد - ٢٨ ↩︎
سورة البقرة - ٢٥٦ ↩︎
سورة هود - ٩٨ ↩︎
سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎
سورة الفرقان - ٦٣ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الشـيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.” أخرجه مسلم والبخاري. ↩︎
سورة الذاريات - ٢١ ↩︎
سورة فصلت - ٥٣ ↩︎
سورة الفتح - ١٠ ↩︎
استلهاما مما جاء في بعض الآثار: يقول تعالى: ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكلفت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء. وذكرهما كذلك المناوي في فيض القدير. قائلا: “ولم نعثر بعد البحث على عزوهما للنبي صلى الله عليه وسلم فلعلهما مما روي عن أهل الكتاب.” ↩︎
حديث شريف: “لا تقوم الساعةُ حتى يكون أسعد الناس بالدنيا، لَكِع ابن لَكِع.” سنن الترمذي. ↩︎
حديث شريف. أخرجه البيهقي. كما أخرجه الطبراني بلفظ: “ليس عدوُّك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة، وإذا قتلته كان لك نوراً، أعدى عدوِّك نفسك التي بين جنبيك.”. ↩︎
سورة الرعد - ٣٣ ↩︎
سورة الطلاق - ٣ ↩︎
سورة النجم - ٣٩ ↩︎
من حديث شريف أخرجه مسلم وأحمد. “ما مِن أحد إلَا وقد وُكل به قرينه مِن الجن، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فليس يأمرني إلا بخير.” ↩︎
سورة القدر - ٥ ↩︎
سورة الفجر - ١:٤ ↩︎
سورة سبأ - ٤٦ ↩︎
سورة المائدة - ٣٢. ↩︎
سورة الكوثر-٢ ↩︎
استلهاما من {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين} سورة الشعراء - ٢١٩ ↩︎
سورة الشورى – ٥٢ ↩︎
سورة الأنعام - ١٢٢ ↩︎
“قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي.” (يو ١٤: ٦). ↩︎
استلهاما من تعاليم السيد المسيح وهو يدعو حوارييه أن يزرعوا “الكلمة” أي كلمة الله، أي المسيح في أرض ذواتهم. ↩︎
شدة حرارة الصيف. ↩︎
استلهاما من {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} سورة الحج - ٨ ↩︎
سورة الرحمن - ٥٤ ↩︎
سورة الرحمن - ٤٦ ↩︎
سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎
سورة الصف - ٣ ↩︎
بيت شعر للشاعر عليّ بن الجهم، من العصر العباسي: أَنتَ كَالكَلبِ في حِفاظِكَ لِلوُد… دِ وَكَالتَيسِ في قِراعِ الخُطوبِأَنتَ كَالدَلوِ لا عَدِمناكَ دَلواً… مِن كِبارِ الدِلا كَثيرَ الذَنوبِ ↩︎
إشارة لحديث شريف أخرجه الديلمي عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يحب الأمراء إذا خالطوا العلماء، ويمقت العلماء إذا خالطوا الأمراء؛ لأن العلماء إذا خالطوا الأمراء رغبوا في الدنيا، والأمراء إذا خالطوا العلماء رغبوا في الآخرة." أيضا، أخرج الديلمي الحديث الشريف: “عن الحسن، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم (لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وكنفه، ما لم يماري قراؤها أمراءها.” ↩︎
من الحديث الشريف: “من يُرد اللَّه به خيرا يُفقهه في الدين.” رواه البخاري ومسلم. ↩︎
من الحكم العطائية. ↩︎
سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎
سورة سبأ - ٤٦ ↩︎
حديث شريف: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎
سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