(١١)
إن محمدا كان الناس جميعا لو يعلمون
إنه آدمهم وأول العابدين
وإنسان الله لهم يوم الدين
حديث الجمعة
٣٠ رمضان ١٣٨٥ هـ - ٢١ يناير ١٩٦٦ م
الذين آمنوا بما أنزل- من النور- على محمد. وهو- أي محمد- الحق من ربهم، كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم.
آمن الرسول، بما أنزل إليه من ربه.
مَن أطاع الرسول، فقد أطاع الله.
(أظهره على الدين كله)… (وعلّمه الأسماء كلها)… (مزوية له الأرض)[١]… (جعلت له مسجدا وطهورا)[٢]… جُعل كافة للناس قدوة لهم بما هو عليه، وأسوة لهم بما عامله الأعلى به أَمَامهم.
إذا جاؤوا الرسول فاستغفر لهم الرسول، وجدوا الله غفورا رحيما… {ما يفعل الله بعذابكم، إن شكرتم وآمنتم}[٣].
الرسول أول العابدين، وبالعبودية أول المتحققين… وبالتحقيق أول الخالدين… وبالخلـود أول الباقين… عنوان الآزلين، وقيام الآبدين، وهو بذلك قدوة به لا بغير بذلك رحمة للعالمين.
به يؤمن المؤمنون، وفي إيمانهم به يتفاوتون، لأنه معارج الحق، في الأولين والآخرين والقائمين، قائم الحق للطالبين، وقيوم الحق للمكبرين المكبِّرين، وغيب النفس للموحدين، ونور العقل للعالمين، وحياة القلب للمصطفين.
شهيدا على الشاهدين… ومشهودا للمسعودين… إن الرسول هو الدين، وهو العلم، وهو اليقين، يوم يؤمن المؤمنون، ويوم يسلم المسلمون، ويوم هم لإيمانهم في دوام يجددون، وبإسلامهم يسالمون فيعلمون أن الذي يعتقدون، هو من في كل نفس إنسانا يشهدون، وبه إنسانا بهم يشاهدون، هم بحكمته معهم يعامَلون، وهم بحكمة منه لهم يتعاملون، فهو الحق لهم من ربهم فيما هم فيه يختصمون وبالحق يقومون. فماذا أدرك المدركون؟! وماذا قام المسلمون؟! وماذا قرأ الكتابيون؟! إنه الإنسان لهم… إنه الإنسان بهم، لو يؤمنون فيحيون ويعلمون.
إن محمدا كان الناس جميعا، يوم كانوا في أحسن تقويم، ويكونوه جميعا يوم يكونوا في أحسن تقويم… إنه آدمهم وأول العابدين، إنه الحـق من ربهم يلاقون… إنه كوثر النفوس، في جلودهم مجددين، إنـه الإنسان ليوم الدين… إنه رب الناس للمسلمين، يـوم يشهدوهم في المصطفين، فيدخلون بنفوسهم مطمئنة، في عباد الرحمن، لهم يرافقون، ومن أنفسهم يظهرون، وبالحق ينطقون، وبيد الله يعملون، وبقدمه للخير يسعون.
عباد الرحمن بينكم لا ينقطعون، مع القلوب يتعاملون، وللأشباح يتواضعون، وللعقول يستجيبون، ومتاعب العقل، عنه يزيحون، وله يريحون، ومشاق النفس عليها يُعينون، ولها يقمعون… إنهم جوهر الدين، وحوض الحياة وكتاب اليقين.
مالكم كيف تحكمون؟ وعلى أي صورة للحق تذكرون؟ وأنفسكم للحياة تضيفون، وما أنفسكم أحييتم، كما عُلمتم وكما في دوام تُذكَّرون وتُعلَّمون… إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم على ما تقومون وتشهدون، فلِمَ أنتم له عنكم تبعدون؟ وإن الله أقرب إليكم من حبل الوريد، قائما على كل نفس، ومن ورائها محيط، فلِمَ أنتم بعيدا عنكم للحق تطلبون أو إليه تشيرون؟
فأي شيطان تخاصمون وفي منسك ترجمون؟! وأي رحمن تطلبون في موعود جنة تلاقون؟! وأي إنسان تذكرون ولأنفسكم تدعون؟ وأي رسول تعرفون لفظا بألسنتكم تلوكون، وقياما فيكم أو معكم أو من حولكم لا تشهدون؟ وأي هدي تتبعون؟! إنكم عن وحـي أنفسكم تصدرون، وعن وحي قلوبكم تغفلون، ووحي عقولكم لا تلبون وعلى وحـي الله إليكم تنكرون، وللوحي قائما دائما تجحدون.
