(٩)

الفقه والتفقيه للدين
رسالة الإسلام والمسلمين
كافة للناس أجمعين
خلف أئمتهم والمتابعين
من الحكماء والمجاهدين

حديث الجمعة

١٦ رمضان ١٣٨٥ هـ - ٧ يناير ١٩٦٦ م

بسم الله الرحمن الرحيم

به نبدأ، وبه نستعين، وله نسأل أن يفقهنا بيقين، وأن يقومنا على الدين. (فما مَنَّ الله على امريء بشيء أفضل من فقه في دين)[١].

فما يكون فقه الدين؟ يوم يفقه الإنسان عن الدين، فيُسلم نفسه لربه، غير ضنين، ويؤمن بحقه، غير ظنين، فيعرف الله له، ويعرفه لله، فناءً فيه وبقاءً به، لا شريك له، من أمره، أو من نفسه، مسيح موجوده بمطلقه، لوجه وجوده لشاهده ومشهوده.

يعرفه لله، ويعرف الله له. هو به له لمعيته، مستغنيا به عن كـل ما سواه، {أليس الله بكاف عبده}[٢]، فلا يرى إلا إياه، يوم يراه، وقد أحاط بشيء من علمه لعلمه، بعلمه عنه، في علمه عن معناه، وعن مبناه، فيضيف مبناه بقائمه لمولاه، لقائم قيومه به لمعناه.

فيعرفه لكائنه الكون، ولوجوده الوجود، بمبناه، لمعاني العبد لله، بقائمه، في قيامه، ويعرفه بعبوديته مربوبا بربوبيته، لمعناه من اللـه، الحي القيوم على الحياة. فيعرف معنى العبد لمبناه، لا مغايرا ولا معزولا عن مولاه، بيتا للروح والحياة، لمعناه لاسم الله.

فيكتم أمره بما يكشف له دون الجهر من القول عنه، ليبلغ رشده، من الفعل به، وليتسع بعمله في دائرة وجوده، ولينتشر بحقيقته في دائرة تواجده، وليقوم بإرادته، في حي ونافذ مشيئته، بناموس الله، في فطرة الله، بصبغة الله. فلا يذكر الله مجهولا عليه ولا غائبا عنه ولا مغايرا له…

فيعرف ما الإسلام… ولمن يكون الإسلام… وممن يكون الإسلام… ويعرف ما الإيمان وبمن يكون الإيمان، وفيمن يقوم الإيمان… ويعرف ما الساعـة، ومتى تكون الساعة، وأين هي الساعة، ولمن وبمن تقوم الساعة… ويعرف ما تكون القيامة، ومتى هي القيامة، وأين القيامة، ولمن القيامة.

إنه الكائن الحي… إنه الموجود… إنه الحياة وقد دخل في الحياة… إنه الوجود وقد قام وبعث بالوجود… إنه الموجود باسم الله، باسم الرحمن الرحيم، باسم الله له، لمعناه، ومبناه، أوجد معناه مبناه، ليُعلَم له يوم يراه ليس في مغايرة له. {أعطى كل شيء خلقه}[٣]، فما أعطى يـوم أعطى إلا من هو كل شيء. وما كان كل شيء يوم كان، إلا الإنسان. {خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك}[٤].

أنت بمبناك لجسدك، وأنت بمعناك لروحك، هل ينفصل جسدك عن روحك؟ هل تنفصل روحك عن جسدك؟ يوم ينفصلان غبت عن الوجود بأناك، وعن العيان لمعناك.

كنت باجتماعهما من هو أنت، وبانفصالهما هنا ما بقيت! فهل تستطيع أن تبقى؟ هـل تستطيع أن تفلت من الفناء؟ هل تستطيع أن تفلت من العدم؟ هل تستطيع أن تبقى في الوجود؟ هذا ما جاءت الأديان لتهديك إليـه.

أرجع موجودك من الوجود إلى الوجود الذي أوجده، أرجع الروح إلى الروح، وأرجع الجسد إلى الجسد. وتواجد أنت من فعلك أنت، بموجود الوجود بجسده لجسدك، وروحه لروحك، بقائم وجودك عارية مُوجِدك، قبل أن يسترد المعير عاريته. أوجد لك وجودا من صنعك غير وجودك بعاريتك بموجودك لموجِدك، الله لك، عارية وجود لاسمه الخالق من الوجود الأكبر. {خلق فسوى}[٥] من الخالق الأكبر، الذي خلق الخالق، وما خلق الخالق.

إن روحك من الروح الأعظم، إن ذاتك ما هي إلا عنوان لوجه من وجوه من الذات الأقدس والذات الأكبر. فأنت بأمانة وعارية وجودك في قائمك بحاضرك اسم الله، كلمة الله، أنت مَن تسميه الله، أنت من تذكره غائبا عن وجوده برؤية وجودك، فتغيبه عنك، وهو معـك أينما كنت، وأقرب إليك من حبل الوريد واحدًا لا شريك له، قائما على نفسك، بك هو ظاهر من غيبه ومن ورائك بإحاطته، {هل تعلم له سميا}[٦]، هل تعلم له شريكا منك، أو من الوجود من حولك؟

أنت له وجه، وإنك لا ترى ما وراءك، من أمرك، لأمر الله بك، لأمـر المحيط بك، إلا مِن أمامك، في مرآة قيامك، من جنسك، (المؤمن مرآة المؤمن)[٧]، تعرف أن الذي هو من ورائك بإحاطته، هو مَن وراء من تشهد بإحاطته. فإن لحقك بلطيفه بانعكاسك إليك، أبصرت ببصيرة إحاطته، أنت وجهه، شهدت وجه إحاطته فيمن تشهد، هو إليك وجهه، هو مرآة وجهك له، تراه في مرآة وجهه لك. الله من ورائكما بإحاطته، {والله من ورائهم محيط}[٨].

هذا فقه الدين، هذا فقه في الدين، يوم نرتقي ونرتفع بمعاني الفقه. إنه لا يكون إلا بمعرفة عن المكون، عند الكائن، وبمعرفة عن الموجِد عند الوجود، بمعرفة عن الإله عند الآله، لقائم الله، عند قائمه، لمقيمه.

إن الفقه لا يسمى فقها، إن لم يكن فقها في دين. والدين لا يسمى دينا، إن لم يكن فقها في الحقيقة. والحقيقة لا تكون حقيقة، ما لم تقم واقعا في مُدرِكها، وقائم قيام لقائمه في حقيقته.

إنك لا تفقه عن الله، إذا لم تدخل في الله، ولا تدخل في الله، ما لم تقم بالله، ولا تقوم بالله، إلا يوم تعرف مَن أنت، وإلى أي أمر تغيرت وتبدلت!!! مَن أنت من اللـه… من أنت مع الله… مع من أنت في الله… مَن الله لك… مَن الله فيك… مَن الله حولك… مَن الله مِن قبلك… مَن الله مِن بعدك… مَن الله في قيامك، وقائمك… مَن الله لقيومك، ورائدك… مَن الله لهدفك ومنشودك… مَن الله لسعيك ومقصودك… أمع شيطانه كنت، أم مع رحمانه أنت؟!

إن علمت شيئا من ذلك وعن ذلك وفي ذلك، فقد دخلت في فقه، أو حصلت على فقه. وبعيدا عن ذلك فلا يوصف علمك بفقه. ليس فقهًا أن تَعلَم أو تُعلّم كيف تتوضأ، أو كيف تصلي، أو كيف تحج.

ولكن فقها أن تعرف، كيف تستقيم مع الله… كيف تتعامل مع الله، كيف تستجلب نظر الله إليك، كيف توجه نظرك إليه، كيف تهيئ آذانك وسمعك لتسمعه، كيف تهيئ لسانك وقلبك لتُسمِعَه. هذا هو الفقه يوم يفقه الإنسان.

قد يدخل الإنسان في جماعة الإسلام، فيسلم لجماعته، وهو ليس فقيها. وقد يدخل الإنسان في الإيمان، فيؤمن بجماعة المؤمنين وهو ليس فقيها. إن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وقد جعل الدخول في الدين أمرا ميسرا، بالدخول في جماعته بأهله (المرء على دين خليله)[٩].

ولكن الدخول في الإسلام والدخول في الإيمان، له نتائج حتمية، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[١٠]، {واتقوا الله ويعلمكم الله}[١١] هي أن يفقه الإنسان بالإسلام وبالإيمان، عن نفسه. وإن فَقِهَ عن نفسه، وقرأ كتاب نفسه، وأشرق نور كتابه في بنيانه لحسه، فقد “فقه الرجل”، ولن يكون له ذلك إلا بدخول البيوت لله من أبوابها. وما كانت بيوت الله إلا عباد الرحمن يمشون على الأرض هونا. {يا أيتها النفس المطمئنة… ادخلي في عبادي}[١٢].

إن الفقه في الإسلام غاية، ينشدها المسلم والمؤمن، فانظروا كيف انحط الفقه عند الناس وعند المسلمين إلى مستوىً، بعيدا عن الفقه في الدين، باسم الفقه في الدين. مَن تَعلّم كيف تكون المناسك وتُؤدى فهو الفقيه. إنك تستطيع أن تتعلم كيف تؤدى المناسك، في بضع دقائق أو بضع ساعات أو بضع أيام، وإن كنت ذكيا حاضر الذهن فلست في حاجة لتحصيل ذلك إلى مُعلم.

ففيمَ تنفعك حياتك وفيمَ تقضيها بعد ذلك؟ وماذا تطلب بها في ذلك، فقها وتفقها في الدين والرسول يقول لك، (اُطلبوا العلم من المهد إلى اللحد)[١٣]، (اُطلبوا العلم ولو في الصين)[١٤]؟ فما هو العلم الذي تطلب؟ وأين تطلب وقد استوفيت العلم وأحطت به في معرفة المناسك؟

هل يصح أن أشغل الحياة، بفقه في دين، لا يتجاوز بيان مناسك الدين؟! مهما لونتها في مذاهب المتمذهبين، ومهما عبَّرت عنها بعبارات المتمشدقين، إن لها حدود، وإنها في حقيقة أمرها قشور، فهي أمور تتعلق بحركات البنيان، ولا تتعلق باستقامة الإنسان أو تهذيب الوجدان، ولا تتعلق بإقامة علاقة مع الرحمن.

(الصلاة عادة، والصوم جلادة، والدين المعاملة)[١٥]. المعاملة مع الله، باستقامة المعاملة مع نفسك أولا، ثم باستقامة المعاملة مع بيتك، ثم باستقامة المعاملة مع الناس، كوسيلة لغاية، هي القيام بالقيوم عليك من الله.

ففي الاستقامة مع نفسك، يقوم عِلم النفس، وعلوم الطبائع، وعلوم الأخلاق والسلوك، والتشريح والطب، وما إلى ذلك من علوم عـن الذات ومعنوياتها. وفي الاستقامة مع بيتك تقوم علوم الدنيا والآخرة، والمعرفة عن النفس الخالدة في جانبي الحياة، من الحياة الشبحية والحياة الروحية، والحياة الحقية الجامعة لهما، المنعزلة عنهما، القائمة بهما، وما إلى ذلك. وفي الاستقامة مع الناس تقوم علـوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والقانون العام والخاص وما إلى ذلك.

إن الدين ما جاء لهذه المقابر من الأجساد، إن الدين جاء للعقول المتحررة من هذه الأجداث. إن الدين جاء للقلوب المتطورة من هذه الأرجاس. (إن في الجسـد مضغة لو صلحت، صلح البدن كله، ألا وهي القلب)[١٦]، {وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج}[١٧].