هل أنتم في حالكم وتصريف أمركم، عند العقل، درَّاكا، تُقبِلون؟! هـل أنتم في قيامكم عند القلب، تَحمدون؟! هل أنتم حتى عند النفس المستقيمين فبالاستقامة توصفون؟! إن أمركم أصبح دون مراد النفس، حتى في نزواتها، وحتى في شهواتها.
إنكم بحالكم، على ما أنتم، بإرادتكم، وباختياركم، وبعقلكم يصدر عنكم عملكم، خلاقين لجديدكم أسفل سافلين. إن الله الذي تذكرون، لا يغير مـا بكم حتى تغيرون، هل غيرتم ما بكم، حتى يتغير ما منه لكم؟ إنه خلقكم لنفسه… إنه خلقكم لمعاني بيته… إنه خلقكم لكونه… إنه خلقكم لوجوده… إنه عاملكم في خلقه لكم بجوده، قدَّركم لتهتدوا، وهداكم لتقتدوا، فما اهتديتم بما قدركم، وما اقتديتم بمن بلّغكم، وبكوثره بيَّن لكم.
لا إله إلا الله، عَلمكم… ولا إله إلا الله أقام من أقام منكم… فلا لمن قامها عرفتم، أو له تابعتم، فبهدي عقولكم أدركتم، وبهدي قلوبكم أحببتم، وبهدي نفوسكم أسلمتم، فلها في أنفسكم أقمتم، وإخوانا في الله قمتم.
فما أصبركم على النار… ما أقنطكم من الرحمة، وما أعجلكم على الدنيـا، وما أضعفكم أمام الباطل، وما أقواكم في مخاصمة الحق، حقا إن الإنسان لربه لكنود.
ما كان للإنسان وهو الحق، أن يكون له رب، إلا من جنسه سبق على خط التطور في مشروع الحياة الأبدي. {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}[٤]… لقد جاء أحواض الرحمة وماء الحياة… لقـد جاء جماع أعلام الحقيقة… لقد جاء حياة الطريق ونور الطريقة… لقد جاء نور السماوات والأرض، بمثال وحال، لقد جاء الحق من الله… لقد جاء الرب من الرحمة… لقد جاء وجه الله لله، أينما نولي فوجهه.
فجاء جماع وجوهه لوجه تقيد، ولوجه عُلِم فتحدد، وجه تكاثر فتجدد… وجه سبق أن تواجد بنفسه، بالحق أزلا لنفسه، فعرف كيف يتواجد فتواجد، فكانت رسالته في كل من به تواجد، في كل من بالحق فيه لنفسه منه جدد، وحقه على ما عرف بحق الأعلى أوجد، فبه وبأُمته توحد وتعدد.
أُمة هي محمد، ومحمد هو أمة محمد، ظاهرا لغيبه من قديم الإنسان في أزله، فردا وأمة، وموعود الإنسان لأبده، فردا وأُمة، وقائم الإنسان للإنسان، في قائمه، فردا وأمة وأمرا وشأنا وإنسانا وسطا.
كلكم، لإنسان واحد بعث بالحق يوما، وتواجد آدما بينكم دوما لسبق لمعناه في مطلق الله، بإنسان لآدم واحد، تعدد في نفسه وتجدد، وفي حقيقته ما تعدد وما تجدد، وما لغير له أوجد، ولكن بموجده تواجد، فتكاثر، فانتشر، موحدا ما تعدد، قل هو الله أحد، إنه الإنسان الأحد… إنه الإنسان الذي خلد وصمد… إنه الإنسان الذي بآدم توالد وبإنسانه لم يولد ولم يلد، ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان… ما ظهر الله بشيء مثل ظهوره بالإنسان… ما ظهر الله لشيء مثل ظهوره للإنسان… إنه الإنسان على ما هو الإنسان، يجري فيه مجرى الدم معنى الشيطان، ويجري فيه في مسالك الحياة معنى الرحمن، فهـو برحمانه، وبشيطانه، سر الوجود، على ما هو الوجود، بوجدانه، كون ومكونه… معلوم وعالمه… وجود وموجده، آدم وشاهده… إنسان ومشهوده… حق وموجوده.