إن القلب هو الأرض البيضاء، إنه الأرض الزهراء… إنه الأرض الخضراء، إنه أرض الحياة، يوم يحيا في غلافه من بنيان هيكله، لمعنى العالم من حوله، لمعنى البيت، يذكر فيه اسم الله، لمعنى الغرفة، ترفع وتوضع، بيتا لله، لمعنى السراج، يُشعل ويوقد، في مشكاة الظلام، بصدر الإنسان.

تُشرق مشكاته لصدره، بنور سراجه لقلبه، بذات الصدور، بذات الأمور، بذات الوجود، بذات البعث بالموجود، بذات القيام بالمشهود، بذات التحقيق للمنشود، بذات الله، لإنسان الله، لعبد الله، اسما لله، قيامةَ قيامه، من قيومه، بقائمه، معاملة مع الله، واجب الوجود عند كـل وجود به، يوم يشعر الإنسان أنه به وجد، وفيه يوجد، فبه لمعناه يتواجـد.

{وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}[١٨]، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[١٩]، {ربِ إن ابني من أهلي[٢٠]… إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح[٢١]}. فما كان الإنسان إلا عمله، وما تواجد الإنسـان إلا بعمله، وما كسب الحياة ودوامها، والوجود وبقاءه إلا من عمله، بأمانة قيامه باسم اللـه.

يعرف ذلك يوم يُعطَى كتابه بيمينه، فيفيض برحمته، ويطلب الناس لمعناه، في معناهم لمولاه، ومولاهم في الأعلى، عطاء غير مجـذوذ، في ذي المعارج، إلى اللانهائي، بالسير اللانهائي، في السائر الراضي بمسيرته، الساري فيمن دونه بمن هو بعاليه لأعلاه، مع القائم المرضي منه لمعنى رسول الله، من الأمر الوسط، من الإنسان الوسط، من الحق الوسط، من العبد الوسط، من الرب الوسط، من الإله الوسط، من الوجود الوسط المرضي من أعلاه لأزله في قائمه، الراضي عن أدناه في قيومه، الناقد لنفسه بنفسه في قائمه بقائمـه.

المــُسلم المؤمن هو المتفقه في الدين، العالم باليقين، المعلم بما عَلم لمن يريد أن يعلم، المدرك لما هو أحسن عند من أحسن، المــُعرف بالإحسان لمن يعرف الإحسان ويطلبه لمزيده لا إكراه في الدين، تبين الرشد من الغي، من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. (كلكم راع وكلكم مسـئول عن رعيته)[٢٢]، عَلم ممن سبق، وتواصى بالحق مع من معه قام، وعَلَّم من به التحق وله لحق.

من شاء أن يكون حاكما، (فـــالآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك عادل، يفرق بين الحق والباطل)[٢٣] ، وما المــُلك عند الله، إلا أن يَملك الإنسان نفسه، (الملك من مَلَك نفسه)[٢٤]، (وما الدنيا، لأهلها، إلا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر)[٢٥]، ولولا رحمته بالذين آمنوا، {لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون}[٢٦]. ليس الإنسان عبدًا للمادة بمحبته ولكنه سيد عليها بعمله وإرادته وبذلـه وإيثـاره.

قال لهم نبيهم إن الله اختار لكم طالوت مَلِكا، فقال لهم مَلكهم إن الله مبتليكم بنهر، من يشرب منه فليس مني، ومن يمتنع عنه فهو مني، وما كان النهر إلا الدنيا وزينتها، (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح لكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها الذين من قبلكم، فتأكلكم كما أكلتهم)[٢٧]، وقد فعلوا، وقد فعلت.

الدنيا ضرة الآخرة، وإن لم يخرج من الآخرة، والآخرة ضرة الدنيا، وإن لم تقس عليها وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع أهل الآخرة، {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة}[٢٨]، ولكنه يؤخرهم، ولكنـه يؤجلهم، ولكنه ينظرهم، ولكنه يمهلهم، ولكنه يبدلهم، ولكنه يغيرهم، ولكنه يطورهم، {ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحـق}[٢٩].

فأنت تمشي على الأرض ولست من أهلها، ولكنك فيها وعليها وبها، تعمل على ما أنت، من جمعك في أهلك، لم تفارق، ولم يفارقوا. ويـوم يكشف عنك غطاؤك، تعرف مَن أنت، ومِن أين أنت، وممن أنت، وإلامَ أنت، ولِمَ جئت إلى هذه الدار أنت، وكيف تخرج منها، ومتى تخرج منها، فقـد تتعجل الخروج منها، وقد تبطيء في الخروج منها، وقد تتجدد فيها، وقد تتخلص منها، وقد ترغب في العودة إليها، وقد ترغب في الانقطاع عنها.

أنت في كل حال من هذه الأحوال، في معرفة بالدين، في ألوان من المعرفة من ألوان في الدين، في صور من المعرفة، في صور من الإنسـان، في صور من الأكوان، في صور من الوجود، كلها في دائرة، لأحد في الله، لإنسان لله، من إنسانية الله، وآحاد الله، من الراشدين، من الكاملين، من المتوفين، تنشد به فيه لعينه، أن تكونه مسيحا له ومسيحا فيه وكلمة منه وحقا له ووجودا به.

إن البشرية التي نعيش فيها، بجمعها، آدم واحد بأوادمها لروح واحد بأرواحها، لقديم بعين معناها، هو لها أب ورب، مُرسَلة لقادم منها، لعين معناها، هو منها لربها، عَبدٌ مرسَل إليه، وابن يُرسَل منها لقائمها بمعناها، في قائم إنسان واحد لله، لوجودها ومبناها، هو اسم واحد لله، لقائم ودائم رسول الله، منه إليه.

فكيف قدرتم الله لوعيكم؟ وكيف حكمتم بمعنى الإنسان لبنيانكم؟ وكيف زعمتم وجه الله لمعانيكم؟ وإن كان الله بكل هذا لكم يعنيكم، ولكن هل له عملتم وعليه حرصتم وله فقهتم، فأسلمتم، فجاهدتم وآمنتم، فاستقمتم، والمزيد من المعرفة طلبتم!

هل طلبتم العلم ولو في الصين؟؟ هل التقطتم الحكمة ولو من أفواه المجانين؟ هل عرفتم أن الله ناطق على كل لسان! وأن كل ما تسمع، لله به غاية! وله فيه حكمة! تستطيع أن تحصل عليها! إن الرجل الذي سبّ الدين لرجل أمامك ما كذب! فقد كان دين من سُبّ دينه، جديرا بالسب لأنه لا دين له، لأنه دين باطل، لأنه ما قام في دين حق. لقد كان الساب للدين، لدين هذا الرجل ناطقا بحق.

إن كل ما ينطق به الإنسان، من غث أو من ثمين، لله فيه حكمة، كيف يمكنك أن تعرف الثمين وأنت لا تميز الغث؟ ولو ميزت ما سمعت بموصوف الغث، لكان هذا إدراك منك للثمين، وكان بروز الغث فيه حكمة، هي تعريفك بالثمين، وهو لك غاية ما فرقت بين الغث والثمين، فإذا كان الغث في شهودك كان الثمين لطلبك في موجودك.

إنك يوم تدرك الأرض بمعنى الجماد، تدرك قيامك بمعنى الحياة. ويوم تعرفك ببنيانك جئت من الأرض ومنها نبت، تعرف هذا القيام من البنيان، بمعنى أصلـه من العدم، فتعرفك ببنيانك من العدم، وأنت لأناك به معدوم. {إنك ميت وإنهم ميتون}[٣٠]. لأنهم من الأرض الميتة.

ولو أنهم نبتوا من الأرض الحية معروفة لهم بالحياة لكانوا أحياءً. إن الأرض الحية، إنما هي أرض القلوب، يوم تحيا باسم الله، فتشهد بيتا وذكرا لله. ويوم تحيا، في قائم هيكلك الميت، مضغة القلب بالحياة، صلح البدن كله بالحياة، فكنت ببنيانك وهيكلك بالحياة، الأرض الحية، تمتد إليها يد الله فتمسك بها، نواة ودائرة للسموات والأرض، فتسيرها في فراغ الوجود، جبالا مسيرة، مبعوثة من مقبرة، دخانا للسماوات والأرض في نشأتها سُدما في فراغ الوجود دائرة، تمتد إليها يده، ويستوي بحقه إلى أرضه لها، قبلة صَلاتها وصِلاتها ليُقِّدر فيها أقواتها، في يومين، في طورين، في وجودين، في زمنين، في عصرين، في دهرين.

{وإن يوما عند ربك، كألف سنة مما تعدون}[٣١]، وهو يوم الجمعة لدورة آدم برسالته، على مثال من دورة القرون بأبنائه إليه كلمات من اللـه له. (يبعث الله في هذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمور دينها)[٣٢]، وهو مستوٍ إليها {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة}[٣٣]، مما تعدون، مسيرة الملائكة والروح، وقد امتدت إليها يده، فقطعت هذه الأرض عن سماواتها في هذا السديم للسماوات والأرض وهو دخان، ثم ملئت بالحياة، ثم سقطت الحواجز، {ولـو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كُلم به الموتى بل لله الأمر جميعا}[٣٤].

استوى إلى الأرض فقدر فيها أقواتها في يومين، في أمرين، في حقين، في رسالتين، في إمامتين، في كتابين، خلقنا الأرض كفاتا، أحيـاء وأمواتا، {ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير}[٣٥] وقد شاء أن تسفر مشيئته.

إنه الإنسان الكبير في نشأته… إنه إنسان الله في بدايته، فيه الظلام والنور، فيه الغث والثمين، فيه الحي والميت، هو شجرة وجود بفروعها وغصونها وبأوراقها، تتساقط وتتجدد، وبثمارها تُؤتي أكُلها في كل وقت وحين، في مواسمها بدورة الحياة فيها.

إنها الحياة، إنها الناس يدورون في الحياة دورتهم، وتدور الحياة فيهم دورتها. إنها دائرة الخليقة، دائبة عاملة ناصبة، متجددة متقادمة، موجودة متواجدة، موجِدة. إنها قضية الناس في الله، وإنها الحياة للناس باللـه.

يقوم فيها الناس، فيجافونها بكنودهم فيفقدونها بتعاستهم في كرتهم أو يوادونها بحبهم فيكسبوها في كرتهم لسعادتهم. إنهم الأموات، يوم يقومون بمبانيهم مشغولين بها، وإنهم الحي القيوم، يوم يقومون بمعانيهم من الحياة، فيصيرون أحياء بعارية الحياة هي لهــم.

فهل يستوي في معنى الإنسان، وفي وجود الإنسان، وفي قائم الإنسان، قائم فيه، كسب الحياة، وشيء فيه فقد الحياة، أو لم يكسب الحياة بعد؟ هل تستوي الظلمات والنور، أو الظل والحرور؟

رفعنا بعضكم فوق بعض درجات، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا. إن الله لا يحب المستكبرين. إن الله يحب المتواضعين. إن عباد الرحمن لا يستكبرون، ولكنهم يتواضعون، فلا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله. {الذين كفروا في عزة وشقاق}[٣٦].

كلكم لله وجوه، وكلكم بأمانة الله لكم أسماء له، ازرعوا كلمة الله في أرض ناسوتكم، واقبلوها لأنفسكم حية متحققة محققة لكم بينكم لتكونوا أبناء المعروف لكم.

كيف تكسبونها وأنتم في مجتمعكم، فيكم وبينكم تنكرونها؟ نعم إنها خفية بينكم لبعض الوقت فلن تعرفوها قبل أن تَصْدُقوها، فبصدق تطلبوها، فإكراما لها ومعرفة بها، في كل إنسان، فاشهدوها، حتى تعثروا عليها وتلاقوها، بمواصفات قامت بينكم، وفقهتموها. هذا من فقهكم يوم تفقهون، فافقهوها، وفقهوها، وابحثوا عنها حتى تلاقوها، فإن تلاقيتم بها فتواصوها. {من يهدي الله فهو المهتدي}[٣٧]، {ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا}[٣٨]، و(المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[٣٩]، فمن لا خِلة له، لا هداية له. (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٤٠].