بهذا جاء دين الفطرة… فهل قبلنا الفطرة؟! هل رضينا الفطرة؟! بهذا جاء دين الصبغة، فهل قبلنا الصبغة؟! هل رضينا الصبغة؟ هل كسبنا الصبغة؟ ومن أحسن من الله صبغة، ليكون لنا به صبغة، فيكون لنا نعم (المؤمن مرآة المؤمن)[٥]، برحماننا؟ ولا نكون بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان بشيطاننا؟
هل آمنا بالله ورسوله لنا قوام الحياة بنا، ولم نرتب في إيماننا حتى نكون لله ورسوله بمعانينا، وبمبانينا، بنفوسنا وبعقولنا، بأرواحنا، وبقلوبنا، بهياكلنا، وبكلنا؟ هل استعنا على شياطين أنفسنا ولم نعن؟! هل خاصمنا أنفسنا، وهي أعدى عدو بين جنوبنا فلم نعرف معنى نفوسنا؟ هل عالجنا أمرها فاستعصى علينا أمرها؟! هل تابعنا من عالج نفسه فأُعين عليها؟
إن إمامنا وقدوتنا لكافتنا كان له شيطان، فأعانه عقله… فأعانته روحه… فأعانته عاطفته… فأعانه قلبه… فأعانه صفاؤه… فأعانه حقه… فأسلم الشيطان، قائم أدناه، لقائم الرحمن معنىً لأعلاه، وهو فيه عبـدا في معناه، لقائمه بمبناه، فطوره الله، إبراز قديمه، وذات عليمه، فجعله وجودا، لمعاني أناه، وجعله مبنىً لقيوم معناه، لمطلق الحياة، فقال مقالته، بشرى لمن تابعه ووالاه، (إن الزمان استدار على هيئته، كيوم خلق الله السماوات والأرض)[٦].
إن الدين لواقع، هذا ما بشر به الناس، وبه عَلم الناس، وأعلم الناس، وقدَّر الناس، فعرف المؤمن أن الدين هو واقع الوجود بالحياة، وأن (آخر من يخرج من النار يعطى عَشر أضعاف هذه الدنيا)[٧].
فما يكون شأن أول من يخرج من النار؟ وما تكون النار؟ {فمن زحزح عن النار، وأدخل الجنة فقـد فـاز}[٨]… {وجنة عرضها السماوات والأرض}[٩]… {قطوفها دانية}[١٠]… {وجنى الجنتين دان}[١١]… {ولمن خاف مقام ربه جنتان}[١٢]، جنة دنياه عاجلة، في سلامة دينه، وجنة عطائه آجلة، في سلامة طريقه.
هي جنـة نفسه في قائمها، وجنة ربه لداخلها، وجنة فردوسه لفرده، يوم يشهد الله أكبر، والله أكبر، في الله ذي المعارج… هو له اسم، وعليه عَلم، وله وجه، فأدرك ما بين يديه من البلاغ، {كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك}[١٣]، يوم عرفه وجه ربه، ذا الجلال والإكرام، عرفه من الباقين… عرفه من الخالدين… عرفه من الوارثين… عرفه من المتعلمين… عرفه عَالَما لرب العالمين… عرفه لعالمه أول العابدين وأول المعلمين.
أولئك يحشرون مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا في حضرة الله رب العالمين، لا فرق بين نبي والمنبئين، لا فرق بين ولي والمتولين، لا فرق بين رب عاكف على عباده والعابدين، بالله قائمين، ولله لا يغيبون، وبه لا يحيطون، ولكنهم بالله يؤمنون، يوم هم بأنفسهم يؤمنون، فلله في أنفسهم يعرفون ويشهدون، ويقومون فيرفعون شعار لا إله إلا الله، به يدركون، ووراءه يتابعون، خلف من كان لهم شعار لا إله إلا الله، قائد ركب العالمين، إلى إله العالمين، ربا للعالمين، يوم أنهم به يقومون، ولأنفسهم يعلمون، وكتاب قيامهم يقرأون، بأيمانهم يأخذون، وبفعلهم واستقامتهم في الناس ينشرون.