إن البشرية بظاهرها وباطنها وحدة للحق، وهي لأهلها لمفرداتها سِر الحياة، والوجود بجمعها، إنها الإنسانية لفردها، وإنها الفرد لوحدانيتها لجمعها لمعنى إنسانها، إنها آدمها، وعيساها ومحمدها وخضرها وموساها، إنها العبد لها فيها والرب عليها منها، (تَلـد الأَمة ربها)[٤١]، (أول من تنشـق عنه الأرض أنا)[٤٢]، {أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم…}[٤٣]. إنها سيدها وخادمها، وإنها مولاها ومولاها، إنها أميرها ومبتلاها.

هذا ما قامه فينا رسول الله، وما عَلَّمنا إياه رسول الله، وما حمل إلينا بشراه رسول الله، وما أقامنا بمن أقامنا به، بعين معناه، رسول الله، تواضع لنا بظلاله وظاهر أحواله، فحملنا من تحت أقدامنا، وأظلنا به بظلاله وعليِّ أحواله، فقام به من فوقنا، وهو ما انتشر به فينا، نورا للأعلى، وقياما للمطلق، ورسولا من حقيقتنا إلينا، لحقنا بنـا، فرأى مرسِله فينا، فتأدب معنا، أدبا مع مرسِله إلينا. كل هذا كان لنا من رسول الله إلينا مع رسول الله بنا من أنفسنا، بشرنا به لنا معه، وحذرنا من فواته بتفريطنا في أمرنا لمتابعته.

{ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}[٤٤] ) واخفض لهم جناح الذل من الرحمة)[٤٥]، {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}[٤٦]، {اصبر وما صبرك إلا بالله}[٤٧]، {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}[٤٨]، {ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما}[٤٩]، {لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا}[٥٠].

ظهر بعبوديته، لمعلوم ربوبيته، فرأى الله في الناس في كل وجه، وعرف حكمته بهم في كل أمر، فاستجاب للعليم الحكيم منهم، عليم الله وحكيم الله، وتخلى عن الجاهل والظالم منهم، متأملا فيه، صابرا معه، معالجا له، متكبرا على المتكبر صدقة منه، حتى يفيق إلى موصوف نفسه عند نفسه، بالكبير لشهوده، بمن هو منه أكبر، لعين وجوده، ولعين موجوده، ولعين مشاهدته، فهدى وعلم، (الكبر على أهل الكبر صدقة)[٥١].

لم يستعلِ ولم يدعُ إلى الاستعلاء، وفرق بين الاستعلاء والعزة بالله، (الأمير أجير قومه)[٥٢]، (سيد القوم خادمهم)[٥٣]، فإن رأيتموني سيدكم، فاشهدوني خادمكم، وتأملوني لمعاني الحق لكم، (من رآني فقد رآني حقا)[٥٤].

من رآني مولاه، كنت مولاه… من رآني مولاه لمعنى السيادة والقيادة، كنت مولاه لمعنى الخدمة والريادة. و(من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)[٥٥]. إن علـيًّا يتقـن ويحسـن معناه، لمولاه بأعلاه، ولمولاه بأدناه، (أنا مدينة العلم وعَلىٌّ بابها)[٥٦]، {ربِ لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين}[٥٧]. (خلفت الله عليكم)[٥٨]، (عَليّ مني وأنا من علي)[٥٩]، (فاطمة ابنتي روحي، من أغضبها أغضبني[٦٠]، ومن أغضبني أغضب الله[٦١]). أنا الحق الذي قد يتصف بالغضب، أما الحق لموصوف الله فإنه لا يغضب، وإن غضب فهو إنما يغضب بغضبي {وما رَميت إذ رميت ولكن الله رمى}[٦٢].

فهل أدركنا ذلك؟ هل أدركنا شيئا من ذلك؟ هل حاولنا أن ندرك شيئا من ذلك؟ هل حاولنا أن نتدارك أمرنا في ذلك، فنعوض ما غفل الآباء عنه من ذلك؟ هذا أمرنا في قائمنا اليوم. ونحن أمام رسالة جديـدة تجديدا لرسالة الفطرة قديمة فما هي بجديدة، فهي الرسالة القديمة، وما كانت يوما بقديمة، وما ظهرت دوما إلا جديـدة.

إنها دائما يوم يقوم الروح لرب العالمين. ومتى كان الروح، غير قائم لرب العالمين! إنها بذلك دائمة متواصلة متصلة، إنما هي اليوم أمر الله، يكشفه الله، على نطاق عام، وعلى نطاق واسع على مستوى البشرية، ليدور فيه فقـه الدين.

وقد كشفه وأداره في قبل في دوائر ضيقة باسم الأنبياء على مستوى الفـرد والبيت والجماعة والأمة رسالة متصلة متواصلة، حتى جاء عبد الله رحمة للعالمين، فجعل الناس جميعا، لقيام النبوة لأطوارهم، ولحال الأنبياء لأسرارهم سواسية، وقدم معرفة الأنبياء لكسبهـم.

ليقوموا لله بموصوف العباد للرب يلقونه معهم وفي أنفسهم أسماءً له ووجوها له، معرِّفا لهم عنهم، موقظا لهم من غفلتهم عن حقهم، ومشرفا لهم بهم، بيقظتهم لحقيقتهم، معروفا لهم، متعارفا إليهم برسوله من أنفسهم، بقيام لشهودهم بينهم، بيتا يذكر فيه اسم اللــه…

حتى إلى تخلص لهم من عالم غفلتهم لعوالم يقظتهم في أعلى الوجود، مـلأ فملأ، وملأ لملأ، بدءا من ملأ ذواتهم، وبذلك يعرفون عن الله لهم قائما قبل وجودهم، تجلى بهم، ويعرفون عن الله باقيا بهم، بعد تواجدهم، في قائم وجودهم لوجوده.