فكيف عَرف المسلمون الله؟ وكيف قَدَّر المسلمون كتاب الله؟ وكيف أدرك المسلمون كلام الله؟ إنهم ما زالوا يضعون أصابعهم في آذانهم حذر الموت، من لسان اللـه بينهم ناطق، بالصديقين الصادقين، لهم صادق.
لو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر، لنفذ البحر ومثله، ومثله معه مهما تضاعفت، ولقصفت الأقلام مهما تكاثرت، دون انقضاء كلام الله متكلما، ودون كوثر وجوهه في الخلق معلِّما.
ولكنهم بوحي الشيطان ينطقون - أوَحيٌ بعد رسول الله- ما أجهلكم! ما أسمجكم! وهو الذي يقول، ألهمها فجورها وتقواها، فكيف يتوقف إلهامه للنفس بفجورها وتقواها؟ كيف يتعطل الله، في قائمه، وفي قيومه، وفي صفاته؟ كيف يتعطل الله في ذاته؟ كيف يتعطل الله في روحه؟ كيف يتعطل الله في نوره؟ كيف يتعطل الله في وجوده؟ وكيف يتعطل الله في جوده؟
أي دين هذا؟!! ولمن ينسب دينكم؟!! وأي عِلم هذا؟!! ولمن يُنسب علمكم؟!! وهل كان لكم رب غير الشيطان لوجودكم وإلهامكم، يجري منكم مجرى الدم، فضيقتم مسالك الرحمن لكم، بملء بطونكم، وتفريغ عقولكم، وإماتة قلوبكم؟!!
أين هو الله، إن لم يكن معكم؟ وأين هو رسول الله، إن لم يكن إنسان جمعكم؟ ومـا هي قبلتكم لحجيجكم وصلاتكم؟ إن لم تكن لرسول الله، هل هي إلى مقابر تعمرها جيف؟ أم هي إلى غرفة، تجعلونها مقبرة لمعانيكم وسجينا لعقول مبانيكم، ولا تتخذون منها عبرة لكم لما يعنيكم، فتعرفونها رمزا لمبانيكم وما تحوي من حق لقائم معانيكم (القلب بيت الرب)[١٤] ؟
إن القرآن يقول لكم، في عبارة عربية صريحة، لا تحتاج إلى تأويل، {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا}[١٥]، فما تكون الغرفة تجزى؟ وما تكون غرفتكم لقبلتكم؟ تقولون شادها آدم، وجددها إبراهيم، ثم جددها قوم محمد، قبل أن يظهر لهم بها محمد. إنها غرفة من صنع الإنسان، والإنسان هيكلا، غرفة من صنع نفسه، فسواء كان آدم أسسها أو إبراهيم جددها، أو قوم محمد شادوها، فما كان ذلك إلا إشارة ورمزا لبناء أنفسهم. وها هي قد تجددت في عصركم، بالكنودين من بينكم، إشارة لقرب صاحبها لكم، سنة الله في الآخرين، كما هي سنة الله في الأولين، مُجدَّدة دائما في قيام القائمين.
نعم بناها آدم، لمعنى نفسه، وجددها إبراهيم لمعنى بيته، وجددها قوم محمد لمعنى أُمة الخير به، أُمة الرحمة بمحمد، فكان محمد وعمران وإبراهيم، الأمر الوسط مُجدَّدين، وكان آدم بها أمر الأولين، ويظهر بها مسيحه ليوم الدين، يوم يظهر كلمة الله، أخا للمؤمنين، قائما في رسول الله، إنسان العالمين.
فيقدر الله حق قدره، لا يغيب ولا يحتجب، ولا يحاط به ولا يظهر جُزؤه بكله. محيط لا يحاط به، مُدرِّك يدرك عند مدركِه بما دَركَّه[١٦]، من الإدراك به لنفسه، فبالإدراك به يكون الإيمان، وبالإدراك فيه يكون الإحسان، وبالإدراك عنه يكون اليقين، إنه دقات القلب للعارفين… إنه نبضات الحس للموقنين… إنه إشراقات العقل للمعلمين… إنه انطلاق الذات للموهوبين.