بذلك قام الرسول بشعاره (لا إله إلا الله، والله أكبر) لمن شهده في نفسه (محمدا رسول الله)، أولى به منها، وأبقى له بها. {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[٦٣]، جعل الله له نورا يمشي به في الناس، يكفرون بشركه معهم فيهم، يوم يشهدونهم به، فيرون وحدانية الله معهم، بوحدانية الله لعقائدهم وحسهم، يوم يدركون الرسول لهم عروة رباطهم وحلقة وصلتهم. {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[٦٤]… هو{ الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٦٥] {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[٦٦]، {فصل لربك وانحر}[٦٧].

إن الرسول، هو بيت الله الدائم بأبوابه بعترته، وهو قبلة الله بدائم طلعته، وهو طريق الحياة بمنشور هديه وحكمته، وهو روح الوجود لكل من به تواجد، وذات الوجود لكل من له شاهد، وهو طريق الوجود في دناه بكوثره بالناس وفي أخراه بمخبره بالإنسان لله، حقا وعبدا، عروجا إلى الله، وسيرا إلى الله، طلبا لله بالأكبر والأكبر لله في اللانهائي، وهو الطريق، وحياة الطريق، وروح الطريق، واستقامة الوجود بالطريق، وغاية الطريق بالحياة، لمن طلب الطريق والحياة.

نشهد أنه لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

إذا لم تُدْرَك الطريق، على ما قامها محمد، وأقامها، واستقامها، وفي الناس قدمها، وبالله أظهرها وقومها، فإنا لا ندرك ما قدمه عيسى من حقائق الإنسان، بأقانيمه ونظريته، في وحدانية الإنسان وأحديته، ولا ندرك ما قامه موسى بآدميته، وبطلبه الشهود لتمام وصلتـه، ولا ندرك ما قامه إبراهيم، ببيته وحقيقته، جديد قديم لآوادم آدميته، ولا ندرك ما قامه نوح، لمعنى سفينته، جديد أبوة لبشريته، وطريق خلاص لأهل حضرته، ولا ندرك ما يقوم فيه الخضر، لمعاني إنسانه وإنسانيته، مُعلِما للنبيين، والحكماء والأولياء، بظهور علميته، لفيض عِلمه، لمن ظهر له بشخصيته.

إن هذا كله، قدمه دين الفطرة مع رسولها، وإنسانها، وقائمها، صبغة لله في أزله بأسمائه وبالإنسانية إنسانية الرشاد له، لا حد ولا حصر لها. فردها يتحدث عنه الوجود، هو له موجود حقه، بقائم حقه بفرده، اسما للانهائي، ووجه طلعته في وجوده لموجوده.

فالحقيقة لا تُعرف، إلا في مجال الوحدانية، وأنت في موجودك وقائمك لا تَعرف الحقيقة، إلا في مجالك أنت بقائمك أنت بالوحدانية، يوم تعرف من هـو أقرب إليك من حبل الوريد، يوم يكشف لـك عنك غطاؤك، لتعرف أنك كنت من كان أقرب إليك من حبل الوريد. وما كان أقرب إليك من حبل الوريد إلا أنت، إلا آدم إنسانيتك، إلا إنسان آدميتك، فهو كلمة لله، من كلمات لله، لا عَد ولا حصر لها، كملت وتوفيت ووفيت، هو اسم لله، من أسماء لله، لا عد ولا حصر لها. هو وجه لله من وجوه لله، لا عد ولا حصر لها.

إن اللانهائي يُعرَف عن طريق العلم، وهو لا يغيب ولا يُغَيَّب، وعن طريق العلم يعرف أنه لا يتصل، فهو الواصل المتصل، فكيف يوصل؟ وعن طريق العلم ندرك أنه في حكم المعدوم عند الموجود به. فالموجود بـه لا يعرف عن معنى الوجود له، إلا أنه الوجود لمعناه. ولا يعرف شيئا عن اللانهائي لمعنى غيره. فاللانهائية نعته، بلانهائية مرتقاه في تواجده له.

إن المجهول عليه إنما هي نفسه للانهائيه، إنها الغيب. وبالغيب له به يقوم، يرى أناه منه له الوجود الواسع. ولكن من يكون هو؟ هل هو معلومه له بمبانيه، يدركه بقيامه فيه بمعانيه؟ إنه لا يرتضي المقيد لأناه، ويرتضي له الواسع بمعناه، يراه في الأوسع لغايته ومرماه في مرتقاه.

هو القدس، ولكن ينتظره ليراه في الأقدس له. هو العظمة ولكن يراه في منشوده للأعظم له. هو الوجود ولكن يراه في الموجود الأكبر له، إلى لانهايـة.

إنه على أي حال، وفي كل الأحوال، تابع لمتبوع لا يعلمه، ويعلم أنه لا غيرية له معه، وأنه لا يراه فيه، إلا على ما يرى هو من فيه، على ما هم فيهم به، إنهم فيه يعلمونهم، ولا يعلمونه، إنهم موجودون به ولا يتواجدونه وهو يريدهم أن يتواجدوه، وما تواجدهم إلا ليتواجدوه ولكنهم لا يعرفونه فلأنفسهم يطلبونه، فهـو عليهم الصابر، ولهم المواسي… إن حالهم فيه، هو عين حاله فيمن يعشقه ويعنيه حتى يلاقيه، لموصوف الرفيق الأعلى يدانيه. فبذلك كان الأمر الوسط خير الأمور.

إن الذي خرج عن دائرة الأمر الوسط زلت به القدم، فإن رآه في القاع نهاية لـه أماته اليأس، وإن رآه في عظمة وكبرياء القمة له فقد أماته الكبر، ولكنه ما كان مع رسول الله كان في أمان من اليأس وفي أمان من الكبر.

إنه فيه لعين معناه وقائم معانيه، اتبعوني يحببكم الله، من كان مني كنت منه، فإن أردت رجلا ليكون مني فأنا منه، فعليٌّ مني وأنا من عليّ، وحسن مني وأنا من حسن، وحسين من عليّ وعليّ من حسين، ومن كان من علـيّ وعليّ مني، فهو مني وأنا منه، (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)[٦٨]، (أنا مدينة العلم وعلىٌّ بابها)[٦٩]، إني وإياه، ومن كان منا لمعناه ومبناه قانون الفطرة للوجود وناموس الصبغة للحق من الله للشهود.

يا عليّ إن النظرة الأولى منك، والنظرة الثانية عليك، يا عليّ، تأمل الله، وانظر الله حيثما كنت، فالنظرة الأولى لك، فإن صلحت، ولما علَّمتك علمت، وبما أمرتك، نفسك قدمت، فقمت، كانت النظرة الثانية عليك.

يا علىّ انظر الله وانشغل به حيثما كنت. وأحيي قلبك بذكره ما تحدثت، ينظر فيك الله، للناس، ويرونك وجه الله على ما علمت، وعلى ما رأيتني لك وكتمت، وما علمتك، وبكتمان ما علمتك أمرتك، إلا لأهله على ما أذنتك[٧٠] إلا ليربط الله على قلبك لتكون من الموقنين.

يا علـيّ (إنا نرى أصحابك قد خولطوا)[٧١]، قال نعم فقد (خالطهم أمر جلـل)[٧٢]. أرأيت ربك يا عليّ؟ قال (كيف أعبد ما لا أرى)[٧٣]!؟ (وفي فنائي فنى فنائي… وفي فنائي وجدت أنت)[٧٤]، مِن اسمه اللهم.

سُئل رسول الله، كيف رأيت ربك؟ قال عليه السلام والصلوات انعكس بصـري في بصيرتي، فرأيت من ليس كمثله شيء. إنه الأعلى داناني، فكنت الأدنى له، في عليائه، وكان الأعلى لي لبقائي في بقائه. (فلست على هَيئتكم)[٧٥]، (ما عرفني غير ربي)[٧٦]. لقد رأيتني ليس كمثلي شيء يوم بعثت بالحق. وقد صرت كل شيء وأحطت بكل شيء. وقد أظهرني على الدين كله.

لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

اللهم به فارحمنا، اللهم به فأنزل السكينة على قلوبنا، والسِلم والسـلام على أرضنا… اللهم به فحقق طريقنا… اللهم به فأذهب الغمة عن أرضنا… اللهم بـه فقمنا… اللهم اجعله لنا معنانا ومبنانا فـي مرتقانا، في قعودنا، وفي مسرانا، وفي أطوارنا، وعلانا.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. من الحديث الشريف: “من يُرد اللَّه به خيرا يُفقهه في الدين.” رواه البخاري ومسلم. ↩︎

  2. سورة الزمر - ٣٦ ↩︎

  3. سورة طه - ٥٠ ↩︎

  4. سورة الانفطار ٨-٧ ↩︎

  5. سورة الأعلى - ٢ ↩︎

  6. سورة مريم - ٦٥ ↩︎

  7. حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎

  8. سورة البروج - ٢٠. ↩︎

  9. حديث شريف. “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.” أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎

  10. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  11. سورة البقرة - ٢٨٢ ↩︎

  12. سورة الفجر – ٢٧،٣٠. ↩︎

  13. حديث شريف: “اطلُبوا العلمَ من المهدِ إلى اللَّحدِ” المحدث ابن باز. يُصنف بأنه حديث ضعيف، ولكنه يوافق الحديث الشريف: “طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِ مسلمٍ.” أخرجه ابن ماجه، والبزار، وأبو يعلي. ↩︎

  14. مقولة شائعة توافق الحديث الشريف: “طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِ مسلمٍ.” أخرجه ابن ماجه، والبزار، وأبو يعلي. ↩︎

  15. مقولة للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. “الصلاة عادة، والصوم جلادة، ومعاملة الناس هي العبادة”. ↩︎

  16. حديث شريف: “ألا وإن في الجسـد مضغة إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  17. سورة الحج - ٥ ↩︎

  18. سورة النجم - ٣٩ ↩︎

  19. سورة الزلزلة - ٧-٨ ↩︎

  20. سورة هود - ٤٥ ↩︎

  21. سورة هود - ٤٦ ↩︎

  22. حديث شريف. أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، وأحمد، والترمذي: ‏"‏ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏. ↩︎

  23. حديث شريف: “يا أيها الناسُ! إنَّ الدنيا عرضٌ حاضرٌ، يأكل منها البرُّ والفاجرُ، وإنَّ الآخرةَ وعدٌ صادقٌ، يحكم فيها مَلِكٌ عادلٌ قادرٌ، يحق فيها الحقَّ، ويبطلُ الباطلَ، كونوا من أبناءِ الآخرةِ، ولا تكونوا من أبناءِ الدنيا؛ فإنَّ كلَّ أمٍّ يتبعُها ولدُها”. أخرجه الطبراني، وابن عدي، وأبو نعيم جميعا بلفظه، والبيهقي مختصرا. ↩︎

  24. استلهاما من الحديث الشريف: "ليسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ. أخرجه البخاري ومسلم ↩︎

  25. اُنظر الحديث في الملحوظة قبل السابقة. ↩︎

  26. سورة الزخرف - ٣٣ ↩︎

  27. حديث شريف: “فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم.” صحيح البخاري. ↩︎

  28. سورة النحل - ٦١ ↩︎

  29. سورة الأحقاف - ٣ ↩︎

  30. سورة الزمر - ٣٠ ↩︎

  31. سورة الحج-٤٧ ↩︎

  32. إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داود والحاكم. ↩︎

  33. سورة المعارج - ٤ ↩︎

  34. سورة الرعد - ٣١ ↩︎

  35. سورة الشورى - ٢٩ ↩︎

  36. سورة ص - ٢ ↩︎

  37. سورة الكهف - ١٧ ↩︎

  38. سورة الكهف - ١٧ ↩︎

  39. حديث شريف: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎

  40. تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎

  41. إشارة إلى الحديث الشريف: " (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا). رواه البخاري. ↩︎