إنه الحياة للأحياء… فاقده إنما هو فاقد الحياة… فاقده هو الميت… وكاسبه هو الحي… إنكم به اليوم بأمانة الحياة تحيون، ولستم أحياء، إنها الأمانة حيـة، بقائمكم، فإن كسبتموها كسبتم الخلود ولا موت، وإن فقدتموها، كسبتم الموت ولا حياة.
تحبون العاجلة، وتذرون الآجلة، فلا العاجلة ولا الآجلة غايتكم على ما أراد الحق بكم. ما خلقكم لآجلة ولا لعاجلة، ولكن خلقكم لنفسه، ولكن خلقكم لتعبدوا هياكلكم له، فتكونون نفوسا له. ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوا أنفسهم لقيامه، يوم يدخلون معه في سلامـه.
يا أيها الناس ادخلوا في السِلم كافة، فهل في السِلم دخلنا؟!! فمن أنفسنا وضيقها عُتِقنا وسلِمنا؟!! ولكن ما أصبرنا على السجن، في سجين أنفسنا، لا نقتحم عقبة، ولا نعتق رقبة، ولا ننطلق من مادي وجود، إلى محرر وجود.
مالكم كلما دعيتم إلى سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض!! ما لكم لا تجيبون داعي الله إلى ما يحييكم!! أنا فرطكم على الحوض، يؤتى بأقوام أعرفهم ويعرفوني ويؤخذ بهم دوني… عُلِّمت الأسماء كلها، مزوية لي الأرض، مسجدا وطهورا، ما عرفني من عرفني، إلا يوم عرفني حقا، على ما أنا، وكيف أنا، وحيث أنا. إن الزبَد يذهب جفاءً، وما ينفع الناس يمكث في الأرض.
أنا حي في قبري… أنا أول من تنشق الأرض عنه… أنا الدابة التي عرفت ممتطيها… أنا الداني الذي عرف الأعلى… أنا من قال أعلاه لأدناه لا فرق بيني وبينك… أنا الحق جئتكم… أنا الحق أعمل دائما وأبـدا بينكم… (تعرض عليّ أعمالكم، فإن وجدت خيرا حمدت الله، وإن وجدت شـرا اسـتغفرت لكم)[١٧].
بالحق أنزله الأعلى، وبالحق نزل، لأنه لا يشهد إلا المطلق، إنه عرفـه بما عرفه للأعلى رفيق… إنه عرفه بما اصطفاه للمطلق طريق… إنه عرفه بما كلفه للمؤمن صديق… إنه عرفه بما أرسله للعارف خليل ورفيق… إنه بما آواه الدين كله… إنه بما أقامه الكتاب كله… إنه بما هداه العلم كله… إنه بما أعطاه الوجود كله… إنه بما بعثه الحق كله.
فهل وُرِدَت[١٨] أحواض الحق بمعانيه؟!! هل استُقبِلت قبلته بين الناس بمبانيه؟!! هل قبل الناس أن يكونوا كوثر وجوده لذاته على ما عرفوه، ليكون لهم به كوثر وجودهم، يوم هم به يشرفوه؟!! ولكنهم إلى أنفسهم بمبانيهم سحبوه بمعانيه وما إلى نفسه سحبوهم لمعانيه ومغانيه، ثم هم لأنفسهم بمعناه ادعوه وزعموه، فأنفسهم لمعناه حُرِموه، وما تواجدوه، وعلى ما هم بأنفسهم مُسِخوا فما شَرفوه. ولكن أبالسة بعثوا وقد فَقدوه.
دِين ودين… دين الرحمن لقائمه الدائم، ومعناه القائم… ودين الشيطان لقائمه الدائم أيضا ولمعناه القائم أيضا… لكم دينكم ولي دين. فهـل نحن في دين رسول الله؟!! {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}[١٩]، أم في دين أنفسنا، (تداعى علينا الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها)[٢٠].
نتكلم عن الحرية، ونتكلم عن الاستعمار، ونتكلم عن الرجعية، ونتكلم عن الشيئية، ونغفل الكلام عن الرحمن، ونغفل الكلام عن الرحمة، ونغفل الكلام عن الرحمانية، فما يكون أمرنا في موجودنا، لوجود الله بنا؟ هل حقيقة نحن موحدون، أَم حقيقة نحن المشركون؟ هل نحن بحق المؤمنون، أم إن تأملنانا بحق، فنحن الكافرون، الكنودون، الجاحدون المارقون؟ المارقون من حقائقنا، الكافرون بحقنا، هو لنا أمانة الحياة لوجودنا، أحياء بأمانتها، بالحي القيوم، {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}[٢١].
فهل آمنا به، ونحن الحي، ونحن الحي القيوم، بالحي القيوم، رفيقا أعلى ورفيقا أدنى، ونحن الأمر الوسط بالله نؤمن؟ كنا برسول الله، يوم كنا برسول الله أمة وسطا، خير أمة أُخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله تعرفه، لقائمها وقيومها برسوله، في قائمها لقيامها بلا إله إلا الله، وقيومها برسول الله، في الله أكبر.
فهل نحن لإيماننا جددنا، وفي إيماننا تواجدنا، على ما علمنا معلمنا (إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة[٢٢]، أأغيان أغيار يا رسول الله، حاشا وكلا… بل هي أغيان أنوار[٢٣])، في معارج المعرفة، في انطلاقات الحياة، في معارج الحق في طلب اللانهائي، لا يحاط بـه، سَبحا في اللانهائي لا يشرك به، بمحو النفس فيه، قريبا مقاربا برسوله في همة النفس به، عليا معليا، متعاليـا.
بهذا جاءنا دين الإسلام، فإذا محترفو الدين المسترزقون به، فإذا من يتحدثون من قدس بطونهم، ومن كتاب فروجهم، يتحدثون من مخارجهم، لا من أفواههم، يقولون: (أوحي بعد رسول الله!)[٢٤]… إنه ختام النبيين، قفل باب الاجتهاد.
وهم يفتحون لأنفسهم ولمتابعيهم أبواب الفساد والعناد على مصراعيها، يسنون السيئ من السنن، ويتابعون السيئ مما سن آباؤهم، أشكال تلتئم على أشكالها، في القائم والقديم لظلام الوجود بعيدا عن نور الحياة، ويفرضون سخافات إدراكهم على الأجيال قائمة وقادمة، يحملون أوزارهم وأوزارا مع أوزارهم، (فُقهاء أُمتي في الدرك الأسفل من النار)[٢٥].
تُقطع ألسنتهم، وشفاههم بمقارض من النار بما كانوا به يتحدثون، وإضافة إلى الحق ينسبون، يكتبون الكتاب بأيديهم ثم هم إلى الله ينسبون، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، حتى إذا قام الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، لم يجد من يعينه، لفساد فقهاء هذه الأمة يقومون وراء طغاتها، للدنيا يعملون، وبالآخرة يجهلون، وبالله لا يعرفون ولا يؤمنون، فتولد رسالات الله بكوثر رسوله في جو خانق وبيئة مجافية وتتجدد رسالة الشيطان بهم كوثرا بها. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم بمن جعلته رحمة للعالمين فارحمنا، اللهم بمن جعلته قدوة كافة للناس، اللهم به فارفع حجاب الغفلة عنا، واكشف الغطاء منا، حتى نشهدك أقرب إلينا من حبل الوريد، فتوافق ألفاظنا بلا إله إلا الله شهادتنا لها، فنشهد أنه لا إله إلا الله حقا ويقينا وعلما، ونرفعها شعارا وكتابا وعَلَمَا، أمة وسطا، بين قديم الإنسان بها، وقادم الإنسان لهـا.
اللهم بلا إله إلا الله فانصرنا على أنفسنا، اللهم بلا إله إلا الله فانصرنا على كل مُنكرٍ لها، اللهم بلا إله إلا الله فانصرنا على كل طاغٍ عليهـا.
اللهم بلا إله إلا الله، قائم قيامنا، لقديمنا وقادمنا، بقائمنا، فقوِّم طريقنا ويسر سبيلنا.
اللهم بلا إله إلا الله، عَرفناها فيمن قامها رسولا بها، فكان لنا لا إله إلا الله، يوم نكون به له لا إله إلا الله.
اللهم به بنا فانشر لا إله إلا الله، على ما أردتها لمن خلقتهم لهـا.