  42. من الحديث الشريف: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ.” صحيح ابن ماجه. ↩︎

  43. سورة النمل - ٨٢ ↩︎

  44. سورة آل عمران - ١٥٩ ↩︎

  45. استلهاما من {واخفض جناحك للمؤمنين} سورة الحجر – ٨٨، و{واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} سورة الشعراء - ٢١٥ ↩︎

  46. سورة الكهف - ٢٨ ↩︎

  47. سورة النحل - ١٢٧ ↩︎

  48. سورة النحل - ١٢٨ ↩︎

  49. سورة الأحزاب - ١ ↩︎

  50. سورة الكهف - ٢٨ ↩︎

  51. قول مأثور ذكره عدد من العلماء بصيغ مختلفة، منها "التكبر على المتكبر صدقة، لأنه إذا تواضعت له تمادى في ضلاله، وإذا تكبرت عليه تنبه، يرجع إلى إسماعيل بن محمد العجلوني (المتوفى سنة ١١٦٢ هـ / ١٧٤٩ م)، وهو عالم محدث وشافعي المذهب، واشتهر بكونه مؤلف كتاب “كشف الخفاء ومزيل الإلباس عمّا اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس.” كما نقل عن الشافعي “تكبر على المتكبر مرتين.” ↩︎

  52. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  53. حديث شريف. أخرجه أبو القاسم الشهرزوري في ((الأمالي)) كما في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) للألباني. ↩︎

  54. حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎

  55. حديث شريف، يوم غدير خم، بعد حجة الوداع، حيث أخذ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بيدِ عليٍّ رضي الله عنه، فقال ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسِهم قالوا بلى قال ألستُ أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه قالوا بلى قال فهذا وليُّ من أنا مولاه اللَّهمَّ والِ من والاهُ اللهمَّ عادِ من عاداهُ. صحيح ابن ماجه، أخرجه ابن ماجه وأحمد. ↩︎

  56. حديث شريف: “أنا مدينةُ العلمِ، وعليُّ بابُها، فمنْ أرادَ العلمَ فليأتهِ منْ بابهِ”. المحدث: السيوطي. المصدر: الجامع الصغير، أخرجه الطبراني، وابن عدي، والحاكم… ↩︎

  57. سورة الأنبياء - ٨٩ ↩︎

  58. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  59. حديث شريف: “إن عَليّا مني وأنا منه وهو وليّ كل مؤمن بعدي.”، أخرجه ابن حبان واللفظ له، والترمذي وأحمد باختلاف يسير. ↩︎

  60. حديث شريف: أخرجه البخاري ومسلم، بصيغ متعددة، " فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَن أغْضَبَها أغْضَبَنِي." ↩︎

  61. استلهاما من حديث شريف، جاء بصيغ متعددة: “فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، من آذاني فقد آذى الله.” المكتبة الشيعية. بحار الأنوار. ↩︎

  62. سورة الأنفال - ١٧ ↩︎

  63. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  64. سورة النساء - ٦٥ ↩︎

  65. سورة الشعراء - ٢١٨:٢١٩ ↩︎

  66. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  67. سورة الكوثر-٢ ↩︎

  68. حديث شريف، يوم غدير خم، بعد حجة الوداع، حيث أخذ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بيدِ عليٍّ رضي الله عنه، فقال ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسِهم قالوا بلى قال ألستُ أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه قالوا بلى قال فهذا وليُّ من أنا مولاه اللَّهمَّ والِ من والاهُ اللهمَّ عادِ من عاداهُ. صحيح ابن ماجه، أخرجه ابن ماجه وأحمد. ↩︎

  69. حديث شريف: “أنا مدينةُ العلمِ، وعليُّ بابُها، فمنْ أرادَ العلمَ فليأتهِ منْ بابهِ”. المحدث: السيوطي. المصدر: الجامع الصغير، أخرجه الطبراني، وابن عدي، والحاكم… ↩︎

  70. هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع، والنسخة المطبوعة المراجعة من السيد علي رافع. ↩︎

  71. من كتاب نهج البلاغة، في وصف الإمام علي للمتقين: " نظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض. ويقول قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم. لا يرضون من أعمالهم القليل. ولا يستكثرون الكثير. فهم لأنفسهم متهمون. ومن أعمالهم مشفقون." ↩︎

  72. اُنظر الملحوظة السابقة. ↩︎

  73. من حديث للإمام عليّ حين سأله أحد الرجال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: أفأعبد ما لا أرى؟ فقال: وكيف تراه؟ فقال: لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان. قريب من الأشياء غير ملامس. بعيد منها غير مباين. متكلم لا بروية، مريد لا بهمة. صانع لا بجارحة. لطيف لا يوصف بالخفاء. كبير لا يوصف بالجفاء. بصير لا يوصف بالحاسة. رحيم لا يوصف بالرقة. تعنو الوجوه لعظمته، وتجب القلوب من مخافته. من نهج البلاغة. المكتبة الشيعية ↩︎

  74. من أبيات للإمام عليّ بن أبي طالب:أَحَطتَ عِلماً بِكُلِّ شَيءٍ فَكُلُ شَيءٍ أَراهُ أَنتاوَفي فَنائي فَنا فَنائي وَفي فَنائي وَجَدت أَنتا ↩︎

  75. من الحديث الشريف: “إيَّاكم والوصالَ إيَّاكم والوصالَ قالوا: فإنَّكَ تواصِلُ يا رسولَ اللَّهِ قالَ: إنِّي لستُ كَهَيئتِكُم إنِّي أبيتُ يُطعمُني ربِّي ويَسقيني” أخرجه مالك، والبخاري ومسلم باختلاف يسير. ↩︎

  76. حديث ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ↩︎