اللهم اجعل لا إله إلا الله، كتاب عَلمنا وقويم طريقنا، واجعل محمدا رسول الله، عَلم وجودنا لنا لموجودها لها.
اللهم لا تكلنا لأنفسنا، ولا لغيرك طرفة عين ولا أدنى من ذلك.
اللهم قنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من خلقك من حولنا.
اللهم اكشف الغمة عن بلاد المسلمين، وعن الأرض جميعا.
اللهم أنزل سكينتك على قلوبنا، والسِلم والسَلام على أرضنا.
اللهم كن لنا برحمتك وكرمك وجودك وعزتك، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، مجاهدين ومتابعين، مسلمين ومؤمنين وعارفين، لا إله غيرك ولا معبود سواك، سبحانك إنا كنا من الظالمين، اللهم لا تردنا بعد أن هديتنا، إلى جاهليتنا، اللهم أوفر حظنا من الإسلام لرسولك إسلاما لك، ومن القيام بمعارجه معراجا إليك، جودا وكرما منك.
لا إله غيرك ولا معبـــــــــــــــود ســــــــــــــــــواك.
مصادر التوثيق والتحقيق
إشارة للحديث الشريف: “إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها فإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها وأُعطِيتُ الكَنزَيْنِ: الأحمرَ والأبيضَ…” أخرجه مسلم في صحيحه. ↩︎
إشارة للحديث الشريف: " أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً". حديث صحيح متفق عليه. صحيح البخاري. ↩︎
سورة النساء - ١٤٧ ↩︎
سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎
حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎
حديث شريف: “إن الزمان قد اسـتدار كهيئته يوم خلق الله السـموات والأرض.” أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود. ↩︎
في إشارةِ للحديث الشريف “إنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ كَبْوًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
سورة آل عمران - ١٨٥ ↩︎
سورة آل عمران - ١٣٣ ↩︎
سورة الحاقة - ٢٣ ↩︎
سورة الرحمن - ٥٤ ↩︎
سورة الرحمن - ٤٦ ↩︎
سورة الرحمن - ٢٦-٢٧ ↩︎
عبارة دارجة عند المتصوفة يذكرونها كحديث قدسي يتناغم مع الحديث القدسي (لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن) الذي أخرجه أحمد بن حنبل في الزهد. ↩︎
سورة الفرقان - ٧٥ ↩︎
تم التشكيل وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع. ↩︎
حديث شريف: “تعرض عليّ أعمالكم، فما رأيت خيرا حمدت الله عليه، وما رأيت من شـر اسـتغفرت الله لكم.” أخرجه النسائي والطبراني. ↩︎
تم تشكيل هذه الكلمة وكلمات أخرى في نفس الفقرة وفقا للنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎
سورة النساء - ١٤١ ↩︎
من الحديث الشريف: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل يا رسول الله: وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت” رواه أحمد وأبو داود ↩︎
سورة آل عمران - ٢ , سورة البقرة - ٢٥٥ ↩︎
حديث شريف: “إنه ليغان على قلبي وإني أسـتغفر الله في اليوم سبعين مرة.” أخرجه مسلم وأحمد وابن حبان." وجاء في الصحيحين، وسنن أبو داود بصيغة “إنه ليغان على قلبي وإني أسـتغفر الله في اليوم مائة مرة”. ↩︎
مما ذكره الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في كتابه “لطائف المنن” أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي قال: “رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فسألته عن هذا الحديث (إنه ليغان على قلبي) فقال لي: يا مبارك ذلك غين الأنوار لا غين الأغيار.” ↩︎
عبارة جاءت في الأثر في أكثر من قصة على لسان بعض الصحابة والمتابعين يعبرون بها عن اعتقادهم بأن وحي السماء توقف بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى. ↩︎
إشارة إلى حديث شريف ذات صلة: “مررْتُ ليلةَ أُسرِيَ بي بأقوامٍ تُقرضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ من نارٍ، قُلْتُ: من هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال: خُطَباءُ أمتِكَ الذينَ يقولونَ ما لا يفعلونَ ويقرؤونَ كتابَ اللهِ ولا يعملونَ بِه.” أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلي. ↩︎